انضم إلينا
اغلاق
الفن في زمن الفاشية.. صناعة السينما بالأمر المباشر

الفن في زمن الفاشية.. صناعة السينما بالأمر المباشر

محمد عوض

محرر فن
  • ض
  • ض

في 20 ديسمبر/كانون الأول 1937، كتب جوزيف جوبلز (وزير الدعاية السياسية في ألمانيا النازية) في يومياته: "لقد تقدّمت إلى الفوهرر هتلر بثلاثة من أفضل الأفلام التي أُنتِجت خلال أربع السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى 18 فيلما من أفلام ميكي ماوس من أجل الكريسماس.. وكان مسرورا جدا بذلك".[1] للوهلة الأولى يبدو كلام جوبلز، صاحب الدور المهم في تأسيس دولة هتلر واللاعب الرئيسي في الترويج للفكر النازي، غريبا ومستعصيا على الفهم، فكيف بهذا الرجل الذي قامت آلته الإعلامية على الترويج لتحطيم الخصوم أن يستشهد بالإنتاج الفني لأحد أبرز خصوم دولته وأعدائها الأيديولوجيين؟

 

ولكن على قدر تعقّد السؤال فإن الإجابة بسيطة للغاية، إذ إن جوبلز آمن أن السينما هي الآلة الدعائية الأهم، وأن السيطرة السياسية على السينما لا تكون بالمحتوى المباشر، فيقول: "إن كل الأفلام هي أفلام سياسية، خاصة تلك التي تزعم أنها ليست سياسية على الإطلاق". كما أن يومياته قد أظهرت مناصرته للسينما الجماهيرية الخالية من النزعة الثقافية الصريحة، أو التوجّهات السياسية المباشرة.

    

"جوزيف جوبلز" وزير الدعاية السياسية في ألمانيا النازية 1937 (يمين) والقائد "هتلر" (مواقع التواصل)

  

منذ البدايات الأولى للسينما، تنبّه السياسيون إلى تأثير هذا الفن الحديث، فهو يختلف عن كل الوسائط الفنية السابقة عليه في بساطته وسهولة تلقيه وسرعة انتشاره. ولهذا فقد اكتسبت السينما جماهيرية كبيرة منذ بداياتها الأولى، واكتسبت أيضا أهمية إضافية لدى الأنظمة السياسية لمدى أثرها على الشعوب، وخاصة على غير المتعلمين. يرى رواد المنهج التاريخي الاجتماعي لدراسة الفن أن هناك ارتباطا وثيقا بين العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في مجتمع من المجتمعات، وبين الأشكال الأساسية للثقافة في هذا المجتمع، ومن بينها الفن بأجناسه المختلفة، وهي العلاقة التي ترسخت بشكل خاص مع ظهور السينما.

   

على مدار القرن ونيف من عمر السينما، اشتركت الأنظمة السياسية المختلفة، وخاصة الشمولية منها، في استخدامها للسينما كأداة سياسية قبل أن تكون ثقافية. وعلى الرغم من التباين بين هذه الأنظمة تاريخيا وجغرافيا، فإن ممارساتها ونظرتها للسينما تكاد تتطابق على اختلاف الحقب التاريخية، وهي الممارسات التي تضمّنت استخدام السينما كوسيلة دعائية بهدف ترسيخ النظام الجديد والتأسيس لهويته الفكرية أو القومية، واستخدامها كذلك كأداة تجارية لتصدير المنتج الفني والثقافي وما لذلك من تأثير على شعوب وأمم أخرى سواء كانت في حالة خصومة أو صداقة معها، وأخيرا استخدامها بشكل مباشر في خدمة المجهود الحربي وكذلك في السيطرة على شعوبها وموقفها من النظام.

  

السينما كأداة دعائية

إن الجرائد السينمائية هي أحد أقدم الأشكال الفنية السينمائية والتي مثّلت مساحة مشتركة بين الجانب الفني والصحفي للصور المتحركة. فقد كانت آنذاك هي أسرع وسيلة لنشر الأخبار، لأنها تعتمد على الصورة التي لها القدرة على الوصول لأكبر عدد من الناس الذين يجهلون القراءة، بالإضافة إلى كونها تحوز أكبر عدد من المشاهدين في العرض الواحد، بل ويمكن عرض نسخة من الشريط الفيلمي في أكثر من مكان متباعد في التوقيت نفسه. لذا كان يُنظر إليها كآلية هائلة لبث الأفكار الأيديولوجية وكإحدى وسائل الدعاية.[2] وقد شاع استخدام الجرائد السينمائية بشكل واسع في بدايات القرن العشرين، وخاصة في فترات الحربين العظميين، حيث كل طرف من أطراف النزاع يعتمد عليها في الترويج لسرديته الخاصة عن الحرب.

 

في الاتحاد السوفيتي كان يشار للحرب ضد ألمانيا باعتبارها "الحرب الوطنية العظمى"، فجنود الجيش الأحمر يذهبون إلى معركة "من أجل الوطن الأم، والشرف والحرية، وستالين". في هذا الوقت كان الاتحاد السوفيتي يتألف من قوميات متعددة يحكمها نظام ديكتاتوري صارم، وكانت الكراهية الكامنة في أعماق أبناء هذه الشعوب تُمثِّل خطرا واضحا، وكانت السينما هي السبيل لمواجهة هذا الخطر الداخلي، فأنتجت الأستوديوهات السوفيتية أفلاما تُصوِّر "صداقة الشعوب"، فعلى سبيل المثال، رجل من جورجيا وجندي من روسيا يذهبان معا في مهمة خطرة يعتمد نجاحها على تعاونهما، وفي النهاية سوف يقوم الروس بإنقاذ الرجل من جورجيا.[3]

    

فيلم "زويا" (مواقع التواصل)

    

بين عامي 1942 و1945 أنتجت الأستوديوهات السوفيتية 70 فيلما يمكننا أن نتوقف عند 3 من أبرزها هي أفلام: "إنها تدافع عن أرض الآباء"، و"رادوجا"، و"زويا". كانت الأفلام الثلاثة من بطولة النساء اللاتي من خلال إظهار شجاعتهن ومعاناتهن في مواجهة العدو فإن الهدف الأعمق كان إثارة الكراهية ضد العدو القاسي الذي لا يتورّع عن تعذيب النساء، كما تزرع هذه الأفلام فكرة أن الرجال يجب ألّا يكونوا أقل من النساء في مقاومتهم للعدو.

 

وفي إيطاليا، وبعد صعود الفاشيين إلى السلطة، قامت الحكومة في عام 1926 بتأميم إنتاج الجرائد السينمائية والأفلام التسجيلية لتجعلها ذراعا للدولة من أجل الأهداف الدعائية.[4] وبعد عام 1930 صُنعت 4 أفلام عن "الثورة الفاشية" كان أهمها فيلم "الحرس القديم" من إخراج أليساندرو بلازيتي، والذي مَثَّل إيمانا صادقا وعميقا بأيديولوجية النظام، وهو الإيمان الذي سيطر على أعماله الأخرى مثل "الشمس" 1929، و"أمنا الأرض" 1930، وهي الأفلام التي تميّزت بالروح القتالية والحس الوطني الكاره للنزعة الفرنسية.

 

أما في ألمانيا النازية فلم تكن وزارة جوبلز الدعائية هي وزارة الهتاف لسمو الجنس الآري، ولم تكن أفلامها سياسية بالمعنى المباشر، وإنما كانت في معظمها أفلاما خفيفة وتافهة تميل إلى نزعة التسلية، وتدور في أجواء ريفية ودوائر عائلية وفي أماكن لا ترى فيها أبدا صليبا معقوفا أو تسمع صيحة "يحيا الانتصار" النازية. وبخلاف أفلام مثل "شباب هتلر" أو "العم كروجر" أو "بسمارك" التي حملت أفكارا أيديولوجية ودعائية مباشرة، فإن الأفلام "غير السياسية" كانت هي الأغلبية السائدة في هذه الفترة، ولكنها كانت تتضمّن تصوّرا عن الحياة تحت حكم الحزب النازي كما لو كانت حياة هادئة لا تعرف تلك الدعايات النازية الشريرة.

