انضم إلينا
اغلاق
الانتحار في السينما.. فيض من الظلام على شاشة من ضوء

الانتحار في السينما.. فيض من الظلام على شاشة من ضوء

أحمد عزت

طبيب نفسي مهتم بالسينما
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

خلال إحدى رسائلها المتبادلة مع المؤلفة الموسيقية "إيثيل سميث"، والتي كانت واحدة من صديقاتها القليلات اللواتي أسرّت لهن فرجينيا وولف بمرضها القديم، فكتبت في 30 أكتوبر/تشرين الأول عام 1930:

     

"...بالمناسبة، ما الحجج التي يمكن أن تُقام ضد الانتحار؟ هل تعلمين ما "مشنقة فليبيرتي" (*) التي أُعاني منها؟ حسنا، يُباغتني، مع صفق الرعد، فجأة شعور حاد بعدم الجدوى التام لحياتي. هذا شيء يشبه الركض برأسك صوب حائط في نهاية حارة مسدودة. والآن، ما التصرف حيال هذا الشعور؟ أليس من الأفضل إنهاؤه؟ لست بحاجة إلى أن أقول إن ليس لدي أية نيّات نحو أية خطوة في هذا الصدد، غير أني ببساطة أود أن أعرف ما الحجج ضد إنهاء الحياة؟" (1)

      

ما تُثيره رسالة الأديبة البريطانية المنتحرة فيرجينيا وولف هو ذلك التساؤل الأبدي الذي يؤرّق الإنسان عن معنى الحياة، سؤال أقرب إلى طائر متوحش له جناحان أسودان، إذا تمكّن منك دون أن تجد جوابا، فإنه سيُحيل حياتك إلى ليل حالك حتى يلتهم قلبك في النهاية، هذا السؤال لا يكون أبدا أكثر إلحاحا منه في حوادث الانتحار، ما الذي يدفع إنسانا ما إلى إنهاء حياته؟ لماذا يمارس هذا القدر من العنف ضد ذاته، ألا تعني له الحياة شيئا؟!

        

الأديبة البريطانية المنتحرة فيرجينيا وولف (مواقع التواصل)

     

فيض قاتم من مثل هذه الأسئلة وغيرها تفجَّر داخلنا بعد بث مقطع فيديو مسرب من تسجيلات حفظتها كاميرات مراقبة برج القاهرة والتي توثِّق اللحظات الأخيرة من حياة شاب مصري في مقتبل عمره باغت الجميع وتسلَّق الحاجز الحديدي للبرج قافزا من أعلاه مُنهيا حياته بهذه الطريقة العنيفة والمأساوية، وكانت شهادة الجميع أنه كان يُعاني من أزمة نفسية حادة قبل انتحاره، لكن لا أحد في مثل هذه المواقف يقنع بمثل هذه الإجابات البسيطة والواضحة، فلا شيء يوقف نزيف الأسئلة، فما الذي كان يدور في رأسه في عتمة هذه اللحظات؟ وهل هناك معنى وراء هذه الطريقة التي اختارها لرحيله الأخير؟

   

الانتحار بين الألغاز والوضوح

يتحدث ميلان كونديرا عن رواية "آلام فيرتر" لجوته، فيكتب:

"يحب فيرتر امرأة صديقه، لكنه لا يستطيع خيانة الصديق، كما لا يستطيع التخلي عن حبه، انتحار فيرتر هنا إفلات من الشَّرَك، الانتحار هنا شفاف كمعادلة رياضية، لكن لماذا تنتحر آنا كارنينا؟ كل شيء واضح في الظاهر: منذ سنوات والناس من عالمها يُعرِضون عنها، إنها تتألم من جراء إبعادها عن طفلها، وحتى لو أن فرونسكي لا يزال يحبها، فهي تخشى على حبها، إنها متعبة منه. تشعر أنها في شَرَك، لكن هل المرء منذور للانتحار حين يقع في شَرَك؟ كثير من الناس يعتاد العيش في شَرَك! حتى لو فهم عمق حزنها، يبقى انتحار آنا لغزا". (2)

    

بعيدا إذن عن الدافع المباشر للانتحار، يبقى سؤال الانتحار سؤالا ملغزا، مفتوحا على كل شيء، على الدين والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، إذ يبدو الوصول إلى صياغة نظرية عامة وشاملة لتفسير الانتحار كسلوك إنساني بعيد المنال، نظرا لتعقّد النفس البشرية وتعدُّد المتغيرات التي تؤثِّر بها. لم يكن الانتحار أبدا ظاهرة حديثة، بل يرى الكثير من المؤرخين والإنثروبولوجيين أنه كان جزءا من التاريخ الإنساني منذ بداية تسجيله، كان معروفا لدى الكثير من الجماعات البدائية. كل الجماعات الإنسانية على اختلاف حضارتها ووجودها الزمني أو الجغرافي عرفت الانتحار كفكرة وممارسة.

    

يرى فرويد أن الانتحار هو نتيجة إخفاق دوافع الفرد العدوانية في التعبير عن نفسها نحو الخارج، فيوجّهها الفرد نحو نفسه

الجزيرة
   

الآن بات من المعروف أن الأمراض النفسية والعقلية هي أبرز العوامل التي قد تدفع الإنسان للانتحار، (أمراض كالاكتئاب والفصام، أو إدمان الكحول والعقاقير، أو بعض اضطرابات الشخصية مثل اضطراب الشخصية الحدية)، هناك أيضا أسباب اجتماعية واقتصادية قد تدفع المرء لذلك. لكن التاريخ يخبرنا عن أنماط من الانتحار سادت في أزمنة أخرى تجعل ظاهرة الانتحار تقترب من مدار الروح والفلسفة، فمثلا لأربعة عقود بعد صلب المسيح، كان المسيحيون الأوائل يُقبِلون على الموت من أجل إثبات إيمانهم محاكاة للمسيح، وفي الثقافة اليابانية التي تُمجِّد الموت رأوا في طقوس قتل النفس على طريقة الهاراكيري (**) المؤلمة والعنيفة جدا نوعا من الشرف، وفي سياقات أخرى كالحرب مثلا نُظِر لفعل كالانتحار كنوع من البطولة والتضحية.

   

هناك نوع من التناقض يحكم هذه الظاهرة، يكتب ألبير كامو:

"هناك مشكلة فلسفية مهمة ووحيدة هي الانتحار، فالحكم بأن الحياة تستحق أن تُعاش يسمو إلى منزلة الجواب عن السؤال الأساسي في الفلسفة (سؤال معنى الحياة)، كل المسائل الباقية تأتي بعد ذلك. أجد الكثيرين يموتون لأنهم يقررون أن الحياة لا تستحق أن تُعاش، وآخرين يذهبون ضحية القتل بصورة متناقضة بسبب الأفكار أو الأوهام التي تمنحهم سببا يعيشون من أجله (فما هو سبب ممتاز للعيش هو أيضا سبب ممتاز للموت)، ولذلك أستنتج أن معنى الحياة هو أشد المسائل إلحاحا" (3)

    

رأى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم الانتحار كظاهرة اجتماعية سببها تفسُّخ النظام الاجتماعي وتكسُّر الروابط الاجتماعية، بينما رآه فرويد نتيجة إخفاق دوافع الفرد العدوانية في التعبير عن نفسها نحو الخارج، فيوجّهها الفرد نحو نفسه. هو محصلة الصراع الجدلي بين غريزتَيْ الحياة (أيروس) والموت (ثانتوس). الانتحار من وجهة نظر التحليل النفسي هو المحصلة النهائية لعمليات لا شعورية بالغة العمق والثراء والتعقيد.

     

صورة آجاكس المنتحر بسيفه والواردة في إلياذة هوميروس وهي من أقدم الصور التي احتفظت بها ذاكرة الفن عن الانتحار (مواقع التواصل)
  

بينما رأت معظم الأديان الانتحار كخطيئة، سارع الفن لتسجيل هذا السلوك الإنساني الغريب والغامض بشغف متواصل رغم أنه صار تابوها في أزمنة عديدة. تعتبر صورة آجاكس المنتحر بسيفه والواردة في إلياذة هوميروس هي أقدم الصور التي احتفظت بها ذاكرة الفن عن الانتحار، وتعود إلى سبعة قرون قبل ميلاد المسيح. سنشاهد بعد ذلك لوحات ذات ثيمات دينية مثل تلك التي تصوِّر انتحار يهوذا لخيانته للمسيح، لوحات أخرى كانتحار سقراط أو انتحار لوكريشا (4) في محاولة لتمرير شيء من الضوء عبر هذه اللحظات المظلمة.

 

طالما انشغل الفن إذن بالانتحار كموضوع غامض وغريب يستحق التأمل، فلا عجب إذن من أن يصير إحدى الثيمات الأساسية في السينما منذ بدايتها وحتى الآن. يُعَدُّ التجسيد السينمائي للانتحار حلقة ضمن سلسلة حلقات في محاولات فهم ظاهرة الانتحار والاقتراب منه قدر المستطاع لتكوين صور واضحة عنه، وهو الموغل في ألغازه حينا والبسيط أحيانا كمعادلة رياضية.

 

ظاهرة الانتحار عبر تاريخ السينما

إحدى الدراسات المتاحة والمهمة والتي تُضيء لنا الكثير من الجوانب والمعلومات عن التناول السينمائي لظاهرة الانتحار هي دراسة تقدم بها الباحث "جون سادينجتون" لقسم علم الاجتماع بجامعة يورك البريطانية من أجل الحصول على درجة الدكتوراه، وعنوانها "التمثيل السينمائي للانتحار"، هذه دراسة تقوم بمسح شامل لعدد 350 فيلما عن الانتحار منذ 1910 وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة، وتضع في أولوياتها التقاليد الجندرية والسينمائية لتناول ظاهرة الانتحار في هذه الأفلام. (5)

   

   

كما هو واضح من الجدول أعلاه، فإن عدد الأفلام التي تناولت ظاهرة الانتحار كانت قليلة جدا قبل عقد الثمانينيات، ثم بدأت تتزايد بدرجة ملحوظة خلال عقد التسعينيات والعقد الأول من الألفية، لدرجة أن 60% من عدد هذه الأفلام صدر خلال هذين العقدين. هناك ملاحظة أخرى يُشير إليها الباحث وهي زيادة النسبة المئوية لمحاولات انتحار الذكور على الإناث خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات والعقد الأول من الألفية.

   

النسب الواقعية للانتحارات الفعلية تميل لصالح الذكور لأسباب، منها أن الذكور أكثر عنفا وعدوانية من الإناث، ثانيا لأسباب ثقافية ومجتمعية، فهناك تصور معين عن كيف يتصرف الذكور في مواقف معينة، ففكرة اللجوء للمساعدة عادة ما يتم ربطها بأفكار كالضعف والفشل ولذلك فالذكور أقل طلبا للمساعدة، أحيانا يتم تغطية الاكتئاب بأعراض أخرى كالاندفاعية والغضب كي لا يظهر أيضا بمظهر الضعيف أو المكتئب، بينما نسب محاولات الانتحار تميل لصالح النساء، فالنساء أقل نجاحا في الانتحار من الذكور، لكن التمثيل السينمائي معكوس هنا، فالذكور أيضا أكثر من الإناث في محاولات الانتحار، وهو ما يرجعه الباحث إلى فكرة التقاليد السينمائية الحاكمة للصناعة والتي تضع الذكور أكثر في مركز الحكايات وتجعل شخصياتهم أكثر فاعلية وتأثيرا من الشخصيات الأنثوية.

  

لدينا حسب هذه الدراسة سالفة الذكر نوعان من السرديات السينمائية فيما يتعلق بثيمة الانتحار:

أولهما: يكون الانتحار هو الثيمة الأساسية التي تُحرِّك السرد وتدفعه للأمام، أو على الأقل هو ذروة الحكاية السينمائية، حيث نيّات الانتحار بارزة ويتم استكشافها وفهمها جيدا عبر السرد، الفيلم في جوهره هو فيلم عن الانتحار. ضمن هذا النوع لدينا أفلام مثل (the fire within) ،(leaving las vegas) ،(the virgin suicides).

  

فيلم the virgin suicides (مواقع التواصل)

       

ثانيهما: يُشكِّل الانتحار هنا داخل السرد السينمائي مجرد عنصر من عناصر الحبكة، حيث ترتكب إحدى شخصيات الحكاية فعل الانتحار بترتيب سابق أو على نحو اندفاعي وغير مُرتَّب له، أحيانا يتم إبراز دوافع الانتحار بشكل واضح وأحيانا بشكل عابر مع التركيز على أثر الانتحار على شخصيات العمل الرئيسية. ضمن هذا النوع لدينا أفلام مثل فيلم (full metal jacket)، (detatchement)، (in bruges)، وفيلم "القتلة" (the killers) بنسختيه عامي 1946،1964 والمقتبس عن قصة الأديب الأميركي الكبير هيمنجواي. هذه رحلة استقصاء سينمائي في مجموعة من أبرز الأفلام التي جسَّدت سينمائيا ثيمة الانتحار، كمحاولة للاقتراب وفهم هذه الظاهرة.

 

مزج أول: كيف يبدو الظلام من قريب؟

لا شك أن جميع من شاهد فيديو الانتحار المسرب لكاميرات مراقبة برج القاهرة تساءل عما يدور بعقل هذا الشاب في هذه اللحظة التي سبقت انتحاره، بالتأكيد ليس لدينا صورة واضحة عن هواجس هذا الرأس الأسود، لكن هناك مشهد يكاد يتماثل مع هذا المشهد يمكنه أن يُلقي بنا في هوة ذلك العقل المُقبل على انتحاره، المشهد من تحفة المخرج الألماني فيم فيندرز "أجنحة الرغبة"، فيلم فيندرز الأقرب لقصيدة شعرية هو عن برلين وسكانها والملائكة التي تملأ سماءها، بطلا فيلم فيندرز هما ملاكان شاهدان على الحياة اليومية لهذه الكائنات الفانية، أحلامهم وهواجسهم، أفراحهم وخيباتهم، نحيبهم وغنائهم، أحد الملاكين يكون شاهدا على انتحار شاب ما، نشاهده يجلس على لوحة إعلانية مُقامة أعلى مبنى شاهق الارتفاع، يستمع إلى موسيقاه الخاصة، غائصا تماما داخل ذاته ومنفصلا عن العالم الخارجي، يستعين هنا فيندرز بالمونولوج الداخلي الأشبه بتيار الوعي والذي يحاكي انسياب فوضى الأفكار والمشاعر داخل ذهنه، كي يقبض على ما يجري في رأس هذا الشاب في هذه اللحظة:

  

"سأفعلها هذه المرة، المضحك أنني هادئ. لماذا أرتدي جوارب حمراء على حذاء أسود، غبي، ضباب بارد، ارتدِ كنزة صوفية إذا كنت تخشى البرد، معطف جيد جدا لكن جيبه ممزق، هي التي أعطتني إياه (يقف الملاك إلى جواره، هنا يقفز من أعلى اللوحة إلى السطح مقتربا من الحافة الخطرة للسطح بينما تتواصل أفكاره في التداعي، يحاول الناس القريبون منه تحذيره من اقترابه من الحافة لكنه مستغرق تماما في عالمه)، لمرة أريد أن أطير، الطائرة تُحلِّق فوق سماء برلين، يوما ما ستتحطم، الجو بارد، كم الوقت الآن، إنه الغروب، الشمس خلفي والنجمة إلى يساري وهي تتقافز بقدميها الصغيرتين، رقصها عذب جدا، جميعنا وحيدون، هل تلقت رسالتي؟، لا أريدها أن تقرأ رسالتي، برلين لا تعني لي شيئا، كل هذه الأفكار! لا أريد أن أفكر مرة أخرى (يدنو منه الملاك يضع رأسه على كتفه)، أنا ذاهب، لماذا؟ يقفز من شاهق، صرخة الملاك".

  

فيلم "أجنحة الرغبة" للمخرج الألماني فيم فيندرز (مواقع التواصل)

       

يقبض فيندرز عبر المونولوج الداخلي للشاب المقبل على الانتحار، والذي يبدو غير مترابط تماما، على الأحاسيس العابرة والأفكار المتطايرة، سيل من كل ما يوجد في رأسه في هذه اللحظة المنفلتة. يتجلى أيضا ما هو غير منطقي في تفكيره وانجذابه للجانب المظلم من الأمور، تلتقط أفكاره دائما ما هو سلبي، يحلم أن يطير، فيفكر في الطائرات التي تعبر فوق برلين، ثم يقفز لفكرة أنها ستتحطم يوما ما، نعرف عن انفصاله العاطفي عن حبيبته وحنينه إليها، ومع ذلك لا يريد أن تكتشف خطابه الذي ربما يعري ضعفه، هذا الإيقاع المتسارع لكلماته يكشف لهاث أفكاره المضطربة. حين يتحدث الشاب عن أننا جميعا وحيدون، يؤطره فيندرز وحيدا تماما في قلب الكادر، وفي البعيد برلين غارقة في الضباب. هذا واحد من أكثر المشاهد السينمائية قدرة على تجسيد الفكر السري لشخصية المنتحر بكل اضطرابه وفوضاه ولا منطقيته.

    

أن تصنع فيلما بديلا عن الانتحار:

(the fire within): العشاء الأخير لآلن ليري

أحد أنضج الأفلام تجسيدا لثيمة الانتحار هو فيلم الفرنسي "لويس مال" المقتبس عن رواية للكاتب "بيير دريو لا روشيل" مستلهما حكاية صديقه الشاعر السريالي المنتحر "جاك ريجوت". كان ريجوت دائما ما يتحدث أمام أصدقائه عن انتحاره، لكن الجميع لم يأخذ كلماته على محمل الجد. لا روشيل هو الآخر المهووس بفكرة الانتحار انتحر في الخمسين من عمره. الضلع الثالث في هذا المثلث المأخوذ بهاجس الانتحار هو المخرج لويس مال، الذي كان يمر بأزمة نفسية حادة، كان يشعر وهو في الثلاثين أنه أصبح عجوزا، وهو الذي طالما رأى في فكرة الانتحار شابا شيئا رومانسيا. في أحد حواراته يتحدث مال أنه بدلا من الانتحار قرر صناعة فيلم عن الانتحار، جاعلا من شخصية آلن ليري الذي ينتحر في نهاية الفيلم أناه الآخر.

    

(the fire within) العشاء الأخير لآلن ليري (مواقع التواصل)

   

الفيلم يتناول الأيام الأخيرة في حياة آلن، آلن كما نعرفه هو مدمن كحول في فترة التعافي، لكنه يقرر من البداية الانتحار، لذلك يخرج من مصحة إعادة التأهيل لمقابلة أصدقائه لمرة أخيرة قبل أن يُنفِّذ رغبته في الانتحار. يحاول آلن عبثا أن يجد في حياته أو حياة أصدقائه ما يدفعه للتمسك بالحياة، رغم المحبة التي يُغدقها عليه أصدقاؤه وحبيباته السابقات، فإن كل ذلك لا يلمسه من قريب أو بعيد. في المشهد الافتتاحي للفيلم نشاهده في سلسلة من اللقطات القريبة مع امرأة فرغا للتو من ممارسة الحب، لكن ما يصدمنا في المشهد هو ذلك الخواء في عيني آلن، إذ لا شيء يومض خلف نظرتهما الباردتين، آلن هو مثال بارز لفكرة العجز عن الحب، أو بالإمكان الاستعانة بالصياغة الفرويدية عن الانتحار بأنه تجاوز كل ما يمكن أن يجعل الإنسان مُتشبِّثا بالحياة.

    

يضعه مال دائما على أطراف الكادر، وكأنه يفتقد لأي شيء يجذبه نحو مركز الكادر/الحياة. يبدو آلن منجذبا تماما لكل ما له علاقة بالموت، في غرفته بالمصحة، وعلى المرآة نجده قد كتب تاريخ انتحاره، وحولها قصاصات من الجرائد عن انتحار مارلين مونرو، وفاة طفل ذي خمسة أعوام حاول الطيران، أو العثور على زوج ميت إلى جوار امرأته العارية.

    

في الليلة الأخيرة له في هذا العالم يذهب إلى عشاء في بيت حبيبة سابقة وصديق. يكاد المشهد يحاكي في معناه العشاء الأخير للمسيح، فالمشهد بمنزلة إعلان عن رحيله عما قريب، تفشل كل محاولات أصدقائه لإغوائه بعيدا عن فكرة الانتحار. في الصباح التالي، يعري آلن صدره موجها مسدسه نحو القلب مباشرة على طريقة الرومانسيين القدامى، ثم يُنهي مال فيلمه برسالة انتحاره: "أقتل نفسي لأنك لم تحبينني، إنني لم أحبك، لأن الصِلات بيننا واهية، بموتي أجعلها أكثر متانة. أتركك الآن بوصمة لا تُمحى". تبدو الرسالة موجهة لحبيبة سابقة، أو ربما للحياة.

    

(in a year of 13 moon): الهبوط نحو عتمة كاملة

مشهد من فيلم in a year of 13 moon (مواقع التواصل)

        

يحكي المخرج الألماني "وارنر فاسبندر" عن فيلمه "عام الثلاثة عشر قمرا"، الذي استلهم فيه انتحار أحد أصدقائه: "الأمر إلهام بالنسبة لي، كان صنع فيلم لا يُعبِّر فقط عما أشعر به تجاه انتحار "آرمين" وعن ألمي وحزني، بل يذهب أبعد من ذلك، كان ما يهمني أن أقول كل ما لم أستطع قوله عن آرمين". (6) يروي فاسبندر في فيلمه تفاصيل الأيام الأخيرة لشخص بائس يتوق للتحوّل إلى الجنس الآخر بعد أن ترك زوجته وابنته. حياة ألفيرا الشخصية الرئيسية في فيلم فاسبندر هي تراجيديا كاملة، هبوط لا نهائي نحو ظلمة كاملة. طالما كان فاسبندر بارعا في تجسيد ألم شخصياته وتمزّقهم الداخلي. في أحد المشاهد يصطحب ألفيرا، والذي كان يعمل من قبل جزارا، صديقته إلى مسلخ، وبينما نستمع إلى حكايته فقط عبر شريط الصوت من خارج الكادر، نشاهد التفاصيل الدقيقة والوحشية لذبح الأبقار داخل المسلخ، كمجاز عما يشعر به فاسبندر. تقول له صديقته إن مهنته القديمة هي ضد الحياة، لكنه يخبرها: بل هي الحياة نفسها هذا السيل من الدم والموت.

    

يؤطر فاسبندر ببراعة وحدة شخصيته والحصار الذي تشعر به، سواء عبر اللقطات القريبة ذات الأثر الخانق، أو عبر استخدام الإطار داخل الإطار، بل أحيانا يصنع تأطيرا مزدوجا داخل الكادر، فالشخصية نفسها تظهر عبر الإطار داخل إطار (frame within frame)، وانعكاسها محاصر أيضا داخل مرآة كتعبير عن الحصار القاسي الذي يُعاني منه ألفيرا.

   

في مشهد ما قبل النهاية، وبعد أن تخلّى عنه الجميع، نشاهده محاصرا بالقضبان، يهبط درجات السلم متحاشيا الضوء مبتعدا عنه حينا ومُخفيا وجهه حينا آخر، حتى إذا اكتمل هبوطه، اختفى عن الشاشة. هذا مشهد يجسد على نحو بصري دون تصريح قرار الانتحار الذي اتخذه ألفيرا، فهذه هي المرة الأخيرة التي سنراه حيًّا على الشاشة. تحكي ليزلوت إيدير صديقة فاسبندر: "لو لم يقم راينر فاسبندر بتصوير هذا الفيلم لعجّل ذلك دون شك بوفاته، وهو الذي مات مبكرا أصلا بجرعة زائدة من المخدرات التي كان يُسرف في تعاطيها يوميا". (7)

   

الانتحار في سينما محمد خان

قدَّم خان للسينما المصرية مثالين ناضجين لثيمة الانتحار عبر فيلميه "موعد على العشاء" و"زوجة رجل مهم". الانتحار هنا كتعبير عن الإذعان للهزيمة، عن الإحساس بالنهاية قبل أوانها. إحدى أهم ما يميز خان كمخرج هي قدرته الاستثنائية على الاختزال السردي واستخدام المجاز البصري، تفصيلة واحدة يمكنها أن تقول الكثير جدا عن عالمه الفيلمي وأبطاله.

     

فيلم موعد على العشاء (مواقع التواصل)

   

هنا في "موعد على العشاء"، نجد أحد التفاصيل الخانية التي يمكن لها أن تحمل مجاز الفيلم ككل. حين تجبر الأم نوال/سعاد حسني أن تحضر عشاء عمل مع زوجها بعد قرارها بالانفصال عنه. يسود المطعم أجواء إسبانية، جيتارات وموسيقى، وعلى الحائط نجد ملصقين لمصارعة الثيران، تنجذب لهما عينا نوال، وتقرر بعدها مباشرة مغادرة العشاء. نجد في أحد الملصقين مواجهة مباشرة بين الماتادور وأحد الثيران. وفي الملصق الآخر، نجد الماتادور على ركبتيه في مقدمة الصورة، وفي الخلفية قريبا منه تماما نرى الثور في وضع استعداد لمهاجمته.

  

هنا لدينا البطل الخاني (بطلة هنا) بكل فروسيته الكامنة ونبله، ودون كيشوتيته أيضا. نوال هي الطرف الأضعف في هذا الصراع مع زوجها المتغطرس، ورغم إرهاصات الهزيمة، فإنها مجبرة على الصراع معه حتى النهاية، نهايتها ونهايته أيضا. يصوّر خان بطلته دائما في سياق ضاغط كتجسيد لإحساسها بالضياع، إما عن طريق اللقطات القريبة التي تُظهِر اختناقها، مثل مشهد المصعد الذي تستقلّه للصعود في شركة زوجها. وأحيانا يصوّرها خان من زاوية علوية فتبدو ضئيلة داخل الكادر، أو يضعها في عمق التكوين بحيث يبدو أن الكادر كله يُلقي بثقله عليها. بعد مقتل شكري/أحمد زكي زوجها الثاني تشعر نوال أنها هُزمت في معركتها مع زوجها السابق عزت/حسين فهمي، لكنها ترفض أن ترحل هكذا ببساطة دون أن تنتقم لحياتها المهدرة، هنا لدينا فعل مزدوج، انتحار وقتل، يحمل في عمقه إحساسا لا نهائيا باليأس. ما يعزز من إحساس اليأس هنا لجوء خان إلى بناء دائري للسرد، يبدأ الفيلم بصورة زفاف البطلة وزوجها الأول أثناء التقاطها بأستوديو تصوير، وينتهي بالصورة ذاتها على حائط بيت الزوجية في خلفية مشهد الانتحار/القتل.

   

في فيلمه "زوجة رجل مهم"، نجد أن الضابط هشام/أحمد زكي ورغم أنه لا يحمل نبل أبطال خان، فإنه يحمل الهوس ذاته الذي يحمله أبطاله تجاه أحلامهم. هوس هشام هنا هو هوس بالسلطة. في بداية علاقته بمنى/ميرفت أمين، وأثناء تناولها الغداء مع والديها، فقط بحركة من أصابعه يستبدل طعاما آخر بطعامهم غير المطهو جيدا، هذا رجل يستعرض سلطته ويستمتع بذلك. هشام شخصية نرجسية تماما، يصوّره خان دائما في المرايا وهو منتفخ مثل طاووس. جزء أساسي من إدراكه النرجسي لذاته نابع من إحساسه بالسلطة أو القوة التي تغذيه بها السلطة، يتعامل هشام مع زوجته هنا كمرآة متخيلة، فالانبهار الذي يظهر في عينيها بسلطته يغذي نرجسيته.

     

فيلم زوجة رجل مهم (مواقع التواصل)

   

حين تضيع السلطة من هشام بفصله من عمله، يبدأ رحلة الهبوط ناحية الموت، وخلالها يحاول أن يُرمِّم صورته المنكسرة بسلطة زائفة، يستأجر سائقا، يُخفي عن زوجته فصله من العمل، لكن كل ذلك يتحطم في النهاية ليظهر المسخ المختبئ تحت ملامحه في لقطة المرآة الشهيرة التي تُظهِر انعكاسه مشوَّها بعد تحطيمها. جزء أساسي من تمسك هشام بزوجته حتى النهاية مرتبط بفكرة نابعة أيضا من نرجسيته، فهشام هنا يرى في فقد امرأته/مرآته ضياعا تاما لسلطته وتعرية لجرحه. يصوّر خان حتى مشهد انتحاره أمام مرآة، وكأنه محكوم في حياته وموته فقط بصورته عن ذاته. فعل الانتحار هنا منسجم تماما مع منطق الشخصية وبنائها النفسي.

   

(الساعات): انبعاث وموت فرجينيا وولف

هنا يقتبس المخرج ستيفن دالدري رفقة كاتب السيناريو ديفيد هير نصهما السينمائي من رواية الأميركي مايكل كننجهام التي تحمل الاسم نفسه. كان كننجهام بدوره قد قام بكتابة هذه الرواية انطلاقا من رواية فرجينيا وولف "السيدة دالاواي"، ومن التجربة النفسية التي عاشتها فرجينيا أثناء كتابتها لهذه الرواية التي يصفها كننجهام بأنها غيّرت كيانه إلى الأبد.

 

فيلم الساعات لستيفن دالدري (مواقع التواصل)

     

يروي فيلم دالدري ببنائه الزمني المركّب حكاية ثلاث نساء منفصلات زمنيا ومكانيا، لكن يتشاركن المعاناة نفسها، لدينا فرجينيا وولف نفسها، والتي تعيش حياة مليئة بالقلق والهواجس والاضطرابات العقلية، يبدأ الفيلم وينتهي بمشهد انتحارها، وما بين المشهدين تتقاطع حياتها مع حياة امرأتين أخريين هما: لورا (جوليان مور) ربة منزل، حبلى ومغمورة بالكآبة وتهرب من محيطها، العائلي والاجتماعي، الخانق بالانغماس في عالم رواية فرجينيا وولف "السيدة دالاواي". وفي آخر النهار تقرر الانتحار في غرفة فندق، غير أنها تتراجع عن الفكرة وتعود إلى زوجها وابنها ريتشي قبل أن تهجرهما من جديد إلى مكان آخر.

   

وكلاريسا (ميريل ستريب) ناشرة كتب. تُشرف على ترتيب حفلة تُقام على شرف صديقها ريتشارد الذي حاز لتوه على جائزة مهمة في الشعر، والذي يحب أن يسميها "السيدة دالاواي"، أما هو، الشاعر المصاب بالإيدز، فينتحر برمي نفسه من نافذة شقته لنكتشف بأنه ابن لورا التي تأتي لزيارة كلاريسا وتتحدث إليها عن السبب الذي جعلها تهجر أسرتها: لم يكن أمامي خيار آخر، "كان ذلك الموت، وقد اخترت الحياة".

   

هناك سيولة وتناغم في الانتقالات بين الزمان والمكان، يقطع أحيانا على الحركة نفسها المؤداة في المشهد السابق، أو تردد الشخصية الكلمات نفسها التي نطقت بها شخصية أخرى في المشهد السابق نفسه. نساء دالدري هنا يتشاركن الوحدة والميلانكوليا وهشاشة الروابط، إنهن أسيرات الشَّرَك ذاته، ورغم قتامة الحالة العاطفية التي يُقدِّمها الفيلم وثقل هواجسه فإنه لا يغرق في الكآبة.

  

يصرح دالدري في أحد حواراته: "هذا ليس فيلما عن الكآبة والإحباط، إنه عن أفراد يناضلون من أجل إيجاد فرصة مناسبة للسعادة. ذلك ليس خيارا سهلا، ينجحون أحيانا في التحرك نحو الضوء ويتعثّرون أحيانا. آمل في النهاية ألا يكون الفيلم وجدانيا ومفرطا في العاطفية، بل أن يخرج المتفرج وقد تطهّرت مشاعره".

_________________________________________________________________________________

هامش:

(*)     المصطلح بالإنجليزية (flibberti -gibbet).

(**) الانتحار بطريقة الهاراكيري هو الطريقة المفضلة للانتحار لدى الرجال العسكريين في اليابان، وهو انتحار مؤلم و بطيء، فالمنتحر يبدأ بطعن نفسه بسيف قصير في الناحية اليسرى من البطن، ثم يحرك السيف إلى الناحية اليُمنى محدثا بذلك قطعا عرضيا في الأحشاء، ثم يبدأ في الاتجاه بالسيف إلى أعلى الصدر. ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺮﻭﻓﺎ ﻟﺪﻯ ﻣﻘﺎﺗﻠﻲ ﺍﻟﺴﺎﻣﻮﺭﺍﻱ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺆﻣﻨﻮﻥ ﺑﻀﻮﺍﺑﻂ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺒﻮﺷﻴﺪﻭ ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻠﺠﺄﻭﻥ ﻟﻪ ﻟﺘﻔﺎﺩﻱ ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻱ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺃﻭ ﻟﻤﺴﺢ ﻋﺎﺭ ﺍﻟﻬﺰﻳﻤﺔ.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار