انضم إلينا
اغلاق
الموسم الثامن من Game of Thrones.. مزيد من الحلول الملفقة والأحداث المتخبطة

الموسم الثامن من Game of Thrones.. مزيد من الحلول الملفقة والأحداث المتخبطة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

(تحذير: هذا التقرير يحتوي حرقًا للأحداث)

  

بنى المهندس دايدلوس، بطل إحدى الأساطير الإغريقية، أعقد متاهة عرفتها البشرية. داخلها سيحبس الملك وحش المناتور الذي يفترس البشر، على أمل التخلص من شروره إلى حين. لكن دايدلوس العبقري بنى متاهته على درجة من التعقيد جعلته هو نفسه يتوه في زواياها ويعجز، لفترة طويلة، عن الخروج.[1]

 

ويبدو أن لعنة دايدلوس تلك تلاحق الآن دافيد بينوف ودي بي ويس، صناع مسلسل صراع العروش، فقد نسج الاثنان على مدار أعوام طويلة، مستعينين بسلسلة روايات جورج .ر.ر. مارتن، واحدة من أعقد الحبكات التي عرفها التلفاز. و الآن، عندما جاء وقت حل العقد والوصول لنهاية ترضي المشاهدين - بعد أن رفعت المواسم اﻷولى سقف توقعاتهم ﻷقصى حد - نرى أن الحبكة باتت تائهة ومتخبطة مثل تيه وتخبط دايدليوس في متاهته.

 

فكل القصص، حتى أكثرها إغراقًا في الخيال، لا بد أن تتقيد بالقواعد التي أرساها عالم القصة منذ البداية، وتلتزم برسم الشخصيات وتطويرها بشكل يخضع لمنطق اﻷحداث. والآن، بعد ثمان سنوات من "صراع العروش"، بتنا جميعًا نعرف كيف تسير اﻷمور في ويستروس، ونستطيع توقع كيف قد تتصرف الشخصيات. إلا أن المسلسل في مواسمه اﻷخيرة، وللخروج من مأزق الحبكة التي يبدو أنها تعقدت لدرجة لم يستطع معها صناع العمل أخذها لمسارات منطقية، أخذوا يلقون كل ذلك جانبًا ويلوون عنق القصة لتصل عنوة لنهايات تبدو محددة مسبقًا، وهو ما نراه بوضوح الآن في الموسم الثامن من المسلسل، ونلحظه في آخر حلقاته "آخر آل ستارك".

   

    

اﻹله من الماكينة

صراع الكُتَّاب مع حبكاتهم المعقدة ليس وليد اليوم، فقديمًا عانى الكُتاب اﻹغريق مع مسرحياتهم، حتى وصل أحدهم لحل بدى مثاليا لوضع النهاية ﻷي قصة مهما كانت. من ماكينة موضوعة أعلى المسرح، يهبط ممثل يؤدي دور اﻹله، ويقوم بحل كل المشاكل، ويخلص البطل من أي مأزق. انتشر ذلك الحل في فترة ما في معظم المسرحيات، حتى بات له اسم معروف، Deux Ex Machina أو، اﻹله من الماكينة. [2]

   

ومنذ ذلك الحين، لم يختف ذلك الحل السريع والكسول، من عالم القصص. لا يجب أن يكون المُنقذ دائمًا إله، أي شخصية أو شيء خارج عن سياق الحدث ينبثق من اللامكان لينقذ البطل أو يقضي على الشرير سيفي بالغرض. وقد امتلأ "صراع العروش" في موسميه اﻷخيرين بنماذج من اﻹله خارج الماكينة. خذ مثلًا العم بنجين، الذي غاب ﻷعوام طوال، ثم، فجأة وبشكل يستعصي على المنطق، ظهر مرتين، مرة لبران ومرة لجون سنو، لإنقاذ كل منهما من موتٍ، كان لولاه، محقق. أو برون الذي نجح بشكل سحري في أن ينقذ جايمي في الموسم السابق من نيران التنين في قفزة واحدة، وإنقاذه بعدها بدقائق من الغرق في الماء. حتى قتل آريا لملك الليل في الحلقة السابقة، يعده البعض نموذج للإله خارج الماكينة، وذلك ﻷن التمهيد له وتضفيره بشكل منطقي داخل الأحداث يكاد لا يذكر. [3]

       

في هذه الحلقة من المسلسل، لا تظهر نماذج للإله خارج الماكينة بمثل ذلك الوضوح. لكن المشكلة اﻷساسية في هذا الحل، والتي جعلت النقاد يبغضونه تظل حاضرة بقوة. فباستخدام اﻹله خارج المكنة، يمكننا أن نستشعر يد الكاتب الخفية تخترق الحدث وتحركه بشكل مصطنع وفاقد للتلقائية، وأحيانًا خالٍ حتى من المنطقية، للوصول لنهاية قد تكون مثيرة، لكنها تبقى مع ذلك مصطنعة وملفقة.

 

يظهر ذلك مثلًا في حلقة "آخر آل ستارك" بوضوح في الخطة العسكرية التي يضعها حلفاء دانيرس لحصار كينجزلاندينج. ففي ذلك المشهد، يفترض بنا أن نصدق أن عددًا من القادة المحنكين الذين انتصروا في معارك شرسة، قد وضعوا خطة حرب لم يحسبوا فيها حسابًا لهجوم العدو. وبالفعل، عندما تصل تنانين دانيرس لشواطئ كينجزلاندينج، تجد في انتظارها أسطول يورون جرايجوي، الذي سبق وحذر جايمي من موالاته لسيرسي، وعلى رأسها سهام آلة كايبورن. وعندما تصيب السهام ريجال، تنين دانيرس، وتقتله، يبدو أن الشخصيات وحدها هي المتفاجئة لما حدث، فنحن المشاهدون رأينا في الموسم السابق سهام نفس الآلة تُلحق اﻷذى بالتنين دروجو، وفي قلب ذلك المشهد كانت دانيرس فوق التنين، وتيريون يراقب غير بعيد، ما يجعل من غير المنطقي ألا يتجهزوا بخطة دفاعية ضد سلاح سيرسي.

 

إذا ابتعدنا عن القصة ونظرنا لها من بعيد، سنجد أن ما حدث يخدم بشدة الهدف الذي يبدو أن المؤلفين يسيرون تجاهه: جعل جيشي سيرسي ودانيرس متكافئة القوى، حتى تصير المعركة القادمة بينهما أكثر تشويقًا وإثارة. وبهذا، نرى نموذجًا ليد الكُتاب الخفية وهي تدفع الأحداث  عنوة في اتجاه لا يتبع المنطق.

       

لا يتوقف ذلك التدخل عند هذا الحد، بل نجده أيضًا في أفعال الشخصيات التي يبدو كما لو أنها لا تنبع منها. ربما أكثر من نلاحظ عليه هذا هو تيريون لانستر، فتلك الشخصية  التي رسمتها لنا المواسم اﻷولى قزمًا يواجه احتقار الآخرين بذكائه الذي يجعله يسبق الكل بخطوات عدّة، يبدو كما لو أنه لم يضع خطة واحدة ناجحة، أو منطقية، منذ زمن.

  

ففي حلقة "آخر آل ستارك"، يكون هو من يضع خطة حصار كينجزلاندنج التي تبوء بفشل ذريع وتكلف دانيرس إحدى أهم أسلحتها وميسانداي، صديقتها اﻷقرب، بعد أن تقع في قبضة سيرسي. وهو أيضا من يقترح على دانيرس أن تلتقي بسيرسي وتعرض عليها الاستسلام. وبعد أن رأينا سيرسي حرفيا تهدم معابد على رؤوس أعدائها، يصير من الصعب علينا الاقتناع بأنها قد تستلم بمثل تلك السهولة، والأصعب علينا تصديقه هو أن أخاها تيريون، الذي خبر عن قرب وذاق بنفسه مدى دهاء وشر سيرسي، هو من يقترح شيئا بمثل تلك السذاجة.

  

كان ما فعلته سيرسي إذن، المولعة كما يعرف الجميع بالتنكيل بأعدائها بأبشع الطرق، من الإطاحة برأس ميساندي أمام دانيرس وجيشها طبيعي تماما بل ومتوقع . الغير طبيعي هو اقتراح تيريون، فهو يعرف سيرسي كما أردفنا تمام المعرفة، ويعرف على الناحية الأخرى دانيرس وطبيعتها النارية، التي لن تصمت عن مثل تلك الإهانة، وسيدفعها ذلك أغلب الظن للإتيان برد فعل غير متزن، وهو بالضبط ما تريده سيرسي، حتى تُري الجميع أن دانيرس ليست أفضل حالا منها بكثير.

  

تقول كثير من التكهنات إن  دانيرس ستلقى نفس مصير أبيها، فستفقد عقلها مثله وتتحول لملكة مجنونة. قد يعطي مثل ذلك الحدث بالفعل منحنى مثيرا للأحداث، ويمكننا أن نتكهن أن ما جرى من قتل ميساندي أمام عينيها وفقدانها تنينها سيدفعها لهذا الاتجاه، لكن يبقى السؤال، هل كان من المنطقي  أن يضع حلفائها خطة على هذه الدرجة من السذاجة من الأساس، خاصة أن مستشارها الأساسي هو أخو عدوتها ومن ثم الشخص الأكثر دراية بطريقة تفكيرها؟  الإجابة هي قطعا لا، لكن مجددا نجد يد صناع العمل تتدخل لتدفع الأحداث عنوة في اتجاه غير تلقائي ولا طبيعي ليصلوا لنهاية أكثر إثارة لخط دانيرس، نهاية كقتل آريا لملك الليل، مصطنعة وملفقة، لم يتم التمهيد لها بشكل جيد منذ البداية. [4]

  

      

خطايا الموسم السابق

على أكثر من صعيد، لا تبدو عيوب الموسم الحالي حتى الآن سوى امتدادا لخطايا الموسم السابق. ففي المواسم الأخيرة من مسلسلات التلفاز، نشهد عادة عدة مشاكل ترجع أغلبها لضيق الوقت ورغبة صناع العمل في الإسراع للنهاية.

  

أحد تلك المشاكل الملاحظة بشكل واضح الآن في صراع العروش هو سوء البناء وقصر وقت التمهيد. خذ مثلا العلاقة العاطفية التي نشأت في الموسم السابق بين جون ودانيرس، وقارنها بأي من العلاقات  التي نشأت في المواسم السابقة. ستجد أن العلاقات الأخرى كلها قد تم التمهيد لها بتأني وعبر تفاصيل صغيرة، جعلت وقوع الشخصيتين بعدها في الحب أمرا تلقائيا وجميلا. أما علاقة جون وداني، فبدت متسرعة وجاءت بلا أي مقدمات تقريبا. يقول الناقد تود فانديروف عن هذا: "لا يوجد ثقل عاطفي لعلاقة جون وداني، فبناء الأحداث يجعل الأمر يبدو كما لو أنهما ارتبطا فقط لخلق التواءة حبكة مثيرة، وليس لأنهما منجذبين لبعضهما البعض".[5]

  

وتبقى علاقة جون ودانيرس التي يشوبها الكثير من الاصطناع أحد نقاط الارتكاز الأساسية للموسم الحالي، وتشغل جزءا لا بأس به من كل حلقة. ومن ذلك بالطبع حلقة "آخر آل ستارك"، التي واجه الاثنان فيها بعضهما البعض فيما يخص حقيقة نسب جون باعتباره الوريث الشرعي للعرش، وابن أخ دانيرس. بدا الاثنان في ذلك المشهد أقرب لسياسيين يتفاوضان، منهما لحبيبين يناقشان مسألة قد تضع نهاية لعلاقتهما. وهو شيء مؤسف بالطبع، فقد كانت العلاقات العاطفية وتعقيداتها أحد أهم محركات الأحداث في صراع العروش، والآن بدلا من عشق روب لتاليسا الذي أودى بآل ستارك في الحرب، وعشق إيجريت لجون سنو الذي أنقذ حياته أكثر من مرة، وعشق رايجار تارجاريان لليانا ستارك الذي غير مصير الممالك السبعة، لا نجد سوى تلك العلاقة الباهتة والباردة بين جون وداني.

     

   

بالإضافة لهذا، ورغبةً أيضا في تسريع الأحداث للوصول للنهاية، تم ضغط أوقات السفر بشكل غير مقنع على الإطلاق. ربما أفضل مثال على هذا هو وصول دانيرس في الموسم السابق لما وراء الجدار بعد مشهدين اثنين من بعث جندري لغراب يطلب عونها في انقاذ جون والبقية من السائرين البيض. وفي هذا الموسم أيضا، تصل دانيرس وأسطولها لكينجزلاندينج في الجنوب بعد مشاهد قليلة من كونها في ونترفيل في الشمال. قد لا يكون هذا عيبا في المواسم الأخيرة، لو أن المواسم الأولى لم تؤسس لكون المسافة بين جنوب ويستروس وشمالها شاسعة، عادة ما استغرق قطعها حلقات عدة، وليس بضعة مشاهد كما نرى الآن.[6]

 

يبدو عامةً أن سوء الكتابة قد صار سمة أساسية في الموسم الأخير من صراع العروش، الذي سبق وأبهرنا بتطورات أحداثه وجودة وجمال حواراته. فحتى الإيقاع في حلقة "آخر آل ستارك" جاء مضطربا وغير متوازن. فالحلقة التي امتدت ثمانون دقيقة قضت أكثر من نصف ذلك الوقت في حوارات باهتة لم تطور الحدث ولا قدمت جديدا،  بينما تم ضغط الأحداث المهمة في آخر نصف ساعة فقط، ما جعل نصف الحلقة الأول بطيئا بشكل قد يبعث على الملل، ونصفها الثاني سريع بشكل مضطرب.

 

 الآن، ونحن لا تفصلنا فقط سوى حلقتين اثنين عن نهاية ملحمة عشقناها وعشنا معها ثمان سنوات من الإثارة والترقب، هل يا ترى يجد دافيد بينوف ودي بي ويس مخرجا ملائما يضعا عبره نهاية مبهرة لمتاهات حبكة "صراع العروش"، أم سيظلا يكتفيان بالحلول الكسولة التي لن ينتج عنها سوى نهاية، على أفضل تقدير، محبطة؟

آخر الأخبار