انضم إلينا
اغلاق
"ليس هناك شيطان".. فيلم إيراني يواجه الموت

"ليس هناك شيطان".. فيلم إيراني يواجه الموت

حسام فهمي

محرر سينما
  • ض
  • ض

"إن عقوبة الإعدام لا تتعلق في حقيقة الأمر بإذا ما كان الناس يستحقون الموت لجرائم قد ارتكبوها أم لا، السؤال الحقيقي هو: هل يحق لنا أن نقوم بالقتل؟"

  

كلمات المحامي والحقوقي الأميركي برايان ستيفينسون ضمن كتابه "الرحمة فقط: قصة عن العدالة والخلاص" (1) قد تُوفِّر مدخلا مناسبا للحديث عن الفيلم الإيراني المُتوَّج مؤخرا بجائزة "الدب الذهبي" لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته السبعين، والتي أُقيمت بين 20 فبراير/شباط والأول من مارس/آذار لعام 2020. فيلم "ليس هناك شيطان" للمخرج والمؤلف الإيراني "محمد رسولاف" يطرح سؤالا قد يمكن تناوله محليا على المستوى الإيراني، لكنه سؤال يمكن طرحه عالميا، هل نملك كبشر الحق في اتخاذ القرار بالقتل؟

  

لا يواجه فيلم "ليس هناك شيطان" الموت فقط في موضوعه، الذي يدور حول عقوبة الإعدام وحق البشر في الاختيار وعواقب اختياراتنا على مستقبلنا، لكنه يواجهه أيضا في طريقة صنعه، فالفيلم مصنوع بواسطة مخرج ممنوع من السفر، ممنوع من صناعة الأفلام، محتجز داخل الحدود الإيرانية، كما أنه ينتظر تنفيذ حكم سجن صدر بحقه بتهمة "نشر بروباغندا" مسيئة للجمهورية الإسلامية. (2)

  

كيف تسرد حكاية؟
فريق عمل فيلم "ليس هناك شيطان"  (غيتي)

      

نقطة التميز الأهم في فيلم "ليس هناك شيطان" هي قدرة محمد رسولاف على سرد حكايته بشكل سينمائي استغل من خلاله الظروف الرقابية الاستثنائية التي يخضع لها ليحوّلها إلى ميزة بدلا من أن تكون عائقا. الرجل ممنوع من صنع الأفلام، هو مخرج للأفلام الروائية الطويلة بالأساس، الحل جاء إذن من خلال صناعة فيلمه الطويل على شكل 4 قصص منفصلة، لكنها في الحقيقة متصلة، ليتم تمرير تصاريح تصوير هذه القصص وكأنها 4 أفلام قصيرة، وليُعاون محمد رسولاف مجموعة من المخرجين الشباب الذين قاموا بتنفيذ رؤيته في المشاهد التي تعذّر وجود رسولاف فيها. 

  

الفيلم يبدأ مع قصة عن رجل إيراني يُدعى "حشمت"، نتتبّعه في حياة اعتيادية للغاية، يتوقف لاصطحاب زوجته عقب عملها، يصطحب ابنته عقب مدرستها، يذهبان إلى المتجر لشراء احتياجات المنزل، نقاشات معتادة للغاية بين الأزواج والزوجات والأطفال عما نشتريه وما لا نشتريه، تتوقف الأسرة عند منزل الجدة، يساعد الجميع في أعمال التنظيف، وتستمر الحياة برتمها البطيء والممل أحيانا. هذه الحكاية وهذا الإيقاع يُوفِّران المدخل الأفضل لفيلم "محمد رسولاف"، حيث يترك لنا المخرج الفرصة للتمهل والتفكر والتأمل في حياة هؤلاء البشر، الطبيعيين للغاية، حكاية نتلمس عند نهايتها معنى عنوان الفيلم، "ليس هناك شيطان". 

  

فيلم رسولاف هنا يستمر في استغلال نقطة التفرد لدى السينما الإيرانية الحالية، وهي الاعتماد على الحبكة التشويقية، بالإضافة إلى تقديم دراسة إنسانية للشخصيات طوال رحلتنا لحل عقدة الحبكة، نقطة التفرد هذه تضمن نجاحا جماهيريا عالميا لهذا النوع من السينما، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته بشدة في أفلام المخرج الإيراني "أصغر فرهادي" على شاكلة "عن إيلي" عام 2009، وفيلمه المتوج بالأوسكار "البائع" في عام 2017. التشويق يضمن أن الجمهور سيتتبّع حكايتك في انتظار النهاية، وفي هذه الرحلة يُبدع الإيرانيون في تقديم دراسة مكثفة لشخصياتهم، مع التركيز على العامل النفسي، ودائما وأبدا تُختتم هذه الحكايات بسؤال مفتوح عن طبيعة البشر، اختياراتهم ومعضلاتهم الأخلاقية. 

    

     

يحافظ رسولاف هنا على الأسلوب نفسه في حكاياته الأربعة، والتي يمكن حكاية كلٍّ منها في جملة واحدة، الفكرة بسيطة، أبطالها معروفون لنا بشكل مكتمل رغم أننا لا نراهم إلا لمُدد قصيرة، والسؤال واضح تماما. في الحكاية الأولى نشاهد رب أسرة معتادا للغاية لكنه يصحو كل يوم في الثالثة فجرا ليقوم بأمر غير متوقع، فما هو؟، في الثانية نراقب شابا يقضي فترة تجنيده الإجباري لكنه غير مؤمن بإمكانية أن يقوم بنفسه بتنفيذ حكم الإعدام على أحد المساجين، فماذا سيحدث؟، في الثالثة نتتبّع جنديا آخر في إجازته للالتقاء بحبيبته وأسرتها ليحتفل معها بعيد ميلادها، لكن يوم الاحتفال يشهد مناسبة أخرى مفاجئة، فما هي؟، وأخيرا في الرابعة تعود فتاة إيرانية في إجازة قصيرة من ألمانيا حيث عاشت منذ طفولتها إلى الريف الإيراني لقضاء بضعة أيام في مزرعة، لكنها تُفاجأ هناك بما يُغيّر تعريفها لنفسها وماضيها ومستقبلها، فما هذه المفاجأة؟ ثيمات تشويقية تدفعنا لمتابعة ما يحدث، قد نتوقع النهاية أحيانا، وقد تأتي مفاجئة تماما في أحيان أخرى، لكن الأهم أن رسولاف يُمرِّر لنا مشاعر هؤلاء البشر ومخاوفهم وأحلامهم وسط تلهُّفنا لمعرفة النهاية.

 

بين البشر ومحيطهم

الصورة هي أصل فن السينما دون شك، الفن الذي بدأ صامتا، والقاعدة الذهبية الدائمة لصنع فيلم عظيم هي "أرِني ولا تُخبرني"، اتباع هذه القاعدة يبدو صعبا للغاية هنا، خصوصا أننا أمام مخرج يصنع فيلمه وهو مطارد ومُهدَّد بالسجن، تتزاحم الأفكار في رأسه ويشعر أن عليه التصريح بالكثير، لأنه ربما سيبقى صامتا لوقت طويل عقب هذا الفيلم، ولا يعلم أحد، إلا الله، متى سيتمكّن من صناعة فيلمه التالي، هذه الأفكار تظهر في بعض الأحيان في الحوارات الطويلة بين شخصيات الفيلم، خصوصا في الحكاية الثانية التي تدور عن مجند إيراني غير مؤمن بإمكانية أن يُنفِّذ حكم الإعدام بيديه، كما تظهر أيضا في الحكاية الثالثة عن المجند الذي يذهب للاحتفال بعيد ميلاد حبيبته، جُمل على شاكلة "إذا قلنا لا فسيدمرون حياتنا" قد تبدو خطابية وتليق بشكل أكبر بمقالات الرأي أكثر من فن السينما، لكننا يجب ألا ننسى أيضا أجواء صناعة الفيلم، وأجواء الحياة في إيران، حيث من الطبيعي أن تتحدث الشخصيات بهذه الصورة في هذه المواضع. 

   

لكن قيمة الفيلم الأهم تأتي من استغلال رسولاف للبيئة الإيرانية كأحد أبطال الحكاية، البيئة الصامتة التي تُمثِّل خلفية الأحداث، والتي نرى فيها كل شيء دون أي كلمة منطوقة، من البداية حيث المدينة المزدحمة والحياة العائلية داخل المنازل حيث الاعتناء بالأمهات وصبغ شعر الزوجات، مرورا بزنازين السجن في الحكاية الثانية، ووصولا لتتابع الاغتسال في ماء النهر الذي يُشكِّل طقس التطهر في الحكاية الثالثة، الطبيعة التي يُبنى داخلها على مهل حكاية الحب التي ندرك قوتها من خلال نظرات ولمسات لا تنقلها الكاميرا، لندرك عقب ذلك صعوبة الاختيار، وأخيرا طبيعة إيرانية صحراوية في الحكاية الرابعة، حيث البطل ثعلب هارب، هنا تصل الحكاية إلى ذروة التأمل، حيث يعلق بالذهن عقب نهاية كل هذا التشويق مجموعة من الصور التي تترك أثرا لا يزول.

   

    

عواقب الاختيار

إيران هي الدولة صاحبة أعلى معدل لتنفيذ عقوبة الإعدام على مستوى العالم أجمع (3)، هذه حقيقة بحساب عدد حالات الإعدام بالنسبة لعدد السكان، أما بالنسبة للأعداد ففي عام 2017 وطبقا لمنظمة العفو الدولية فقد أعدمت إيران 507 من مواطنيها (4)، وهو العدد الذي لم تَفُقه أي دولة على مستوى العالم سوى الصين، إيران صاحبة 81.2 مليون من السكان، في مقابل الصين صاحبة المليار و300 مليون. 

  

كل هذه حقائق لا دخل لمحمد رسولاف بها على الإطلاق، في حقيقة الأمر فالرجل لم يتحدث بشكل خاص عن السياق الإيراني طول فيلمه، نراه بالطبع في لغة أبطاله، في ملامحهم وأزيائهم، وفي تراب شوارعهم ونقاء ريفهم، لكن الفيلم بشكل أعم وأشمل يتحدث عن حق البشر في الاختيار، وعدم أحقيتهم في اتخاذ القرار بالقتل، كما يتعرّض الفيلم أيضا لحق الشعب في تشريع القوانين التي تسير حياته، ومساءلة وتعديل كل القوانين التي يراها الشعب غير منصفة، كالتجنيد الإجباري مثلا، وكعقوبة الإعدام دون شك. 

  

هذه الأسئلة تشغل بال الملايين حول العالم، وليس في إيران وحدها، لكن الأمر لا بد أنه يشغل بال صُنّاع "ليس هناك شيطان" بشكل خاص بسبب تلك الأرقام التي ذكرناها سابقا، لِمَ تعدم الحكومة الإيرانية مواطنيها بهذا المعدل؟، من المستحيل أن يكون الإيرانيون خصوصا مستحقين للإعدام بشكل يفوق باقي عِرقيات وجنسيات الكون، إذن هناك ظلم لا محالة، هنا نحن لا نناقش فقط جدوى عقوبة الإعدام، ولكننا نناقش أيضا هل مَن يتعرّضون لها مذنبون أصلا أما لا. الفيلم لا يتخذ موقفا خطابيا في هذه النقطة بالتحديد، فنحن لا نعرف هوية مَن يتعرضون للإعدام إلا في حكاية واحدة، أما في الحكايات الثلاث الأخرى فالسؤال هو عن أحقية الدولة في القتل دون النظر لمَن الذي سيُقتل. 

  

الفارق بين الفن والبروباغندا
مقعد فارغ للمخرج الإيراني محمد رسولوف الذي لا يُسمح له بمغادرة البلاد (غيتي)

    

البروباغندا هي تهمة المخرج "محمد رسولاف" التي حُوكِمَ بسببها داخل إيران عقب فوزه بجائزة أفضل فيلم في مسابقة "نظرة ما" ضمن فعاليات مهرجان "كان" السينمائي الدولي لعام 2017، منذ ذلك الحين صُودِرَ جواز سفر "رسولاف" ومُنِعَ من صنع الأفلام أيضا، كما حُكِمَ عليه عقب كل ذلك بالسجن لمدة عام. 

  

طبقا لتعريف موسوعة "بريتانيكا" (5) فمصطلح "البروباغندا" صاحب الأصل اللاتيني الذي يعني حرفيا "الانتشار" قد اكتسب معنى سلبيا في العصر الحديث، فأصبح يعني عملية نشر الأكاذيب أو نصف الحقيقة بغرض التأثير العاطفي لا المنطقي في جمهور ما، لجعلهم مؤمنين بأجندة ما. الاستخدام الأشهر للبروباغندا بالطبع هو ما حدث في زمن الحرب العالمية الثانية، حينما كلٍف "أدولف هتلر" معاونه "جوزيف جوبلز" بوزارة حملت اسم "التنوير الشعبي والبروباغندا" وذلك لإيمان هتلر المكتمل أن البروباغندا هي وسيلة حربية مهمة، هُزِم بسببها الألمان في الحرب العالمية الأولى، وهي الوسيلة التي ادّعى هتلر أن اليهود قد استخدموها للتأثير على الجنود الألمان خلال الحرب العالمية الأولى، حيث قال: "أدرك اليهود وحدهم أن الاستخدام المستمر للبروباغندا يمكنه إقناع الناس بأن الجنة نفسها هي النار والعكس صحيح". (6)

 

الأمر يتعلّق هنا مرة أخرى بتقديم أكاذيب أو أنصاف حقائق، عادة في سياق إخباري يدّعي نقله الحقيقة، لكن ما موضع كل هذا ونحن نتحدث عن فيلم روائي لا تسجيلي، لا يذكر فيه مخرجه حتى كل هذه الحقائق التي ذكرناها والتي تؤكد أن نظام العدالة في إيران معطوب، وأن عقوبة الإعدام يُساء استخدامها، لكنه عوضا عن ذلك يستخدم الواقع ليطرح سؤالا عن حق الإنسان في الاختيار وعواقب هذا الاختيار. 

     

مُنتج الفيلم الإيراني "جافيه فارنام" (وكالة الأناضول)

    

في المؤتمر الصحفي الذي أعقب عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان برلين 2020، طرحنا هذا السؤال على مُنتج الفيلم، الإيراني "جافيه فارنام"، فأجاب:

 

"نحن مؤمنون تماما بحق "محمد رسولاف" في صنع السينما، نحن نصنع فيلما عن حقائق يعيشها شعبنا، مشاعر حقيقية ومخاوف وأسئلة حقيقية، مَن يتهمنا بنشر البروباغندا عليه أن يُراجع نفسه، ويُراجع ما ينشره"

  

في المؤتمر الصحفي أيضا بعد أن أبدى أحد الصحفيين الإيرانيين إعجابه بالفيلم، تساءل عن حقيقة إذا ما كان هناك مجنّدون مكلّفون بتنفيذ عقوبة الإعدام، احتدم النقاش هنا، لكن منتج الفيلم "جافيه فارنام" قد أظهر شهادات كتبها أحد المواطنين الإيرانيين تُظهِر أن هذا الرجل كان مكلّفا بهذا الأمر أثناء فترة تجنيده الإجباري. 

  

تواصلنا عقب ذلك أيضا مع اثنين من الصحفيين الإيرانيين لنسألهم عن رأيهم في الفيلم واتساقه مع واقع المواطن الإيراني، وهما الصحفي "باباك جافووريزار" من "راديو فاردا"، والصحفي المستقل "سيبير عطيفي"، ليؤكدا أن ما شاهدناه في الفيلم متسق بشكل مكتمل مع الحياة داخل إيران، لكن بعض الناس يرفضون الاعتراف بالحقيقة، حتى لو رأوها أمام أعينهم. 

  

في حفل ختام الدورة رقم 70 من مهرجان برلين، صعد صُنّاع الفيلم وفي مقدمتهم "باران رسولاف" لحمل الدب الذهبي، لكن والدها بقي محتجزا في إيران، ليصدر القرار باستدعائه لتنفيذ الحكم بحبسه بعد فوز فيلمه بأيام (2)، ليبقى الفن قادرا على الوصول لكل مكان في العالم، حتى لو أحكم السجان قبضته على الفنان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار