انضم إلينا
اغلاق
مقابلة مع مخرج Parasite.. كيف فسرت أفلامه موقفه من الرأسمالية المتأخرة؟

مقابلة مع مخرج Parasite.. كيف فسرت أفلامه موقفه من الرأسمالية المتأخرة؟

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      
مقدّمة الترجمة
هذه مقابلة أجراها المخرج وصانع الأفلام الكوري بونغ جون مع مجلّة "نيويورك" بعد أن فاز فيلمه "طفيلي" (Parasite) بجائزة السعفة الذهبية بإجماع لجنة التَّحكيم، ليكون أوَّل فيلم كوري في التاريخ يظفر بهذه الجائزة، إلى جانب جائزة الأكاديمية الأميركية "الأوسكار"، التي حصدها المخرج قبل أيام في الولايات المتحدّة.

  

نعرف من هذه المقابلة، التي لا تخلو من خفّة الظل، أنَّ جون درس علم الاجتماع في سنوات الشباب، وأنَّ أفلامه، بالتبعية، تشرح موقفه من الرأسمالية المتأخّرة، والصّراع ؤ في كوريا، والعولمة، إلى جانب أنَّها تساعدنا في فهم أساليبه الفنيّة المُتَّبعة في الإخراج السينمائي.

   

نص المقابلة

لقد حَمَلَت المواجهةُ بين "بونغ جون هو" والمنتج الأميركيّ "هارفي وينشتاين" على خلفيّة قصّ مشاهد من فيلم "محطم الثلج" (SnowPiercer) الملامحَ الكاملة لمشهد قد يرغب المخرج الكوري بتصويره بنفسه. الدّراما في أوجها: الصَّانعُ الكوري في مواجهة الأخرق الأميركي، أو لعلها الأسئلة الفلسفيّة لنزاهة العمل الفني في زمن الاستهلاك الجماهيريّ؛ مشهد من مشاهد الكوميديا السوداء.

     

بعد فوز بونغ جون هو بجائزة الأوسكار عن فيلمه "طفيلي"(رويترز)

    

فيلم "محطم الثلج" (SnowPiercer) هجين أنيق، ذلك أنَّهُ يظهر كفيلم إثارة مصقول بثيمات وموضوعات ثوريَّة، يتناولُ موضوع التمرّد الطبقيّ في أجواء من ديستوبيا الخيال العلمي، بقيادةِ بطلِ فيلم "كابتن أميركا" "كريس إيفانز" شخصيّا. لكنه برغم جاذبيّته المتفجّرة، كان قد نَحُلَ في غياهب شركة وينشتاين الأميركيّة التي قامت بشراء حقوق توزيع الفيلم عام 2012، بعد أن طالب وينشتاين، بدلا من إعطاء بونغ موعد إطلاق فوريا، بإجراء تعديلات، وقصّ 25 دقيقة من عمر الفيلم. لقد كان يريد مزيدا من الإثارة، "المزيد من كريس إيفانز".

 

يخبرني بونغ في أثناء تناولنا طعام الإفطار صباحا في لوس أنجلوس: "كانت تلك مجابهة ملعونة، لقد كنتُ حتى تلك اللحظة شخصا قد نُشِرَ له من الأفلام بمقدار ما أراد ’مِقَصّ المخرج‘. لم أكن من قبلُ قد حذفت أشياءَ لا أريدُ حذفها". ومع ذلك، يقول بونغ إن "لقب وينشتاين هو ’هارفي يدُ المقصّ‘، ولقد كان فخورا أيّما فخر بقصّ الفيلم". يتذكّر بونغ اللقاء المشؤوم الذي جمعهُ بوينشتاين في أستوديوهاتِ "ترِيبيكا" عندما تعيَّن عليه مشاهدة الفيلم برفقته، فأشار وينشتاين إلى عدد من المشاهد التي أراد قصَّها، قائلا: "عظيم، أنت عبقريّ. والآن سنقوم بقصِّ الحوار".

 

كان تلك خسارة لبونغ، فقد بدا قصُّ 25 دقيقة من عمر الفيلم أقرب إلى استئصال عضو حيويّ. بدون الحوار، ظهر الفيلم متفسّخا، وبدت دوافعُ الشخصية فاقدة لأي معنى. في ذلك اليوم، تمكّن بونغ من إنقاذ مشهد واحد، هي اللحظة التي يُلقي فيها حارسُ القطار بسمكة أمام المتمردين بغرض تخويفهم. لقد أحبَّ بونغ ومصوّرهُ السينمائيُّ تلك اللحظة. أمّا "هارفي فقد كان يمقتُها: ’لماذا السمكة؟ نريد الإثارة‘!"، كما يتذكّر بونغ. "شعرت بالصداع في تلك اللحظة، ماذا أفعل؟ لذا، وباعتباطيّة، وجدتني أقول: ’هارفي، هذه اللقطة تعني لي شيئا شخصيا’".

   

     

- "أوه بونغ! ماذا؟".

- يجيب بونغ: "إنّه أمر شخصيّ، لقد كان أبي صائد أسماك. هذه اللقطة إهداء له".

يلين وينشتاين على الفور قائلا:

- "كان عليك أن تقولَ شيئا من قبلُ يا بونغ! العائلة هي الأهم، أما زلت تحتفظ باللقطة؟".

يردُّ بونغ:

- "شكرا لك".

 

يقول بونغ، منتشيا: "كانت تلك كذبة لعينة. والدي لم يكن صائدَ أسماك". برغم ذلك، امتدَّ الخلاف لشهور، بعد أن قام وينشتاين بعرض نسخته المعدّلة لجمهور تجريبيّ يتألف من 250 مشاهدا في باراموس، نيوجيرسي، داخل مجمّع سينمائي. كان بونغ قد اعتقد جازما بأن ردود الأفعال ستكون إلى صالحه، وهو ما حدث بالفعل، فمع استئصال حصة كبيرة من الحوار، هيمنت الحيرة على المشاهدين وذهبوا إلى إعطاء الفيلم تقييمات متدنيّة. يقول بونغ: "في داخلي، كنتُ سعيدا لأنَّ التقييمات كانت سيئة، لكنَّ وينشتاين خرج يقول: ’بونغ! أجل، التقييمات سيئة جدا، دعنا نقم بقصِّ المزيد‘".

 

يواصلُ بونغ قاصّا حكايته: "كان الأمر كله عبارة عن كوميديا سوداء، إنْ كان هذا فيلمَ شخص آخرَ وكنتَ تصوّر وثائقيا حول الوضع، فسيكون الأمر كوميديا لأبعد حد، لكن لسوء الحظ، فقد كان هذا فيلمي أنا". يقول بونغ إنَّه عزم على حذف اسمه من شارة الفيلم إن تعقّدت الأمور أكثر من ذلك وأصرَّ وينشتاين على نشر نسخته المعدَّلة، لكن المخرج الكوريّ انتصر في النهاية، إذ كَفَلَ له عقدُ التوزيع عرضَ النسخة الأصلية لجمهورِ اختبار آخر في باسادينا، كاليفورنيا، ونال تقييمات أعلى بكثير. في هذه الأثناء، كانت أخبار الصِّراع قد تسرّبت للصحافة، حيث أراد أهم النقاد السينمائيين، ونجوم الفيلم، بمَن فيهم جون هيرت وتيلدا سوينتون، مشاهدة نسخة بونغ دون مساس. تنازلَ وينشتاين عارضا تسوية، وسلَّم الفيلم إلى شريك مستقل في شركته، "Radius". لكنْ بدلا من إصدار الفيلم على مستوى جماهيري، عُرِضَ على نطاق محدود، يقول بونغ: "ربما بالنسبة إلى وينشتاين، كان الأمرُ نوعا من العقاب لصانع أفلام لا يُنفّذ إملاءَاته، أما بالنسبة لي، فقد كنا جميعا سعداءَ بما حدث".

   

فيلمُ "المضيف" (the host) (مواقع التواصل)

    

بالنسبة إلى مُشاهد يألَفُ أعمالَ بونغ، فإنَّ دلالة الصراع واضحة، ذلك أنَّ أفلامه عادة ما تتمركزُ حول جموع من المستضعفين الذين يحاربون قوى سلطويَّة. كان فيلمُ "المضيف" (The Host) قد تناولَ عائلة كوريّة كادحة تجدُ نفسها في معركة ضدّ وحش ضخم يسكنُ النهر تَشكَّل من مخلّفات أنشطة محظورة قامت بها قوات الجيش الأميركي قرب النّهر، بعد أن طلب مسؤول أميركيّ من تابع كوري سكبَ المئاتِ من عبواتِ الفورمالدهايد في البالوعةِ مباشرة (وهي حادثة وقعت بالفعل في سيول عام 2000)، لتؤدّي تلك العبواتُ في النهايةِ إلى نشوءِ وحشِ يبثّ الرعبَ في نفوسِ سكّان سيول (هذا الجزء لم يحدث). والفيلم استعارة واضحة لغطرسةِ القوى العظمى العالمية على الدول الأصغرِ مثل كوريا.

   

في فيلم "أوكجا" (Okja)، الذي تلا إصدار "محطم الثلج" (Snowpiercer)، تحاول البطلةُ وهي كورية شابة من الريف إنقاذ حيوانها الأليف، الخنزير الضخم من قبضة الشركات متعددة الجنسيات. وقد عمد بونغ إلى دسّ نكتة خفيّة عن محنته مع وينشتاين، عبر إعداد مشهد المسلخ الأخير في باراموس، حيث قام وينشتاين بعرض نسخته من الفيلم. في نهاية المطاف، فقد كان بونغ يحسّ بشيء من مشاعر أوكجا، الخنزير الضخم وهو يُقتادُ من كوريا إلى نيويورك لكي يُجرَّ على طول الطريق إلى باراموس ويتعرّض للقص والتقطيع للاستهلاك الجماهيري، لكنْ كما ستخبرنا الحكاية، فإنَّ كلًّا من الخنزير والفيلم ينجو بسلام.

 

نتّجه أنا وبونغ غربا بالسيّارة إلى الفندق حيث يقيم في بيفرلي هيلز، إنه في خضم جولة مهرجان أميركا الشمالية للأفلام، حيث يُعرض فيلمه الجديد "طفيلي" (Parasite). وبالطبع، فقد كنت أتجنَّبُ الحديث عن حملة جوائز الأوسكار، الذي بدَا بأنه موضوع يسلّيه عن بُعد فقط. لكنني سألتُه عن رأيه بحقيقة أنَّه لم يحدث أبدا أن ترشّح أيُّ فيلم كوري لجائزة أوسكار برغم التأثير العريض لكوريا على السينما الأميركيّة طيلة العقدين الماضيين. يقولُ هازًّا كتفيه: "إنه أمر غريب، لكنّها ليست بالمسألة المهمة، فالأوسكار ليست احتفالية أفلام دولية، إنها محلية جدا".

   

  

مع ذلك، فمن الصعب عدم الشعور بأنَّ بونغ قد يتمكّن من دخول التاريخ "المحلي". في عالمِ ما بعدَ-Roma، لعلّ "طفيلي" (Parasite) قد لا يترشح لجائزة أفضل فيلم دولي فحسب، ولكن أيضا لجائزة أفضل تصوير وأفضل إخراج. لقد حظي بونغ سابقا بعام رائع، ففي مهرجان "كان" السينمائي في الربيع، كان بونغ أوّل مخرج كوري يحصد جائزة السعفة الذهبية، بإجماع لجنة التحكيم، وكانت الصَّحافة الكورية مبتهجة جدا إزاء هذه العودة. "قلّما يأبه النَّاس هنا بمهرجانات الأفلام، لكنني أعتقدُ أنَّ التركيز منصبّ على المركز الأوّل".

 

بات اسم المخرج ماركة عالمية في كوريا الجنوبية منذ فيلمه "المضيف" (The Host)، الذي كان الأعلى حصدا للإيرادات في تاريخ البلاد ذلك الوقت. أمَّا "محطم الثلج" (Snowpiercer) فقد وسَّع نطاقه متيحا له التفكير بشكل أكثر عالميّة. ثم جاء "أوكجا" (Okja)، بتكلفة بلغت 57 مليون دولار أميركي، وكان أكبر أفلامه ميزانيّة في ذلك الحين، حيث صنعه بالاتفاق مع "نتفليكس" بعد أن وضع شرط الإشراف الإبداعي الكامل. بعد تجربته مع وينشتاين، أراد بونغ أن يضمن بأنَّ ينص كل عقد يبرمه على منحه خيار التعديل النهائي. لم تُعارض "نتفليكس" أيًّا من مطالبه. يقول بونغ: "كانت الأستوديوهات الأخرى تقول بما معناه ’هل حقّا ستقوم بتصوير طفل يدخل مسلخا؟‘، وحدها "نتفليكس" ضمنت لي موافقة 100% على كل شيء، التعديل الأخير والتقييم".

 

صحيح أن النّطاق الذي قام عليه فيلم "طفيلي" (Parasite) أصغر من الفيلمين السابقين، لكنه ترك انطباعا بأنه عمل لصانع أفلام ألمعي يدخل طورا جديدا من مسيرته، مع الاحتفاظ بالعديد من لمساته الخاصّة، كالبصريّات الخلابة، الإحساس برعب خارق للطبيعة، وحسّ فكاهة مظلم ملتوٍ، ليضغطها في إثارة تمتدُّ لساعتين من الزمن. في البداية، تبدو هذه الإثارة وكأنها تحمل ملامح الكوميديا السوداء عن التفاوت الطبقي، بحيث تلائم موسم الاحتيال الذي نعيشه. يتتبع الفيلم عائلة كيم، التي تعيش في شقّة هي نصف قبو لا يخترقها نور الشمس إلا من نافذة ضيّقة تكاد تلاصق السقف. تلتقط أنفاسها عندما يتم توظيف ابنها الأكبر، كي وو، أستاذا للغة الإنجليزية لشابّة مراهقة من أسرة بارك فاحشة الثراء. يُعيد كي وو تسمية نفسه بـ "كيفن" ويساعد بقية أفراد أسرته على التسرّب إلى المنزل. يدّعي الجميع أنهم أشياء هم ليسوا عليها؛ تصبح الأخت "معالجة بالفنّ" للابن الأصغر، ويصبح الأب سائق السيارة، في حين يتم توظيف الأم مدبّرة للمنزل. والطريقة التي تتكشف فيها أحداث الفيلم منذ تلك اللحظة تشبه ألاعيب السّحر، ذلك أنّها تتناوب على تسلية المشاهدين وتحطيمهم، كلوح من الحلوى بشفرة حادّة في داخله.

   

   

يقول الممثل ستيفن يون: "إنّه قاصّ بارع، علاوة على أنّه يجيد الاستمتاع"، وكان يون قد عمل مع بونغ في فيلم "أوكجا" (Okja). تجد أفلام بونغ جذورها في تقاليد فئة أفلام الإثارة والرّعب التي تشقُّ الطريق في النهاية لواقعيّة ساحقة. ففيلم "ذكريات قاتل" (Memories of Murder) هو كوميديا سوداء مريرة عن انعدام كفاءة جهاز الشرطة، أمَّا "المضيف" (The Host) فهو اتّهام بالعجرفة الأميركيّة المموَّهة في فيلم عن وحش يسكن نهر الهان، في حين يكون فيلم "أوكجا" (Okja) قصّة هرب توتوريّة (1) إلى أن تبدأ أجهزة مصنع الحيوانات الزراعية بالدّوران والعمل. لكن في فيلم "طفيلي" (Parasite)، يكشف الاحتيال في النهاية عن شيء أكثر خُبثا: الثروة التي لطالما كانت تُبنى على الفقر، وأنَّ الاثنين محتجزان في صراع مستمرّ، فالفقير يتمنّى أن يكون غنيا، ولكي يصبح شخص ما غنيا، يجب على شخص آخر أن يُصبح فقيرا.

 

يعكس عملُ بونغ الأخير مؤرّقات يعيشها يوميا، كأزمة المناخ، وفجوة الدخل الآخذة بالاتّساع. "إنَّ أفلامي تبدو بشكل عام وكأنها تحتوي على جوانب ثلاثة: الخوف، والقلق، وفكاهة آتية من الإحساس بالذُّعر؛ ذلك أنَّ الفكاهة تأتي من القلق، أيضا"، مضيفا: "لكننا عندما نضحك، فثمة، على الأقلّ، شعور بأننا نتخطّى نوعا من الذعر". وفي رأيه، فعالمنا ديستوبيّ سلفا، وكل تراجيديّتنا وكوميديّتنا إنما تتدفق من هذه الحقيقة.

 

لكنّ "طفيلي" (Parasite)، على وجه التحديد، يضرب على وتر حساس بملامسة ذلك الإحساس المستمرّ بأننا على شفير انهيار اجتماعي. يقول بونغ: "إنَّ الرعب والخوف الحقيقيين في "طفيلي" (Parasite) لا يأتيان من مدى سوء الوضع الحالي، ولكن من اليقين بأنَّ الأمور سوف تزداد سوءا فحسب، وهذا هو خوفي الشخصي في الحياة. إنني في الخمسين من العمر حاليا، سأموت بعد حوالي 30 عاما. عمرُ ابني الآن 23 عاما. عندما يصل منتصف العمر، بعد موتي، هل ستتحسن الأحوال؟ لا أعلم. لست متفائلا جدا. لكن عليّ أن أحاول العيش بسعادة. لا يمكننا البكاء كل يوم".

     

  

ربّما كان السبب هو أنَّ "طفيلي" (Parasite) فيلم كوري بامتياز لكنّه يأتي بأصداء واسعة جدا. إن مِحَن ومقتضيات التاريخ الكوري الحديث، كالكولونيالية اليابانيّة، الحرب الكوريّة، الديكتاتوريّة العسكريّة، قد منحت جيلا كاملا من صنّاع الأفلام من أمثال "لي شانغ-دونغ" عن فيلم "احتراق" (Burning)، و"شان ووك-بارك" عن فيلم "الفتى العجوز" (Oldboy)، و"بونغ"، إحساسا يخطف الأنفاس بالضّرورة الملحّة. صناعة الفيلم الكوريّ تبدو متبصّرة اليوم بفضل تشابكاتها الأخيرة مع السلطويّة والفقر. لقد كان الأمر أقرب إلى تشابُك الأزمنة الحديثة مع السينما الكورية عن أن يكون تشابكا للأفلام الكورية مع الأزمنة الحديثة. يقول بونغ: "إن أفلام "أوكجا" (Okja) و"محطم الثلج" (Snowpiercer) و"طفيلي" (Parasite) هي، جميعا، قصص عن الرأسمالية".

 

وُلد بونغ عام 1969، وهو الابن الأصغر لعائلة تتكوّن من أربعة أبناء، في الجنوب الشرقي بمدينة دايجو، عندما كانت كوريا الجنوبية ترزح تحت سيطرة الديكتاتوريّة العسكرية. كان منزل عائلته يقع على مقربة من قاعدة عسكرية أميركيّة، وكانت بعضُ ذكرياته الأولى رؤية الجنود الأميركيين يعبرون بطائرات مروحيّة على علوّ منخفض وسط صراخ الأطفال بأيّة إنجليزيّة كانت طلبا لبعض السكاكر. "كان الأطفال يُنادون بأي نوع كان من الأسماء، بينما الجندي الأميركيّ يلوّح بيده؛ لا أقصد هنا استدعاء صورة مستوحاة من الحرب الكوريّة لأطفال يذرفون الدّموع، لكنَّ أولئك الأطفال كانوا موجودين حقا. كانت البلاد تعاني من الفقر المدقع".

 

كان والد بونغ يعمل في التصميم الجرافيكي والتصميم الصّناعي، كما أنه كان أستاذا جامعيا. في حين كانت والدته ربّة منزل، لكنّ والدها كان روائيا بارزا خلال فترة الاستعمار الياباني. غير أنَّ بونغ لم يلتقه أبدا، فقد تقطّعت أوصال العائلة بعد الحرب الكوريّة، وقضى جدُّه لأمّه بقية حياته يعيش فوق خط عرض 38 الذي ينصّف به الجزيرة الكورية، في بيونغ يانغ، في كوريا الشماليّة، وانضمّت إليه خالته أيضا. لم يرَ الأقرباء بعضهم بعضا مرة أخرى حتى بعد 56 عاما، عندما التم شمل الأسرة في حدث تلفازي عام 2006 عمل على لمّ شمل العائلات المتفرّقة.

   

يُلقي بونغ بأنظاره خارج نافذة السيّارة، مستذكرا زيارته الأولى إلى لوس أنجلوس الأميركية قبل أكثر من عقد مضى في جولة إعلاميّة لفيلم "المضيف" (The Host). "في ذلك الوقت، شعرت بأنَّ المدينة بدت غريبة جدا". فقد كانت مسطّحة وواسعة جدا، بدون العمودية والكثافة التي تعرّف مدنا مثل سيول. يقول لي بالإنجليزية: "كل شيء.. مبعثر جدا". إنّه يتكلّم بدقّة لا متناهية، كما قد يفعل أي متكلّم أجنبي، ثم يضيف: "لا يمكنني أن أتخيّل حدود المدينة. وأنا دائما ما أودُّ أن أعرف الحدود، هذه هي مشكلتي".

   

شخصيّات بونغ غير مهتمّة بالسياسة، لكنها ما تلبث أن تجد نفسها مجرورة إلى سلسلة من الأحداث هي أكبر منها بكثير: الرأسمالية العولمية، البنية التحتية الحكومية، القوّات السلطويّة

مواقع التواصل
  

ذهب بونغ إلى الجامعة لكي يدرس علم الاجتماع في "جامعة يونسي" في حيّ سينتشون في العاصمة سيول في عام 1988، الذي ترافق مع أزمات سياسية. يقول بونغ: "في كل أسبوع، كانت تُقام مظاهرات في الجامعة". في السنة السابقة وحدها، كانت كوريا الجنوبية قد وصلت نقطة الانفجار في نضالها من أجل الديمقراطيّة، عندما انتشرت أخبار أن قوّات الشرطة كانت قد عذّبت طالبا حتى الموت، مما أثار احتجاجات واسعة في أرجاء البلاد أفضت إلى انتخابات ديمقراطية. كان حرم الجامعات ميادين قتال مستمر تظاهر الطلاب فيها من أجل توسعة نطاق الحقوق الديمقراطية، والاتحادات العمالية، وإعادة الاتّحاد مع كوريا الشماليّة.

  

بحلول الوقت الذي كان بونغ قد تخرج فيه في الجامعة في عام 1995، كانت كوريا الجنوبية تخوض تشنّجاتها الديمقراطية الأولى. كما يتذكّر بونغ: "كنّا نكره الذهاب إلى الدروس، كل يوم هو نسخة عن اليوم الذي سبقه: الاحتجاج خلال النهار، الشرب خلال الليل. باستثناء قلّة، لم نكن نضع الكثير من الإيمان بالأساتذة في ذلك الوقت، فكنّا نُشكِّل حلقات مدارسة من تلقاء أنفسنا لتغطية السياسة، وعلم الجماليات، والتاريخ. كنا نشرب حتى وقت متأخر من الليل، نتكلّم ونتجادل". يضيف قائلا: "إنني لست ذلك النّوع من الأشخاص الذين يحبّون البقاء مع المجموعة، لذلك، حتى في أثناء التظاهر، كنت أترك الجمع وأذهب لمشاهدة فيلم. ربّما كان القادة المنظّمون للحشود يعتقدون بأنني ناشط سيئ".

 

كانت غيوم الغاز المسيّل للدموع موجودة بشكل شبه يومي خلال العامين الأوّلين له في الجامعة. "كانت الرائحة صادمة جدا، ومن المستحيل وصفها، مثيرة للغثيان، لاذعة، ساخنة. ومن الغريب، أحيانا، أنني أشتمّها في أحلامي. عادة ما تكون الأحلام صورا، لكنني في بعض الأحيان أخوض ذلك الإحساس بأنني أشمّها. إنّها فظيعة حقا، لكنني أعتقد أن هذا ما ينبغي أن تكون عليه".

 

في فيلم "المضيف" (The Host) تكون هناك آلة تفيض بمادّة تشبه الغاز المسيل للدّموع تُسمّى بـ "العميل أصفر" (Agent Yellow) بغرض فض المحتجّين. يقاوم أبطال الفيلم باستخدام المخلَّفات وأخلطة المولوتوف في مشهد من الواضح أن جذوره موجودة في النشاط السياسي للمخرج. ومع أن أفلامه عادة ما أخذت طابعا جذريا، غير أنها تجنّبت النبرة الوعظيّة. يشرح بونغ: "شخصية سونغ كانغ في "المضيف" (The Host) ليست لديها علاقة مباشرة مع أميركا، إنّه مجرد شخص أخرق يُدير كشكا على مقربة من نهر الهان". بحكم الطبيعة، فشخصيّاته غير مهتمّة بالسياسة، لكنها ما تلبث أن تجد نفسها مجرورة إلى سلسلة من الأحداث هي أكبر منها بكثير: الرأسمالية العولمية، البنية التحتية الحكومية، القوّات السلطويّة.

     

"العميل أصفر" (Agent Yellow) (مواقع التواصل)

    

في عام 1992، عادَ بونغ من عامين قضاهما في الخدمة العسكرية الإلزاميّة لإتمام عامه الدراسي الثالث في الجامعة. كانت قوانين الرقابة قد تَرَحْرَحَت بعض الشيء، وصالات السينما الصغيرة غير الرسمية على الطراز الفرنسي آخذة في الانتشار، وفرق البوب الغنائية "سيو تايجي" (Seo Taiji) و"بويز" (Boys) تُجري عروضها الأولى بكتابة أغنيات توجّه انتقادات متزايدة للجوانب المحافظة في الثقافة الكوريّة. تفتّحت مجلات الأفلام، وتفتّحت معها براعم ثقافة النقد، لقد "حصل انفجار في الثقافة الشعبية"، كما يتذكّر بونغ.

 

بعد عودته إلى الحرم الجامعي، كان بونغ شريكا مؤسسا لنادٍ سينمائي يُدعى "الباب الأصفر"، "وهو اسم أخرق جدا، كانت مناسبته أن باب النادي باللون الأصفر"، مع طلاب من جامعات مجاورة، "كنّا نشاهد الأفلام يوميا، نحللها، ونكتب النتائج"، كما يتذكّر. في تلك الفترة صنع أوّل أفلامه، بما فيها فيلمه القصير "بحثا عن الفردوس" (Looking for Paradise)، الذي تناول غوريلا تحاول الفرار من الأسر، وفيلم قصير آخر من فئة 16 ملم يُدعى "رجل أبيض" (White Man). أخبرته بأنني واجهت صعوبة في تعقّب الأخير. فَناشدني: "أتوسّل إليك ألا تراه"، معترفا بأنّه قام بدسّ الفيلم في نسخة أقراص DVD من فيلم "ذكريات قاتل" (Memories of Murder). "إنّه فيلم أخرق ممل جدا. إنه فظيع فحسب".

 

لكن بارك، الذي كانت شركته "Moho Film" قد أنتجت فيلم "محطم الثلج" (Snowpiercer)، لا يتذكّره بهذه الطريقة. لقد كانت تلك بداية التسعينيّات، وكان يعمل على فيلم مستقل، عندما هاتفه أحد أفراد الطاقم وقال له: "لقد وجدت لك أخيرا فيلما من الفئة القصيرة سيُرضي ذائقتك العجيبة في الأفلام". لقد شاهد بارك فيلم "رجل أبيض" (White Man) وقال: "إنُّه أُخِذَ على الفور بحس الدّعابة المُدهش للفيلم".

 

لكن كان على بونغ الانتظار حتى فيلمه الروائي الثاني "ذكريات قاتل" (Memories of Murder) لكي يبدأ أسلوبه البصريّ بالتّماسك. في حياة أخرى، كان بونغ ليكون رسّاما لكُتب الكوميكس، إنَّه يُعِدُّ لوحات عمل متقنة لكل شيء يصوّره، وأفلامه تبدو كإطارات فرديّة تولَد إلى الحياة. لقد قام برسم كل مشهد من أفلام "طفيلي" (Parasite) و"ذكريات قاتل" (Memories of Murder) بنفسه بشكل كامل مع الحوار، أمّا في أفلام تطلبت مؤثرات صوريّة أضخم، مثل فيلمَيْ "أوكجا" (Okja) و"محطم الثلج" (Snowpiercer)، فلقد استعان بفنّانين آخرين.

   

  

يقول يون من تجربته كممثّل في فيلم "أوكجا" (Okja): "لقد منحنا لوحات عمل شكّلت كتبا بأكملها، إنَّها تشبه رسوم "المانجا"، عندما ينتابك شعور بأنك تشاهد فيلما بحدّ ذاته".

 

عادة ما تستغرق أفلام بونغ سنوات من التخطيط (فقد راودته أولى أفكار "طفيلي" (Parasite) عام 2013)، كما أنَّها تتطلب مؤثّرات رقمية وعمليّة مركّبة ومعقدة. فالبيت العصري الفخم الذي تمتلكه عائلة بارك في فيلم "طفيلي" (Parasite) يبدو أنه بسيط على نحو مخادع بفضل أناقته، لكنّه إحدى أعقد صنائع بونغ حتى اللحظة. يقول بونغ: "على المستوى الجوهري، إن لم تكن بنية المنزل صحيحة، فلا يُمكن للقصّة أن تنجح".

 

كان المنزل عبارة عن أحجية تقنيّة، فالطابق الأول والباحة الأمامية الخاصّة كانا مبنيين على باحة خالية في جونجو، مع شاشة خضراء مركّبة في الأعلى حيث يمكن للطابق الثاني أن يُضاف بشكل رقمي. أما الغرف الأخرى من المنزل فقد أُقيمت في أستوديوهات منفصلة. يقول بونغ: "ثمّة نحو 480 لقطة تأثير بصري، لكننا لا نشعر بذلك أبدا في الفيلم، إنها مخفية".

   

تصميم المنزل في "طفيلي" (مواقع التواصل)

    

إننا نختبر منزل بارك لأول مرة كما تفعل عائلة كيم، عبر التنعّم في الخطوط النظيفة الملساء والأثاث العصري، إنه مفتوح، مهوّى، وشفّاف، أشبه بما يكون بواحة خاصّة بعيدا عن الركن الضيّق القذر الذي يعيشون فيه. في النهاية، ينفتح البيت كصندوق للمجوهرات، بسبب اعتماد خيوط الحبكة على البناء المعماري: الاختباء، التنصّت، وتدبير المكائد. إنه أكثر من مجرد منزل، لأنه يتحوّل إلى خريطة لسيكولوجيا الطّبقات والغضب الذي يغرغر تحت السطح.


بقدر الظلامية التي تغدو عليها أفلام بونغ، فإنَّها قلّما تفقد حسّها المّرح. أحيانا، تكونُ النّكات إحالات لأحداث مؤلمة يصعب على المُشاهد التقاطها، مثل اختيار "باراموس" لتكون مسرحا للمسلخ، أو مجموعة من أبرز المديرين التنفيذيين وهم يتجمّعون في غرفة مباحثة الأزمات لمناقشة كيفية التعامل مع الخنزير الضخم في فيلم "أوكجا" (Okja)، في إعادة خلق دقيقة لصورة علويّة من عهد باراك أوباما، عندما كان الرئيس الأميركي بصحبة هيلاري كلينتون ومسؤولين آخرين للشهادة على مقتل أسامة بن لادن. يقول بونغ، مسرورا: "إنَّهم جميعا يشاهدون هذا الخنزير وهو يتسبب بكلّ ذلك الهيجان مع كل تلك التعابير الجادّة على وجوههم". في أحيان أخرى، تكون أفلامه مغرقة بالحبّ، كالعائلة المفجوعة بالموت في "المضيف" (The Host) أو الأداء فوق المتميّز الذي قدّمه جايك جيلنهال في "أوكجا" (Okja).

 

للوقت الحالي، لا يبدو بأنَّ بونغ يُخطِّط للقيام بفيلم ضخم الميزانيّة مثل "محطم الثلج" (Snowpiercer) أو "أوكجا" (Okja)، فهو يعمل حاليا على فيلم رعب كوري مستوحى من أحداث إخبارية موجّه للناطقين بالإنجليزيّة، ويُفضّل بأن يكون حجم الفيلم مماثلا لـ "طفيلي" (Parasite) لأنه يسمح له بتنفيذ التفصيليّة التي تمتاز بها رؤيته للفيلم.

 

كان يشرح لي باستخدام شكل من أشكال الاستعارة: "إنّك تعلم كيف كان الأمر عندما كنت صغيرا، وكنت تستخدم العدسة المكبّرة لحشد ضوء الشمس في نقطة واحدة وحرق قصاصة من الورق؟، لقد كان فيلم "طفيلي" (Parasite) أشبه بصبّ تركيزي الكامل فوق تلك البقعة. عندما يكون النطاق كبيرا جدا، تكون الميزانية الضخمة أشبه بعائق، لأنّ طاقتك تتبعثر".

    

  

يضيف قائلا: "أولا تبدو رائحة الورق المحترق رائعة حقا؟".

 

إننا نقف في الرواق، وهي مسافة تفصل بين غرفة المعيشة والحديقة، تطلُّ على ساحة مغلقة. العشب البرَّاق للحديقة يستدعي صورة واضحة لإحدى اللقطات الأخيرة من فيلم "طفيلي" (Parasite): المرج الأخضر الأمامي، يتلألأ واعدا بالحريّة التي يمكن أن يوفّرها المال. عادة ما ينبع الأمل في أفلام بونغ من هذا التوق، التوق لإيجاد شيء من نور الشمس يكون ملكك الشخصي، وإن كان للحظة من الزمن. وهذه التفاؤلية تزيد من قساوة الفيلم.

 

ها نحن نتّجه إلى غرفة العشاء، المؤثثة بطاولة من الخشب المسدَّس المكسوّة بالقماش الرقيق. يقول بونغ بابتسامة: "إن اندلع حريق، سيشتعلُ هذا بسهولة. بالطّبع، علينا أن نأمل بألا يحدث أمر مماثل".

 ------------------------------------------------------

نُشرت المقابلة عبر مجلة New York Magazine وهي لا تعبّر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار