انضم إلينا
اغلاق
سجن الأمومة المرعب.. كيف شرح "بلاك ميرور" هوس السيطرة عند الأم؟

سجن الأمومة المرعب.. كيف شرح "بلاك ميرور" هوس السيطرة عند الأم؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

كانت "ماري" ممدة على السرير بين الصحو والنوم، جسدها المخدّر يخرج منه مولود جديد، والحبل السري الرابط بين الأم وجنينها يقطعه بحدة مشرط الطبيب الذي ابتسم لماري وهو يخبرها: "كم ابنتك جميلة". تلك اللحظة السحرية لا تنساها ذاكرة الأمومة، لحظة الميلاد والانعتاق، الآن أصبحنا اثنتين، أم وابنة، جسدين يتلمسان على التجاور طرق الحياة.

  

يمنحنا جسد الأم مساحة حميمة للتشكّل والاكتمال، مساحة فُطِرنا على لا أبديّتها، محكومة بزمن قصير في مقابل الحياة بعيدا عن جسد الأم، ثم تأتي اللحظة التي يركل فيها الجنين بأقدامه جدران الرحم الذي يحتضنه كأنه يقول: "أنا الآن مستعد للحياة". ينسى الواحد منا أنه كان يوما جزءا من جسد أمه، لكن الأم لا تنسى أن ابنها جزء من جسدها، وربما تمقت لحظة الانفصال كأنه حتمي عليهما أن يظلّا مربوطين إلى الأبد.

    

  

"كأن الأمومة رحم يحمي من أهوال العالم التي اختبرتها الأم بنفسها، وستختبرها الابنة حتما بمجرد الانفصال"

(إيمان مرسال)

 

في الجزء الرابع من مسلسل "المرآة السوداء" (Black Mirror) نتابع في الحلقة الثانية (Arkangel) حياة الأم "ماري" التي تقرر أن تحمي طفلتها "سارة" بالاشتراك في نظام جديد "Arkangel" يمكّن الآباء من تتبع أبنائهم عبر شريحة صغيرة تزرع في رأس الأطفال وترتبط بجهاز لوحي (Tablet) يمكن من خلاله معرفة مكان الطفل، وما الذي يراه، والتحكم أيضا في الأشياء التي يراها أو يسمعها، كأن يحجب عن أسماعه الشتائم البذيئة، ويحجب عن عينيه مشاهد العنف والإباحية، الأمر الذي حوّل "ماري" من عين حماية إلى عين متلصصة تختبئ داخل جسد الطفلة وتتحكم فيه بدافع الأمومة. لكن أين تكمن المعضلة هنا؟ في مخاوف الأم؟ أم التكنولوجيا التي توهمنا بالمزيد من الأمان؟

   

اعتدنا على نبوءات سوداء وقبيحة للمستقبل بفعل التكنولوجيا، وهذا هو الثيم الرئيس لمسلسل "المرآة السوداء" (Black Mirror)، لكن تبدو هذه الحلقة واقعية للغاية في مشاعرها ودوافعها، وهنا تكمن مواضع الحيرة. على من ستصب الطفلة غضبها عندما تكتشف أن الحياة غائبة عنها لأنها محتلة جسديا؟ وهل التكنولوجيا هذه المرة المُلام الوحيد؟

  

قبل أن تقرر "ماري" أن تخوض تجربة مراقبة "سارة"، يضعنا كاتب الحلقة "شارلي بروكير" في مشهد يثير كل المخاوف بداخل الأم وبداخلنا أيضا، كانت الأم تلاعب ابنتها في الحديقة، ثم فجأة اختفت الطفلة من أمام ناظريها وبدأ الجميع في رحلة بحث عن الصغيرة إلى أن وجدوها بعد عناء، هذا المشهد يضغط بقوة على مخاوف الأمومة، ويجعل خطوة مراقبة الطفلة نتيجة مقبولة ومنطقية إلى حدٍّ كبير، ويضعنا في مواجهة مع الأم التي ستتحوّل إلى الطرف الشرير في الحكاية.

  

جذور القلق

  

بات الخوف المتزايد والحاجة إلى السيطرة أمرين شائعين في ثقافتنا المعاصرة، أصبحنا محاطين بالطرق المتعرجة، ونطالع أينما حللنا كل المحاذير التي فُطِرنا على غض البصر عنها، العنف في الشوارع، الجنس المجاني في المواقع الإباحية، التنمر بين الأصدقاء في الواقع وعلى مواقع التواصل. كل الوجوه القبيحة تُطالعنا، وبات العالم محيطا مزعجا ومشوشا وما علينا إلا أن نغلق الأبواب في وجهه لنلوذ بالفرار وننجو بأنفسنا، لكن تجنب الحياة يمنعنا منها، وإذا كانت "سارة" انفصلت عن جسد أمها لتحيا، فإن انفصالها عن العالم الخارجي لا يُمكّنها من الحياة[1].

   

"باعتباري أُمًّا، أستطيع أن أفهم جيدا دوافع ماري"

(جودي فوستر، مخرجة الحلقة)

   

يستدعي الخوف الزائد جذور القلق بداخلنا، وإن كان القلق كلمة معتادة في قاموس مشاعرنا اليومية فإنه واحد من أشهر الأمراض العصابية التي ترتبط جذورها بالشعور بالخطر. في بحثه وتعريفه للقلق يجد فرويد خيطا رابطا بين القلق والشعور بالخطر، وأن تنامي القلق يستحضر بداخلنا صدمات سابقة تجعلنا نتوقع صدمة جديدة قبل وقوعها، ونتصرف كما لو أن الصدمة وقعت بالفعل، في حين أن هناك متسعا من الوقت أمامنا لتجنب الصدمة من الأساس[2]، وهو ما حدث لماري على وجه التحديد التي تفترض طيلة الوقت أن ابنتها معرضة لخطر العالم من حولها.

 

لم تفكر ماري في وهب طفلتها المزيد من الوقت من أجل تعلم مواجهة الخطر، ارتكنت إلى عجزها الأول عندما فشلت في العثور على "سارة" عندما تاهت منها في الحديقة، ترسخ العجز بداخلها وأدركت أن محدوديتها ستعوقها عن حماية ابنتها، وأن التكنولوجيا هي اليد التي ستمنحها الحماية الأبدية. يضعنا قلق ماري أمام تعريف فرويد للخطر العصابي الذي يتكوّن من تهديدات غريزية لا خارجية، فالطفل يبكي عندما تتركه أمه لأن الخوف يتملّكه من أن رغباته التي تلبيها الأم لن تُشبع، والعكس أيضا يقع على الأم التي لو فقدت طفلها فإنها تخاف من فقدان غريزة الأمومة بداخلها، وهنا تدفعها دون وعي كل مخاوفها لحماية صغيرها، وحماية ذاتها كأم[3].

    

     

حكايات الأمومة

يبدو الحديث عن مشاعر الأمومة من السطح أمرا سهلا، لكن النبش بالداخل يحتاج إلى مساحة أكبر من الحكي والبوح. حاور "ميدان" عددا من الأمهات الشابات اللاتي لم تتجاوز أعمارهن منتصف الثلاثين. تحدثنا مع "هدير محمد" وحكينا لها قصة "ماري" وابنتها "سارة" وسألناها: لو أُتيحت لكِ خدمة "Arkangel" تلك، هل ستختارين استخدامها لتراقبي صغيرتك مثلما فعلت ماري؟ أجابت هدير: "فكرة المراقبة جذابة لأي إنسان، الرغبة في معرفة كل شيء عمن نهتم بهم، لكنها فكرة مَرَضية دون شك. بالتأكيد خوفي على صغيرتي قد يدفعني لبعض التصرفات الحمائية المبالغ فيها، لكن كيف سأعرّف ابنتي على الحرية وحدودها إذا كنت أنا أول من يخترقها؟".

  

تستطرد هدير في حديثها الذي لا تغفل فيه تعقيدات مخاوف الأمومة والتي تراها أصعب من رعاية الصغار أنفسهم، وتضرب هدير مثالا بأم كبر صغيرها ووقع في تجربة إدمان على المخدرات -رغم كل مجهودها في تربيته تربية سليمة وسوية- واستمر إدمانه حتى بدأ عالمه في الانهيار، بالتأكيد لو سألنا أمه لو عاد بها الزمن هل ستستخدم مثل هذه التقنية لتمنع ابنها من خوض هذه التجربة؟ أعتقد أنها لن ترفض، "أعتقد أننا لن نجد أُمًّا سترفض ذلك". تكمل هدير الحديث وهي تضع مساحة الصواب والخطأ نصب أعينها: "الأمومة صعبة صعوبة الحياة نفسها، لا يوجد فيها الصحيح المطلق ولا الخطأ المطلق. من الطبيعي أن نصيب ونخطئ في تربيتهم ونتعلم ونحاول التصحيح".

  

وفي استكمال البحث في مساحة الأمومة والمراقبة حاور "ميدان" "هالة صلاح"، حدثناها عن "ماري" وسألناها السؤال السابق نفسه، فأجابت هالة: "لم أرَ حلقة "Arkangel"، لكن لو أُتيحت لي فرصة مراقبة صغيرتي سأرفضها رفضا قاطعا!". تغوص هالة في مشاعرها أكثر، وتفتش عن مساحة الحماية والمراقبة بداخلها، تقول هالة:

   

يرتبط مفهوم المراقبة بالعقاب، وتطبيق "Arkangel" يشبه في دلالته الصورة البصرية التي أرساها ميشيل فوكو للسجن

مواقع التواصل
   

"كأم أتمنى لو أحكم السيطرة على كل ما تراه ابنتي "شدن"، بل وما تشعر به، لا أريد أن يتسلل الحزن إلى قلبها ولا تقترب منها شرور العالم وإباحيته لتعبث ببراءتها، أريد أن أحميها من كل ما يزعج ابتسامتها الصافية، لكنه أمر مستحيل!". كانت هالة صريحة في مشاعرها كأم، تثيرها فكرة المراقبة كما أثارت ماري، لكن القبض على الإرادة الحرة للأبناء هي العائق دوما. تكمل هالة حديثها: "حماية طفلتي لا تكون أبدا بالتطفل على حياتها ومراقبتها والولوج داخل عقلها وعيونها، الأمر هنا يتجاوز فكرة الحماية، إنه بمنزلة قتل حقيقي لطفلتي". صمتت هالة قليلا ثم تساءلت: "ما الحب؟! ما الحماية؟ الحماية لا تأتي بسجن أبنائنا بعيدا عن العالم، الحماية تكون بالحب أولا والحب ثانيا والصداقة ثالثا والدعم النفسي قبل المادي".

   

"كيف يمكن أن ندرك أن الأمومة الموسومة بالإيثار والتضحية تنطوي أيضا على الأنانية وعلى شعور عميق بالذنب؟"

(إيمان مرسال)

   

تطرح الشاعرة إيمان مرسال في كتابها الأخير "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" تساؤلا يضع الأمومة أمام مرآة سرية كاشفة، تستدعي إيمان طفولة الأم، وتفترض أن البنوّة بطريقة أو أخرى تُشكّل ملامح الأمومة مستقبلا وتُسطّر الحروف الأولى في تخيّل شكل الأمومة التي نحلم بها منذ الطفولة والصبا، وهو أمر يحتمل تفسيرا منطقيا لتوتر أمومتنا، فهل هذا الأمر صحيح؟

     

  

في استكمال حوار "ميدان" مع "هالة صلاح" سألناها عن نظرة إيمان مرسال لشبح الأمومة الذي يطارد الفتيات الصغيرات، وهل الصورة المثالية للأمومة المزروعة بداخلها تسببت في توتر أمومتها الآن؟ أجابت هالة أن فكرة الأمومة لم تطاردها في طفولتها، كانت تفكر في المهنة التي ستسلك طريقها، لكن فكرة الزواج والأمومة لم تكن تشغل طفولتها، لكن ما حدث أن هالة الأم حاولت إمتاع صغيرتها بما كان يمتع هالة الطفلة، لكن الابنة أبت أن تكون انعكاسا لطفولة الأم، تقول: "ابنتي مختلفة عني، ليست انعكاسا لطفولتي، عالمها كله مختلف وشخصيتها جديدة كعالمها، ابنتي ليست أنا وليست انعكاسا لي مهما رغبت في ذلك".

  

سجون الطفولة

يرتبط مفهوم المراقبة بالعقاب، وتطبيق "Arkangel" يشبه في دلالته الصورة البصرية التي أرساها ميشيل فوكو للسجن، فالسجن وفقا لفوكو هو قابلية رؤية ومراقبة مركزية تنتشر حولها الزنزانات كالخلايا في الجسد، أي إنه نظام بصري بالأساس، أن يكون السجين مراقبا دوما لكنه لا يرى السجان الذي يراقبه ولا يعرف أين موقعه منه، لكنه يعرف أنه طيلة الوقت مراقب، والرقابة سببها أنه معاقب على جُرم ما[4]. في واحد من مشاهد الحلقة تلعب "ماري" مع ابنتها لعبة الغميضة، الابنة تبحث عن أمها بينما الأم تختبئ في الخزانة وبيدها الجهاز الذي تراقب به ابنتها، الابنة الصغيرة مُراقبة حتى في أكثر لحظاتها حميمية وسعادة؛ وهي تلعب مع أمها، والأم مستمتعة بفعل المراقبة كأن الصغيرة معاقبة ومسجونة في جسدها باسم الأمومة.

  

تكبر "سارة" ويشتد عودها، ما زال الكثير من ملامح العالم غائبة عنها، والأم -التي لا تريد من الزمن أن يخدش ابنتها- تحضر لها كوب اللبن الصباحي كأن ابنتها المراهقة لم تُفطم بعد، وإذا قررت الفتاة الخروج إلى العالم ترمقها الأم بارتباك وتتمنى سرا لو أن أصفادا تُمكّنها من حصار أبدي لابنتها. تهرع الأم إلى الحاسوب، إلى ثقب عميق دسته في جسد "سارة" يراقبها ويقتفي أثرها ولا ينفذ إلى روحها المعلقة في متاهة الأم، إلى أن تنتفض الفتاة وتقرر أن تحطم الحاسوب وتنأى بنفسها بعيدا عن رحم أمها لتبدأ رحلتها الخاصة بعيدا عن سجن الأم، رحلة محكومة بالانفصال واللا عودة، رحلة من أجل الحياة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار