انضم إلينا
اغلاق
تعاون أم صراع.. ما علاقة الصوفية بالإسلام السياسي في غرب أفريقيا؟

تعاون أم صراع.. ما علاقة الصوفية بالإسلام السياسي في غرب أفريقيا؟

  • ض
  • ض
مقدمة

تمثل الطرق الصوفية ظاهرة دينية بارزة في تاريخ المجتمعات الإسلامية؛ حيث إن هذه الطرق نشأت في وقت مبكر من تاريخ الإسلام وظلت طوال القرون الماضية تنتشر وتتوسع داخل بلاد الإسلام، ويتعاظم تأثيرها الديني ونفوذها الاجتماعي. وقد جسدت هذه الطرق في الغرب الإفريقي خلال الحقبة الاستعمارية طليعة المقاومة الثقافية للغزو الأجنبي للبلاد الإسلامية، وقاد بعض زعمائها جبهات عسكرية مسلحة ضد المستعمر؛ مثل المجاهد الحاج عمر تال الفوتي أحد أبرز شيوخ الطريقة التجانية في السنغال والأمير عبد القادر في الجزائر والشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل في موريتانيا.

 

غير أن هذه الطرق وإن ظلت تنأى بنفسها عن ممارسة السياسة بشكل مباشر منذ نشوء الدولة الوطنية الحديثة؛ إلا أنها ظلت تشكل رقمًا صعبًا بفعل نفوذها الاجتماعي والديني الكبير، ما جعل هذه الطرق في الغرب الإفريقي تشكل جزءًا من المعادلة السياسية سعت النظم السياسية المختلفة لإدارة العلاقة معها بما يضمن مصالحها، ومع صعود ما أصبح يعرف بـحركات "الإسلام السياسي" دخلت الصوفية في المخططات الدولية وبدأ الاهتمام بها وتشجيع منهجها الفكري والتربوي باعتباره سبيلًا للوقوف أمام مد حركات العنف وحركات الإسلام الاجتماعي السياسي، وقد مثلت توصيات دراسة مؤسسة راند الأميركية "بناء شبكات مسلمة معتدلة" Bulding Mudrate Muslim Networks أوضح مثال في هذا المنحى.

 

علاقة الطرق الصوفية بالمنتظم السياسي في بلدانها، وعلاقتها بالإسلام السياسي خصوصًا، تطرح العديد من الأسئلة، من قبيل: هل هناك ثوابت سياسية لهذه الطرق؟ وهل لها موقف موحد من الأنظمة الحاكمة؟ وهل هذه الطرق موحدة في مواقفها ورؤيتها السياسية؟ وهل يمكن أن تشكل هذه الطرق مرجعية للنظم السياسية؟ وما طبيعة العلاقة بين الطرق الصوفية والحركات الإسلامية السياسية؟ تلك بعض الأسئلة التي تسعى هذه الورقة للإجابة عنها.

  

الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل في موريتانيا (يمين) والأمير عبد القادر في الجزائر (وسط) والمجاهد الحاج عمر تال الفوتي أحد أبرز شيوخ الطريقة التجانية في السنغال  (مواقع التواصل)

   

أولًا: موقع السياسة في أدبيات الصوفية

من أجل معرفة موقع السياسة في أدبيات المتصوفة وفكرهم، نحتاج إلى معالجة القضية من جانبين حتى يتأتى لنا الحكم عليها بشكل سليم. الجانب الأول: هو السياسة بوصفها نظريات وعلمًا، والجانب الثاني: هو السياسة سلوكًا وممارسة. فما نظرة التصوف للسياسة بوصفها نظريات؟ وما هو موقفه منها في السلوك والممارسة؟

   

بالرجوع للكتب المرجعية في علم التصوف، مثل كتب الحارث المحاسبي (ت243ه/ 857م) وأبو القاسم القشيري (ت465ه/ 1072م) وأبو إسماعيل الهروي (ت481هـ/ 1088م) وأبو حامد الغزالي (ت505ه/ 1111م) نجد أن هذه الكتب لا تكاد تتحدث عن السياسة بوصفها علمًا من العلوم، بل إنها تجعل الاهتمام بأمور الدنيا بشكل عام من الأمور التي تعيق النفس عن السير إلى الله. بل نجد هذه المراجع تصرف معنى السياسة إلى "سياسة النفس"، وإذا وردت فيها عبارة السياسة بمعناها المتداول الذي يتعلق بإدارة الشأن العام، فإنما ترد في الغالب عرضًا واستطرادًا من أجل توضيح معنى أو شرح إشكال. ويمكن هنا استثناء الغزالي -بحكم كونه فقيهًا- فقد تكلم عن السياسة بمعناها العام في موسوعته "إحياء علوم الدين"، في موضعين اثنين: أحدهما: تحت عنوان "باب فيما يحل من مخالطة السلاطين"، والثاني: ضمن عنوان "فروض الكفاية"، وخلاصة رأيه في السياسة؛ سواء بوصفها علمًا أو من حيث هي ممارسة، أنها ليست من جوهر الدين، حيث يقول: "وكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليست من علم الدين في الدرجة الأولى بل هي مُعين على ما لا يتم الدين إلا به، فكذلك معرفة طريق السياسة".

