انضم إلينا
اغلاق
"The Green Mile".. عن هواجس ليلة الإعدام المخيفة

"The Green Mile".. عن هواجس ليلة الإعدام المخيفة

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

هناك، في الغرفة الأكثر إظلاما تنبعث رائحة الموت الطازج، وسباركي العجوز مستقر في المنتصف وقد ارتوى من عرق الرجال المتسرب من أجسادهم بفعل الخوف، سباركي ضخم ومتين البنيان، مصنوع من البلوط، سباركي ليس رجلا عجوزا لكنه الشبح الذي يطارد أقوى الرجال في أحلامهم الليلية، إنه الكرسي الذي سيجلسون عليه في الدقائق الأخيرة من حياتهم لينفذ فيهم الحكم بالإعدام، سباركي العجوز إنه بعينه نهاية الحياة وبداية الموت.

  

هكذا يبدأ بول أدجيكومب بطل رواية "اللحظة الأخيرة" -للكاتب ستيفن كينج- بالتعريف بحياته وبكل ما تحفظه ذاكرته من صور السجن حيث عمله في السابق مشرفا على تنفيذ أحكام الإعدام، ما زال يسمع وقع خطواته التي قطعها مشيا على الميل الأخضر، ذلك الممر المفروش بالمشمع الأخضر الذي يسوق فيه المساجين إلى كرسي الإعدام (سباركي العجوز)، ما زال يشعر بقبضته على أيديهم وتصاعد أنفاسهم المرتعبة الذي يُحدث طنينا عاليا في أذنيه، وما زال يذكر جون كوفي الذي لم يكن كغيره من السجناء، جون الذي سيق إلى محبسه بعيون تملؤها الدموع والخوف سيغيّر حياة بول أدجيكومب إلى الأبد.

    

"كيف سنقف أمام الله ويسألنا عن تنفيذ حكم إعدام في إنسان لم نتأكد من إدانته"

     

  

في نهايات القرن الثامن عشر تم اختراع الكرسي الكهربائي (The electric chair) ليكون بديلا للشنق في عمليات تنفيذ الإعدام ظنا أن سريان الكهرباء في الجسد سيكون أسرع وأقل إيلاما من الشنق[1]، لكن من منا يعرف إن كان حقا أقل ألما أم لا؟ وحدهم الجالسون على هذا الوحش المخيف يعرفون جيدا مقدار الألم الواقع على أجسادهم التي تُعاقب بالموت. في صيف 1890 كان وليام كيملير أول رجل في التاريخ يجلس على كرسي الإعدام ويختبر الموت صعقا على مرئى من الجميع[2].

  

عُرفت عقوبة الإعدام في شريعة حمورابي البابلية (1750 سنة قبل الميلاد)[3]، ويمكننا القول إن البشرية طالما شغلها تطوير وسائل الموت لتحقيق العدالة والقصاص، لكن في عصرنا الحديث ظهرت العديد من الآراء المعادية لفكرة الإعدام حتى لو كان السجين قاتلا. في رفضه لعقوبة الإعدام يقول الفيلسوف ألبير كامو إنه على مدار تاريخنا البشري لم يردع الإعدام قاتلا عن ارتكاب جريمته، فلماذا نُصِرّ على ارتكاب جريمة قتل ردا على فعل القتل؟ كما يشير كامو إلى أن الطبيعة الإنسانية بجانب غريزتها للحياة تنمو أيضا غريزة الموت عند الكثيرين الرافضين للحياة ويرغبون في اقتراب النهاية، وقتل النفس في هذه الحالة لن يكون وسيلة ردع أو عقاب طالما أن الغريزتين متساويتان[4]. بمرور السنين لم تعد عقوبة الإعدام مشرعة في العديد من البلدان، في حين يتعرض آخرون في بلدان أخرى للإعدام دون حتى الوقوف أمام قاض أو مشرّع عادل.

  

"كان يبدو وكأنه يستطيع فك السلاسل التي تقيده بالسهولة التي تفك بها شريط هدية ما، إلا أن نظرة واحدة إلى وجهه تخبرك بأنه لم يكن ليفعلها... كشمشون الأسود، ولكن بعد أن حلقت له دليلة رأسه بيدها الغادرة الصغيرة وتركته غارقا في الحزن ولا شيء سواه"

  

    

الصورة النمطية للشرير

كان يسير بخطوات متثاقلة في الطريق إلى زنزانته، تتابعت المشاهد ونحن نرى أجزاء من جسده الأسود المفتول المتعرّق، لم نر وجهه إلى أن وصل إلى عتبات زنزانته التي أحنى رأسه ليتمكّن من عبور بابها الحديدي، إنه جون كوفي، السجين الجديد الذي يبدأ معه فيلم "الميل الأخضر" المقتبس من رواية "اللحظة الأخيرة"؛ كانت تهمته اغتصاب وقتل فتاتين صغيرتين، يصفه بول أدجيكومب بشمشون، البطل الشعبي في العهد الجديد الذي حطم المعبد بقبضته[5]، يرمز جسد جون إلى الصورة النمطية التي اعتدناها عن الأشرار، فهذا الأسود الضخم البنيان هو بالتأكيد مغتصب وقاتل حتى لو لم نتمعن في ملابسات الجريمة المتهم فيها، لكن بول لم يكن مقتنعا بأن هذا الرجل قاتل حقا، فهذا الجسد المخيف يطالعك بنظرات طفل بريء كأنه يحمل بداخله قلب عصفور لا يقوى حتى على الطيران.

  

تحت أسقف السجن نفسه نجد "بيرسي ويتمور"، واحد من الحراس المشرفين على المساجين، يبدو مظهره أنيقا ومهندما، أبيض البشرة بالتأكيد وشعره بني لامع، لكنه يحمل كل آيات الشر بداخله، يعنف المساجين ويلقي بالسباب في وجوههم كل يوم، وفي واحدة من مرات إشرافه على الإعدام تعمّد إيذاء أحدهم وهو على كرسي الإعدام، بالمقارنة بين بيرسي وجون كوفي سيختل الميزان، فإن كنا نأخذ بالمظهر، كالعصور الجاهلية، سنجد أننا مخدوعون بالمظاهر بل مشغولون بها، وهو ما يفوّت علينا النظر بعمق إلى داخل الآخرين حيث النقاء الذي لا تغفله عين، وتبقى صورة الخير والشر موضع التباس.

 

"لم تكن محاكمات الاستئناف لأمثال جون كوفي، حينها على الأقل، تُحدث فرقا، ففي تلك الأيام كان أمثاله ينساهم العالم حتى لو ظهروا مجددا في صحيفة ما تذكر إعدامهم في منتصف الليل"

(الرواية)

  

  

  

كل مظلوم يساق إلى الحبس يُذكّرنا بجوزيف.ك بطل رواية "المحاكمة" لفرانز كافكا، فهذا الرجل الذي كُبّلت يداه ذات صباح لأنه متهم في قضية لا يعرفها يذكرنا على الفور بالظلم القابع في هذا العالم، بل بالعبث الذي قد يُنهي حياتنا دون سبب وبأبخس الأثمان. كان جون كوفي أسود اللون، وهو ما يجعله مذنبا دون أن يتفوه بكلمة، ومعركته في الدفاع عن نفسه خاسرة قبل أن تبدأ. لم يكن المفتاح الذي يعطيه لنا ستيفن كينج لفهم شخصية كوفي يكمن في الموت بقدر الحياة، فهذا الرجل الذي تبدو عليه القوة والبلاهة يملك حدسا ما أو سحرا خاصا به يمكنه من الاطلاع على ما وراء الأشياء، كأنه المسيح المخلّص، لكن هذا الجسد الضخم الرقيق الذي يخشى الظلام ويبكي معظم الوقت لم يمنعه مصيره من الجلوس على كرسي الإعدام، لكن أين العبث في إعدام جون كوفي؟

  

"لا شيء يخفى عن الله"

(الرواية)

  

اتُّهم جون باغتصاب وقتل فتاتين، شاهدهما الجميع وهما بين يديه الغليظتين والدم يصبغ شعرهما الذهبي بالأحمر القاني، وجون يبكي ويتمتم: "لم أستطع المساعدة، حاولت أن أعيدهما لكن الوقت كان متأخرا"، لا توضح كلماته شيئا عمّا حدث بقدر الندم، ولأنه رجل أسود، والأحداث تدور في ثلاثينيات القرن الماضي، فهو مذنب دون الحاجة إلى تفكير. في سرده للحكاية يروي بول أدجيكومب كل شيء عن جون كوفي، وعن الشكوك التي تراوده عن مدى إذناب جون، هذا الرجل الهش جدا من الداخل، الرقيق، الذي يملك يدين هما علاج شاف لكل علّة، يصعب أن يصدق أنه قتل بالفعل. يحاول بول أن ينبش في أوراق القضية لكنه يصل إلى خيط من الحقيقة، فالمحاكمة لم تتقص جيدا عن تاريخ جون ولم تنتزع منه اعترافا واضحا بالقتل، وربما لم تستجوبه بما يكفي -عن عمد-، اكتفوا بمشهد الفتاتين بين ذراعيه وهو ما لا يدل على قتله لهما، في الحقيقة كان جون يحاول إنقاذهما من الموت لكنه فشل، والقاتل والمغتصب الحقيقي لم ينل القصاص على جريمته.

"في يوم محاسبتي، عندما أقف أمام الله ويسألني لماذا قتلت واحدة من معجزاته الحقيقية، ماذا سأقول له؟ كانت هذه وظيفتي؟ وظيفتي؟"

(بول أدجيكومب، الفيلم)

  

  

  

في نهار أحد الأيام أثناء تصوير فيلم "الميل الأخضر" ذهب ستيفن كينج إلى موقع التصوير، وبحسه الساخر وحركاته الخفيفة راح يتفقد السجن في الأستوديو، ومشى على الميل الأخضر، قال إنه شعور مميز وغريب أن تمشي على شيء صممته في خيالك الافتراضي، ثم طلب من مخرج الفيلم فرانك دارابونت أن يجلس على سباركي العجوز، حاول ستيفن أن يتخلى عن خفته، جلس على الكرسي في صمت وأخذ نفسا عميقا ثم قام فرانك بتقييده في الكرسي بإحكام، بدأ ستيفن يرتعب من الأمر كأن شبح الموت تراءى أمام ناظريه، ثم طلب من فرانك أن يفك وثاقه، نهض فجأة وحاول أن يواري رعبه بالضحك والسخرية[6].

  

يرى ستيفن أن الروح الإنسانية بطبيعتها تبحث عن لحظة الإشراق الخاصة بها، وأن لحظة التنوير في حياتنا ربما لا يزداد وهجها إلا في طريقنا إلى الموت. في الرواية وصف ستيفن كينج ليلة إعدام جون كوفي بالهادئة، لم تكن هناك عواصف أو تقلبات، والسماء بالأعلى كانت مرصعة بالنجوم، وجون بنظرات يملؤها الخوف والأمل يطالع الحراس ويستدعي من ذاكرته صلوات تمنحه القوة في لحظاته الأخيرة، لكنه قبل أن يغادر الحياة صعق بول أدجيكومب بالحياة. ترمز شخصية جون كوفي لجوهر الخير وشكل الشر في آن، وهما جوهر الحياة التي نحيا. وما زلنا إلى الآن عندما ننظر إلى أي مظلوم يُساق إلى الموت نتذكر جون كوفي والدموع تملأ عينيه الحزينتين، لأننا عاجزون عن ردع الظلم تماما مثل بول أدجيكومب.

آخر الأخبار