   

فيلم "العم كروجر" أحد أفلام الدعاية لألمانيا النازية (مواقع التواصل)

    

لقد سعى جوبلز إلى إغراق الثقافة الجماهيرية بثقافة عبادة الفرد، وتحويل السياسة إلى موضوع جمالي من أجل تحذير الجماهير. وكان يرى أن قوة هوليوود تكمن في الأساس في قدرتها العظيمة على إثارة افتتان وابتهاج المتفرج، إنها تستطيع أن تحافظ على انتباه المتفرج وتمسك به وتستحوذ عليه، بينما تمنحه وهما بالراحة والحرية.[5]

   

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتهت معها المواجهة العسكرية المباشرة، ودخلت في نفق الحرب الباردة، وفرض هذا التحول تناولا مختلفا للسينما كأداة دعائية. ففي الاتحاد السوفيتي ومجموعة الدول الشرقية التابعة له تم فرض الأشكال السلطوية التي كان يُطلق عليها الواقعية الاشتراكية، أما في الولايات المتحدة الأميركية، فقد سيطرت موجة هستيرية من معاداة الشيوعية على صناعة السينما، وهي الموجة التي أعادت التوترات والصراعات الأيديولوجية التي لم تكن قد اختفت تماما، وإن كانت قد أصبحت أقل خلال سنوات الحرب.[6] 

  

بمرور الوقت أصبحت الواقعية الاشتراكية هي الممارسة العقائدية لكل الفنون، وتم إخضاع كل الأفلام لخطة مركزية متوافقة مع كل الصناعات الأخرى، حيث تم إبعاد الواقعية الأصلية وإحلال مظهر الواقعية السطحية بدلا منها، إذ كان الشعب يتم تصويره كما يفترض أن يكون، وبما يوحي بأنه مجتمع ناجح في طريقه لتحقيق الاشتراكية.

  

منذ الأيام الأولى لثورة يوليو 1952، حرص النظام الجديد على تأكيد أهمية السينما لا كأداة ثقافية، وإنما أداة دعائية يجب أن تجسّد مفاهيم الثورة

مواقع التواصل
  

في 11 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1952، وفي مقال منشور في مجلة الكواكب بعنوان "رسالة إلى الفن" جاء فيه على لسان محمد نجيب، القائد العام لثورة يوليو، رسالة إلى القائمين على الفنون يصف فيها المسرح والسينما والغناء بـ "الأسلحة الخطيرة التي يجب أن ينحو المشرفون عليها نحو الفن كما يجب أن يكون".[7] هنا نرى واجهة نظام يوليو يستخدم عبارة موسوليني بشكل مباشر في تعبيره عن نظرة هذا النظام للسينما.

 

وفي الرسالة نفسها يقول: "إن التأثير في الشعب بالأغنية والمشهد السينمائي والمشهد التمثيلي لا يزال أقوى من التأثير فيه بأية وسيلة من الوسائل الأخرى"، كما يطرح تصوّره الواضح "لضخامة مسؤولية السينمائيين واحتياجهم إلى التمويل اللازم لصنع أفلام تجسّد شعارات الثورة". هكذا ومنذ الأيام الأولى للثورة، حرص النظام الجديد على تأكيد أهمية السينما لا كأداة ثقافية، وإنما أداة دعائية يجب أن تجسّد مفاهيم الثورة.

 

إن الانتشار الجماهيري الواسع للسينما وضعها في بؤرة الاهتمام لكونها إحدى وسائل التعبير الأيديولوجي الذي يمكن أن تطرحه من خلالها بمنتهى القوة والفاعلية، لسرعة انتشارها وتوغّلها جماهيريا. فقد اقتحم هذا الاختراع المذهل حياة البشرية بسرعة لم يسبق لها مثيل في الماضي. ومن هذا المنطلق كان الاهتمام بدور السينما الفاعل والحيوي في حياة المجتمعات الإنسانية قاسما مشتركا بين ممارسات الأنظمة الفاشية والشمولية المختلفة.

 

السينما كأداة ضبط

فرضت ألمانيا الرقابة الصارمة على صناعة السينما في الدول التي احتلّتها وعلى رأسها فرنسا

مواقع التواصل
    

كانت الرقابة بمختلف أشكالها تعبيرا عن السلطة السياسية الحاكمة، وتنصرف الرقابة تشدّدا ولينا في دول العالم على أشكال الفن والثقافة كافة. لكن الأمر يبدو أكثر وضوحا بهذا المعنى السابق إذا ما تعلّقت الرقابة بفن جماهيري واسع الانتشار والتأثير، سهل التلقي والاستيعاب، كفن السينما.

 

بمجرد الوصول للسلطة قام الحزب النازي بعملية تطهير لصناعة السينما من الطليعة الفنية ومن عدد كبير من الفنانين والخبراء التقنيين. وهكذا فإن ما يزيد على 1500 صانع للأفلام كان أغلبهم من اليهود هربوا من ألمانيا ليحل محلهم فنانون انتهازيون وغير موهوبين. وكانت وزارة الدعاية تقوم بمراقبة السيناريوهات وتُشرف على إنتاج الأستوديوهات. وقد تجاوزت سيطرة النظام النازي على السينما حدوده القومية لتصل إلى امتداده الاستعماري، فقد فرضت ألمانيا الرقابة الصارمة على صناعة السينما في الدول التي احتلّتها وعلى رأسها فرنسا.[8]

  

وفي الاتحاد السوفيتي مارس الحزب الشيوعي رقابة صارمة على إنتاج الأفلام في أواخر العشرينيات، وأُعلن عن الواقعية الاشتراكية باعتبارها الممارسة الفنية الرسمية للاتحاد السوفيتي في عام 1934. ولتحقيق ذلك فقد شجّعت أعمالا معينة تفي وتتواءم مع تقاليد الجانب الذي يحاكي الواقع ويعطي رسائل اشتراكية واضحة تقوّي من النظام.[9]

  

وفي إيران، كانت الستينيات فترة مضطربة، وكان للتعزيز السياسي لنظام الشاه محمد رضا بهلوي تأثيرات تضمّنت تزايد المركزية وتوسّع جهاز أمن الدولة وكذلك زيادة التحكم في صناعة السينما. إن الأفلام الواعية اجتماعيا التي صنعها مخرجون شبّان درسوا في أوروبا واجهت منعا رسميا ومصادرة، فعلى سبيل المثال فيلم "جنون المدينة 1958" للمخرج فاروق جعفري الذي قدّم تصويرا واقعيا للمناطق الفقيرة في طهران، لم يتم منعه فقط، بل تم تدمير النسخة "النيجاتيف" الخاصة به.

    

تنبّهت السلطة في فترة مبكرة من عمر ثورة يوليو إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الرقابة، فألغت لائحة التياترات والمسارح التي صدرت في مصر في عام 1911

مواقع التواصل
   

أما في السبعينيات، لم يكن قادة الثورة من رجال الدين معارضين للسينما في حد ذاتها، لكنهم كانوا معارضين لما أطلق عليه آية الله خوميني "إساءة استخدامها" من قِبل نظام الشاه من أجل إفساد وإخضاع الإيرانيين. ومن أجل ضمان استخدام السينما على نحو صحيح، أقر النظام مجموعة من التشريعات المهمة التي تحكم عرض الأفلام وشرائط الفيديو، التي اشتملت على تأكيد تضمين "القيم الإسلامية" في مضامين الأفلام، بالإضافة إلى تشجيع إنتاج الأفلام الجيدة.[10]

 

وفي مصر، تنبّهت السلطة في فترة مبكرة من عمر ثورة يوليو إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الرقابة، فألغت لائحة التياترات والمسارح التي صدرت في مصر في عام 1911، وأُصدر القانون رقم 430 لسنة 1955 لتنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية، وهو القانون الذي كان يتعامل مع السينما بكثير من التحفظ والاحتراس، ولم يوفر في الحقيقة حرية الإبداع لصانعيها سواء قبل أو بعد إتمام العمل الفني.

 

الأمر المثير للدهشة أنه في الستينيات لم تصطدم الرقابة بصانعي الأفلام صداما مباشرا، بل إنه لم يُمنع فيلم سينمائي واحد من العرض، واقتصر المنع على الأفلام الأجنبية خاصة الأميركية منها بعد هزيمة 1967، حين صدر قرار بمنع الأفلام القادمة من أميركا باعتبار تلك الأخيرة متواطئة مع إسرائيل في عدوانها على العرب. كما أن عبد الناصر كان يتدخّل بنفسه لإجازة أفلام مُنعت كما حدث مع فيلم أحمد بدرخان "الله معنا" عام 1952، وفيلم حسين كمال "شيء من الخوف" عام 1969.

     

فيلم حسين كمال "شيء من الخوف" 1969 (مواقع التواصل)

    

ولكن هذه الحرية الزائفة كانت انعكاسا لسياسة الخوف لا أكثر، فبرغم أن تلك الفترة كانت تموج بالتغيرات الجذرية والتطورات المتلاحقة، إذ كانت سوريا تنفصل عن الجمهورية العربية المتحدة، وكانت القرارات الاشتراكية تتوالى، يسقط الاتحاد القومي، وينشأ الاتحاد الاشتراكي، يرحل الجيش المصري إلى اليمن، وينسحب، وتحل الهزيمة في 1967، وينقلب المجتمع المصري رأسا على عقب، ولم يجرؤ فيلم واحد على الاقتراب من تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية في مصر الستينيات، فلم يكن النظام -عمليا وواقعيا ورقابيا- ليسمح بنمو سينما تعيش الحاضر، تناقشه وتنتقده.[11]

 

كانت الرقابة في عهد النظام الناصري رقابة داخلية أو ذاتية، عملت على زرعها وترسيخها في نفوس السينمائيين ممارسات النظام التي تميّزت بالعنف وتضييق الحيّز المتاح لحرية الرأي والتعبير، كما تميّزت بوجود قائد تحقّقت له صفات الزعامة والتفّ حوله معظم القلوب حبًّا ورهبة في الوقت نفسه. وكانت تلك الرقابة الداخلية أشد ما تكون وضوحا بعد نكسة 1967، عندما سمحت القيادة بحيّز من النقد الذاتي فلم يستجب السينمائيون إلا في حدود ضيقة، وشاب محاولاتهم قدر كبير من التردد، وظل النظام بمقوماته السياسية والاقتصادية بمنأى عن تناول السينما تفاديا للاصطدام الذي لا تُحمد عقباه.

 

في كل هذه التجارب نرى أن الرقابة لم ينحصر دورها في إجازة أو منع الأفلام من التصوير والعرض، ولكن كان الدور الأهم هو إعادة صياغة الخيال الجماهيري ليتوافق مع توجّهات النظام، وبما يساعده على أن يخلق نفسه وصورته الخاصة لدى الشعوب. كما حرصت الأنظمة من خلال هذا التوجّه على خلق صورة زائفة لخصومها وأعدائها الأيديولوجيين، نرى ذلك في موقف النظام المصري من الأفلام الأميركية في الستينيات، ونراه في السياسات الأميركية نفسها إزاء السينمائيين الشيوعيين في الخمسينيات والستينيات.

 

هذه الممارسات انعكست في تقديم السينما للخصوم في هيئة الأشرار، فنجد مثلا السينما النازية تحتوي على طائفة كبيرة من الأعداء مثل الشيوعيين والأشرار الذين يقمعون الأقليات الألمانية في الخارج، أو مثل الفرنسيين الذين يجسّدون السلوكيات المنغمسة في الملذات والمسرفة في الأناقة والكسل، أو المرتزقة وتجار الحروب البريطانيين الإمبرياليين.[12] في السينما السوفيتية نرى أن إحدى الثيمات المتكررة هي النضال ضد المخرّبين والخونة، حيث العدو يقوم بتنفيذ أكثر الأفعال خسّة ونذالة بدافع من كراهية بلا سبب تجاه الاشتراكية، كما صوّرت الأفلام العالم الخارجي على أنه لا يحمل صفات أو معالم محددة لكنه يُشكِّل تهديدا دائما، كما أنه يتّسم بالبؤس الكامل، فالناس في ذلك العالم يموتون من الجوع وتقوم الشرطة الوحشية بقمع الحركة الشيوعية. وكان من غير المسموح به تصوير أي ألماني متحضر، أو غير شيطاني، ففي عام 1942 قام بودوفكين بصنع فيلم باسم "القتلة يتجوّلون"، يعتمد على قصص للشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتلوت بريخت، ويحاول أن يُظهر الضحايا الألمان لنظام هتلر والخوف بين المواطنين العاديين، لكن السلطة لم تسمح بعرض الفيلم.[13]

    

فرضت حكومة موسوليني سيطرتها على المؤسسة القومية للسينما المعروفة باسم "لوتشي"، وخلق النظام لنفسه احتكارا لكل المادة السينمائية

مواقع التواصل
   
السينما كأداة تجارية

بدأت السينما كصناعة رأسمالية، وهكذا ظلّت في معظم الأوقات ومعظم الدول، لكنها كصناعة رأسمالية تعمل من أجل الربح على نطاق واسع كانت عُرضة للعديد من الاهتمامات الأخلاقية والسياسية والاقتصادية من جانب الحكومات والمجتمعات بشكل عام. هذا المنظور قد يصلح للسينما في الدول الرأسمالية وفي الظروف المعتادة، لكن في الأوقات غير الاعتيادية، مثل الحروب، وكذلك بالنسبة لبعض الدول التي لا يكون النمط الرأسمالي الغربي هو المعيار المعتاد، فإن هذا المنظور لا يصلح للتطبيق.

  

في الدول التي اتبعت الاشتراكية بأطيافها المختلفة، كان اضطلاع الحكومة بصناعة السينما جزءا من توجّهها الاقتصادي تجاه المجالات الصناعية والتجارية كافة، فإذا ما كانت هذه الأنظمة شمولية بطبعها، توارى بالكامل البُعد الفني في الصناعة لصالح البُعد السياسي. وحتى في الأنظمة الرأسمالية، فقد مثّلت فترات الحروب والتوترات العسكرية وازعا للتدخّل في الصناعة وتوجيهها لخدمة المجهود الحربي والأهداف السياسية في المقام الأول.

  

في عام 1926، تدخّلت حكومة موسوليني الفاشية للمرة الأولى في مجال السينما لكي تضع سيطرتها على المؤسسة القومية للسينما المعروفة باسم "لوتشي" التي تقوم بإنتاج الأفلام التسجيلية والجرائد السينمائية، وهكذا خلق النظام لنفسه احتكارا لكل المادة السينمائية، خاصة أن عرض الجرائد السينمائية أصبح إجباريا لدور العرض في فترة الحرب.[14] وبالرغم من ذلك فقد كان التدخل الحكومي اقتصاديا أكثر منه ثقافيا، بهدف تدعيم الصناعة وتشجيع صناعة الأفلام التي تستطيع أن تتنافس مع هوليوود في شباك التذاكر. وفي عام 1937 أمر موسوليني أن يكون المستهدف هو 100 فيلم كل عام، ولكن الإنتاج لم يتجاوز 32 فيلما في هذا العام، فمررت الحكومة في العام التالي قانونا يحدّ من استيراد الأفلام الأميركية ليقفز الإنتاج إلى 60 فيلما، ثم 87 فيلما في عام 1940، و120 فيلما في عام 1942.[15]

    

موسوليني (مواقع التواصل)

  

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، حققت السينما النازية أرباحا قياسية، كما استطاعت أن تقهر الأسواق الأجنبية بإقصاء المنافسة الأميركية تماما. وباحتلال معظم دول أوروبا كان أمام جوبلز "جمهور أسير" طالما اشتاق للحصول عليه. كان جوبلز يسعى للسيطرة الثقافية على أوروبا، وكتب في يومياته في 19 مايو/أيار 1934: "يجب أن نصبح السلطة السينمائية الأكبر في أوروبا، ويجب ألّا نسمح للأفلام التي تُنتج بواسطة الدول الأخرى إلّا بأن يكون لها طابع محلي محدود".[16] هكذا كانت السينما أداة تجارية لدحض الأنظمة الاقتصادية للخصوم بالسيطرة على أسواقها الخارجية.

 

بالرغم من أن السينما السوفيتية في عصرها الذهبي ما قبل الثورة البلشفية كانت ناجحة من الناحية الفنية، فإن ستالين لم يكن راضيا عن هذه السينما، وكان يريد أفلاما ذات قيمة من الناحية التجارية، ومؤثرة من الناحية السياسية. فلقد كان الهدف في الأساس هو وضع الجانب المادي من الصناعة تحت السيطرة، مع الوضع في الاعتبار أنها سوف تصبح عنصرا يتكامل في النهاية مع الاقتصاد الاشتراكي.[17]

 

وفي إيران، كانت رغبة النظام في تحديث البلاد على الطريقة الغربية أكثر ضررا بالسينما، إذ إن هذا الطموح المحلي للشاه والصفوة الحاكمة واءم المصالح العالمية للسينما الأميركية لكي توسّع أسواقها. ومع منتصف الخمسينيات بدأت القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لصناعة السينما في التداعي، وتسبّبت قوانين الاستيراد في أن يكون من الربح أكثر أن تستورد الأفلام بدلا من إنتاجها محليا.[18]

 

أما في مصر، على الرغم من عدم التدخّل المباشر في صناعة السينما في السنوات الأولى من ثورة يوليو، فإنه كانت هناك محاولات لاحتواء النشاط السينمائي داخل إطار هيكلي يسهل للنظام السيطرة عليه، وبدأ ذلك بإنشاء مصلحة الفنون في عام 1955، والتي قامت بإنتاج عدة أفلام تسجيلية قصيرة، ثم إنشاء مؤسسة دعم السينما في عام 1957، وهي أول مؤسسة عامة للسينما في مصر والوطن العربي، ثم إنشاء المعهد العالي للسينما كمؤسسة تعليمية تتولى إعداد الكوادر السينمائية الجديدة.

   

لم تكن ثورة يوليو في حاجة إلى تجنيد الجماهير، إذ إن الشعبية والكاريزما الطاغية للرئيس عبد الناصر من ناحية، وسياسات القمع والإرهاب من ناحية أخرى، قد تكفّلت بذلك

مواقع التواصل
   

وقد تحقّق وجود القطاع العام السينمائي في مصر عندما دُمجت مؤسسة دعم السينما التي تكوّنت عام 1957 كهيئة مستقلة في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون عام 1963، والتي تغيّر اسمها بعد ذلك إلى المؤسسة المصرية العامة للسينما والهندسة الإذاعية، وأنشأت بجانبها 6 شركات لأستوديوهات السينما وللإنتاج السينمائي العربي، ولتوزيع وعرض الأفلام.[19] لم تستطع وزارة الخزانة في عام 1963 تغطية تكاليف هذه المشروعات، فوُلدت برؤوس أموال ناقصة أسفرت عن عجز في السيولة النقدية، ولم يستطع دوران عجلة الإنتاج أن يستكمل أو يعوّض هذا العجز، بل تضاعفت الخسائر المادية في قطاع السينما حتى وصلت مع إلغاء القطاع العام السينمائي في عام 1971 إلى ما يقرب من 7 ملايين جنيه.[20]

 

لم تسعَ الدولة الناصرية من خلال القطاع العام السينمائي لتهيئة الظروف لنمو سينما فنية أو سينما موظفة لخدمة النظام، نظرا لعدم الفهم من جانب النظام لكيفية تشغيل هذا القطاع، لا سيما وأن أغلب المسؤولين عن المؤسسات التي أنشأها النظام كانوا من العسكريين، وليس المتخصصين في مجال السينما، أو حتى الموظفين الحكوميين، ويضاف إلى ذلك عمليات الإنتاج بالأمر المباشر من الرئيس عبد الناصر استجابة لمطالبات العاملين بقطاع السينما الذين عانوا من البطالة أن توفر لهم الدولة مجالات للرزق باسم الاشتراكية. ترى درية شرف الدين، في كتابها "السينما والسياسة في مصر"، أن السبب في فشل القطاع العام السينمائي يعود إلى عاملين؛ أولهما أن الثورة قامت بفضل تنظيم عسكري وليس ثورة اجتماعية سياسية عارمة، والثاني أنها لم تكن في حاجة إلى تجنيد الجماهير، إذ إن الشعبية والكاريزما الطاغية للرئيس عبد الناصر من ناحية، وسياسات القمع والإرهاب من ناحية أخرى، قد تكفّلت بذلك".

 

كان الانتشار الجماهيري الواسع، وسهولة تلقي الجمهور لفن السينما، نعمة حظي بها هذا الفن الحديث، لكنها كانت في الوقت ذاته نقمة جذبت إليه الأنظمة السياسية التي أساءت استخدامه وطوّعته لأهدافها ومصالحها الخاصة، فاستخدمته كأداة لقمع شعوبها، وتحطيم خصومها، كما خلقت من خلاله واقعا زائفا تخدّر به البسطاء من شعوبها. وعلى الرغم من التباعد الزمني بين واقعنا اليوم وبين هذه التجارب المختلفة، فإننا نرى أن السينما لا تزال طوع الأنظمة الشمولية التي لا تتورّع عن استخدام الممارسات نفسها، ليبقى التاريخ درسا لا يتعلّمه أحد.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار