انضم إلينا
اغلاق
مدرسة التمثيل المنهجي.. التطرف في ملامسة الحقيقة

مدرسة التمثيل المنهجي.. التطرف في ملامسة الحقيقة

ندى رضا

محررة
  • ض
  • ض

أثناء تصوير فيلم "رجل الماراثون"، عام 1976، كانت الشخصية التي يؤديها داستن هوفمان لم تنم منذ ثلاثة أيام، شعر هوفمان أن عليه ألا ينام هو أيضا المدة نفسها حتى يتقمّص الشخصية نفسيا وجسديا، حتى بدا عليه التعب والإرهاق الشديدين أثناء التصوير، ما دفع رفيقه في الفيلم لورانس أوليفييه أن يقول لهوفمان: "يا لشقائك! لِمَ لا تحاول التمثيل وحسب؟". (1)

      

داستن هوفمان في فيلم "رجل الماراثون"  (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

تُعَدُّ هذه القصة مثالا حقيقيا لمدرستين تقفان وجها لوجه وتختلفان كليا في الأسلوب والأداء. بينما كان لورانس أوليفييه من رواد المدرسة الأولى، المدرسة التقنية، حيث يقف الممثل ناظرا إلى نفسه كما لو كان شخصا آخر أمامه، ويقوم إعداد الممثل فيها على أساس الاقتداء بأداء ممثلين آخرين، ووفقا لاستجابة الجمهور، ولغة الجسد والتلاعب بانتباه الجمهور، وهو الأمر الذي يُعَدُّ مناسبا لمعالجة الأعمال الكلاسيكية والملحمية، كان داستن هوفمان من تلاميذ المدرسة الأخرى، مدرسة التمثيل المنهجي (Method Acting)، والتي تُركِّز بشكل رئيس على الأفكار والمشاعر الداخلية للشخصيات، ويقوم أسلوب إعداد الممثل فيها على الذاكرة الانفعالية، وتحليل الشخصية، والارتجال، ومناجاة الذات، وهو ما يناسب الأعمال السينمائية الشاعرية. (2) في هذا التقرير نتطرق إلى مدرسة التمثيل المنهجي، ركائزها، دوافعها، وتطرّفاتها المحتملة.

   

عملية تخليق الصدق
ستانسلافسكي، أقصى اليسار، مسرح موسكو للفنون، 1902 (مواقع التواصل)

    

ظهرت مدرسة الأداء المنهجي أول ما ظهرت على يد المخرج والممثل الروسي "قسطنطين ستانيسلافسكي". ظل ستانيسلافسكي طويلا يبحث عن التقنيات الداخلية والخارجية للممثل، التي يمكنها أن تمهد الطريق له ليبلغ الحقيقة في المشهد، وكان في ذلك بداية لوضع الأسس الأولية لفن الممثل والتمثيل في منهجه وتعاليمه. في كتابه "إعداد الممثل"، يشير ستانسلافسكي إلى طرق التمثيل المختلفة، حيث أورد أن هناك تمثيلا فطريا لا يمكن الاعتماد عليه دوما، وهناك تمثيل تقني يعمل على الجانب الخارجي فقط للشخصية، وهناك تمثيل مُفتعل وهو ما يقوم به الهواة، وأخيرا، الطريقة الفنية التي تعتمد في أساسها على الفعل الحقيقي والصادق في التمثيل لتجسيد الشخصية. (3)

   

يُعَدُّ الممثل والمخرج لي ستراسبرج أبا للتمثيل المنهجي في أميركا، فهو مَن نقله إلى هوليوود باتباعه لتعاليم ستانيسلافسكي في تدريسه التمثيل. (4) اعتمد ستراسبرج في تدريسه هذا النوع من التمثيل على أداء "الداخل للخارج"، حيث رأى أن "المنهجية" (the method) هي تمارين تمثيلية، يستحضر فيها الممثل أحداثا انفعالية في حياته لمساعدته على فهم حياة الشخصية. كان من تلاميذ ستراسبرج مارلون براندو وجيمس دين.

    

  

أما التعريف الرسمي لمدرسة التمثيل المنهجي فجاء من خلال أداءات مارلون براندو القوية، حيث أحب براندو الحرية التي منحها إياه التمثيل المنهجي، فلم يعد يشعر أنه يُمثّل وإنما كما لو كان يغزو حيوات الناس الحقيقية ويعيشها، وأحب الجمهور الواقعية التي لامستهم دقتها. استطاع براندو منذ بدايته أن يقدم أداء متفردا، مثل تمثيله الانفعالي المميز في فيلم "عربة اسمها الرغبة" في دور ستانلي.

  

  

هيث ليدجر.. خطر الاقتراب من الحقيقة

لا يسعنا الحديث عن التمثيل المنهجي دون التطرق إلى ما فعله هيث ليدجر في فيلم "فارس الظلام" (The Dark Knight). قدم ليدجر أداء أسطوريا في فيلم "فارس الظلام" (The Dark Knight)، حيث أصبح أحد أهم المراجع في تاريخ الشخصية. فاز ليدجر، بعد موته، بجائزة الأوسكار كأفضل ممثل مساعد لدوره في شخصية الجوكر. حكى كريستيان بيل من قبل أنه في مشهدهما الأول معا في فيلم "فارس الظلام" (The Dark Knight) أخبر هيث ليدجر أنه ليس عليه ضربه حقيقة، لأن الضرب الحقيقي أو الادعاء سيظهران بصورة واحدة على الشاشة، إلا أن ليدجر أصرّ على صدق المشهد مطالبا بعنف حقيقيّ. (5)

    

لم يخلق ليدجر ونولان شخصية الجوكر، لأنها كانت تظهر في قصص باتمان المصورة منذ عام 1940، إلا أنهما منحا الشخصية بُعدا أكثر سوداوية وغرابة. لم تَعُد الشخصية لمهرج يرتكب الجرائم، وإنما تحوّل إلى أناركي وسيكوباتي. اكتفى ليدجر ونولان بمحو آثار ماضيه، كان الجوكر يحكي قصة مختلفة عن كيفية حصوله على الندوب في وجهه، فلم نعرف قط ما الرواية الحقيقية. إلا أن ليدجر لم يقنع بذلك، كان لزاما عليه أن يمتلك خلفية تنتهي به إلى ما أصبح عليه الجوكر. عزل ليدجر نفسه لمدة شهر في غرفة فندق في لندن ليُقرّر ما سمات الشخصية التي سيؤديها، وأي صوت سيختاره، وما الضحكة التي ستميّزه.

  

  

يروي المخرج كريستوفر نولان أن ليدجر حصل على دور الجوكر قبل وجود سيناريو، مما منح ليدجر وقتا كبيرا ليتضخّم هوسه بالشخصية وتفاصيلها. قرأ ليدجر "برتقالة آلية" (A Clockwork Orange)، واطّلع على رسومات للفنان فرانسيس بيكون. انغمس ليدجر في رؤيته التي كوّنها للجوكر، ذاهبا إلى أقصى ما يستطيع لفتى لطيف الوصول إليه، بعيدا حيث تزداد عتمة الحياة، ويصبح المرء عدميا. علّق نولان أن النبرة التي اختارها ليدجر أخافته لغرابتها.

 

كان ليدجر من أكبر المنتمين إلى مدرسة التمثيل المنهجي، والتزم بتعاليمها في كل أدواره. إلا أن شخصية الجوكر كانت، بالطبع، أكثر أدواره قوة وتأثيرا، وهو ما يجعل البعض يزعم بأن ليدجر فقد نفسه تماما في شخصية الجوكر فصعب عليه استخلاص نفسه من الشخصية التي لبسها لمدة 8 أشهر في التصوير، وأشهر أخرى تسبقها في التحضير لها.

  

أحمد زكي.. بين التجسيد والتلبُّس

في إحدى حلقات برنامجه "الموهوبون في الأرض"، يحكي بلال فضل أنه أثناء جلوسه مع المخرج علي بدرخان في عام 1998، شهد مكالمة من أحمد زكي لعلي بدرخان طالبا منه أن يحضر ومعه كاميرا سريعا إلى فندق هيلتون رمسيس الذي يقطنه زكي. ليتضح بعدها أن زكي كان لديه تورم مفاجئ في رقبته، وأراد أن يستخدم هذا التورم في فيلم ما لأنه حقيقي وسيكون مؤثرا إذا تم توظيفه في مشهد مناسب. كان هذا كله قبل أن يفكر زكي أن يتصل بطبيبه الخاص ليتحقق من ماهية هذا التورم، ما جعل بدرخان ينفجر غضبا من تصرف زكي معلنا أن هذا جنون.

    

أحمد زكي في دور جمال عبد الناصر في فيلم "ناصر 56" (مواقع التواصل)

    

تخبرنا هذه الرواية الكثير عن رؤية أحمد زكي للتمثيل، وتكريسه لنفسه وحياته من أجل الفن. ربما يكون هو الممثل الوحيد في مصر الذي كانت فكرته الأولى عن جسده هو كيف يوظّفه سينمائيا لخدمة فنه. كره زكي أن يثني عليه أحدهم قائلا "لقد أحسنت تقليد عبد الناصر"، واعتبرها إهانة لا مدحا. ميّز زكي مبكرا بين التجسيد والتقليد، وحرص أن يبتعد تماما عن الأخير، حتى انتهى به تمثيله المنهجي إلى التجسيد المتقن لشخصياته لدرجة التلبُّس، بمعنى أن يلبس الشخصية ويتماهى معها فيصعب فصله عنها.

  

جسّد زكي شخصيات مختلفة، منها ما كانت قائمة على شخصيات حقيقية يسهل تتبع حياتها وصفاتها، ومنها الشخصيات المكتوبة فقط، ذات البُعد الواحد، ليجد زكي نفسه مطالبا بإكمال الصورة النفسية ليبلغ أبعادا أخرى للشخصية. كان الحقيقي مثل جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وطه حسين، وعبد الحليم حافظ. وأما المكتوب فمثل المصور الفوتوغرافي في "اضحك الصورة تطلع حلوة"، والمحامي في "ضد الحكومة"، والضابط في "زوجة رجل مهم".

  

في لقاء له، أعلن زكي أنه بسبب تقمصه الشديد لشخصية "الضابط" في فيلم "زوجة رجل مهم" أُصيب بألم وانتفاخ مفاجئ في المعدة، والذي اتضح لاحقا أنه تهيج للقولون العصبي. تزامن هذا التهيج مع خسارة شخصية الضابط كل شيء؛ سلطته، ووظيفته، ونهاية زواجه. أشار زكي أنه لا بد من أن شخصية الضابط هي مَن أُصيبت بتهيج القولون العصبي، معتبرا جسده وسيطا. في الفيلم نفسه، بذل زكي جهدا مكثفا لفهم شخصية الضابط. قام زكي بدور الضابط ثلاث مرات، إلا أن هذه المرة كانت الشخصية مركبة ومعقدة. نسج زكي، بمعاونة السيناريست رؤوف توفيق، خيوطا للشخصية تمتد إلى طفولتها، حيث حاول تخيل ما كان هذا الضابط عليه في طفولته، وما إذا كان يحب قضاء عطلته في زيه الرسمي فخرا واعتزازا بما أصبح عليه، حتى صارت وظيفته هوية كاملة يحتمي ويتسلّح بها.

   

أحمد زكي في دور الضابط في فيلم "زوجة رجل مهم" (مواقع التواصل)

   

الجانب الآخر للتمثيل المنهجي

حتى الآن، يبدو أن مدرسة التمثيل المنهجي نقلة فريدة في تاريخ السينما، وأن الاحتفاء بهذا النوع من الأداء قد يمنحنا فرصة لرؤية مارلون براندو وآل باتشينو وجيمس دين جدد يعاودون الظهور دائما. لكن اليوم، اختلفت معايير التمثيل المنهجي، فانتقلت من الطبيعية إلى التطرف من أجل الوصول للطبيعية، حيث أصبح التمثيل الآن اختبار تحمل، وأصبح صُنّاع العمل يختارون -طواعية- الشقاء والمعاناة غير المطلوبة أحيانا لتقديم أداء حقيقي. إلا أن التمثيل الحقيقي لا يُؤخذ بالمعنى الحرفي للكلمة، وليس على الممثل أن يتعذب دائما من أجل تقمص شخصية مضطربة، وإلا لما كان التمثيل حرفة ومهارة قبل كل شيء.

 
لم يعد الممثل مجرد تمثيل للنص، حيث ذهب إلى ما وراء هذا النص، وصنع لشخصيته أبعادا لم تُكتب، وكان لزاما عليها أن توجد في الصورة. في مقابلة له، يشرح الممثل كريستوفر بلامر، والذي لم يكن من مريدي هذه المدرسة، أن ممثلي المنهجية مثل مارلون براندو وآل باتشينو شعروا أن عليهم صُنع صورة جسدية من خلال أدائهم، وهو الأمر الذي كان يصعب فعله مع نصّ لشكسبير مثلا، لأن نصوص شكسبير كانت تخلق هذه الصورة نيابة عن الممثل، فما كان على الممثل حينها إلا تجسيد هذه الأفكار وإخراجها. (6)

    

الجسد: قربان جديد للفن

عند قيامه بدور راي تشارلز، الموسيقيّ الكفيف، في فيلم "راي" (Ray)، طلب جيمي فوكس أن تُلصق عيناه ليتمكّن من أداء الشخصية بصدق أكبر. ظلّت عينا فوكس مغلقتين لصقا لمدة 14 ساعة يوميا، هذا بالإضافة إلى التزامه بنظام غذائي قاسٍ لخسارة بعض الوزن. (7) أما فورست ويتكر، في تحضيره لفيلم "آخر ملوك اسكتلندا" (The Last King Of Scotland)، فأتقن اللغة الساحلية، ولعب الأوكوديون، وأمضى ثلاثة أشهر ونصفا في أوغندا. ناهيك بما يفعله كريستيان بيل في كل فيلم له، حيث يقدم جسده دائما قربانا للشخصية التي يؤديها، متلاعبا بوزنه من النحافة الشديدة، 40 كجم، في فيلم "الميكانيكي" (The Machinist)، ليزداد بعدها بخمسة أشهر 45 كجم إضافية ليتناسب جسده مع متطلبات شخصية بروس واين/باتمان في "بداية باتمان" (Batman Begins).

     

كريستيان بيل بين (The Machinist) و (Batman Begins) (مواقع التواصل)

  

عن هذا يقول الناقد مات زولر: "خلال السنوات الماضية، إن لم تخسر وزنا، أو تزدد وزنا، إن لم تغير مظهرك، إن لم تقضِ وقتا طويلا في ظروف مناخية قاسية من أجل شخصيتك، فإن هذا لا يُعَدُّ تمثيلا". أصبح مطلوبا من الممثل أن يقدّم أداء يستنزفه كليا، وهو ما يرفضه مات زولر. ليس على التمثيل أن يكون اختبار تحمُّل، والاحتفاء بمثل هذه الأفلام لهذه الأسباب تحديدا قد يدفع بعظمة التمثيل إلى مقاييس تتعلق بمدى التحول والشقاء. يستطرد زولر، في مقاله على موقع روجر إيبرت، أن روبرت دي نيرو هو مَن بدأ هذا التقليد، حيث ازداد كيلوات إضافية من أجل أن يلعب دور الملاكم الضخم جايك لاموتا في "الثور الهائج"(8) "Raging Bull". 

    

في تعليقها على الفيلم في عام 1981، قالت الناقدة بولين كيل: "ما يفعله روبرت دي نيرو في هذا الفيلم ليس تمثيلا. إنه أمر آخر. يبدو دي نيرو كما لو كان بذل كل ما في وسعه ليتحول إلى ما يُماثل الشخصية، فلم يبقَ لديه ما يملأ به الشخصية نفسها. بدا لاموتا كما لو كان دمية". (9) يمكن لتمثيل "اختبار التحمل" أن يُنتج أداء عظيما بالطبع، لكن لِمَ يعلو هذا النوع الثقيل من التمثيل في نظر الكثيرين فوق غيره؟

   

في حوار له مع "ميدان"، يجيب الكاتب حسام فهمي عن هذا السؤال بأن التمثيل المنهجي لم يؤدِّ إلى اختفاء مدارس التمثيل الأخرى، إلا أنه الأكثر جذبا لأنظار الأكاديمية وجوائز التمثيل الأهم، وهو ما يرجع عادة إلى اقترانه بالأدوار المركبة. كما يضيف فهمي أن "مدرسة التمثيل المنهجي كانت تطورا طبيعيا لا فرار منه. كان التمثيل المسرحي يتطلب أداء جسديا وصوتيا معينا وفقا لطبيعة المسرح، ومع التطور السينمائي وخروج الفيلم من طور التمثيل المسرحي اختلفت متطلبات السينما من الممثل، حيث أصبح على الممثل أن يقدّم تجسيدا أكثر طبيعية، ينبثق من الداخل للخارج".

   

الذاكرة الانفعالية.. قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة فاضرب بها

لكي يشعر الجمهور بالشخصية بكل جوانبها، يبالغ الممثل في صِدقه، فلا يعود قادرا على فصل هويته وهوية الشخصية التي يُقدّمها، يُصدّق نفسه قبل أن يُصدّقه الجمهور

مواقع التواصل
  

تتفق الممثلة "فيفيان لي" مع رأي فهمي حول ارتباط الشخصيات المركبة بالتمثيل المنهجي. قالت "لي" في مقابلة لها: "لا يبدو أن مدرسة ستراسبرج تصنع كوميديا أبدا"، ساخرة من تناول هذا النوع من التمثيل فقط للأدوار المضطربة والمعقدة، "إن الكوميديا أصعب بكثير من التراجيديا، وتُعَدُّ تدريبا أفضل على التمثيل. أن تجعل أحدهم يبكي أكثر سهولة من أن تجعله يضحك". (10) يستطرد فهمي موضحا أن المشكلة الحقيقية في هذا النوع من التمثيل ظهرت مع انتشار الشخصيات التي تُعاني من أزمات نفسية واضطرابية لمعالجتها سينمائيا، حيث أدّى تورط الممثلين عاطفيا مع الشخصيات إلى التأثير عليهم لاحقا وهو ما حدث مع هيث ليدجر بعد أداء "الجوكر".

  

"إن الشيء الأكثر أهمية للممثل هو الصدق. إن استطاع الممثل أن يتظاهر بذلك، أصبح راسخا في مجاله"

(جورج بيرنز)

   
أحيانا، لكي يشعر الجمهور بالشخصية بكل جوانبها، يبالغ الممثل في صِدقه، فلا يعود قادرا على فصل هويته وهوية الشخصية التي يُقدّمها، يُصدّق نفسه قبل أن يُصدّقه الجمهور. أمثلة ذلك كثيرة، وهي قصص نحب أن نقرأ عنها ويلهمنا تفاني الممثلين وإلقاؤهم بأنفسهم كلية في الدور من أجل الفن، ومن أجل الجمهور. لكن أثر ذلك على الممثل قد يكون محطما جسديا ونفسيا.

  

بدأ التمثيل المنهجي الذي دعا إليه ستانسلافسكي كتكنيك أدائي ليس أكثر، له عدة نصائح تساعد على تجسيد الشخصية بصورة أفضل، إلا أن هذه النصائح أصبحت أشبه بقواعد إلزامية، إن لم يكن في نظر النقاد ففي نظر بعض الجماهير. ربما تكمن خطورة التمثيل المنهجي في تطرُّق متبعيه إلى أماكن مظلمة داخل عقولهم لاستحضار "الذاكرة الانفعالية"، وهو الأمر الذي يجب التعامل معه بحذر، بدلا من إخراج تلك الأمور أمام طبيب نفسي يروّضها، فإنها لا يُفصح عنها على الإطلاق وإنما تُستدعى لإثراء الأداء التمثيلي فقط، وهو ما قد يؤثر سلبا على الصحة النفسية لمؤدّي الأدوار الثقيلة المضطربة. يعتمد التمثيل المنهجي، عادة، على العواطف السلبية والصدمات، وهو ما يصعب الخروج منه بسهولة بعد انتهاء الدور. إن الأذى الجسدي والنفسي الذي يختبره الممثل، طواعية، لا يسهل نسيانه، حتى لو تُوّج الأداء بجوائز مهمة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار