انضم إلينا
اغلاق
"بيزنس إحياء الموتى".. لماذا تصر هوليوود على إعادة طرح أبطالها؟

"بيزنس إحياء الموتى".. لماذا تصر هوليوود على إعادة طرح أبطالها؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

"لقد تحوّلت هوليوود من مصنع للأحلام إلى مصنع لسلاسل الأفلام" [1]

    

بهذه الكلمات، وصّف الناقد السينمائي ستيفن جايدوس الحالة المسيطرة على هوليوود الآن، حيث صارت الأستوديوهات تتجه بشكل متزايد في الآونة الأخيرة إلى التفتيش في نجاحاتها القديمة وإعادة بعثها على الشاشة من جديد، إما عن طريق تحويلها من وسيط إلى آخر، أو عن طريق إنتاج سلاسل لا نهائية من الفيلم الواحد. فعوضا عن المغامرة غير المضمونة التي تُمثّلها الأفكار الجديدة، تحبذ الأستوديوهات الآن الحيّز الآمن الذي يوفره لها إعادة تدوير نجاحات قديمة، فهوليوود على حد تعبير جايدوس باتت "مهووسة بالأفلام التي تُباع قبل أن تُنتج، تلك التي تم اختبارها سابقا في السوق، ويعرف مُنتجوها أن لها شهية وقاعدة جماهيرية كبرى لاستقبالها". [2]

  

وفي هذا السياق، يأتي اتجاه ديزني الآن في تحويل كلاسيكيّاتها القديمة من رسوم متحركة إلى أفلام "لايف أكشن"، في لعب واضح منها على وتر النوستالجيا والحنين إلى الماضي لدى الجماهير، والذي سيُترجم إلى ربح مضمون في شبّاك التذاكر. ويأتي فيلم "علاء الدين" كآخر إصدارات ديزني في هذا الاتجاه، حيث حوّلت ديزني فيلمها الذي أصدرته عام 1992 إلى فيلم لايف أكشن في هذا العام، ونظرا لكون هذا الفيلم مبنيا على إحدى كلاسيكيات ديزني المحبوبة التي لم يمر عليها وقت طويل نسبيا، فلن نستطيع الحكم عليه بلا عودة إلى الأصل. وفي هذه المقارنة، هل يا ترى سينجو فيلم اللايف أكشن من ظل فيلم الرسوم المتحركة ويستطيع أن يُثبت نفسه؟ أم أنه سيكتفي بالإيفاء بغرض ديزني في تحقيق إيرادات عالية دون أن يُقدم شيئا مميزا؟

     

ما أضافته النسخة الجديدة

  

يتبع الفيلم القصة المعروفة لعلاء الدين بكل خطوطها العريضة، إذ نتعرف على بطلنا الشاب الفقير الذي يقتات على سرقات صغيرة يقيم بها أوده، ويتقاطع في طريقه هذا مع الأميرة الجميلة ياسمين التي يقابلها مصادفة في السوق وهي متنكرة في زي امرأة من العامة ويقعان في الحب، ومع جعفر الوزير الشرير الذي يطمع في كرسي الحُكم.

  

يكلف جعفر علاء الدين بالذهاب إلى كهف العجائب وإحضار المصباح السحري دون أن يقول له شيئا عن الكائن الذي يقطن المصباح. وبعد حادثة لم يحسب أحد منهما لها حسابا، ينتهي المصباح في يد علاء الدين لا جعفر، ويصبح جني المصباح خادما له ويعطيه أمنيات ثلاث. لا يفكر علاء الدين كثيرا قبل أن يختار أمنيته، فيتمنى أن يصير أميرا حتى يتمكّن من الزواج من الأميرة ياسمين والتي من المستحيل أن تتزوج سوى بأمير وفق القانون، ما يجعل منه العقبة الجديدة في طريق جعفر، والذي لن يألو جهدا في سبيل التخلص منه حتى يضع يده على المصباح من جديد، ويجلس على كرسي الحكم كما يطمح.

  

أمام هذا الالتزام بالخطوط العريضة، وضع مخرج الفيلم جاي ريتشي لمسات جديدة على القصة ليجعلها مناسبة أكثر لروح اليوم. أهمها كان التغيير الذي أحدثه على شخصية ياسمين؛ فلعقود طويلة اعترضت الحركة النسوية على قالب "امرأة في ورطة" (A Damsel in Distress)[3] الذي تضع فيه ديزني قصص أميراتها، حيث تُظهِرهن دائما فتيات عاجزات في انتظار الأمير الوسيم الذي سيُخلّصهن من المخاطر، وتصبح أقصى أمانيهن في هذا القالب هو مقابلة ذاك الأمير والزواج منه. هنا، ومخاطبة لود ذلك التيار الذي صارت له اليُد العُليا في هوليوود، يجعل ريتشي من شخصية ياسمين فتاة طموحة، لا تعترض فقط على القوانين التي تُحتّم زواجها بأمير، بل تعترض أيضا على فكرة حصر الحُكم على الذكور، وتتمنى أن تصير سلطانة من بعد أبيها حتى تحكم مدينة أغرابا.

     

  

ويجعل فيلم اللايف أكشن أيضا شخصية ياسمين أكثر ذكاء وقوة من نظيرتها في الرسوم المتحركة، فبينما تستغل ياسمين عام 1992 جاذبيتها الأنثوية لتشتيت جعفر في أحد المشاهد حتى يتمكّن علاء الدين من اقتناص المصباح، تقوم ياسمين 2019 باستخدام الحيلة للإيقاع بالوزير الشرير. كما أعطاها ريتشي أغنية خاصة بها لم تكن موجودة في النسخة القديمة، تُعبّر فيها عن ضيقها من رغبة الجميع في إسكاتها، وعن رغبتها من التحرر من القيود المفروضة عليها.

   

كما أضاف ريتشي أيضا شخصية جديدة لم تكن موجودة في النسخة الأصلية، فجعل لياسمين وصيفة خفيفة الظل تقع هي والجني في الحب، ما يخلق العديد من المفارقات التي تجتذب الضحكات من الجمهور، وفي ذلك يرجع أكبر الفضل لأداء الممثلة الكوميدية ذات الأصل الإيراني نسيم بدراد. لكن المشكلة الحقيقية في الفيلم لم تكن فيما أضافه إلى نسخة الرسوم المتحركة، بل فيما سحبه منها.

   

البهرجة على حساب المضمون

على عكس نسخة الرسوم المتحركة، وبالرغم من زيادة مدة اللايف أكشن عنه بنحو 40 دقيقة كاملة، لا تحظى الشخصيات هنا بمشاهدها التأسيسية الخاصة. فتتشارك ياسمين أول مشهد لها مع علاء الدين، ويتشارك جعفر أول مشهد له مع السلطان، ويأتي جعفر هنا مختلفا بشكل كبير عن جعفر 1992.

    

  

فلا نجد أمامنا هنا الوزير العجوز الشرير ذاته ذا القسمات المخيفة والصوت المُرعب، بل شاب ثلاثيني وسيم لا يوجد في ملامحه ما يُوحي بالخطر. لا يقع العيب هنا على تسكين الشخصيات وحده، حيث كان من المفترض أن تُعطى الشخصية لممثل أكبر سنا وأكثر إيحاء بالشر من التونسي الهولندي مروان كنزاري، بل في تحوّل الوسيط نفسه من الرسوم المتحركة إلى لايف أكشن، فجزء كبير من هالة جعفر الشريرة أتت من طريقة رسمه في الرسوم المتحركة.

  

فقد جعل الرسّامون في النسخة الأصلية ارتباطه بالأفاعي موتيفة بصرية لا تقف فقط عند عصاه ذات رأس الأفعى التي يتحكم عبرها بالسلطان، بل تمتد لشكل جسده نفسه وحركاته. فيظهر جعفر الرسومي بجسد طويل ونحيف يتلوى ويتحرك بشكل يبعث على الخوف، وأصابع طويلة ونحيفة أيضا كأنها أفاعٍ صغيرة مثبتة في يده.[4] وجاء استخدام الألوان في مشاهد جعفر بشكل واعٍ أيضا ومُعبّر، فتغلب على تلك المشاهد الظلال السوداء والحمراء، ففي أول لقطة يتشارك فيها المشهد مع السلطان، لا نراه هو نفسه، بل نرى ظله الطويل الأسود الذي يخيّم على السلطان قصير القامة وكأنه يبتلعه، في تعبير بصري ذكي على سيطرة جعفر على مقاليد الأمور وقوته التي تتجاوز السلطان.

  

وبالرغم من الصورة المنفجرة بالألوان التي تمتلكها نسخة اللايف أكشن، فإن كل تلك الألوان تأتي فقط لتحقيق صورة جذّابة بصريا تصل أحيانا كثيرة إلى حد البهرجة، دون اهتمام بأن يكون لتلك الألوان دلالات ما تنعكس على الفيلم. وذلك على عكس نسخة الرسوم المتحركة، التي تستخدم الألوان بشكل واعٍ وبسيط تعبّر خلاله عمّا تريد، كما جاء تماما مع شخصية جعفر.

    

  

الأمر ذاته الذي حدث في الألوان نجده في الموسيقى، فمع احتفاظ نسخة اللايف أكشن بمعظم الأغاني الأصلية مع إضافة تعديلات بسيطة على كلماتها، نجد أنها استبدلت موسيقى أخرى جديدة بموسيقى الرسوم المتحركة التصويرية، التي حازت على الأوسكار عام 1993. وعوضا عن سولوهات الكمان الرقيقة الموجودة في النسخة الأصلية، نجد هنا موسيقى أوركسترالية أكثر صخبا، وأقل قدرة على التعبير.

  

قد تتساءل: لماذا يا تُرى هذا الفارق الكبير في مدة الفيلم اللايف أكشن عن فيلم الرسوم المتحركة في حين لا توجد اختلافات جوهرية في القصة؟ ستأتي الإجابة في مطّ النسخة الجديدة للاستعراضات الغنائية، وإضافة استعراضات راقصة بلا أهمية حقيقية في القصة، دمج فيها المخرج بين رقصات بوليوود ورقصات الهيب هوب في سبيل زيادة جرعة الإبهار دون أن يوجد في السياق ما يستدعي هذا. هذا بالإضافة إلى تعقيد تسلسلات الأكشن بشكل ربما ظن المخرج أنه سيجعل الفيلم أكثر إثارة؛ وقد أضر كل هذا بإيقاع الفيلم، فأتى مترهّلا مقارنة بالنسخة الأصلية ذات الإيقاع المضبوط تماما.

  

بطل الفيلم: صُنع في مصر

"مينا مسعود" في دور "علاء الدين" (مواقع التواصل)

  

بالرغم من كل تلك العيوب والتقييم النقدي المنخفض نسبيا، حقق الفيلم إيرادات تُقدّر بـ618 مليون دولار. فخلطة ديزني التي تسير عليها الآن، من إخراج إحدى كلاسيكيّاتها من الخزانة، ووضعها في حلة جديدة مع إضافة الكثير من المؤثرات البصرية الخاصة وإسناد دور رئيسي لنجم شباك، لم تفشل ولا مرة حتى الآن في تحقيق الأرباح المرجوة في الولايات المتحدة وكل أنحاء العالم.

  

كما لاقى إسناد دور البطولة للمصري مينا مسعود صدى قويا عند العرب، حيث يُمثّل بطولة مصري في أحد أفلام ديزني حلقة جديدة من سلسلة الأسطورة التي تأسر المخيال العام للمصريين، والتي تتلخص في سفر واحد منهم لبلاد الغرب وتحقيق نجاح ساحق فيها؛ تلك الأسطورة نفسها التي سبقه إليها في الآونة الأخيرة لاعب الكرة محمد صلاح والممثل رامي مالك. وقد بدا مينا نفسه واعيا لتلك النقطة، فأطلق فيديو ترويجيا للفيلم يتحدث فيه بلهجة مصرية ويدعو أهل بلاده ليروا فيلمه، خاتما التسجيل بـ "تحيا مصر" ثلاث مرات. كما حرص في لقاءات أجراها بالعربية على التركيز على تأثير الثقافة المصرية والعربية عليه، في خطب ود لجماهير المنطقة.

    

  

يبدو من كل هذا أن ديزني تبذل مجهودا كبيرا حقا في التسويق، لكن إلى أي مدى ستظل تعتمد على إعادة تدوير نجاحاتها القديمة وطرحها مع خطة تسويقية ذكية، دون أن تأتي بأي إبداع حقيقي؟ الخلطة مضمونة على الورق، وتُثبت نجاحها مرة بعد الأخرى، لكن الجمهور سيمل يوما ما من ابتلاع الشيء نفسه، ولن يُرضي ذائقته سوى شيء جديد. وحينها، ستكون ديزني أمام اختبار حقيقي. 

آخر الأخبار