 

أما في ما يتعلق بالشق الثاني من السؤال: وهو موقف الصوفية من السياسة سلوكًا وممارسة، فإنه يمكننا أن نلاحظ المفارقة العجيبة بين الموقف النظري والموقف العملي لدى الطرق الصوفية من السياسة، فالأدبيات السياسية للطرق الصوفية نادرة، والشائع هو القول: إن الفكر الصوفي في جوهره يقوم على قيم تباين المشاركة السياسية، بحكم الطبيعة التربوية الأصلية للتصوف وخياراته الفردية وتوجهات بعض طرائقه نحو الانعزالية التي تُفضي إلى عدم الاهتمام بالشأن العام وأمور الحكم، ولكن تحول التصوف إلى حالة شعبية وظهور الطرق حوَّل التصوف من ممارسة نخبوية لمجموعة من الزهاد والنساك إلى حالة شعبية عبرت عن نفسها في علاقة ظاهرها التربية والصحبة في الله (الإخوان) وحقيقتها تشكيلات اجتماعية دينية متضامنة تمارس طقوسًا موحدة. والحقيقة أن العلاقة بين المريدين والشيخ هي علاقة تنظيمية تمثل في جوهرها بعدًا سياسيًّا، والطرقية بقيامها على الاستقطاب والطاعة المطلقة للشيخ تؤكد هذا البعد السياسي القوي القائم على تنظيم من نوع خاص يقوم على التسليم الغيبي بأوامر الشيخ وآرائه.

 

والفاحص في نشوء الطرق الصوفية في غرب إفريقيا وفي ممارساتها الأولى يجد أن هناك أدوارًا تاريخية لعبها التصوف في المجتمعات الإسلامية في هذه المناطق، سواء تعلق الأمر بالجهاد لطرد المحتل أو لنشر الإسلام وحماية الأقليات المسلمة في المناطق التي شهدت جور الإمارات الوثنية، كما هو الحال في الجزائر ومناطق السودان (مالي والنيجر حاليا) وبلاد فولتا وما حولها؛ إذ أسَّس الشيخ عثمان دان فودي إمارة إسلامية في سوكوتو بشمال نيجيريا، "وهي دولة ضمت مساحات شاسعة من النيجر حاليًّا ومن نيجيريا، واستمر حكمها ما يقرب من قرن". وفي سنة 1818 أسَّس شيخو أحمدُ دولة ماسينا الإسلامية في شرق السودان (مالي حاليًّا) وحكمها نجله من بعده أحمدُ الثاني لتنتهي مع حفيده أحمدُ الثالث، وهذه الدول قامت بالنفوذ الروحي للشيخ سيد المختار الكنتي المؤسس الثاني للطريقة القادرية في الصحراء الكبرى والسودان القديم.

       

 الشيخ عثمان دان فودي الذي أسس إمارة إسلامية في سوكوتو بشمال نيجيريا (مواقع التواصل)

    

وفي منطقة فوتا في السنغال قاد الحاج عمر تال الفوتي (1796-1864) الفوتيين لإقامة دولة إسلامية في إفريقيا الغربية، وقد حقق نجاحات عسكرية كبرى قبل أن تسهم عوامل ضعف التأهيل السياسي والصراع مع القادريين والمعارك في بلاد ماسينا في هزيمة جيشه وتراجع مشروعه السياسي. يقول الحاج عمر تال موضحا هدفه: "قتال الكفار أمر لا أنفك عنه حتى يمحق الله الكفر بدولة الإسلام...". وبتأثير من الحاج عمر سعيد الفوتي قاد تلميذه ومريده المعلم القرآني الشاب بمباه جاخو (ت 1867)، الأهالي في منطقة ريب (Rip) المتاخمة للحدود السنغالية الغامبية لتأسيس دولة خاصة بهم بعد طغيان وظلم الوثنيين، "وأخذ بمباه يضع دعائم دولته، وقام بعدة غزوات ضد الوثنيين، كما صد هجومًا خطيرًا شنته القوات المسلحة الفرنسية بقيادة الحاكم الفرنسي بالسنغال أميب بيني لابراد (Émile Pinet-Laprade) وكبَّده خسائر فادحة".

 

ومواصلة لتتبع التاريخ الطرقي لتلمس الموقف العملي من السياسة فإن جهاد الأمير عبد القادر الجزائري للفرنسيين الذي انتهى بنفيه ومحاولة ابنه محيي الدين استئناف الجهاد من بعده، هو تأكيد على هذا البعد العملي في ممارسة السياسة. وفي موريتانيا نجد مؤسس الطريقة الحموية التجانية الشيخ أحمدَ حماه الله يتزعَّم ثورة على الفرنسيين في المناطق الشرقية من البلاد أدت بهم إلى نفيه حيث مات في منفاه بمدينة مونتلصون بفرنسا في 16 يناير/كانون الثاني 1943. كما شكل ما عرف بالمقاومة الثقافية موقفًا سياسيًّا قويًّا ضد الاستعمار الفرنسي قادته الطرق الصوفية في موريتانيا، وكان مؤداه مقاطعة المدارس الفرنسية باعتبارها "مدارس النصارى". وضايقت السلطات الفرنسية الشيخ أحمدو بمبا مؤسس الطريقة المريدية في السنغال ونفته مرتين إلى الغابون ثم موريتانيا بعد توجسها من سرعة تزايد أنصاره.

   

  

ولا تقتصر الجوانب السياسية في تاريخ الطرق الصوفية في غرب إفريقيا على هذا النموذج الجهادي الساعي لإقامة دول إسلامية أو المقاوم للاستعمار، بل نجد نموذجًا سياسيًّا آخر يؤكد اختيار المشاركة السياسية وإن كان موقفه مهادنًا للسلطات وللمستعمر، يمثل هذا النموذج مواقف الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل (توفي في 12 يوليو/تموز 1917)، والشيخ سيديا بابا (توفي في 8 يناير/كانون الثاني 1924) وكلاهما في جنوب غرب موريتانيا، والحاج مالك سي (1855-1922) في السنغال الذي أقام علاقات مع الإدارة الاستعمارية، وتعبِّر إحدى الوثائق التي هي عبارة عن مقال في شكل بلاغ للناس عن هذه الفلسفة: "...(أوصيكم) أن توافقوا الدولة الفرنساوية لأن الله تعالى خصهم بنصر وفضل ومزية وجعلهم سببًا في صون دمائنا وأموالنا، ولذلك وجب علينا أن نتأدب معهم.. ولا تضجروا من ما يأخذونه منكم لأن ذلك عند من استعمل العقل إعانة لا غرامة!". والمشايخ الطرقيون من التجانيين في الجزائر الذين "خذلوا" جمعية العلماء المسلمين في جهدها الإصلاحي والمقاوم قاموا بذلك انطلاقًا من تقدير سياسي.

 

من الواضح أنه ليست هناك "ثوابت سياسية" للطرق الصوفية في غرب إفريقيا، ولا أدبيات موجِّهة تعتبر التداول السياسي اليومي أمرًا يجب أن ينزه عنه التصوف، كما يظهر أن هذه الطرق لم تقف -تاريخيًّا- موقفًا واحدًا من الظواهر والإشكالات السياسية في مجتمعاتها، بل إن فروع ومشايخ الطريقة الواحدة سلكوا المسلك ونقيضه في التعامل مع السلط السياسية، كما هو الحال في الطريقة القادرية في فرعيها البكائي والفاضلي، وكما هو الحال في الطريقة التجانية ممثلة في الحاج عمر تال بن سعيد الفوتي وكذلك الحاج مالك سي.

 

أما كيف حدث التحول مع نشوء الدولة الوطنية ورُوِّض التصوف في غرب إفريقيا في اتجاه واحد، فنعتقد أنه بسبب استغلال الجدال الثقافي والصدام المذهبي مع الدعوة الوهابية، وتوجيه التصوف للقيام بأدوار "دينية" في خدمة السلطة التي تواجه المد الحركي الإسلامي في طبعاته السلفية والإخوانية، وهكذا وُظِّف تقاطع المصالح بين الشيوخ الطرقيين -الذين أصبحوا يخشون على نفوذهم من الإنكار التبديعي الذي تقوم به الحركات السلفية خصوصًا– والسلطات التي تخشى من النفوذ المتنامي للتيارات الإسلامية التي تقدم خطابًا سياسيًّا يهدد المشروعية السياسية لها.

  

  

ولذلك أصبح التأكيد على البعد الروحي يرد في أدبيات هذه الطرق في مقابل التدخل في الشأن السياسي، خصوصًا إذا كان هذا التدخل معارضة لولي أمر المسلمين، ومن ثم توجيه الأتباع بأن الجهاد يقتصر فقط على جهاد النفس، واعتزال صوارف الدنيا، والسعي إلى طريق الله قصد التقرب إليه، عكس ما يروج له غيرها من خلق الفتنة والتحريض على زعزعة استقرار بلاد المسلمين. والحقيقة أن الصوفية في الدولة الوطنية قامت بتوظيف قيم روحية إيمانية توظيفًا سياسيًّا، ومن أمثلة ذلك فهمهم لمعاني الرضا والتوكل في مثل هذه المقولة الصوفية الشائعة: "لا تجوز مقاومة الحكام ومغالبة السلاطين، لأن الله أقام العباد فيما أراد".

 

ثانيًا: الصوفية في غرب إفريقيا.. المواقع والمواقف السياسية

استجلاء للموقع في المنتظم السياسي لبلدانها، وللوقوف على أدوارها السياسية يحسن بنا الوقوف على علاقة هذه الطرق بالسلطة ومستوى مشاركاتها السياسية في الحكومات والانتخابات، وكذا موقفها من بعض القضايا السياسية، بما في ذلك موقفها من العلاقة بالمنظومة الغربية واستراتيجياتها في البلدان الإسلامية.

 

ففي المغرب مثلًا وُجِدت بعض الطرق التي حاولت أن تقوم بأدوار سياسية على غرار الأدوار الإصلاحية التي عرفها تاريخ المنطقة، إلا أن السياسة التي اتبعتها المملكة، حرصًا منها على عزل التصوف في العقود الأولى بعد الاستقلال، جعلت هذه الطرق تكتفي بأدوارها التربوية الفردية كما هو حال الطريقة البودشيشية وهي من أكثر الطرق الصوفية انتشارًا في المغرب، ومع ذلك فقد وجدت حالات حاول من خلالها فاعلون صوفيون ممارسة السياسة؛ فمثلًا سعت الطريقة الكتانية إلى تقديم مرشحين باسمها في انتخابات 1984 ولم يسمح لها بذلك، وهو نفس ما قامت به الزاوية الريسونية في انتخابات 1997 ولاقت محاولتُها المصيرَ نفسَه.

   

الطريقة البودشيشية بالمغرب (مواقع التواصل)

   

ومنذ مايو 2003، وعلى إثر تفجيرات الدار البيضاء التي كُشف عن تورط سلفيين جهاديين فيها، أعلنت المملكة عن استراتيجية لإصلاح الحقل الديني تسعى إلى الإدماج السياسي للتصوف، وهو ما جعل عدة طرق صوفية تنخرط في الاستراتيجية الدينية الجديدة التي اعتمدتها الدولة منذ تلك المرحلة لمواجهة الإسلاميين -وخصوصًا التيارات السلفية- بأدوات دينية، وهي الاستراتيجية التي يمكن القول إنها انتُهِجت قبل إعلانها 2003؛ إذ هناك مؤشرات على ذلك منذ 2002، منها تعيين وزير جديد للأوقاف والشؤون الإسلامية هو أحمد التوفيق في هذه السنة نفسها، ضمن حكومة إدريس جطو، وهو الوزير المعروف بانتمائه إلى الطريقة البودشيشية. والراجح أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 هي المحرك لتلك السياسات، بل يرى الباحث محمد ضريف أنها كانت منتهجة منذ بزوغ نجم الحركات الإسلامية في الثمانينات "فالاستراتيجية الدينية المسماة جديدة، التي أعلن عنها بعد أحداث 16 مايو/أيار 2003 هي في الواقع امتداد لسياسة بدأ تنفيذ خطوطها الرئيسية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي في وقت بدأت فيه الحركات الإسلامية تتطور في المشهد السياسي للبلد". 

 

وعلى كلًّ فقد أصبح زخم الاهتمام الرسمي بالطرقية مبالغًا فيه بالمغرب منذ بداية الألفية الجديدة؛ إذ يحشد الإعلام الرسمي لتغطية الندوات الصوفية التي يشترك في تنظيمها صوفيون تقليديون ومثقفون علمانيون يعتبرون التصوف هو التطبيق الصحيح للإسلام بإبعاده المقدس "الروحي" عن المدنس "السياسي"، وتُرْعى الملتقيات والمؤتمرات الصوفية، ويقدِّم الملك، ممثَّلا في حاجبه وعامله الإقليمي، الهدايا والذبائح للمشايخ وللزوايا الصوفية، ويزور أضرحة أبرز رموز الصوفية في المغرب.

 

ولم تقتصر المشاركات السياسية للطرق الصوفية في الحكومات المغربية على أحمد التوفيق، "بل نذكر في هذا السياق حالة المختار السوسي أحد الوجوه البارزة للطريقة الدرقاوية الذي عين وزيرًا في أول حكومة بعد استقلال المغرب، وحالة المكي الناصري من أتباع الزاوية الناصرية الذي عين لفترة طويلة وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية. وتوجد شخصيات تنتمي لعائلات شريفة وعائلات أولياء داخل القصر".

   

 المختار السوسي أحد الوجوه البارزة للطريقة الدرقاوية عين وزيرًا في أول حكومة بعد استقلال المغرب (يمينا)، والمكي الناصري من أتباع الزاوية الناصرية عين لفترة طويلة وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية (مواقع التواصل)

    

ويخلص تقرير الحالة الدينية في المغرب بعد رصده لأنشطة التصوف المتزايدة في المغرب إلى أن "التصوف في حقيقة الأمر لم يعد حالة من الزهد والتعبد الفردي كما بدأ، وإنما أضحى مؤسسات ضخمة لها امتداد عابر للقارات كافة، بأدوار تتجاوز تزكية النفوس إلى التوطيف السياسي على مختلف المجالات".

   

في السنغال تخطب السلطة السياسية ود شيوخ الطرق، وفي بلد خطت فيه الديموقراطية خطوات متقدمة مقارنة بمحيطها الإفريقي، ومع حقيقة انتخابية لا يمكن تجاهلها، وهي أن المسلمين الذين يمثلون 95% أغلبهم مريدو طرق صوفية ولديهم ولاء لا مشروط لمشايخها، فإن الرؤساء المتعاقبين حريصون على التقرب من المشايخ بالتظاهر بتقديرهم بل الانتماء لهذه الطرق، كما هو الحال مع الرئيس السابق عبد الله واد الذي كان يسعى لترشيح نجله للانتخابات الرئاسية التي نظمت في 24 فبراير/شباط 2019، ولم يفلح في ذلك حيث رفض المجلس الدستوري السنغالي ملفه على الرغم من حصوله على توقيعات التزكية المطلوبة، وذلك بسبب ملفه القضائي المتعلق بالفساد. ومع أن الرئيس السنغالي، ماكي صال، الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية كان إبان المرحلة الأولى من عهدته الرئاسية السابقة قد لمح إلى إضعاف دور هذه الطرق في الحياة السياسية وتحدث عن المشايخ باعتبارهم مواطنين عاديين، فإنه ما لبث أن عاد لزيارة هؤلاء المشايخ والتودد إليهم، وكان قد أطلق حملته الرئاسية للاستحقاق الأخير من مدينة طوبا معقل الطريقة الصوفية المريدية.

   

والناظر العجِل إلى علاقة الطرقية بالسياسيين في السنغال يظن أن لهذه الطرق تأثيرًا سياسيًّا توظفه لصالح التصوف، والحقيقة أن نفوذ هذه الطرق يستغل دومًا من طرف السياسيين، ولذلك فإن عقابهم لعبدو ضيوف وتصريحاتهم بشأن "سيره بالبلاد نحو العلمانية المفترسة للروحانية" لم يكن سوى احتجاج متأخر بعد دعمهم الطويل لحكمه.

   

عبدو ضيوف (رويترز)

   

وفي موريتانيا بدأ اهتمام الدولة بالطرق الصوفية منذ أزمة 2003 مع الإسلاميين، حين بدأ النظام الموريتاني في ترويج مذهبية الدولة المأخوذة من أدبيات السلطة في المملكة المغربية، وهي المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية و"طريقة" الجنيد، ومؤخرًا وجدت السلطة الفرصة سانحة لتقريب بعض المشايخ الصوفيين، كما هو الحال مع الشيخ علي الرضا الصعيدي، الذي يقول متابعون: إن الحراك الشعبي الواسع الذي قاده وسماه نصرة النبي صلى الله عليه وسلم جاء في وقت كان النظام فيه محتاجًا لتوجيه الشارع مقابل مسيرات المعارضة المطالبة برحيل رئيس الدولة، محمد ولد عبد العزيز، وسطع منذ فترة نجم الشيخ سيدي محمد ولد الشيح سيديا (الفخامة) وهو من أسرة الشيخ سيديا الكبير التي تنتمي للطريقة القادرية وهو مناصر للنظام ويبرر مواقفه السياسية بأنه يسعى لتحقيق مصالح للدين من خلال القرب من النظام، وقد وجه الشيخ أنصاره بقوة للتصويت لمرشحي الحزب الحاكم في الانتخابات النيابية والبلدية الأخيرة.

 

ومنذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة سنة 1999، بدأت الدولة الجزائرية في تقريب الطرق والزوايا بتنظيم ملتقيات دولية للصوفية كملتقى الطريقة القادرية بولاية ورقلة عاصمة الصحراء الجزائرية وملتقى التجانيين الدولي بالوادي جنوب الصحراء، وفتح المجال أمام مشايخ وفعاليات الصوفية في الإعلام الرسمي، كما أطلقت الحكومة قناتين تليفزيونيتين ومحطتين إذاعيتين متخصصة في نشر "عقائد" الطرق الصوفية المنتشرة في الجزائر، كما استُحْدث منصب مستشار للرئيس مكلف بالزوايا.

 

ويُعتقد أن السر وراء هذا الاحتضان للصوفية الطرقية في الجزائر بعد عقود من تهميشها هو توظيفها أمنيًّا وسياسيًّا في توازنات السياسة المحلية ولضغوط خارجية أميركية في إطار المقاربة الغربية لمواجهة الإسلام الحركي عمومًا والسلفي الجهادي خصوصًا. وتأكيدًا لتلك الأهداف صرح أحمد أويحيى، مدير ديوان الرئيس بوتفليقة، بأن "الزوايا لها دور ريادي كمؤسسات دينية في الحفاظ على الوحدة الوطنية، كما أنها تلعب دورًا بارزًا في نشر تعاليم الدين الإسلامي بالشكل الصحيح لتحافظ بذلك على طابع الاعتدال والوسطية".

   

  

وقد أثار عبد القادر ياسين، أمين عام اتحاد الزوايا –أكبر تجمع للطرق الصوفية في الجزائر- قبل أشهر، جدلاً كبيرًا بعد دعوته بوتفليقة إلى الترشح لولاية رابعة عام 2019، وأثارت هذه التصريحات ردود فعلٍ معارضة وصفت الدعوة بغير المعقولة باعتبارها توظيفًا لتيار ديني في الصراع السياسي، وبسبب وضعية الرئيس الصحية.

   

ثالثًا: الطرق الصوفية وجماعات الإسلام السياسي في غرب إفريقيا.. أي علاقة؟

يبدو أن طغيان الزخم السلفي على البدايات الأولى لانتشار الحركات الإسلامية في دول غرب وشمال إفريقيا رجح صورة نمطية لدى الفاعليين الصوفيين عن الحركة الإسلامية عمومًا، وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يمثل المد الإخواني -الذي شكل أهم ركائز الحركات الإسلامية في الشمال الإفريقي- عامل تقريب، باعتبار الاهتمامات التربوية والنشأة الصوفية لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إلا أن التشكل التياري لهذه الحركات إبان نشأتها أعطى الصوت الجَهْوري للمكون السلفي، الذي شكل تركيزه الإحيائي في مجال العقيدة والتسنن في السلوك، لبداية الصدام الأول مع التصوف في المنطقة، خصوصًا أن هذا التيار شكل عماد الظاهرة الصحوية في الغرب الإفريقي على خلاف الشمال، ومن ثم فإن الانتقادات المبالغ فيها لكل الظاهرة الصوفية ولَّدت عداء للتيارات الإسلامية كلها طبع العلاقات بين المكونيْن الكبيرين للظاهرة الإسلامية في بلدانهما، وسنحاول تلمس مفردات هذه العلاقة من خلال العناوين التالية:

 

أ- الانتقادات والتباينات الشرعية والفكرية

تعرف الساحة الفكرية والدعوية في هذه المنطقة منذ سنوات تراشقًا دائمًا بين الإسلاميين وخصوصًا السلفية العلمية وشيوخ التصوف ومريديهم، فمن الأمور الشائعة لدى قطاع واسع من الإسلاميين اتهام الطرق الصوفية بنشر البدع والخرافات، بل تتهم بعض هذه الطرق من طرف السلفيين بالخروج عن الملة والإيمان بوحدة الوجود، وهي أدبيات مبثوثة في كتب الوهابية، فمثلًا في أعقاب تزايد النفوذ السياسي للطرق في الجزائر شن التيار السلفى حملة على هذه الطرق، متهمًا إياها بالشعوذة والتدجيل، ونشر الفكر الشيعي والخلط بين العلوم الدينية الإسلامية والعلوم الغربية، ونقل مفاهيم خاطئة للناشئة.

 

وتتهم الطرق الصوفية الحركات الإسلامية بتهديد الأمن المجتمعي ونشر التطرف والإرهاب وقد طالب الشيخ السنغالي، مام شيخ امباكي، رئيس الجمعية الإسلامية لخدمة التصوف (AIS) رئيسَ الجمهورية السنغالي، ماكي صال، أثناء حضوره لقاءات الجمعية المنعقدة في قصر المؤتمرات "بجمناجو" يوم 12 يونيو/حزيران 2018 بحماية الدولة أمنيًّا وفكريًّا من الحركات والتيارات التي تتخذ من الدين ستارًا لتنفيذ برامجها وتتسبب بالحروب والقلاقل. كما يتهم الصوفيون الإسلاميين وخصوصًا السلفيين بتكفير المجتمع وباحتكار صكوك الجنة من خلال مقولة "الفرقة الناجية". ومن الوقائع الدراماتيكية في هذه العلاقة، رغم إدانتها من كل الساحة الإسلامية، قيام فصائل من جماعات الإسلام الجهادي في شمال مالي بتدمير أضرحة ومزارات صوفية تاريخية في تيمبكتو.

     

الشيخ السنغالي "مام شيخ امباكي" رئيس الجمعية الإسلامية لخدمة التصوف (مواقع التواصل)

   

ب- الاتهامات المتبادلة بالتوظيف السياسي والدعم الخارجي

في أعقاب انتخابات الجزائر المحلية نهاية 2017، التي نزلت فيها الصوفية بقوة خلف مرشحي الحزب الحاكم، اتهمت بعض الأحزاب الإسلامية الصوفيةَ فى الجزائر بكونها أداة فى يد السلطة والرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأنه يستخدمها فى أمور سياسية لا تليق بدولة الجزائر، وهو نموذج للنزاع بين الفريقين، فالصوفية متهمة من طرف الإسلاميين بكونها ذراعًا سياسية لتوفير غطاء لقمع التيارات الإسلامية من طرف السلطات الحاكمة في بلدان الغرب الإفريقي. 

 

وهنا نموذج آخر؛ عندما أدلت نادية ياسين، القيادية في جماعة العدل والإحسان، في صيف 2005 بتصريحات لصحيفة "الأسبوعية الجديدة" تنتقد فيها النظام الملكي، أصدر شيخ الطريقة البودشيشية بالمغرب الشيخ حمزة بن العباس (توفي في 18 يناير/كانون الثاني 2017) بيانًا ندد فيه بكل من ينتقد الملكية؛ لأنها حمت المغرب وحافظت على وحدة المغاربة. وقد تعرضت السيدة نادية على إثر ذلك للمتابعة القضائية. 

 

وقبل ذلك طَرد الشيخ حمزة ذاتُه مريدَه الشيخ عبد السلام ياسين من الطريقة البودشيشية بعد الرسالة التي كتبها للملك الحسن الثاني: "الإسلام أو الطوفان"، ودعا مريديه لتجنب عبد السلام ياسين الذي أسَّس جماعة العدل والإحسان التي تمثل نموذجًا استثنائيًّا للتصوف الحركي وللحركية الإسلامية المتصوفة. ويذهب مثقفون إسلاميون إلى أن نشاط وفكر الطرق الصوفية "يلخـص الموقـف السـلبي مـن تيـارات الإســلام السياســي، والإذعــان المطلــق للســلط الحاكمــة، وكــذا تهمــيش الحــواجز والتباينــات الدينيــة مــن ســلم الاهتمـام".

     

الشيخ عبد السلام ياسين مؤسس جماعة العدل والإحسان (مواقع التواصل)

    

وكثيرًا ما انتقد الطرقيون السلفيين خصوصًا، ربما باعتبارهم رأس الحربة في مواجهة الصوفية، يقول سعيد جاب الخير، الباحث الجزائري المقرب من الطرق الصوفية: إن "مشكلة السلفيين الحقيقية أنهم يضيقون بالحوار والنقاش الحر، بل يخافون منه، لأن أذهانهم مشحونة بالمسلمات والمطلقات الدينية التي ليست كذلك في الواقع، والتي لا يقبلون النقاش فيها، أما قوتهم الحقيقية فإنها تكمن في أمرين؛ الأول: سكوت النظام الضمني عنهم، والثاني: الدعم الكبير الذي يتلقونه من الخارج. ويكفينا كدليل على ذلك آلاف المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية التي تروج للخطاب السلفي وفي المقابل كم يوجد من قناة فضائية أو موقع إلكتروني يروج للتصوف"؟.

 

على أن اتهام الإسلاميين للصوفية بالدعم الخارجي يجد مصداقيته على الأقل في محاولة الطرف الغربي القيام بذلك، فقد نشرت مجلة "يو أس نيوز آند وورد ريبورت" ( US News & World Report) الأميركية عام 2005 تقريرًا بعنوان "عقول وقلوب ودولارات" ورد فيه: "يعتقد الاستراتيجيون الأميركيون بشكل متزايد أن الحركة الصوفية بأفرعها العالمية قد تكون واحدًا من أفضل الأسلحة، وبينما لا يستطيع الرسميون الأميركيون أن يُقِرُّوا الصوفية علنًا، بسبب فصل الدين عن الدولة في الدستور الأميركي، فإنهم يدفعون علنًا باتجاه تعزيز العلاقة مع الحركة الصوفية، ومن بين البنود المقترحة هنا: استخدام المعونة الأميركية لترميم المزارات الصوفية في الخارج والحفاظ على مخطوطاتها الكلاسيكية التي تعود إلى القرون الوسطى وترجمتها، ودفع الحكومات لتشجيع نهضة صوفية في بلادها".

 

إن مفردة أخرى من جوانب التزاحم غير مرئية بطبيعتها جديرة بالتناول، وهي التنافس الاجتماعي، فحقيقة رفض الصوفية للتعاون مع بعض الحركات الإسلامية، التي تقبل مثل هذا الأمر، هو أن الفاعل الإسلامي الجديد على الساحة الإفريقية يشكل غريمًا اجتماعيًّا ينافسها على أرضيتها، وربما فطنت بعض مشيخيات الطرق، خصوصًا غير العالِمة، إلى أن الوعي الإسلامي الصحيح لا يصب في صالح الريع المشيخي والتبجيل المعنوي الذي يجنونه من المريدين، فالحركات الإسلامية في النهاية حركات تجديدية. 

    

  

ج- التواصل ومحاولات التعاون

رغم هذه العلاقة المضطربة والمآخذ المتبادلة فإن هناك محاولات للتعاون والتواصل بين الإسلاميين والصوفية في غرب إفريقيا، تدل على ذلك بعض الوقائع، فقد استقبل حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية وريث التيار الإخواني في موريتانيا مبادرة سياسية قادمة من رحم الطريقة التجانية الحافظية. وأعلنت المجموعة التي قادت المبادرة وأطلقت عليها "لم الشمل"، في عنوان دال، انضمامها لهذا الحزب سنة 2012 وقد وصف رئيس الحزب حينها، محمد جميل منصور، الخطوة بأنها اللقاء الأخلص والأصوب، في إشارة إلى الجانب الإحساني الذي تمثله مبادرة التجانيين والجانب الاتباعي الذي تمثله جذور الحزب الإخوانية.

 

وقريبًا من هذا المنحى كتب محمد يتيم، القيادي في حزب العدالة والتنمية المغربي، مقالًا لجسر العلاقة أورد فيه "إن التجارب القريبة والبعيدة تدل على أن فساد السياسة والبنيات الحزبية لم ينتُج من نقص في البرامج والمؤسسات والقوانين والمساطير فقط، بل إنه راجع في الجزء الأعظم منه إلى فساد السياسيين وافتقارهم إلى تجربة صوفية حقيقية سابقة، أو توقفهم عن ترويض النفس ومجاهدتها حتى لا تقع في أمراض السياسة"، ويستطرد يتيم محاولات التيارات العلمانية الوقيعة بين الإسلاميين والمتصوفة ثم يقول: "...وهيهات هيهات فلأهل الشريعة والحقيقة من التبصر والاعتبار بالتاريخ القريب والبعيد، ما يجعلهم يفوتون الفرصة على من يصطادون في الماء العكر، ويريدون باسم تصوف خلوي محايد تصوفًا غارقًا إلى النخاع في أسوء أنواع السياسة؛ أي سياسة قائمة على النزاع والشقاق وتوجيه سهام المتصوف إلى الفقيه، وصاحب الحقيقة إلى صاحب الشريعة، والعكس بالعكس".

 

وفي مالي تسود علاقة حسنة بين الطرق الصوفية والإسلاميين، وهي علاقة مؤسسية أقامها المجلس الإسلامي الأعلى الذي يرأسه محمد ديكو، وهو سلفي إصلاحي نجح في توحيد الساحة الإسلامية تحت مظلة هذه المؤسسة التي تُعنى بكل الشؤون الدينية، ورئيسها برتبة وزير، وينوبه عثمان مدان حيدرة، زعيم طريقة أنصار الله الصوفية، وتُمثَّل فيه بقية التشكيلات الإسلامية والطرق الصوفية (الحموية، القادرية، التجانية، وجماعة أنصار الله).

     

رئيس المجلس الإسلامي الأعلى محمد ديكو (مواقع التواصل)

  

ومن تجليات هذه العلاقة حضور الزعيم الإسلامي محمد جيكو للموسم الصوفي قبل الأخير (خريف 2016) الذي تقيمه طريقة أنصار الدين سنويًّا، وزيارته لضريح والد زعيمها، مما أثار عليه انتقادات الساحة السلفية، وتشترك التشكيلات الإسلامية والطرق الصوفية في عضوية روابط الأئمة والعلماء في مالي، وهذه الوقائع وغيرها تؤكد الحالة الاستثنائية من التعاون التي تطبع العلاقة بين الصوفية والإسلاميين في غرب إفريقيا. ثم إن مجالات التعاون والتوافق حدثت أيضًا في بقية البلدان، حينما هُددت الهوية أو العقيدة الإسلامية بشكل واضح فالتحمت مواقف الشارع "الإسلامي" والصوفي حماية لتشريع الأسرة مثلًا، أو وقوفًا أمام موجة مس بالمقدسات أو دعمًا لقضية القدس وفلسطين.

 

رابعًا: إجمال ومناقشة

ما بين توصيف موقف التصوف الفكري وتقدير موقفه السياسي تشيع أدبيات ما بين المتهم له بالانحراف الفكري والارتزاق السياسي، وبين الباحث عن حليف فكري وسياسي في مواجهة التيارات الإسلامية يقدم التصوف باعتباره الممثل الصحيح لإسلام "تسامحي إنساني". وتذهب إحدى المقولات التأسيسية المتعلقة بدور التصوف الفكري والسياسي إلى أن التصوف الذي يمثل إسلامًا منفتحًا معتدلًا هو وحده القادر على الوقوف أمام حركات التطرف والإرهاب، في حين تتهمه مقولات أخرى بهلامية المبادئ وتشبعه بقيم التسامح المطلق المتجاوز لحدود العقيدة والثوابت الإسلامية. والذي يؤكده الاستقراء أن الدور الممانع للتصوف إبان الاستعمار لم يعد له وجود منذ قيام الدولة الحديثة، وأصبح الدور السياسي للتصوف منحصرًا في الدعم غير المحدود للسلط الحاكمة.

 

والظاهر أن ذلك جزء من واقع تركيبي أحد أطرافه الواقع السياسي نفسه وطرفه الثاني مستوى الوعي السياسي للمشايخ؛ حيث إن مرحلة التطور الديمقراطي في البلدان الإفريقية وتحكم السلط السياسية في شتى جوانب الحياة وحرص هذه الطرق على مصالحها كلوبي اجتماعي واقتصادي، مع مستوى الوعي السياسي المتدني لمشايخ هذه الطرق، أفضى إلى خليط من الانتهازية السياسية الآنية وضعف القدرة على المناورة والتفاوض والكسب السياسي، والنتيجة هي الاندماج مع هذه السلط وقبول التوظيف السياسي مقابل السلامة أو نيل المكانة الرمزية.

    

أصبح تشجيع التصوف ودفع الأنطمة السياسية إلى توظيفه في مواجهة التطرف والإرهاب قرينًا بإعلان حرب من طرف بعض هذه الطرق على القوى الإسلامية كلها بما فيها الحركات السياسية الرافضة للنفوذ الغربي

رويترز
     

وفي موقع كهذا تصبح الطرق الصوفية بحكم التوظيف السياسي في مواجهة حتمية مع الكتل السياسية المعارضة الصاعدة، خصوصًا إذا كانت هذه الكتل السياسية والاجتماعية يمكن أن تصنف خصمًا أو غريمًا اجتماعيًّا ومنافسًا شعبيًّا لتلك الطرق، وقد كان هذا هو أحد الخيارات الممكنة في بناء العلاقة مع الحركات الإسلامية، خصوصًا مع تأثير الفكر السلفي على العديد من الحركات الإسلامية، حيث شكلت الحملات المنكِرة على أفكار المتصوفة وممارساتهم حافزا على الدفع بالطرقية بعيدًا عن التعاون مع الإسلاميين.

 

أما الدور الخارجي في توظيف التصوف لمواجهة التيارات الإسلامية، سياسية كانت أو جهادية، فقد أعطى دفعًا لاستراتيجيات الأنظمة السياسية في استغلال التصوف، ولم يكن مؤسِّسًا لهذا التوجه، فقد اتجهت الولايات المتحدة الأميركية وجهة تشجيع الزوايا وفق تقييم دراسات المراكز المقربة من دوائر صنع القرار، انطلاقًا من كون الإسلام الطرقي يمثل الإسلام المنفتح المعتدل المباين للتشدد والتعصب المقترن بالحركات الإسلامية في الوجدان الغربي عمومًا، وهكذا أصبح تشجيع التصوف ودفع الأنطمة السياسية إلى توظيفه في مواجهة التطرف والإرهاب قرينًا بإعلان حرب من طرف بعض هذه الطرق على القوى الإسلامية كلها بما فيها الحركات السياسية الرافضة للنفوذ الغربي.

  

خاتمة

إن جسر الهُوَّة وبناء الثقة يظل، مع كل ما سبق، ممكنًا إذا استطاعت الحركات الإسلامية أن تمارس نهجًا سياسيًّا استيعابيًّا وتمكنت الطرق الصوفية من الدفع بأجيال مشيخية جديدة تنظر أبعد من مصالحها الآنية، وقبل ذلك إذا انتبهت هذه الكيانات الصوفية إلى حاجة بلدانها ومجتمعاتها إلى صوفية تتبنى مواقف تنحاز للثوابت الوطنية في حين تعتزل الصراع السياسي الحزبي، أو تتبنى موقفًا سياسيًّا احترافيًّا ليس مقرونًا بتحكم من خارجها، باعتبار كل ذلك شرطًا لتطوير التجربة الديمقراطية في هذه البلدان.

----------------------------------------------------------------

هذا المقال مأخوذ عن: مركز الجزيرة للدراسات.

آخر الأخبار