انضم إلينا
اغلاق
عن النهايات غير السعيدة.. كيف قدمت لنا السينما الكلاسيكية الجانب المظلم من الحب؟

عن النهايات غير السعيدة.. كيف قدمت لنا السينما الكلاسيكية الجانب المظلم من الحب؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

جلس شاعر اليونان أورفيوس على صخرة في البستان البعيد يداعب أوتار قيثارته، ويشدو بالأغاني الحزينة، ويبكي فقدان محبوبته أوريدوس التي فرّق بينهما الموت يوم عرسهما. ما زالت الأشعار تحفظ إلى الآن أسطورة أورفيوس ورحلته إلى العالم السفلي التي خاضها ليستعيد محبوبته من الموت ولو لسنوات قليلة يعيشان فيها معا على الأرض، لكنه أخفق في تحقيق طلب آلهة الموت وظل الحبيبان تائهين في برزخ أبدي، وأورفيوس ما زال يشدو باسم محبوبته أرق الألحان، وأقسم ألا يقع في حب أي امرأة أخرى بعدها[1].

تحتفظ ذاكرة البشرية بالآلاف من قصص الحب على اختلاف أنواعها ونهاياتها، بين الأساطير والروايات والأفلام الكلاسيكية والأغاني والتجارب الحقيقية، نذكر النهايات السعيدة ولحظة لقاء الحبيبين بعد مواجهة الصعاب، والقُبلة التي تطبع على شفاه الحبيب مصحوبة بكلمة "النهاية" في الأفلام الأبيض والأسود، لكن هناك جانب غير سعيد من الحب لا ينتهي بتلك القُبلة، ولا بالحبيبين يسيران معا، وبرغم الحب الكامن في صدورهما فإن المسافات تبعد بينهما وتأتي لحظة الوداع ملوحة في الأفق وما من سبيل سوى أن يفترق هذان العاشقان إلى الأبد. لكن، هل ساهم الفن والأدب الكلاسيكيان في تنميط الحب في صورة تمتزج فيها العاطفة بمأساة الفقد؟ وهل نحن بالمقابل أحببنا ألم الحب؟

 

عن الحب والموت

توافق لطفية الدليمي على هذه الفكرة، وترى أن الرومانسية تحولت إلى فعل مثيولوجي يربط بشكل نمطي بين الحب والموت، وأن الفن ساهم بشكل ما في ترسيخ هذه الصورة، في واحدة من أشهر لوحات السويسري فرديناند هودلر يصور الموت وهو ينقض على رجل وحيد في وسط جموع من العشاق النائمين في أوضاع حميمية، وفي هذه الرمزية ترى لطفية أنها لا تقل فظاعة عن ما يفعله الموت بالحياة، وأن الموت هو العدو القاتل للعشق[2].

نعرف جيدا أن الموت حتمي كما الميلاد، لكنه لا يزال الشبح الأكثر غموضا الذي يهدم لذّاتنا، والذي يأتينا بفعل القدر ليهدم استقرار حياتنا، فيتحول إلى فعل قاسٍ لا يغفره الحبيب الذي يفقد محبوبه. عاند أورفيوس الاستسلام للموت وقرر أن يذهب إلى العالم السفلي ليستعيد حبيبته لكنه فشل، وتنتهي الأسطورة بموته في النهاية واتحاد روحيهما في عالم خيالي.

  

الفنان السويسري فرديناند هودلر (مواقع التواصل)

  

لم يكن الحب وحده كافيا لتحيا بطلة رواية "غادة الكاميليا" مارجريت جوتيه، بل اختارت أن تضحي به من أجل إسعاد الحبيب، فهي، بائعة الهوى اليتيمة التي لا تنتمي إلى أسرة معيلة، لم تكن النموذج المثالي للمرأة العاشقة في المجتمع الفرنسي قرابة نهايات القرن الثامن عشر، اختارت مارجريت ألا تمس سمعة حبيبها أرمان كي لا يوصم بالعار لحبه لها، فابتعدت عنه، ولم تنته قصة الحب عند هذا الحد، بل إن المرض كان يتفشى في جسدها الهزيل، والمال في جيبها لم يكن كافيا لتستمر في العيش، وعندما قرر أرمان أن يواجه المجتمع القاسي من أجل الحفاظ على حبه لها، كان الموت يسبقه على باب بيتها، وماتت مارجريت وهي في مقتبل العشرينيات بسبب المرض الذي لم يستطع طبيب علاجه. لم تكن رواية "غادة الكاميليا" ملهمة الجيل المعاصر للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما الابن فحسب، بل أصبحت بوصلة مهمة لقصص الحب التي تفرقها العادات والتقاليد ثم يأتي الموت ليسطر بيده كلمة النهاية.

 

رواية غادة الكاميليا (مواقع التواصل)
  

قدمت السينما العالمية الكلاسيكية قصة "غادة الكاميليا" في العديد من الأفلام، واقتبستها العالمية في فيلم "كاميليا" عام 1934، والفيلم الشهير "مولان روج" 2001، وغيرها عدد من المعالجات الدرامية في السينما المصرية في فيلم "ليلى" عام 1942، فيلم "عهد الهوى" 1955، "رجال بلا ملامح" 1972، "حافية على جسر من ذهب" 1976. يقول ألكسندر دوما عن شخصية مارجريت: "مشكلتها الأبدية هي الحب، والمذنبة هنا تدعو إلى العطف ولا تستلزم العقاب، وذنبها هو ذنبنا، ولا يمكن أن نكون قضاة طيبين في الوقت نفسه الذي نكون فيه أصحاب سوء"[3].

 

"بجناحي الحب الخفيفين حلقت فوق تلك الأسوار، لأن الحدود الحجرية لا تستطيع منع الحب"

(مسرحية روميو وجولييت)

 

هل نحب المأساة؟

حكاية شعبية تداولها الناس عبر الأجيال عن تلك الفتاة جولييت التي أحبّت روميوس وألّف لها آرثر بروك قصيدة شعرية[4] كانت هي الملهم لويليام شكسبير ليكتب مسرحيته الشهيرة "روميو وجولييت" ليخلد ذكرى هذا الحب فيصبحان الأسطورة الجديدة التي يتحاكى بها العشاق، وإلى الآن يتوافد الآلاف من الزوار كل عام إلى مدينة فيرونا الإيطالية يحملون الرسائل السرية والورود والأقفال ليعلّقوها على أسوار المدينة التي أصبحت "مدينة الحب". في أحد أزقة فيرونا يقع منزل جولييت الذي ينتصب أسفله تمثال برونزي نُحِت لها، وبمرور السنين تحول منزلها إلى مزار سياحي يقصده المئات كل يوم[5]، لكن قصة الحب التي يتغنى بها الكثيرون إلى الآن لم تكن بتلك السعادة التي نظن، والحبيبان، روميو وجولييت، فرّق بينهما أهلهما واختارا الموت كي لا يفترقا، وتحولت حكايتهما إلى دراما رومانسية تراجيدية.

 

ليزلي هاوارد ونورما شيرر في فيلم "روميو وجولييت" (1936) (مواقع التواصل

 

ينطوي تعريف أرسطو للمأساة على أنها مرور شخص عظيم أو نبيل بظروف تعيسة[6]، وهذا بالتحديد ما فعله شكسبير في قصة الحب التي اقتبسها من الحكاية الشعبية وحوّلها إلى مأساة، فهذان العاشقان من أصول اجتماعية نبيلة سيقعان في الحب، وسيرتكبان إثما كبيرا وهو الزواج دون علم أهلهما، وسينجم عن هذا فراق بين الحبيبين وانتحارهما لاحقا. ربما لو كان روميو وجولييت شخصين عاديين من طبقة اجتماعية أدنى لم يكونا أسطورة عشق نرددها إلى الآن، لكن، وبحسب تعريف أرسطو للمأساة، اختار شكسبير أن يحول هذا الحب إلى مأساة لتستمر عبر السنين؛ فسقوط النبلاء والشخصيات العظيمة أو المشهورة ما زال يأسرنا ويلفت انتباهنا ويحول قصصهم إلى مأساة خالدة في أعين الجميع[7].

 

"إننا نميل إلى التفكير في هؤلاء العشاق الخائبين باعتبارهم أكثر نقاء، أكثر ذكاء، أكثر صدقا"

(ويليام جليسون)

 

تفسر لنا مأساة روميو وجولييت سبب خلودها إلى الآن، فقصص الحب لا تنطوي فقط على الحب الأبدي، بل تلك التي تمر بظروف عصيبة وغير المكتملة هي التي تبقى في الذاكرة؛ ولا يزال هذان العاشقان ملهمين للسينما، فتحولت قصتهما إلى أعمال درامية عدة لا تحمل نهايات سعيدة. نتذكر الفيلم المصري "حبيبي دائما" وقصة الحب بين إبراهيم وفريدة، وما زال مشهد النهاية بينهما هو الأشهر حيث تجلس فريدة على الرمال وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بين ذراعيه وتخبره عن حبها الشديد له، هذا الألم هو كل ما نذكره من قصة الحب تلك أكثر من لحظات الحب السعيدة بينهما، فلماذا ينطبع الألم ولا يزول أثره؟

تتحدث هيري بوتينا من واقع تجربتها عن فكرة "الحب المستحيل" وهي فكرة رومانسية للغاية، فالحب السعيد ينتهي إلى الأبد في السراء والضراء، لكن الرومانسية تظل متّقدة طالما كان هذا الحب صعبا أو ممنوعا، وهو ما يُبقي على الحب يقظا لكنه يتحول إلى شيء مؤلم، وهذا هو بيت القصيد، فالأمر لا يكون مثاليا للحبيبين بقدر ما يظنه الناس من الخارج، فالحب غير المكتمل يثير إعجاب الآخرين ويستهويهم، لا النهاية السعيدة.

  

لوحة تريستان وإيزولده للرسام أوجست سبايس (مواقع التواصل)

  

تعود أسطورة الحب بين تريستان وإيزولده إلى القرن الثاني عشر، فهي واحدة من أشهر القصص الكلاسيكية عن الحب المستحيل الذي يحدث نتيجة ترياق يشربانه ليقعا بفعل السحر في الحب، لكنهما ليس مقدرا لهما بأي حال أن يكونا حبيبين[8]، تقوم الأسطورة على تعقيد فعل الحب، كان من الممكن ألا يحدث لولا أنهما شربا من كأس الحب؛ يرى دينس دي روجيمون أن هذه الأسطورة لا تقدم لنا مفهوما خالصا للحب، فهما، تريستان وإيزولده، لم يحبا بعضهما، لكن أسطورة الحب الرومانسي لن تتحقق إلا بتدخل المأساة في الحكاية، حينها تحولت القصة إلى حب حقيقي نردده إلى الآن[9].

 

يزخر أيضا تاريخنا العربي بأساطير العشق غير المكتمل، نذكر قيس بن الملوّح وليلى العامرية والأشعار التي تختزل كل ألم الحب، يقول قيس:

 

"ألستَ وعدتني يا قلبُ أني .. إذا ما تُبتُ عن ليلى تتوبُ؟

فها أنا تائبٌ عن حبِّ ليلى .. فما لكَ كلَّما ذُكرت تذوبُ؟"

  

المؤلم في حب قيس وليلى أن عادات المجتمع حكمت عليه بالنهاية فقط لأنه عاشق، فلم يكن من الشائع بين القبائل حينها في العصر الأموي أن يزوج الأب ابنته لرجل تغزل فيها أو صرح بحبه لها علنا، ففرق العشق بينهما، تزوجت ليلى رغما عنه من آخر، وبقي قيس هائما في البراري يبكي حبه الضائع، يخلد ذكراها في قصائد الشعر، تماما مثل ألحان أورفيوس، ومات وحيدا بقلب أنهكه العشق[10].

  

يقودنا الأمر إلى التفكير من جديد في أسباب حب البعض للقصص والأساطير والأفلام والأغاني الرومانسية الحزينة، تشير سيلفيا كنوبلوش إلى أن هناك رابطا بين هذه الحكايات التعيسة وبين حياتنا، فهي إما تذكرنا بمشاعر وتجارب مريرة خضناها، وإما أنها تجعلنا في حالة تسامح مع أوضاعنا الشخصية المستقرة، فأنت عندما ترى الآخر يتألم يثير الأمر تعاطفك ومشاعر الشفقة، ثم تتذكر أن حياتك بلا ألم أفضل مما يعانيه الأبطال، فكلما تشفق عليه سيزيد تعاطفك مع هذا الألم.

 

"في أغلب الأساطير الرومانسية تؤدي نقطة الذوبان في الحب إلى الموت، هناك رابط حميمي وعميق بين الحب والموت"

(آلان باديو)

 

يختلف الفيلسوف آلان باديو في نظرته لهذه لرومانسية الراديكالية التي تربط الحب بالموت، أو تلخص الحب في نظرة واحدة أو لقاء عابر، أو مجرد نهاية سعيدة بالزواج وبناء أسرة، فهي بحسبه تليق بأسطورة فنية، لكنها لا تضعنا أمام تعريف متكامل للحب، فالحب كما يعرّفه عملية بناء ومغامرة متماسكة يجب أن نفكر في المدة الزمنية التي يحتاج إليها هذا الحب ليزدهر، والحب الحقيقي هو الذي ينتصر بالاستمرار[11].

   

ليلى مراد ونجيب الريحاني في فيلم "غزل البنات" (مواقع التواصل)

  

على الموقع الشهير "كورا" سأل أحدهم: هل الحب من طرف واحد مؤلم؟[12]، في هذه المساحة الإلكترونية التي يتشارك فيها زوار الموقع خبراتهم وتجاربهم الشخصية، انهالت الإجابات على صاحب السؤال عن حكايات مؤلمة اختبرت الشعور القاسي للحب غير المتبادل. الحب في جوهره فعل تشاركي، وتحوّله إلى طرف خيط واحد يزيد من تعاسة الحبيب ويحوّله إلى بطل لا يريد شيئا أكثر من سعادة من يحب حتى لو لم يكن معه، وهو ما يزيد تعاطفنا مع هذا الحبيب الخائب وقصة الحب غير المكتملة. في فيلم "غزل البنات" وقع الأستاذ حمام (نجيب الريحاني) في غرام تلميذته ليلى، لكنها لا ترى فيه سوى معلم بمنزلة أب، وقفا معا في أحد المشاهد يستمعان إلى غناء محمد عبد الوهاب والدموع تذرف من عيون الأستاذ حمام العاشق الذي يكتم حبه في قلبه ولا يصرح به لمحبوبته التي تقف بجواره؛ ينتهي الفيلم باكتمال قصة الحب بين ليلى ووحيد (ليلى مراد وأنور وجدي)، ربما لا نذكرها جيدا بقدر تذكرنا للأستاذ حمام الحبيب المخلص النبيل.

 

في كل مرة نشاهد فيلما رومانسيا كلاسيكيا نبكي عند المشاهد نفسها التي يسلك فيها الحب أشد الطرق قسوة، ويتبدد بداخلنا الشعور بالألم والخوف من الفقد، تشير الدراسات إلى أن النساء أكثر تأثرا بالمشاعر العاطفية السلبية (كالفراق والموت والحزن) من الرجال عند مشاهدة الأفلام الرومانسية، وبشكل لا إرادي تطلق أجسامنا هرمون الأوكسيتوسين الذي يؤثر نشاطه داخل أجسامنا على سلوكنا العاطفي والشعوري[13]،[14] رغم يقيننا التام أن ما نراه خيالي تماما، لكن الفن قادر على إيهامنا بأكثر مشاعرنا الإنسانية خصوصية، وسيبقى العشاق الخائبون وحدهم هم الأكثر تفردا في ساحات العشق السرمدي في تاريخ الفن والبشرية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار