انضم إلينا
اغلاق
حلمي بكر ومجدي شطة.. طرب السلطة ضد موسيقى البسطاء

حلمي بكر ومجدي شطة.. طرب السلطة ضد موسيقى البسطاء

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

يدخل الملحن العجوز للأستوديو. سنوات عمره الثمانون رسمت نفسها في تغضنات وجهه وظهره المحني قليلا. هو لا يستطيع الوقوف وحده دون من يستند إليه، يأخذ بذراعه المغني الشعبي ويساعده على الوقوف ليأخذوا معا برفقة المذيع الصورة الدعائية للحلقة. يبتسم الثلاثة أمام الكاميرا، ثم يذهبون بعدها سريعا ليبدأوا في التصوير. يأخذ الملحن نفسا عميقا ويستعد لسن أسلحته الكلامية وتصويبها، هدفها اليوم، كالمعتاد، هو المغني الشعبي البسيط الجالس بجانبه، والذي ساعده على الوقوف منذ قليل. تدور الكاميرات، ويبدأ التصوير.

  

ما رأيناه في الحلقة التي جمعت حلمي بكر ومغني المهرجانات مجدي شطة منذ بضعة أيام لا يخرج في مجمله عن سلسلة الحلقات التي شارك فيها بكر على مدار السنوات الماضية. تبقى جميع الأركان كما هي: المغني الشعبي البسيط الذي يأتي باحثا ربما عن انتشار وسط جمهور أوسع، والبرنامج التلفزيوني الراغب في إثارة الجدل، وحلمي بكر، الملحن العجوز الذي نصّب نفسه متحدثا رسميا باسم الأغنية العربية، يدافع عنها بأفظع الطرق ضد من يرى أنهم شوّهوها.

    

تواتر ظهور بكر الإعلامي في ذلك السياق نفسه أو بتنويعات مختلفة عليه حتى ما عاد اسمه يقترن بألحانه ولا بموسيقاه، بل بصوته الشخصي الأجش وهو يكيل النقد والهجوم اللاذعين لمغني الأغنية الشعبية والمهرجانات. ورغم أن الأصوات تُسمَع ولا تُرى، فلو كان لصوت بكر أن يتجسد، لاتخذ على الأرجح صورة غرض عتيق تتكاثف فوقه طبقات التراب.

   

لا يستطيع بكر أن يتعايش مع فكرة كون لكل شخص وكل فئة الحرية اليوم أن تنتج ما تشاء، وكون كل مستمع يستطيع الوصول لأي منتج فني بمنتهى السهولة

مواقع التواصل
  
حلمي بكر.. سلطوية الماضي على الحاضر والمستقبل

يأتي صوت حلمي بكر من أعماق زمن ولّى وفات على مروره وقت طويل، فيما يبدو صاحبه عاجزا عن استيعاب أو تصديق تلك الحقيقة. فقد وقف به زمانه الداخلي عند لحظة معينة، يتلو ويعيد في أحداثها وقواعدها، غير مدرك أن الجميع قد تجاوزها. يأتي لأستوديوهات البرامج الحوارية، ويجلس قبالة مطرب شعبي في فقرة باتت شبه ثابتة كلما ذاع صيت أحد المطربين، ويأخذ في محاكمة موسيقاه وفقا لقواعد انتهت صلاحيتها؛ يسأل المطرب عن خلفيته ومستواه التعليمي، وعندما تأتي الإجابة المتوقعة عن تواضع وظيفته السابقة ونيله قسطا قليلا من التعليم، وفي بعض الأحيان عدم التحاقه بالتعليم على الإطلاق، يرد بأحداث من حيوات مطربين فات على زمانهم أكثر من نصف قرن، وكيف أنهم ارتقوا بتعليمهم ليصيروا قدوة جيدة ومثلا يحتذى به للجماهير. يسمع كلمات الأغاني، وبعد تعبيره عن التقزز منها، لا يلبث أن يقارنها بعذوبة كلمات أغاني الزمن الجميل.

  

يأتي حلمي بكر من ذلك الزمن الذي كانت الدولة ومؤسساتها تُمسك بمقاليد الأغنية، وتتحكم عبر إذاعتها وتلفزيونها فيما هو مسموح أن يسمعه الشعب. واليوم، حين بات في مقدور أي أحد أن يغني ما يشاء ويرفعه على المنصات الإلكترونية دون وجود أي رقيب من أي نوع، يصاب بكر بما يشبه الهلع، هلع يترجم نفسه في صوته العالي الذي يغطي على ما عداه صارخا أكثر من مرة عن ضرورة تدخل الدولة لإيقاف كل هؤلاء المطربين الشعبيين عن الغناء، يصرخ: "أين المصنفات، أين النقابة، من يسمح لهؤلاء أن يظهروا أمام الناس؟"،[1] بعد أن يذكر عدد من تم الحكم عليهم بالسجن لارتكابهم جريمة الغناء دون تصريح كنوع من الانتصار.

  

لا يستطيع بكر أن يتعايش مع فكرة كون لكل شخص وكل فئة الحرية اليوم أن تنتج ما تشاء، وكون كل مستمع يستطيع الوصول لأي منتج فني بمنتهى السهولة. فكل مُنتَج فني لا بد أن يخضع لمعايير بعينها حتى يستحق الوصول للناس، معايير يمليها زمان بكر بالضرورة. فاعتراض بكر عن أي خروج على قواعد جيله الغنائية لا يعود فقط لليوم، فسبق وتباهى برفضه لبعض ممن سيصبحون من أبرز المجددين في الموسيقى العربية ويشكلون جيلا موسيقيا كاملا، مثل حميد الشاعري ومحمد منير وعمرو دياب ومحمد فؤاد ومصطفى قمر، حين كانوا شبابا تقدموا لامتحان الإذاعة حيث كان يرأس لجنة الاستماع. [2]لكن إن كان رفض بكر لهؤلاء ينبع من السلطة الماضية التي يمثلها، والتي يحاول وغيره عبرها دائما أن يفرضوا سطوة الأمس على اليوم والغد، فإن رفضه للمغنين الشعبيين اليوم ينبع، بالإضافة إلى هذا، من نوع آخر من السلطة. 

    

سلطة الدولة ضد موسيقى العشوائيات
شباب يرقصون على إيقاع أغاني المهرجانات  (الجزيرة)

  

تأتي سطوة حلمي بكر وسلطته كامتداد للسلطة الواهية التي تحاول الدولة ومؤسساتها البرجوازية أن تفرضها على العشوائيات وساكنيها، سلطة بالإضافة إلى عنفها الفعلي الذي تمارسه عليهم، تمارس نوعا آخر من العنف الرمزي يتمثل في استعلائها الطبقي عليهم وعلى أي شيء يقدمونه. فلا يكف بكر عن وصم المطربين الشعبيين بتواضع مهنهم الحرفية التي كانوا يعملون بها قبل الشهرة، وحظهم القليل من التعليم، أشياء لم يختاروها هم لأنفسهم وليست بيدهم على أي حال.

  

وقد تبدى ذلك الاستعلاء أكثر ما تبدى في الحوار الذي جمعه مع المغني الشعبي ميشو جمال حين حاول الأخير أن يخطب وده قائلا: "اعتبرني ابن حضرتك"، فما كان من بكر سوى أن صرخ فيه: "متجبوش سيرة ابني هنا، أنا ابني اتعلم وخريج جامعات بره، ومعاه ماجستير ودكتوراه"، [3]وفي معايرته قبل هذا لشعبان عبد الرحيم بأن جمهوره "من جيرانه على القهاوي وسائقي الميكروباصات"[4]، وكأن مرتادي المقاهي وسائقي الميكروباصات جنس أدنى من البشر.

  

بالإضافة إلى هذا، فشتيمة بكر الجاهزة لأي مغنٍ شعبي هي: "ابن الشوارع".[5] هؤلاء المغنون هم بالفعل أبناء للشوارع، لكن هل في هذا ما يسيء إليهم حقا؟ وإن كان في هذا ما يسيء، فمن أولى باللوم، أهم الذين أتوا للحياة فلم يجدوا مساكن ومدارس ومساحات للترفيه آدمية تحتويهم؟ أم الدولة كمسؤول حقيقي عن تهميشهم وعدم نيلهم حقوقهم الأساسية في الحياة؟

   

  

لا يقف استحقار بكر للمطربين الشعبيين عند شخصهم كأفراد قادمين من العشوائيات، بل يمتد لمنتجهم الفني، فيصف الغناء الشعبي بأنه "توكتاوي بيئي"[6]. لكنه مع هذا لا يعارض تماما هذا النوع من الغناء، طالما بقي أسيرا للأحياء الشعبية التي نشأ منها، ما يصيبه بالارتياع هو خروج هذه الأغاني من تلك الأحياء لمناطق أخرى وطبقات أخرى. فالغناء الشعبي والمهرجانات هي على حد وصف بكر "فساد لا يقل عن المخدرات"[7]، وهو يربأ بهذا الفساد أن ينتشر في طبقات المجتمع الراقية التي ينتمي إليها. إن في سخط بكر على المهرجانات رمز لسخط الدولة المركزية عن كل ما لا ينتمي إليها أو يخرج عن سيطرتها.

 

يقول الناقد الفني أدهم حافظ عن هذا: "تواجه الدولة التي تتباهى بقطاع صناعة موسيقية ضخم كجزء من موقعها "الرمزي" في المنطقة الناطقة باللغة العربية منتجا ثقافيا متغيرا: موسيقى المهرجانات. انشقاق في "الإمبراطورية الصوتية" المتجانسة التي تفتخر بامتلاك منتجات موسيقى البوب المربحة، أو الأعمال الشرقية الكلاسيكية التي تتسم بالحنين وتشير إلى أيام ولّت، أو حتى إلى الموسيقى السرية الصارمة والرائجة جدا. هذا النوع مستقل نوعا ما. ليس جزءا مما هو رائج وعصري، وليس جزءا من تجربة قاعة الحفلات جلوسا، وليس جزءا من الاحتفالات الصيفية في المنتجعات البحرية التي يشارك فيها مشاهير عرب في مجال موسيقى البوب".[8]

  

تقدم المهرجانات منتجا فنيا بعيدا عن كل هذا، منتجا لا يعيد الغناء عن أشياء ابتذلتها الأغنية التقليدية سلفا من الغناء العاطفي أو حتى الوطني، بل يلتفت للأشياء والتفاصيل البسيطة التي تُشكّل حياة ساكني المناطق الشعبية وتنتشر فيها مفردات بيئتهم. فينعطف الحديث في المهرجانات ويشمل أشياء غير شاعرية بالمرة مثل التوك توك والمخدرات والخمور والأسلحة البيضاء ووصف جسد المرأة بمفردات حسية.

  

يقول أدهم حافظ عن هذا: "ينم اختيار موسيقى المهرجانات عن حرية التعبير بمعنى التحدث بلغة الناس بحرية تامة، اللغة اليومية، اللغة الغاضبة والبذيئة التي تستعمل أثناء شجار في حافلة، الجيل الشاب المحبط وهو يتحدث عن الثمالة، الأدوات الاصطناعية وحلقاتها التي تتألف من تراكيب قائمة على الضجيج، بالتالي عن أنها تقف في صف الشعب (أو شريحة منه على الأقل) لا في صف المؤسسة".[9]وبسبب هذا، تأتي المهرجانات حاملة درجة عالية من الصدق، صدق خالٍ من الطبقات الشعرية المتكلفة للأغنية التقليدية، وهو ما جعل نجيب محفوظ حين سُئل عن رأيه في عدوية يقول: "إن أغاني عدوية أصدق منكم جميعا"، وقد كانت "منكم" تعود على أساطين الغناء أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وعبد الوهاب.[10]

     

أحمد عدوية وعبد الحليم حافظ (مواقع التواصل)

    

لكن ذلك الصدق لا يعجب الجميع بالضرورة، وعلى رأس الحانقين عليه يأتي حلمي بكر. ولا يحاول بكر إخفاء حنقه هذا، بل يُحوّله لعشرات الحلقات المتلفزة والتصريحات المثيرة للجدل التي صار قوام شهرته يتكوّن منها وحدها في الآونة الأخيرة، ما يدفعنا للتساؤل: ما الذي قدمه حلمي بكر يا تُرى للموسيقى المصرية حتى يُنصب نفسه كاهنها وحامي حماها؟

   

كاهن الموسيقى الذي لا يتذكر أحد ألحانه

في أكثر من لقاء، عند سؤاله عن السبب وراء قلة ألحانه في الآونة الأخيرة، يرد حلمي بكر دائما بأنه يُفضّل الكيف عن الكم؛ لكن بالنظر إلى ألحانه التي صنعها على طول مسيرة بدأت أول ما بدأت منذ ما يقرب من ستين عاما، سنجد أنه ألّف نحو 1500 لحن طوى النسيان أغلبها. فباستثناء عدد قليل جدا من الأغاني مثل "عاللي جرى" التي غنتها عليا التونسية، وبضع أغانٍ لحّنها لوردة، وبعض ألحان الفوازير، لا نجد أن أي شيء مما صنعه بكر يعلق حقا في الذاكرة. وحتى تلك الأغاني التي ألّفها وحازت على قدر من الشهرة، نجد أنها، باستثناء "عاللي جرى"، اعتمدت في شهرتها تلك على شهرة من غنوها لا على جودة أو تجديد لحنها.[11]

  

وحتى تلك الألحان التي اشتهرت لبكر وبقي بعض منها في الذاكرة يعود أجددها لأواسط الثمانينيات، ونكاد لا نجد شيئا انتشر له منذ ذلك الحين. فقد بدأ في تلك الفترة ظهور جيل جديد تماما من الموسيقيين والملحنين، يأتي على رأسهم حميد الشاعري وهاني شنودة ويحيى خليل، بثوا دماء جديدة في الأغنية العربية ولم تعد بعدها أبدا كما كانت؛ وفي تلك الموسيقى المختلفة التي خلقها جيل الموسيقيين الشباب، لم يجد بكر له أي مكان، فهو، الناقم دائما على أي تغيير أو تجديد، ظل على تمسكه بالأغنية الكلاسيكية وقواعدها المختلفة عن الأغنية الحديثة. يظهر هذا أكثر ما يظهر في أغنية "أنت حر" التي ألّفها للمطربة "منال"، والتي بالرغم من إطلاقها في التسعينيات تبدو وكأنها تعود لزمن أسبق عليها بكثير. وكما هو الحال مع معظم ما لحّن بكر، سرعان ما طوى تلك الأغنية أيضا النسيان.[12]

      

لم يجد مجدي شطة ما يفعله على كلام حلمي بكر سوى الضحك على استحياء، ضحك وإن كان بسيطا كفعل، يظل ينطوي على معانٍ ذات ثقل

مواقع التواصل
    

في وسط ذلك التغيير الذي لم يرد أن يواكبه، بدأت هواية حلمي بكر المفضلة في الحط من الجميع. ساعده في ذلك شيئان: منصبه كرئيس للجنة الاستماع في الراديو، والمساحات التي تفردها وسائل الإعلام للمحتوى الفضائحي والخارج عن المألوف الذي كان يمتلكه بغزارة. أما بالنسبة لمنصبه، فقد وجد فيه خير وسيلة لإجهاض أي تجربة جديدة في مهدها، فكما أردفنا سبق وكان السبب في رسوب حميد الشاعري، ومحمد منير، وعمرو دياب، ومحمد فؤاد، ومصطفى قمر، في امتحانات الإذاعة؛ وعندما صار لا بد من إذاعة أغانيهم في الراديو لبلوغهم قدرا كبيرا من الشهرة وسط الجماهير، لم يتوان بكر للحظة عن سب تجربتهم والحط منها. فأسمى الأغنية الشبابية بالـ"الأغنية الشباشبية"، وقال عن المطربين الشباب إنهم يغنون "بكوتش ريحته منتنة وبنطلون مقطع من على المؤخرة". [13]

  

لكن تصريحات بكر المثيرة للجدل لم تقف عند المطربين المجددين أو مغني الأغنية الشعبية ولاحقا المهرجانات، فقد طال نقده الحاد واللاذع وحكاياته التي لا يعرف أحد صحتها الجميع. فقال عن لطيفة إنها دخلت لعالم الفن بسبب إعجاب عبد الوهاب بساقيها، وعن موسيقى حميد الشاعري أنها "غناء قزقزة اللب"، وحتى وردة التي كانت السبب في دخوله لعالم الفن من الأساس فلم يتوان عن نقدها وإن بشكل أقل حدة، فقال عنها إنها "ركبت موجة "الهوجة الجديدة"، أرادت أن تجرب، فكانت النتيجة أنها أنقصت من رصـيدها الفـني ولـم تضـف إليه جديدا"؛[14] بل طال نقده اللاذع أيضا فرق الأندرجراوند الذين وصفهم بالـ"مساطيل" و"الشحاتين".[15] 

  

ربما من أبرز نقاط النقد التي دائما ما يوجهها حلمي بكر للمطربين الشعبيين في السابق، ومطربي المهرجانات حاليا، هو أن أغانيهم ستأخذ مداها القصير من الشهرة، وبعد ذلك لن يتذكرها أحد. لكن اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعين عاما، ما زالت أغاني عدوية التي نالت نصيبها من سب بكر على غرار "زحمة يا دنيا زحمة"، و"بنت السلطان" وحتى "إسح ادح امبو" عالقة في أذهاننا، ربما وجدت بعض أغاني مهرجانات اليوم هي أيضا طريقها لذاكرة أجيال لاحقة، فيما لن يتذكر سباب بكر وتطاوله على الجميع أحد. لكن القيمة التي يحملها حلمي بكر، أو التي يُصر على أن يحمل نفسه إياها كواحد من آخر من بقوا من زمن "الفن الجميل"، بدأت هي أيضا في التلاشي؛ فأمام نوبة غضبه العارمة التي علا فيها صوته وصرخ طالبا السلطات في آخر حلقة جمعته بمطرب شعبي، لم يجد مجدي شطة ما يفعله سوى الضحك على استحياء، ضحك وإن كان بسيطا كفعل، يظل ينطوي على معانٍ ذات ثقل، زمان حلمي بكر وكل من يشاركونه التفكير قد ولّى، وأفكارهم التي تعمد الحط من الجميع لن يقابلها الجيل الحالي بأي شيء أفضل من الاستهزاء.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار