انضم إلينا
اغلاق
عندما تحوّل "Breaking Bad" إلى "ولد الغلابة".. لماذا تقتبس الأعمال العربية من الدراما الأجنبية؟

عندما تحوّل "Breaking Bad" إلى "ولد الغلابة".. لماذا تقتبس الأعمال العربية من الدراما الأجنبية؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"أنا اللي بطبخ البريمو، أيوا آني اللي بطبخ البريمو"

   

عندما دوت هذه الكلمات على لسان عيسى الغانم، مدرس التاريخ الذي يتحول إلى تاجر مخدرات في مسلسل "ولد الغلابة"، وجدها البعض مألوفة بشكل غريب، ومُريب في آنٍ واحد. فمنذ خمس سنوات، صاح والتر وايت في مسلسل "بريكنج باد" (Breaking Bad) بمثلها. ومن هنا، ومع الأخذ في الاعتبار مهنة والتر وعيسى المتماثلة، وتحولهم الدرامي من رجلين "شريفين" إلى تجار مخدرات وقتلة، لم يكن من الصعب على المشاهدين استنتاج أن "ولد الغلابة" في جزء كبير منه ليس إلا النسخة المصرية من المسلسل الأميركي الشهير.

   

ولا تعد تلك حادثة شاذة أو نادرة الوقوع، ففي الآونة الأخيرة، أخذت السينما والدراما المصريتان يقتبسان بشكل متزايد من الأعمال الأجنبية، حتى صار ذلك بمنزلة علامة مميِّزة لبعض كُتّاب السيناريو والمخرجين. حيث يذهب البعض لشراء حقوق ما يقتبسونه، ويعترفون أن أعمالهم مقتبسة بوضوح، بينما يُفضّل البعض الآخر أن ينسب كل شيء لنفسه تماما على أمل أن أحدا من المشاهدين لن يلاحظ الشبه بين عمله وبين ما تم اقتباسه، أو في هذه الحالة ما تم سرقته، وهو ما بات مستحيلا بطبيعة الحال في عصر الإنترنت. ويبقى السؤال: ما السبب وراء هذه الظاهرة؟

    

   

كيف بدأ الاقتباس؟

ليس الاقتباس وليد الأمس أو اليوم، وليست عادة تمارسها السينما العربية فقط؛ بل لها جذور تعود لبدايات السينما نفسها، وهو السلوك الذي انتشر عبر تاريخها شرقا وغربا في معظم سينمات العالم. ولنعرف سر انتشاره اليوم، سيكون علينا العودة للوراء لمعرفة أسباب وجوده من الأساس. لطالما كانت السينما هي مصنع الأحلام، وحتى يستمر ذلك المصنع في الدوران، فهو في حاجة دائمة إلى مواد خام أساسية تُصنع منها الأفلام؛ وعلى رأس تلك المواد الخام تأتي القصة. لكن أمام مطالب الجماهير المتعطشة دائما لمشاهدة كل جديد، لا يوجد دائما عدد وفير من القصص الأصيلة والمميزة التي تستحق أن تتحول إلى أفلام، وهنا تكمن المشكلة.

  

وأمام المنتجين الراغبين دائما في تحويل حماسة الناس إلى أموال، فقد مثّل هذا الواقع عقبة كبيرة منذ بداية السينما؛ ولم تختلف حلولهم حينها عن حلول منتجي اليوم، فكان عنصر الأصالة هو أول شيء يُضحّون به في سبيل الإبقاء على دَوَران عجلة صناعة السينما. وببداية السينما، وهنا نعني حرفيا بداياتها، يأتي أول نماذج الاقتباس مع أوائل أفلام السينما؛ فبعد عرض فيلم الأخوين لوميير "وصول القطار إلى المحطة" عام 1895، والذي يُصور مشهد قطار يصل لمحطة مدينة "لا كيوتا" الفرنسية، بعام واحد، صوّرت شركة إنتاج إديسون في أميركا المشهد نفسه مع تغيير المكان من فرنسا للولايات المتحدة، وعرضته تحت اسم "قطار البلاك دايموند"، وهو ما عدّته الباحثة جينيفر فورست باعتباره أحد أول نماذج اقتباس فيلم لفيلم آخر. [1]

    

  

قد تظن أن موضوع الفيلمين، تصوير قطار يدخل محطة، شيء عام جدا بحيث لا يمكن أن نقول إن فيلم إديسون مقتبس بالضرورة عن فيلم الأخوين لوميير. لكن لا يمكنك أن تقول الشيء نفسه عن فيلم "الجزار الآلي"، أيضا للأخوين لوميير، إذ نرى فيه فكرة مبتكرة بالنسبة للأفلام المعروضة في ذلك الوقت: أربعة رجال يُدخلون حيوانا داخل آلة ليخرج من الناحية الأخرى على هيئة نقانق. وهو ما نراه نفسه باختلافات طفيفة في الفيلم الأميركي "صناعة النقانق" الذي أُنتج بعده بعام واحد، ما يجعل تفسير هذه الوقائع باعتبارها مجرد توارد خواطر أمرا غير مُرجّح. [2]

   

مرت السنوات، وباتت الأفلام أعقد من مجرد مشاهد قصيرة كما كانت في البداية، ومن ثم زاد النهم والحاجة إلى القصص. وعند بحث صناع السينما في الغرب لم يجدوا مصدرا أفضل للقصص من أعمال الأدب والمسرح الأوروبيين، فأخذوا يقتبسون عنها ويحوّلونها إلى أفلام. ولم يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لصناعة السينما الوليدة في مصر، فقد وجدت نفسها أيضا في الحاجة نفسها إلى القصص. لكن على خلاف الغرب، لم تجد السينما العربية من الروايات والمسرحيات العربية ما يمكنها أن تشبع احتياجاتها منه، حيث كان الأدب والمسرح حينها أيضا وليدين حديثين في بلاد العرب، ومن ثم لم تجد مصدرا أدبيا لقصصها غير الأدب الأوروبي، فأخذت تحوّله إلى أفلام بعد تمصير البيئة والشخصيات، وهو ما يُفسّر التشابه الكبير بين بعض الأفلام المصرية القديمة وبين الأفلام الغربية، فقد كان الاثنان يقتبسان عن أصل واحد.

  

وفي عملية الاقتباس، لم تقف كل الأعمال الأدبية على قدم المساواة؛ فقد فضّل صناع السينما بعض القصص عن بعضها الآخر، وعلى رأسها تـأتي قصة "روميو وجولييت"، التي حوّلتها السينما المصرية إلى أفلام عديدة تدور كلها حول ثيمة الحب المستحيل بسبب خلافات عائلية، لعل أقدمها فيلم "ممنوع الحب" (1942) لمحمد كريم وبطولة محمد عبد الوهاب، وقصة "غادة الكاميليا" التي اقتبستها السينما المصرية أكثر من سبع مرات، أولها كان في فيلم "ليلى" (1942)، وأهمها كان فيلم "حافية على جسر الذهب" (1976). [3]

  

   

  

لكن الأعمال الأدبية الصالحة للاقتباس ليست لا نهائية، وبعد أن بدأت السينما تستنفدها، اتجهت إلى نفسها، وعادت مرة أخرى الأفلام تقتبس أفلاما أخرى. فنظرت هوليوود حولها بعد نهايات الحرب العالمية الثانية ولم تجد أفضل من فرنسا لكي تقتبس منها، ونظرت السينما المصرية بالمثل حولها ولم تجد أفضل من هوليوود لكي تقتبس منها. لكن لم تكن صعوبة إبداع قصص مميزة هي السبب الوحيد دائما في اللجوء للاقتباس، والحديث عن هذا يُحيلنا بالضرورة للحديث عن الشق التجاري للسينما. يقول الباحث الأميركي آلان ويليامز عن هذا: "أي فيلم يُعرض على الشاشة ويحقق إيرادات عالية هو منتج تم اختباره في السوق وأثبت نجاحه. ومن ثم يُفضّل المنتجون في أحيان كثيرة اللجوء لإعادة صنع أفلام ناجحة على أن يخاطروا ويُنتجوا قصصا أو أفكارا جديدة لم تُختبر". [4]

  

وقد ذهب الدكتور هيمن سند التهامي، أستاذ السيناريو في معهد السينما بالقاهرة في حديثه مع "ميدان" إلى الشيء نفسه، حيث قال: "لا يأتي اقتباس السينما المصرية من السينما العالمية وخاصة الأميركية بسبب فقر الإبداع، بل يرجع الأمر لأسباب عديدة يأتي على رأسها الارتكان إلى الشيء المضمون نجاحه؛ هذا فيلم نجح في الخارج ومن ثم سينجح حين نقدمه هنا". وقد ذهب المخرج الأردني رفقي العساف إلى الشيء نفسه في حديثه مع "ميدان"، حيث قال: "السبب الرئيسي وراء التوجه للاقتباس هو بكل بساطة الرغبة في ضمان النجاح أو زيادة فرصه على الأقل، فالصناع العرب يخشون المغامرة والفشل، فبرأي بعضهم، لماذا نحاول تقديم فكرة جديدة أصيلة قد تنجح وقد تفشل، بينما بإمكاننا استنساخ فكرة تم صنعها من قبل ونجحت؟".

  

وفي السياق نفسه، كان الاقتباس في السينما المصرية يأتي في أحيان كثيرة اتباعا لانتشار تيارات سينمائية حول العالم ونجاحها، يقول الدكتور هيمن عن هذا: "أتى الاقتباس في أحيان كثيرة اتباعا لـ"تريندات" عالمية، تظهر أفلام عصابات فنصنع نحن أفلام عصابات، وتظهر أفلام جيمس بوند فنصنع أفلاما على شاكلتها ونقتبس موسيقاها؛ كل هذا ينبع من قانون السينما التجارية دائمة البحث عن محتوى". إذن، فقد كانت الحاجة الدائمة إلى محتوى جديد، والرغبة في البقاء في حيّز آمن ومن ثم الاستثمار في شيء أثبت نجاحه، السببين الرئيسيين وراء اتجاه السينما، عربيا وعالميا، للاقتباس. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال يطرح نفسه: هل الفيلم المقتبس هو بالضرورة فيلم سيئ؟

   

هل يمكن أن ينطوي الاقتباس على إبداع؟
فيلم "سبوبة" (2012)، أول أفلام المخرج المصري بيتر ميمي، والذي أتى أشبه بترجمة لفيلم "كلاب المستودع" (مواقع التواصل)

  

للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا أولا التفرقة بين نوعين مختلفين من الاقتباس؛ يوجد لدينا الاقتباس الحرّفي، وهنا، يماثل الفيلم المُقتبس الفيلم الآخر الذي اقتبس عنه بشكل شبه تام، حتى لنجد أن بعض الجمل الحوارية قد تُرجمت ووُضعت كما هي في الفيلم، مع تغيير بعض التفاصيل لتلائم التغير الثقافي. ولعل أفضل مثال من الأفلام الحديثة على هذا الاقتباس هو فيلم "السبوبة" (2012)، أول أفلام المخرج المصري بيتر ميمي، والذي أتى أشبه بترجمة لفيلم "كلاب المستودع" (Reservoir Dogs) للمخرج الأميركي كوانتن تارانتينو، ومن الأفلام الأقدم نجد "واحدة بواحدة" المأخوذ عن "عد يا عزيزي" (Lover Come Back). أما النوع الآخر من الاقتباس فيأتي بشكل أكثر استتارا، حيث يأخذ صناع العمل المقتبس الخطوط العريضة للعمل الذي ينوون الاقتباس عنه، ويضعون له معالجة مختلفة تتغير فيها التفاصيل، مثلما فعل فيلم "طير أنت" مع الفيلم الأميركي "مسحور" (Bedazzled).

    

الصورة الأولى لفيلم "lover come back" والثانية من فيلم "واحدة بواحدة"  (مواقع التواصل)

    

وتوجد خطورة كبيرة في النوع الأول، فعندما تأخذ فيلما وتقتبسه اقتباسا حرفيا، فإنك تضع نفسك لا محالة في مقارنة مع العمل الأصلي لن تنتهي على أغلب الأحوال لصالحك. أما في الحالة الثانية، توجد فرصة ليست ضئيلة أمام المخرج أن يصنع شيئا جيدا يضع عليه بصمته، ويمرر عبره رؤيته وإبداعه الشخصيين تماما. [5]

    

عن هذا يقول دكتور هيمن: "صناع الأفلام المصرية المقتبسة التي خرجت بشكل سيئ كانوا مخرجين سيئين في المطلق، سواء أخرجوا أعمالا مقتبسة أم سيناريوهات أصلية. أما المخرجون المهمون، فقد نجحوا في صناعة شيء جديد خاص ببيئتهم، أو بهم هم شخصيا إن كانوا متأثرين بالشكل الغربي. فعندما اقتبس داوود عبد السيد مثلا الفيلم الإيطالي "Borsalino" وحوّله إلى "الصعاليك"، صنع شيئا خاصا به، وقدم فيلما مصريا صميما. وكان عند مخرجين مثل هنري بركات وحسن الإمام رؤية ميلودرامية عالمية، وبالتالي جاء اقتباسهم للأفلام الميلودرامية الأميركية بسبب رؤيتهم لكون الشر هو نفسه في كل مكان، لا يختلف في مصر عن في أميركا. ومخرج مثل طارق العريان كان مَثله الأعلى هو السينما الأميركية، فاقتبس فيلم "Scarface" وحوّله إلى "الإمبراطور" مع اقتباس مشهد من الجزء الثاني لـ "الأب الروحي". يمكننا أن نطلق على هذا تأثّرا، وليس ضعفا في الإبداع، فقد انطلقت كل تلك الأسماء لتصنع أفلاما خاصة بها بعد ذلك".

    

ومن هنا، قد يتحوّل الاقتباس من كونه ظاهرة تجارية بحتة تهدف للبقاء على عجلة الصناعة تدور، إلى نشاط فني تتلاقى فيه أمزجة فنية وثقافية مختلفة، وتصنع معا في النهاية شيئا جديدا. لكن، هل سيحاول صناع السينما في الوقت الحالي أن يضعوا بصمتهم الذاتية والشخصية على ما يقتبسون؟ أم سيكتفون بالاغتراف من معين الإنتاج الأجنبي الذي لا ينضب والذي سيكسبهم، مع إيرادات شباك التذاكر، استياء وازدراء الجماهير؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار