انضم إلينا
اغلاق
"Ad Astra".. رحلة البحث عن معنى الوجود

"Ad Astra".. رحلة البحث عن معنى الوجود

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

في غابر الزمان، هبط آدم من جنة عدن إلى كوكب الأرض في رحلة لا نعرف تفاصيلها، ربما استغرق الأمر ثواني معدودة، وربما أياما، لكنه عبر هذا الانتقال، هبط إلى حياة جديدة غريبا في عالم لا يعرف عنه شيئا، لكنه مع هذا الهبوط اختبر ما هو أصعب وأكثر إيلاما، انفصل عن الله، واتسعت المسافة بينه وبين الخالق، وأدرك كم هو محدود في خضم الكون الفسيح. وبات عليه أن يجتهد ليفتش عن سُبل للحياة على الأرض التي يقف عليها لينسى أمر الجنة ورغد الحياة بالأعلى.

   

البحث عن "الأب الغائب"

يُقدِّم المخرج والكاتب الأميركي "جيمس جراي" في أحدث أفلامه "Ad Astra" أو "إلى النجوم" -والذي شهد عرضه الأول هذا العام في مهرجان فينيسيا السينمائي- رحلة جديدة في عالم أفلام الخيال العلمي، الزمن فيها هو المستقبل القريب، والمهمة الدرامية أن يسافر بطل الفيلم (روي ماكبرايد/براد بيت) إلى الفضاء في مهمة سرية للبحث عن والده رائد الفضاء (كليفورد ماكبرايد) الذي سافر منذ ثلاثين عاما في رحلة فضائية إلى كوكب نبتون ولم يعد، خاصة بعد وجود احتمالات أن يكون الأب حيًّا بالأعلى وأنه هرب عن قصد بلا رغبة في الاتصال والعودة، يُحمّل البطل بمهمة البحث عن الأب الذي تخلى عنه ولطالما تمنّى ألّا يكون مثله، ليكتشف في النهاية أنه نسخة أخرى من والده التائه في الفضاء، وهو أمر إذا جردناه من السياق الفانتازي/الخيالي للفيلم ستبدو الحكاية فلسفية للغاية وتمتد جذورها في أعماق الأرض لا في اتساع الفضاء، وهذه المعالجة بالتحديد هي ما تجعل "As Astra" مختلفا عن غيره من أفلام هذا النوع السينمائي.

  

  

"كل الإجابات التي ننشدها خارج متناول أيدينا"

(الفيلم)

     

يطرح الناقد الأميركي برايان تاليريكو فرضية مهمة تقودنا إلى مفاتيح فيلم "Ad Astra"، يقول برايان: "غالبا ما يتعلق الخيال العلمي بالبحث عن معنى"[1]، وإذا فتشنا عن المعنى وراء فيلم جيمس جراي سيكون سؤال "الأب الغائب" أول تساؤل يطرح نفسه أمامنا، لماذا غاب "الأب" في الفضاء وترك "الابن" وحيدا على الأرض؟ يُلقي روي باللوم على الأب الغائب، يقول: "أنا أفعل ما أفعله الآن بسبب أبي"، هنا تُعيدنا من جديد ضبابية المشهد أمام اللحظة الأخيرة المتخيلة التي يستند عليها الفيلم، وكأن آدم يرفع أقدامه عن آخر آثار له في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض، ويسأل نفسه: لماذا تركني الله؟ ولماذا أنا وزوجتي هنا وحيدان بدونه؟ وهل أنا مُقصًى ومغضوب عليّ بسبب ذنبي أم بسبب عدم مغفرته؟ يتقاطع هذا الحديث الداخلي المتخيل مع أسلوب سرد الفيلم الذي يميل إلى الشاعرية، يسرد "روي" أحداث الفيلم، نرى بعيونه ونستمع إلى "مونولوجاته" الداخلية ونقتفي أثره طيلة الوقت ونبحث معه عن المعنى الغائب في الفضاء السرمدي كأن روي هو امتداد آخر لآدم في غياهب الأرض واتساع الفضاء.

  

دعونا نتأمل معا لوحة "الفضاء" للفنان الكازاخستاني سولي بابانوفا والفنان أليبا بابانوف، والتي تجتمع فيها المساحات الممتدة للأرض في التكوينات المتداخلة للجبال، وبأعلى اللوحة نرى انعكاس الجبال والأرض في السماء، إنها بمنتهى السلاسة لوحة فنية تبلور انعكاس السماء والأرض، كل ما هو بالأسفل له انعكاس بالأعلى كأنها مرآة كاشفة، هذا هو جوهر العلاقة الوثيقة بين الأرض والفضاء الكوني تشعر به من مزيج الألوان متناقضة التراكيب والتي تبدو كأنها سابحة في زُرقة الحياة الأبدية[2].  

  

لوحة "الفضاء" للفنان الكازاخستاني سولي بابانوفا والفنان أليبا بابانوف (مواقع التواصل )

     

يساعدنا المعنى وراء اللوحة على فهم المساحة التي يستغلّها الفيلم ليفتش عن المعنى، في "Ad Astra" أراد جيمس جراي أن يصعد إلى الفضاء ليفهم طلاسم الأرض، ليفتش عن ضالته في الأعالي، الأمر أبعد وأكثر عمقا من مجرد رحلة ابن يبحث عن أبيه، هي جذور عميقة لا تجني ثمارها وأنت مثبّت على الأرض، عليك أن تقفز قليلا، أن تتخلى عن قوانين الجاذبية لتفهم نفسك في خضم الكون المحيط بك لتلمس هويتك، لتعرف مَن أنت؟ وأين موقعك في رحابة العالم الأثير؟

 

دراما الفضاء

يعقد المتفرج أثناء مشاهدة "Ad Astra" مقارنات بينه وبين أفلام الفضاء والخيال العلمي التي شاهدها من قبل، نتذكّر أحدثهم "جاذبية" (Gravity)، "بين النجوم" (Interstellar)، "المريخي" (The Martian)، وغيرها من أفلام جعلت علاقتنا بصورة الفضاء في السينما مألوفة، نعرف أن الجاذبية تنعدم وأن الألوان يغلب عليها الرمادية والزرقة، وأننا على مشارف مغامرة مثيرة لإنقاذ البشرية.

 

في "Ad Astra" لم يوظّف جيمس جراي الكثير من زمن الفيلم ليُعرفنا على طبيعة الحياة في الفضاء، بل إن الصورة نقلت لنا تلك الحياة بعادية مقصودة، والتركيز الرئيس كان على وجه البطل "روي" المقيّد والمختنق في زي رائد الفضاء إلى أن هبط إلى سطح القمر، لنجد أن هناك حياة بالفعل، محال تجارية وبشر يمشون في الطرقات من العرب والأفارقة والآسيويين ومختلف الجنسيات، لم تُسلّط الكاميرا عليهم بتمعّن وتلصص بهدف أن يصلنا الشعور بالعادية، لتخبرنا أن المستقبل يحمل لنا هذه العادية، نعم تحققت النبوءات وأصبحت هناك حياة على سطح القمر والفيلم ليس منشغلا بهذه التفاصيل، أو كما يقول تيم جريرسون: "الفيلم أقل اهتماما بالفانتازيا في مقابل استخدام الهدوء البارد للكون باعتباره رمزا لعمق العزلة الروحية للبطل روي"[3]. يخوض الفيلم رحلة خارجية ليستكشف الدواخل البشرية ويُلقي تساؤلا جديدا وعابرا: بعد هذا الإنجاز البشري؛ هل وجد الإنسان ضالّته؟

   

  

حالة من الشاعرية تُغلّف الحبكة الدرامية، بصورة سينمائية بديعة نرى الفضاء الشاسع في الدقائق الأولى من الفيلم ثم روي وهو يهبط من الأرض إلى سطح القمر، جسده يهتز ووجهه ثابت وملامحه يكسوها الشعور بالرتابة وفي الخلفية نستمع إلى موسيقى ماكس ريختر لتصلنا حالة من الانسجام والتناغم تدور في مخيّلة روي، رحلة معتادة كأي شخص يذهب كل يوم إلى العمل، رحلة مملة ومتكررة وعادية لا تحمل مشاعر جديدة، لا شيء سوى أصواته الداخلية والوصايا التي تُذكّره أن يبقى بعيدا عن المخاطر. يتحدث ماكس ريختر عن طفولته وأمنياته أن يصبح رائد فضاء، لكن الأمر كان مستحيلا عليه، هنا يضع ماكس كل مشاعره الحميمة في تأليف موسيقى الفيلم، في الخلفية المصاحبة لهذا البطل رائد الفضاء الذي تمنى يوما أن يكون مثله لنصل معه إلى أعماق روي بدون مجهود زائد، فقط بالموسيقى[4].

  

يسير روي في أحد المشاهد بين زملائه مرتديا زي رائد الفضاء، جسده مغلف من رأسه حتى قدميه، يقول: "أرى نفسي بالداخل، أبتسم بالداخل، رجاء لا تلمسني". زي الفضاء يحمل كناية القوقعة التي يغرق فيها الإنسان ليعزل نفسه عن محيطه، وحدة داخلية بين الجموع، وحدة نعرفها جيدا، لكن الفارق أن روي وحيد في قوقعة إجبارية في الفضاء وبعيد عن الديار. يبدأ روي في رحلة البحث عن أبيه الغائب، رحلة هادئة غير مدفوعة بالشغف أو الغضب، مشاعرها هادئة وإيقاعها خفيف إلى أن يحدث اللقاء ويجتمعا معا.

  

"إنها قصة ابن يعيش في ظلال أب بطولي ويحاول التوفيق بين الواقع والخيال"[5]

  

   

  

مشاعره مضطربة ولا يعرف إن كان يريد حقا أن يعثر على أبيه التائه في الفضاء أم لا، مدفوعا بقواعد المهمة يستمر روي في رحلة البحث إلى أن يسمع صوتا يناديه من أعلى "روي! هل هذا أنت؟"، يرفع روي نظره إلى الأعلى كما يتطلع بنو آدم بالنظر إلى السماء على أمل رؤية الله، إنه أبوه بالفعل، ما زال حيا، يطلب روي منه أن يعود معه إلى الديار، يرفض الأب العودة وملامحه تنطبع عليها القسوة والعناد، يمد له روي يديه كما يمد آدم يده إلى الله في لوحة مايكل أنجلو الشهيرة، لكن الفارق أن روي يبادر بمد يده لأبيه بينما يبعد الأب يده مخافة الإيذاء من لمسة الابن، تبدلت الأدوار وتبدلت المشاعر ولم تتبدل الرحلة.

   

يشبه بحث روي عن أبيه رحلة البحث عن الله، البحث عن معنى وجود الحياة، حظ روي أنه في نهاية الرحلة وجد أباه، لكن ماذا بعد العثور عليه؟ قال الأب بعد أن عرف برحلة ابنه في البحث عنه: "أنا فخور بك". ربما لم يكن ليفخر به لو أن الابن نسيه، ولن يفخر بنا الله أيضا لو أننا انغمسنا في الحياة بالأسفل ونسيناه ونسينا أن هناك فضاء واسعا يتسع لأفكارنا وهواجسنا وشكوكنا وإيماننا أيضا. لا يمكن أن نفصل شخصية الأب في الفيلم عن رمزية الخالق، فبظهوره بدأ حديثه مع ابنه بنبرة منهكة عن الإيمان، الآن بتنا نعرف أن الأب لم يفتش عن الحياة بعيدا عن الأرض فقط، بل إنه يُشكّل هجوما عليها ليتخلّص منها، كل الأخطار التي تُهدّد الأرض حدثت بسبب الأب، بسبب غياب الأب.

   

جيمس جراي (باليمين) مخرج فيلم "Ad Astra" (غيتي)

       

يتنبأ الناقد برايان تاليريكو أن سينما المخرج جيمس جراي سوف تحتل مكانا مميزا في المستقبل، فهي تقول شيئا عن أسئلتنا عن معنى الوجود والحياة، ويستطرد: ""Ad Astra" خاطب مشاعري بطريقة لم أكن أتوقعها من فيلم خيال علمي"، وهو الشعور نفسه الذي آنس أغلب الجمهور في قاعات السينما. وأضيف إلى تنبأ برايان أن الممثل براد بيت يُعيد نفسه هذا العام إلى مكانة خاصة غاب عنها لسنوات يمكننا تسميتها التمثيل السهل المتقن بدون مجهود زائد، صعوبة شخصية روي تكمن في هدوئه وقلة انفعالاته وثبات ملامحه المختبئة خلف قناع الفضاء، لكن براد بيت استطاع أن يصل بنا إلى أعماق شخصية روي بصوته ونظراته المرتبكة ووجهه الثابت كقناع يخص روي وحده.

  

لا تتوقف خواطر روي، يسأل نفسه: "لماذا أمضي قُدما؟ لماذا أستمر في المحاولة؟"، كأنه يضع أمامنا أسئلتنا الشخصية، تلك التي نواجهها كل صباح والتي تطاردنا في مكاتب العمل، في البيوت، في الأسواق التجارية، في زحام السير، تتسارع خطواتنا ونتساءل: "لماذا؟"، عشرات الأسئلة تلاحقنا، تحلّق في سمائنا وفي امتداد الفضاء، وعبثا لا نعثر على إجابة سؤال تبدأ بـ"لماذا؟". الأب غائب، تركنا وحدنا، والحياة أسرع من أن نوقف عجلاتها، ليس بالإمكان سوى التساؤل والمُضي قُدما، بالثبات والتشكك، بالرغبة والفتور، نقاتل في الحياة ونعيشها ونواجهها كما يسأل روي: "ما الذي نفعله هنا؟!".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار