انضم إلينا
اغلاق
"البروفيسور والمجنون".. عن اللغة وأبطالها المنسيين

"البروفيسور والمجنون".. عن اللغة وأبطالها المنسيين

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

"ليست اللغة فقط محض مجموعة من الكلمات. إنها ثقافة وتقاليد وطريقة لتوحيد المجتمع، تاريخ بأكمله يُشكّل ماهية هذا المجتمع؛ كل هذا يتم تجسيده عبر اللغة"

(نعوم تشومسكي)

   

تُشكّل اللغة وعينا والطريقة التي نبصر بها العالم، وهذا ما تعرضه عدد من نظريات اللسانيات. إنها الصوت الداخلي الحميم الذي تتحدث عبره أفكارنا، والحديث المنطوق الذي نصوغ خلاله تلك الأفكار؛ عالمنا الداخلي يتشكل وفقا لها، ونتعاطى مع العالم الخارجي ونتواصل عبرها. ومن هنا، تأتي الأهمية القصوى للمعاجم، فهي بمنزلة الكتب المقدسة للغة، نجد فيها مفاتيح الكلام ومعانيه، ونعرف خلالها ما لم نكن لنعرفه بأي طريقة أخرى. لكن تأليف المعاجم ليس بالمهمة السهلة على الإطلاق.

  

بينما نفتح المعجم لنعرف معنى ما قد يستعصي علينا من كلمات، فإن اللغة لا تولد من خلال المعاجم، بل في الشوارع والبيوت والأزقة عبر الحديث العشوائي للناس. فالتفاعل بين الجموع هو الأصل والأساس لكل لغة، والكُتّاب في أعمالهم وصائغو المعاجم في معاجمهم لا يفعلون أكثر من محاولة الإمساك بما يولد على ألسنة الناس.

  

  

قد تبدو مهمة تأليف المعاجم شيئا مستحيلا، فالكلمات ليست أحجارا تبقى بنفس الشكل والهيئة والمعنى طوال العُمر، بل هي أقرب لعجينة تتخذ هيئات ومعاني من الصعب لأحد أن يحزرها. فالكلمة الواحدة يتغير معناها ودلالتها، وفي بعض الأحيان حتى طريقة كتابتها، من عصر إلى عصر؛ ومن ثم، نجد أن اللغة نهر يتدفق عبر أجساد الكلمات، من العسير أن يقوم أي شخص بالقبض عليه. تصبح صياغة أي معجم إذن مهمة غير مكتملة، تتعاقب عليها الأجيال، ولا تنتهي إلا بموت اللغة.

  

كل ذلك يجعل من غير المشجع إطلاقا أمام أي شخص بأن يضطلع بتلك المهمة بالغة الصعوبة ويحاول أن يصوغ معجما يجمع خلاله كل الكلمات المستخدمة، مرفقة بمعانيها وتاريخ تحولاتها. لكن في عام 1878، قرر البروفيسور جيمس موراي أن يحاول القيام بذلك المستحيل ويصوغ معجما يتضمن كل الكلمات المستخدمة في اللغة الإنجليزية بكل تعريفاتها ومعانيها القديمة والحديثة. لم يقم موراي بتلك المهمة وحده بالطبع، بل شاركه فيها مجموعة كبيرة من الباحثين والمتطوعين. عن موراي وويليام شيستر ماينور، الرجلين اللذين يعود إليهما أكبر الفضل في صوغ الطبعة الأولى من قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية، يدور فيلم "البروفيسور والمجنون".

  

البحث عن صراع

   

من قد يكترث ليصنع فيلما عن اللغة؟ الصراع الذي يحرك الحدث في أي قصة يبدو في حالتنا هذه غير مثير للاهتمام بالنسبة للمشاهد العادي، فهو صراع، وإن كان حقيقيا وعسيرا، خافت تماما، يدور بين مجموعة من العلماء، وكلمات اللغة الإنجليزية العصية على الجمع والتعريف. ماذا سنشاهد في فيلم كهذا إذن؟ رجال محنيّون فوق المكاتب أمام كتب وأوراق؟ تُشكّل مشاهد أولئك الرجال بالطبع شطرا لا بأس به من الفيلم، لكن لحسن الحظ، كانت حياة وشخصية ويليام شيستر ماينور، المتطوع الذي شارك وحده بعشرة آلاف كلمة، ثرية بالدراما والتعقيدات الجديرة بأن يُصنع عنها فيلم. فماينور الذي بدأ حياته طبيبا في أميركا، عاش معظم عمره نزيلا في مصحات الأمراض النفسية. وكان داخل واحدة من تلك المصحات أن ساهم في مشروع قاموس أكسفورد.

  

بعد نهاية الحرب الأهلية الأميركية التي شارك فيها كجرّاح، سافر ماينور لإنجلترا حيث عاش في أحد الأحياء الفقيرة. كانت فظائع الحرب قد تركت أثرها على نفسية ماينور الهشّة، ومثّلت الدفعة الأولى التي انزلق بعدها في غياهب المرض النفسي الذي لم يتمكّن من التعافي منه بعدها أبدا. فبدأت الهلاوس تسيطر على عقله، هلاوس عدائية يرى فيها أشخاصا يحاولون الانقضاض عليه وإيذاءه. أخذت تلك الهلاوس تمتزج بشكل خطير مع الواقع، حتى فقد قدرته على التمييز بين ما يحدث فعلا وما يقع داخل رأسه فقط. وفي إحدى الليالي، تُهيِّئ له أن رجلا يسير في الشارع يحاول أن يقتله، فما كان منه سوى أن أطلق الرصاص على ذلك الرجل، الذي لم يتعرض له أو يقترب منه في الحقيقة، وأرداه قتيلا. أُرسل ماينور للمحاكمة، وبعد أن رأى القضاة تدهور حالته العقلية، حكموا عليه بالعيش في إحدى المصحات النفسية بدل السجن. [1]

  

يبدأ الفيلم من اللحظة التي يُبعث فيها ماينور للمصحة، ونرى معظم التفاصيل السابقة لماضيه عبر مشاهد "فلاش باك" على طول النصف الأول من الفيلم، وإن كان بعضها خارج سياق عملية تجميع القاموس. ومع ثراء تلك القصة الدرامي، فإنها تبقى لا علاقة حقيقية تجمعها بالخط الأساسي للفيلم.

    

  

الصراع الذي يعيش فيه ماينور بعدها هو صراع داخلي تماما بينه وبين شياطينه الداخلية، وهو صراع من الصعب القبض عليه في سيناريو سينمائي، ولا يتضافر أغلب الوقت كما أردفنا مع القصة التي يركز عليها الفيلم. ما الحل إذن؟ قرر صُنّاع الفيلم تعزيز ذلك الصراع الداخلي صعب الصياغة بصراعات أخرى خارجية بين البطلين وبين شخصيات أخرى من السهل تمثيلها على الشاشة.

  

أول تلك الصراعات جاء بين البروفيسور موراي وبين أساتذة أكسفورد الآخرين المشرفين على مشروع القاموس، وثانيها كان بين موراي أيضا وبين الطبيب المعالج لماينور، والذي أدت طرقه العلاجية القاسية، وفقا للفيلم، لتدهور حالته وانجرافه أبعد في الجنون. لكن المشكلة في تلك الصراعات، بعيدا عن كونها خيالية -الشيء الذي لا يُحاسب عليه الفيلم، فليس على السينما الالتزام بحرفية الواقع- أنها بدت مفتعلة تماما، القائمون عليها أشرار كارتونيون بلا دوافع منطقية. فنحن لا نعرف مثلا لماذا يبدو بقية أساتذة أكسفورد ضد موراي على طول الخط، ولا نعرف أيضا لماذا يصمم طبيب ماينور باستماتة حتى اللحظة الأخيرة على بقائه في المصحة تحت رعايته، حتى بعد أن يقوم موراي برفع قضية تطالب بنقل ماينور لمشفى آخر.

    

  

تمتد حالة الافتعال للكثير من جوانب الفيلم الأخرى، محاولة التغطية على ضعف السيناريو، فالكثير من التفاصيل تبدو مقحمة تماما وموجودة فقط لخلق حالة من التأثير العاطفي المصطنع لدى المشاهد. فتكاد الموسيقى التصويرية الحزينة لا تغيب في أي مشهد، مع استخدام أصوات أوبرالية في المشاهد المؤثرة، وتتحرك الكاميرا بكثرة وبلا داعٍ حقيقي في المشاهد الحوارية، محاولة خلق حالة من الديناميكية غير موجودة في الحوار.

  

لكن أكثر الخطوط افتعالا في الفيلم كان الخط الذي يقع فيه ماينور في حب أرملة الرجل الذي قتل، فلا يتم التأسيس له بشكل جيد، ويبدو مقحما تماما، فتسير العلاقة بين ماينور والسيدة إليزا ميريت بشكل عادي تماما، حتى نجده في مشهد يرسم لوحة لها ويعترف بحبها لموراي. في تفسيره لإقحام ذلك الخط يقول الناقد جاي ويسبرغ في موقع فاريتي: "لم يكن فيلم درامي عن محرر قاموس ورجل مجنون ليحظى بموافقة الأستوديو دون وجود بعض الرومانسية، لذا، جعل الكُتّاب ليزا وماينور يقعان في الحب في خط درامي غير واقعي بالمرة".[2]

    

  

ومع تلك العيوب في السيناريو، تبقى الأداءات التمثيلية لشون بين وميل جيبسون أفضل ما في الفيلم، فقد امتازت بدرجة عالية من الحساسية تمكّنت معها من التأثير في المُشاهد، وإن لم تساعدها عناصر الفيلم الأخرى التي كانت تميل دائما للانزلاق نحو الميلودراما.

  

امتلك فيلم "البروفيسور والمجنون" بذورا قوية لفيلم رائع، مدّته بها الأصول الحقيقية للقصة الموجودة في كتاب "جراح كروثورن" الذي اقتبسه الفيلم. لكن تلك البذور كانت بحاجة إلى يد حساسة وواعية ترعاها وتبذل في سبيلها الكثير من الجهد لتخرج في أفضل شكل ممكن. أما ما حدث بالفعل، فيبدو أن صناع الفيلم اختاروا الحلول الأسهل أغلب الوقت، ليقدموا في النهاية لنا عملا متوسط الجودة في حين كان يمكنهم استغلال ما لديهم في صناعة فيلم لا يُنسى، عن اللغة، وعن أبطالها المنسيين.

آخر الأخبار