انضم إلينا
اغلاق
مسلسل "Fleabag".. كيف تواجه مشاعر الألم والخوف بدلا من الهروب؟

مسلسل "Fleabag".. كيف تواجه مشاعر الألم والخوف بدلا من الهروب؟

مها فجال

محررة
  • ض
  • ض

لا نجد أنفسنا أبدا مضطرين أن نتساءل عمّا يدور داخل رأس فليباج، فأيًّا ما كان، تلتفت هي بنفسها لتُخبرنا به، كاسرة في هذا الحائط الرابع. يعود مصطلح "الحائط الرابع" إلى المسرح، حيث يقف حائط متخيل بين الجمهور والممثلين، يستطيع المشاهد أن يرى ما يحدث وراءه، بينما يتظاهر الممثل أنه لا يوجد أحد على الجانب الآخر، وهو بالضبط ما تفعل عكسه فيبي والر-بريدج، بطلة ومؤلفة "فليباج"، على طول الأحداث.[1]

  

ليست "فليباج" أول شخصية تنظر إلى أعين المشاهدين وتخاطبهم، فهذا تقليد قديم رأيناه عشرات المرات في بعض من أهم كلاسيكيات السينما -افتتاحية "آني هول" (Annie Hall) على سبيل المثال- وبات يلقى رواجا متزايدا الآن. ففرانك آندروود، بطل "بيت الورق" (House of Cards) اعتاد أن يُطلعنا على خططه الملتوية قبل أن يُنفِّذها، وديدبول يتخذ من كل شيء مادة لسخرية لئيمة يختصنا بها نحن المشاهدين. كما اعتاد أبطال مسلسل "المكتب" (The Office) أن يعلقوا على القصة في "قطعات" مُصمَّمة لتُحاكي الأفلام الوثائقية.

  

   

  

فكسر الحائط الرابع هو أداة تستخدمها نصوص السينما والتلفاز لمختلف الأغراض السردية. في "فليباج"، على سبيل المثال، تستغل البطلة مساحتها في التعليق على الحدث لتجعلنا نرى كل ما يدور من وجهة نظرها. فعندما نقابل أي شخصية جديدة، نرى تلك الشخصية في بادئ الأمر خارج بؤرة الكاميرا (out-of-focus)، التركيز هنا يكون على فليباج التي تسارعنا بحكي سريع وخفيف الظل عن طبيعة العلاقة التي تجمعها بتلك الشخصية يتلوه حكمها عليها. فتصف أختها مثلا بأنها "جميلة وحادة المزاج"، بينما تنعت زوجة أبيها بـ "الوضيعة".

 

كسر الحائط الرابع هنا هو وسيلة تستولي عبرها فليباج على الحكي، لتجعلنا نرى الأشياء من زاويتها، ونشاهد فقط ما تودّنا هي أن نراه. وهي في هذا، كما نكتشف في نهاية الجزء الأول، راوٍ غير موثوق به.[2] فهي لا تُطلِعنا حتى اللحظة الأخيرة أنها كانت بشكل ما مسؤولة عن موت صديقتها بو، لتبقينا متعاطفين معها. ما يأخذنا للنقطة التالية، حديث فلبياج للمُشاهد ليس مجرد أداة سردية في المسلسل، إنها طريقتها الخاصة للتكيُّف، أو بالأحرى الهرب مما ضرب حياتها من ألم.

 

السخرية من الأسى

عندما نقابل فليباج للمرة الأولى، يكون هذا بعد فترة بسيطة من وفاة صديقتها المُقرّبة بو وموت والدتها. أي شخص رحل عنه أقرب شخصين إلى قلبه لا بد أن ينهار، لكن فليباج لا تنهار، بل تضحك، تضحك على كل شيء. كل موقف يمر بها، بغض النظر عن مدى قسوته، هو فرصة لخلق نكتة جديدة تسخر بها منه. وبتحويلها كل شيء إلى مادة للسخرية تخلق مسافة بينها وبين ما تعيشه، فكأنها لا تعيشه، بل تشاهده فقط من على مسافة آمنة تسمح لها بالسخرية والضحك، وكأنها تراقب حياة شخص غريب عليها لا حياتها هي.

   

   

هذا بالضبط ما تحاول فليباج أن تفعله، أن تتظاهر كما لو أن حياتها بكل ما تنطوي عليه من وحدة وألم ليست حياة حقيقية، بل مادة للسخرية وإطلاق النكات. إنها طريقتها المفضلة للهرب. والنكات تحتاج إلى مُستمِع، وهنا يأتي دورنا، نحن جمهور فليباج الذي سيُنصت لنكاتها ويشاركها الضحك.

 

في كل مرة تلتفت فيها فليباج إلى الكاميرا لتُحدِّثها، تُعضد هذا الشعور. حبيبها هاري تركها ولن يعود مجددا أبدا إليها؟ تنظر إلى الكاميرا وتسخر من هذا. هي الآن في الفِراش مع رجل غير جذّاب لتبدد شعورها بالوحدة. تخاطبنا وتحوّل الأمر برمّته إلى دعابة. حتى وهي تحكي إلى سائق سيارة الأجرة الذي أقلّها وهي مخمورة عن موت صديقتها المقربة في الحلقة الأولى، تفعل ذلك في جوٍّ من السخرية. نحن على الجانب الآخر من الشاشة نُمثِّل طريقة فليباج المفضلة في الهرب. ففي اللحظة التي تنظر بها إلى الكاميرا وتتحدث، ينفتح أفق حياتها الضيق والمليء بالألم على بُعد آخر أكثر رحابة. قد تظن أن هذه طريقة رائعة للالتفاف على قسوة الوجود، أن تنظر إلى الأمر برمّته وتحوّله إلى نكتة، أليس كذلك؟

 

ليس تماما، فالسخرية فيما تخلقه من مسافة تمنعك عن العيش والانغماس في اللحظة، وفيما تُمثِّله من مهرب تحول بينك وبين المواجهة. وحتى تتمكّن من تخطي الألم فلا بد أن تعيشه أولا، فالوصول إلى الالتئام لا بد أن يعقبه مواجهة الأسى، وهو بالظبط ما تحاول فليباج بشتى الطرق أن تتجنّبه، فتظل بهذا على مدار أحداث الجزء الأول أسيرة لألمها وإن حاولت التظاهر بالعكس، وتبدأ رحلتها في التعافي ما بين الجزأين فقط عندما تُدير إلينا ظهرها، وتلتفت من الكاميرا إلى حياتها.

 

الهرب من الوحدة

  

لا تهرب فليباج عبر حديثها إلى الكاميرا فقط من الأسى، بل تتحايل أيضا على الوحدة. فنحن على مدار الأحداث نتحول من محض جمهور يستمع إلى نكاتها؛ إلى أصدقائها المقربين. لقد أخبرتنا بهذا في الجزء الثاني، عندما سألتها الطبيبة النفسية إذا ما كان لديها أي أصدقاء، فما كان منها إلا أن نظرت إلى الكاميرا وغمزت. وهنا علينا أن نسأل؛ لماذا تتخذ فليباج من جمهور خفيّ لن يستطيع أن يبادلها الحديث، باعتبارهم أصدقاءَ لها، في الوقت الذي يوجد فيه بالفعل مَن يُمكن أن تتحدث إليهم؟ لديها أختها كلاير مثلا، وعشرات الرجال الذين يجدونها جذابة.

 

لكن مشكلة فليباج الأساسية ليست في الحديث، بل في التواصل. لديها بالفعل مَن تتحدث إليهم، لكن لا يوجد مَن يستطيع أن يفهمها. فكل مَن في حياة فليباج لا يراها كما تودّ هي أن تُرَى، ولا يعطيها متسعا لتُظهِر ذاتها الحقيقية. فمعظم ما تفعله يجده كل مَن في حياتها غير مقبول، ولهذا، تُصفِّي أغلب الوقت ما تودّ أن تقوله، فترد ردودا شبه مهذبة أو مقبولة، وتختصّنا نحن بما يدور فعلا في ذهنها.

 

الحديث إلى الكاميرا هنا في حياة فليباج، مثله مثل الجنس الذي تُدمنه، هو منفذ تسعى عبره إلى أن يسمعها الآخرون ويرونها. فكما تخبرنا في إحدى الحلقات، هي لا تحب الجنس في حد ذاته، بل تحب شعور أنها مرغوب فيها. وبالمثل، تبحث في كلامها أمام الكاميرا عن الإحساس بأنه يوجد مَن يهتم بكل ما تودّ أن تقوله، ويراها تماما كما هي، وهو ما تجده أخيرا في الجزء الثاني.

  

الوقوع في الحب

  

بعد عام من أحداث الجزء الأول، خطت فيه فليباج خطوات كثيرة على طريق الالتئام وكفّت عن اتخاذ ممارسة الجنس مع أغراب مهربا من الوحدة، تقع في حب الرجل الوحيد الذي من المستحيل أن تدخل معه في علاقة، تقع في حب قِسْ. ذلك القس ليس ككل الرجال الذين قابلتهم، إنه يراها حقا، يراها في لحظات فشل الجميع في إبصارها. ففي مشهد مدهش، حين تلتفت فليباج كعادتها لتُحدِّثنا، نراه هو أيضا يوجّه بصره إلى الكاميرا ويسألها: "ماذا كان هذا؟"، تحاول فليباج الإفلات والتظاهر بأن شيئا لم يحدث، لكنه يُصِرّ: "لقد اختفيتِ للحظة، ذهبتِ من هنا". كسرت شخصيات كثيرة في أعمال درامية الحائط الرابع، لكن تلك كانت المرة الأولى التي تضبطهم شخصية أخرى وهم يفعلون هذا. وقد كانت من تلك اللحظة أن وُلِدَت شخصية القس، وفكرة الجزء الثاني كلها، في ذهن فيبي والر-بريدج، بطلة المسلسل ومؤلفته.

   

تتحدّث بريدج في أحد الحوارات عن المسلسل، وتُخبرنا أن العلاقة بين فليباج والجمهور كانت هي المحور الأساسي الذي قامت عليه الأحداث في رأسها. وعندما انتهت تلك العلاقة في آخر حلقة في الجزء الأول، بدفع فليباج الكاميرا بعيدا لتبدأ أخيرا في مواجهة حياتها، شكّل هذا نهاية منطقية للأحداث وللشخصية. لكنها تساءلت ذات يوم؛ ماذا لو استطاع أحدهم أن يُبصر تلك العلاقة الخفية، ويرى في هذا فليباج كما هي في الحقيقة؟ ومن هذا السؤال انطلقت الأحداث.[3]

   

 

  

ففي كل مرة تغلب على فليباج عادتها وتلتفت إلى الكاميرا وهي برفقة القس، يلاحظ هو هذا وينبّهها إليه. هكذا، تجد فليباج نفسها مجبرة على الوجود كليا داخل اللحظة، وتكفّ عن الانفصال عمّا تعيشه وهي معه، وتتمكّن بهذا من الانغماس تماما فيما يدور حولها، والتواصل مع القس بعمق لا يقطعه شيء. يظهر هذا جليا عندما تأتي اللحظة التي انتظرتها فليباج طويلا، لحظة مشاركة القس فراشها. فلا نراها هنا تُعلِّق على كل ما يحدث بسخرية كما اعتدنا في كل مشاهد الجنس السابقة، بل تدفع الكاميرا بعيدا عنها في تصريح مضمر بمدى حميمية ما يحدث، ومدى رغبتها في الاندماج فيه كليا بكل حواسها.

 

تلك الرغبة في عيش الحياة والاندماج فيها تبقى حتى بعد رحيل القس، ففليباج التي رأيناها في آخر مشهد من المسلسل ليست ذاتها التي بدأت بها القصة، إنها نسخة أكثر نضجا، تعلم أن الحياة لن تمر دون أن تصب عليها قسطا من المعاناة والألم، لكنها لا تهرب، بل تقف وتواجه وتبتسم، ليست ابتسامة سخرية هذه المرة، بل ابتسامة ثقة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار