انضم إلينا
اغلاق
"لص بغداد".. ليس بالركلات والقفزات وحدها يُصنع الأكشن

"لص بغداد".. ليس بالركلات والقفزات وحدها يُصنع الأكشن

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في السنوات التي تلت ثورة يناير، شهد شباك التذاكر تحوُّلا واضحا في اتجاهات المشاهدة. لم تَعُد طوابير اليوم تمتد أمام أفلام الكوميديا، بل باتت تتخذ من الأكشن وجهة لها. نظرة سريعة ُعلى إيرادات الأعوام الماضية ستؤكد هذا، فقد احتلّت أفلام على غرار "الخلية" و"ولاد رزق" بجزأيه و"كازابلانكا" الصدارة، متفوِّقة على أفلام الكوميديا المطروحة معها في التوقيت نفسه.

  

وانعكاسا لتغيُّر توجُّهات الجمهور، حوَّل الكثير من المنتجين وبعض نجوم السينما أيضا دفتهم صوب الأكشن. من هؤلاء نجد محمد عادل إمام، فالفنان الذي اختار أن يبدأ مسيرته بعد أن استقل شيئا ما بعيدا عن والده بأفلام كوميدية على غرار "البيه رومانسي"، صار يحاول اليوم إعادة طرح نفسه لدى الجمهور كنجم أكشن خفيف الظل. بدأ هذا التحوُّل عند فيلم "جحيم في الهند"، وبعد النجاح الذي حقَّقه، بات إمام يحاول تكرار التجربة نفسها فيما تلا من أفلامه، والتي جاء "لص بغداد" آخرها.

   

نتابع في هذا الفيلم مغامرات بطل الفيلم يوسف الراوي في بحثه عن مفاتيح تقود إلى كنز الإسكندر الأكبر المفقود برفقة صديقه مجدي وباحثة التاريخ سلمى. لكن يوسف ليس وحده مَن يبحث عن الكنز، فكلٌّ من الروسية المصرية نادية ياكوف وعصابتها من جهة، وشريكه السابق خالد من الجهة الأخرى، يسعى للوصول إلى المفاتيح، ويحاول كل طرف من الأطراف الثلاثة الإيقاع بالبقية ليستأثر وحده بالغنيمة.

     

    

حكاية بلا بداية ولا نهاية

لو اخترت أن تدخل فيلم "لص بغداد" لترى بعض مشاهد الأكشن متوسطة الجودة، فربما لن يخيب ظنك، لكن لو كنت تبحث عن قصة جيدة أو أداء تمثيلي ممتع، فلن تجد ما تريد. "لص بغداد" في هذا هو امتداد لأفلام الأكشن التي أُنتِجت في الفترة الأخيرة، والتي يبدو أن تركيزها على تنفيذ تتابعات القتال والمطاردات أنساها محورية السيناريو والقصة في بناء فيلم جيد. وفي حديثنا عن السيناريو لا نقصد بناء حبكات معقدة والتواءات مثيرة، بل نتحدث عن الأساسيات؛ أساسيات يبدو أن مؤلف الفيلم تامر إبراهيم قرّر أن يُغفِلها.

  

على رأس تلك الأساسيات المفقودة في "لص بغداد" يأتي بناء القصة، تتبع الحبكات الكلاسيكية للأفلام ما يُسمى بـ "الهيكل الثلاثي"(1) (Three Act Structure)، حيث ينقسم بناء الفيلم إلى ثلاثة فصول. يؤسس الكاتب في بداية الفصل الأول لعالم الفيلم ويُعرِّفنا بالشخصيات، وفي نهايته، يواجه بطل الفيلم تحديا يَفرض عليه الخروج من مساحاته الآمنة والدخول في مغامرة ليصل إلى ما يريد. يصوّر الفصل الثاني بعدها تفاصيل سعي البطل وصراعاته للوصول إلى هدفه، ونتركه في الفصل الثالث بعد انتهاء الصراع -غالبا بفوزه- على أعتاب حياة مختلفة عن تلك التي كان يعيشها في بداية الأحداث.

 

تتبع الغالبية العظمى من الأفلام ذلك البناء الأساسي، فأي قصة تحتاج إلى بداية ووسط ونهاية. لكن في "لص بغداد" يتخطى السيناريست الفصل الأول، ويتخلص من الفصل الثالث، ويصنع فيلما مكوّنا بالكامل من فصل ثانٍ. فبعد مشهد "فلاش باك" قصير نرى فيه يوسف طفلا يقف أمام الأهرامات ويعظه والده عالم الآثار عن ثراء مصر التاريخي، يقفز الفيلم مباشرة لمشاهد الأكشن. فيبدأ الفيلم بدايته الفعلية بمشهد مطاردة في كينيا تشتبك فيها أطراف القصة الثلاثة: يوسف وخالد ونادية، ونحن بعد لا نعرف أي شيء عنهم أو عن دوافعهم وأسباب عداوتهم أو ماذا أتى بهم إلى كينيا.

   

 

"البداية من المنتصف"(2) (In Media Res) هو تكنيك سردي قديم ومعروف تبدأ فيه القصة من ذروة الحدث، ويتم الرجوع إلى خلفية الشخصيات وعالم القصة بعدها عبر الحوار والفلاش باك، لكن ليس هذا ما نراه في "لص بغداد". يكتفي السرد بإخبارنا أن يوسف لص، وأن خالد ونادية منافساه، ويضع مفاتيح كنز الإسكندر في مركز الحكي بصفتها الهدف الذي يتنازع عليه الثلاثة. لكنه لا يرسم أي تفاصيل عن شخصية يوسف، ولا يُعرِّفنا إلا أقل القليل عن حياته قبل بحثه عن الكنز، يُلقي الفيلم في سبيلنا بتفصيلة أن والده كان عالم آثار شهيرا، لكنه لا يتكلّف عناء كشف السر وراء التحوّل الذي جعل يوسف يتمرد على سيرة أبيه ويسير في اتجاه معاكس، مُضيّعا في هذا فرصة جيدة لخلق صراع داخلي لدى البطل ورسم أكثر ثراء لشخصيته.

   

هذا كل ما نعرفه عن البطل. أما بقية الشخصيات فلا نعرف عنها أي شيء تقريبا. يبدو لنا أنها كلها جاءت من خزانة إكليشيهات قديمة ومعادة: نادية الشريرة التي ترتدي بزّات اللاتكس السوداء على طول الأحداث -لأن الأشرار بالطبع يجب أن يرتدوا أزياء مميزة- ذات الجنسية المزدوجة غير المبررة دراميا، فلو كانت نادية مصرية فقط لما تغير شيء في القصة، وخالد هو الشرير الهوليوودي الكلاسيكي، الذي يلبس بزّات أنيقة ويستمع إلى موزارت في أوقات فراغه، ومجدي هو صديق البطل ومساعده والمسؤول عن إلقاء النكات، أما سلمى فقد جاءت للقيام بمهمة مزدوجة: ترجمة الكتابات اللاتينية -كانت يونانية في الحقيقة- ليوسف، والوقوع في حبه، فأي بطل فيلم أكشن يحتاج إلى حبيبة.

   

أما الفصل الثالث الذي من المفترض فيه أن نرى حياة يوسف بعد رحلته في البحث عن الكنز، فقد اختصره الفيلم في تعليق صوتي استغرق دقيقة واحدة فقط لا غير، تروي لنا فيه سلمى بأكثر الطرق مباشرة كيف أنهم سلّموا الكنز للشرطة وحصلت هي على ما تريد من أن يُنسب إليها كشف أثري كبير، وبالطبع تزوجت يوسف، ولا يفوّت الفيلم في آخر تلك الدقيقة أن يترك باب القصة مفتوحا ليفسح المجال لجزء جديد. هذا الحكي المباشر كان من الممكن بكل سهولة تحويله إلى سرد بصري، لكن صُنّاع الفيلم يختارون في كل مرة الحلول الأكثر سهولة وضعفا.

   

جاء بناء الشخصيات والأحداث على هذه الدرجة من التسرع والسطحية على الأغلب حتى يفرد الفيلم أطول وقت ممكن لتتابعات الأكشن التي شغلت أغلب الوقت على الشاشة. فشخصية سلمى مثلا قدّمها الفيلم وجعلها تتعرّف على يوسف وورّطها في القصة كل هذا في مشهد واحد لا غير.

     

  

ومع خلفية الشخصيات وبنائها، ضحّى الفيلم أيضا بمنطق الأحداث. فتدفع القصة إلى الأمام مصادفات غير معقولة؛ كأن يتزامن دخول يوسف المكتبة في بحثه عن تاريخ الإسكندر الأكبر جلوس سلمى الخبيرة في تاريخ الإسكندر في المكتبة نفسها، ومشاهدتها في اللحظة ذاتها صورة ليوسف في الأنباء بعد سرقته قناع أثري من كينيا. هذا الكسل نفسه في السرد يسيطر على بقية التفاصيل، فالمفاتيح التي يجدها الأبطال مثلا لا تدلّهم على شيء سوى اسم البلد الذي سيجدون فيه المفتاح التالي، لكنهم، ويا للمفاجأة يعرفون في كل مرة المكان التفصيلي للمفتاح وتصل الفرق الثلاثة -يوسف وخالد ونادية- معا في الوقت ذاته تقريبا، وهذا يقع لا لشيء سوى افتعال مشهد مطاردة وصراع جديد.

   

أكشن منزوع الإثارة

تتابعات القتال محورية في أي فيلم أكشن، هذا شيء بديهي لا يختلف عليه أحد. لكن القصة الجيدة والبناء المتماسك لا يقلّان عنها أهمية في تصعيد التوتر، وهو ما يبدو أن صُنّاع "لص بغداد" قد تناسوه. فيتّبع الفيلم نسقا واحدا يُكرِّره في كل مرة يبدأ البحث عن مفتاح جديد، حيث تترجم سلمى الكتابات التي ستدلّهم على المفتاح التالي وتسرد قصة ذلك المفتاح ليوسف، ثم ينطلقان برفقة مجدي الجاهز دائما بالهويّات وجوازات السفر المُزوّرة إلى البلد المراد. وهناك، يتوجه ثلاثتهم إلى موقع المفتاح، لكن نادية أو خالد، أحدهما، يكون قد سبقه ونصب له فخا. وهنا، يقع مشهد مطاردة وتبادل إطلاق نيران، ينجو منه يوسف في كل مرة بالطبع، ثم تُعاد الكرَّة.

   

هذا النسق المكرَّر جعل السرد رتيبا ومتوقَّعا، وأفقد الفيلم قدر الإثارة المطلوب ليبقى المشاهد مشدودا لما يراه. فبعد أول مرة نرى فيها هذا التتابع، يصبح من السهل علينا أن نحزر ما سيقع. كما يُفقد البناء السطحي للشخصيات تورُّط الجمهور معها واكتراثه لأمرها. ولا يمكننا بالطبع أن نتوقَّع مع هذا البناء السطحي للشخصيات أن يأتي أداء الممثلين رائعا. لكن أداء محمد إمام بالذات جاء متواضعا، وجزء كبير من اللوم في هذا يقع على السيناريو. فعلى طول الفيلم لا يخلع إمام عنه تقمّصه للبطل "الشبح" الذي لا يخشى شيئا، وحتى وهو يقف على حافة الموت، يجد مساحة لإلقاء النكات.

   

  

وهذه مشكلة، فجزء من التوتر في مشاهد الأكشن ينبع من مدى قدرة البطل على إشعار المشاهد بمقدار الخطر الذي يحيط به عبر تعابير وجهه التي تعكس خوفا حقيقيا. لكن أن نرى البطل بتعابير جامدة يمزح مع صديقه وهو في مرمى سهام قبيلة كاملة، مثلما حدث في تتابع كينيا، فهذا كفيل بتضييع حدّة التوتر. هكذا جعل تركيز إمام المنصبّ على تسديد اللكمات والركلات أداءه أقرب إلى رياضي متوسط المستوى يُنفِّذ حركات معقدة منه إلى ممثل ينقل لنا انفعالات الشخصية التي يلعبها.

 

في اقتباس يُعزى إلى ألفريد هيتشكوك، قال المخرج: "حتى تصنع فيلما جيدا تحتاج إلى ثلاثة أشياء: السيناريو، والسيناريو، والسيناريو"(3). قفزت السينما المصرية قفزة ملحوظة في تنفيذ تتابعات القتال والخدع البصرية في السنوات الأخيرة، لكن ليس بالركلات والقفزات وحدها يُصنع أي فيلم، ولو أكشن، جيدا. فمتى سيلتفت صُنّاع السينما المصرية لهذا، ويدركون أن المشاهد يبحث في السينما عمّا هو أكثر من الإبهار البصري؟

 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار