انضم إلينا
اغلاق
كان عضوا في حزب أتاتورك.. ماذا تعرف عن الأب الروحي لعبد الناصر؟

كان عضوا في حزب أتاتورك.. ماذا تعرف عن الأب الروحي لعبد الناصر؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

كانت ليلة شتوية مُمطرة تلك التي اجتمع بهم فيها أول مرة، يتحرك الشاب الأسمر النحيل مُتدثِّرا بمعطفه ليتّقي البرد والمطر، يمضي إلى وجهته وهو يتذكَّر الخريطة التي وصفها له زميله أنور السادات إلى ذلك المنزل الكائن في عزبة النخل في القاهرة القديمة، يلتفت إلى يمينه ويساره بشكل متكرر خشية أن يكون هناك مَن يتعقّبه فيفسد عليه الأمر كله، يحاول أن يُهدِّئ من شدة توتره بإقبال نهم على التدخين لقتل الوقت والتوتر، يصل إلى المنزل المقصود، تماما كما حفظ الخريطة في ذهنه، يقف قليلا أمام مدخل البناية ريثما يُنهي لفافة التبغ في يده، يصعد سُلَّم الدرج مسرعا حتى يقف أمام الباب، وبعد عدة طرقات خفيفة تفتح له الخادمة، يسألها في تهذيب: "عزيز باشا موجود؟"، ترد عليه: "أيوة موجود، نقوله مين؟"، يخبرها: "أنا اليوزباشي جمال عبد الناصر، جاي من طرف أنور السادات".

   

يجلس جمال عبد الناصر في الغرفة المُخصَّصة لاستقبال الضيوف، وما أن يلبث قليلا حتى ينضم ثلاثة زائرين آخرون يُعرِّفون أنفسهم برتب عسكرية، استقبلتهم الخادمة ودلّتهم إلى الغرفة نفسها، عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي وكمال حسين، يتصافح الجميع بحرارة ثم يجلس كلٌّ منهم في مكانه في انتظار عزيز باشا، الذي ما لبث كثيرا حتى خرج إليهم تعلو وجهه ملامح القلق والانزعاج، بعد عدد من عبارات الترحيب والمجاملات يتوقف الأميرالاي عزيز باشا المصري عن الكلام متسائلا بعينيه عن سبب الزيارة، يسكت الجميع ويبدأ جمال عبد الناصر في الحديث، ومع استرسال جمال عبد الناصر تتغيّر تدريجيا ملامح عزيز المصري.

     

عزيز المصري (مواقع التواصل)

  

فمن ملامح القلق والانزعاج تكسو وجهه تدريجيا ملامح الجدية والحماس، أنصت عزيز المصري لجمال عبد الناصر بشكل كامل، حتى فوجئ في نهاية حديث جمال عبد الناصر بآخر ما كان يتوقّعه؛ طلب منه عبد الناصر بشكل واضح وصريح قائلا: "نحن الآن في مرحلة بناء تنظيم سياسي داخل الجيش من الأفرع والأسلحة كافة للقيام بانقلاب عسكري لقلب نظام الحكم في مصر والتخلُّص من الملك والأحزاب والإنجليز وكل الطبقة السياسية الحالية، ونراك كأب وقدوة ومَثَل لنا جميعا، لذلك وقع اختيارنا عليك لتكون لنا قائدا وواجهة هذا التغيير، لما تملكه من تاريخ وطني مُشرِّف".

  

أُسقط في يد عزيز المصري، فالزائرون الشبَّان الذين توقَّع عزيز في بداية الزيارة أنهم تابعون للسلطة أو للبوليس السياسي يخبرونه صراحة الآن أنهم تنظيم سياسي معارض داخل الجيش، تنظيم عسكري مكوَّن من ضباط شبان غاضبين ينوون الإطاحة بالملك فاروق والاستيلاء على السلطة في برِّ مصر كله، والأخطر أنهم اختاروه هو بالذات ليكون قائدا وواجهة لهذا الانقلاب استنادا إلى تاريخه السياسي والنضالي، ومنذ أن طلب منهم مهلة للتفكير فارق النوم عين عزيز باشا ليالي متصلة، وطوال تلك الليالي تراءت حياته أمام عينه، يسترجع أحداثها وفصولها، لماذا وثق فيّ أنا بالذات هؤلاء الضباط الشبان؟ بدا له أن الإجابة ربما قد بدأت بالفعل قبل أكثر من أربعين عاما، وبعين الخيال أخذ يرى نفسه وهو شاب صغير مع والدته التركية في صيف العام 1896 وهما على رأس تلك الباخرة الفاخرة مُتَّجهين إلى أهم مدن العالم حينذاك، عاصمة الإسلام والإمبراطورية العثمانية؛ إسطنبول، حيث بدأ ذلك كله.

    

عسكر عرب وأتراك وألمان.. حداثة بلا جماهير

يروي المؤرخ أشعيا برلين أن العبور إلى الحداثة في ألمانيا أتى بشكل مخالف لتجارب التحديث في الغرب الأوروبي، خاصة في كلٍّ من فرنسا وبريطانيا، حيث كان التحوّل إلى الحداثة في الاجتماع والاقتصاد والسياسية في كلا البلدين أتى عن طريق ثورات عارمة قامت بها الطبقات البرجوازية الكبيرة والصغيرة للقضاء على المجتمع الإقطاعي والحكم الملكي المطلق ونمط الإنتاج الفيودالي القروي الزراعي، مُدشِّنة بذلك أُسس مجتمع جديد حيث الاقتصاد الصناعي وسيادة قيم العلم الحديث والعقد الاجتماعي الدستوري والحريات الاجتماعية والسياسية، وعلى النقيض كان التحديث الألماني البروسي -الذي أتى متأخرا عنهم بقرن تقريبا- قوامه هو المؤسسة العسكرية الألمانية، فالحداثة في ألمانيا لم تبدأ بطبقة وسطى أو فئات برجوازية ترغب في إعادة صياغة المجتمع، ولكن بسبب الضغط السياسي والعسكري من كلتا الجارتين -بريطانيا وفرنسا- على ألمانيا، فكانت الحاجة إلى وجود جيش حديث قوي مُدرَّب بكل ما يحتاج إليه من بنية تقنية واجتماعية هي المحرك الأول لتحديث المجتمع والاقتصاد في ألمانيا.

       

كان عزيز المصري عضوا في جمعية الاتحاد والترقّي رفقة العديد من الضباط الأتراك (مواقع التواصل)

    

بشكل مشابه أتت تجربة التحديث في السلطنة العثمانية التي كانت تُعاني من هزائم متكررة من الإمبراطورية الروسية القيصرية وتوسُّعات محمد علي وثورات البلقان، ولاحقا من التوسُّعات الاستعمارية لكلٍّ من فرنسا وبريطانيا، فنشأت حاجة ملحة عند السلطنة العثمانية إلى استنساخ التحديث الألماني العسكري ومحاولة بناء قوة عسكرية حديثة على النمط الأوروبي، وعلى ذلك نشأ ما يشبه التعاون الإستراتيجي بين السلطنة العثمانية وبين الإمبراطورية الألمانية، وكانت المدرسة الألمانية العسكرية هي المكان الذي نشأت فيه أول نواة عسكرية حديثة للسلطنة العثمانية، لكن على خلاف ألمانيا لم تكن السلطنة العثمانية تنوي أن تخوض في تجربة التحديث بأكثر من تكوين فِرَق عسكرية حديثة ومُدرَّبة، فلم تخرج الحداثة خارج أسوار معسكرات الجيش لإنشاء دستور واقتصاد حديث وحريات سياسية واجتماعية وتوزيع للصلاحيات والسلطات، الأمر الذي أدّى إلى بروز طموح سياسي وخيال اجتماعي مغاير عند خريجي المؤسسات العسكرية تلامذة العسكرية الألمانية لتغيير بنية الاجتماع والسياسية في السلطنة العثمانية، الأمر الذي ظهر في شكل تمرّدات وانقلابات قادها العسكريون الأتراك ضد السلطان العثماني والنخب التقليدية داخل السلطنة.

   

في هذا المناخ والاستقطاب السياسي والاجتماعي كان عزيز المصري يتلقّى تعليمه العسكري في الأستانة، حيث تخرج وبزغ نجمه وبدأ في الترقّي سريعا داخل المؤسسة العسكرية العثمانية حتى وصل في زمن قياسي إلى أعلى وأرفع المناصب، في ذلك الوقت ظهرت العديد من الجمعيات السرية التي كان الهدف منها في بداية الأمر المناداة بتطبيق الدستور وإنشاء مجلس نيابي والاعتماد على الشباب في حكم الدولة، وفي مرحلة تالية كان هدف هذه الجمعيات قيام اتحاد فيدرالي يجمع الدول الواقعة تحت الحكم العثماني، مع استقلال كل وحدة سياسية في الشؤون الداخلية وتوحيد السياسة الخارجية والجيش تحت قيادة واحدة، وفي المرحلة الأخيرة كان هدف هذه الجمعيات عزل السلطان لأن وجوده على العرش أصبح يعوق أي تحديث، كان عزيز المصري عضوا في واحدة من أهم تلك الجمعيات وهي جمعية الاتحاد والترقّي رفقة العديد من الضباط الأتراك الذين سيعلو شأنهم بعد ذلك مثل مصطفى كمال أتاتورك، وأنور باشا، وجمال باشا الذي سيُعرف لاحقا باسم جمال باشا السفاح، فضلا عن ضباط عرب آخرين مثل نوري السعيد، وجعفر العسكري، وياسين الهاشمي.

   

أعضاء جمعية الاتحاد والترقّي من الضباط الأتراك (مواقع التواصل)

     

في العام 1908، دخلت تلك الفئات الحداثية في صراع مع السلطان عبد الحميد الثاني على الدستور من أجل تقييد الصلاحيات السياسية المطلقة للسلطان، وحين بلغ الصراع ذروته، كان عزيز المصري على رأس بعض القوات التركية الموالية للاتحاد والترقّي في الهجوم على إسطنبول حيث تم خلع السلطان عبد الحميد بعد معارك دامية، في أول انقلاب عسكري تشهده المنطقة العربية والإسلامية شارك فيه ضباط أتراك ومصريون وعراقيون وسوريون، الانقلاب الذي سيكون فاتحة عهد من الانقلابات والحكم العسكري الذي سيكون السمت الرئيسي للمنطقة طوال قرن بعد ذلك، يُعلِّق طارق البشري على انقلاب الاتحاد والترقّي مُلقِيا الضوء على الإستراتيجية السياسية لمجموعات الاتحاد والترقّي هنا موضحا أنها كانت تعتمد بشكل أساسي على خداع الجماهير من أجل الجماهير، مُضيفا أنه على الرغم من "أن هدف الحركة نبيل في الظاهر كالإصلاح الدستوري ومناهضة الاستبداد السلطاني، فإن مجموعة الضباط التي قادت الانقلاب لم تكن تثق في وعي الجماهير وأنها تستطيع أن تُقرِّر بنفسها ما الأنسب لها"، فقد رأى الضباط في أنفسهم أنهم بمنزلة طليعة التحديث في المجتمع، وأنه كما عليهم أن يُصلحوا الدولة فعليهم كذلك أن يقودوا المجتمع بأنفسهم إلى الإصلاح والحداثة.

    

الإمبراطورية البديلة.. حلم القومية العربية والإسلام السياسي

يؤكد عبد الكريم أحمد سليمان جرادات في رسالته للماجستير "عزيز المصري ودوره في الحركة العربية" أن انضمام عزيز وعدد كبير من الضباط العرب في جمعية الاتحاد والترقّي كان بدافع من تصوّرات ضبابية عن التحديث والقومية والخيال السياسي الإمبراطوري الإسلامي والعروبي، مُردِفا أن عزيز المصري الضابط الشاب كان مُحِبّا لخير الإمبراطورية العثمانية، ومُتطلِّعا في الوقت نفسه لمستقبل أمته العربية ودولته التركية، وأنه كان يتمنّى أن تقوم إمبراطورية إسلامية على عُنصرَيْ الأتراك والعرب، وأن يتم تعاون وثيق ومستمر يجعلهما قوتين متكافئتين لمجد الدولة وعزّتها، غير أن السنوات التالية للانقلاب كانت سنوات فاصلة في العالم العربي كله، لأنها كشفت الوجه الحقيقي للاتحاد والترقّي، والضباط القادمين الجدد في عاصمتها، فبينما لم يلجأ السلطان عبد الحميد، رغم سلوكه الديكتاتوري، إلى أساليب عُنصرية أو عِرقية في أرجاء دولته، حيث كان يهدف للسيطرة على جميع العناصر العثمانية، كان الاتحاديون حاسمين في انحيازهم وسياستهم القومية التركية المُعادية للعرب، وهذه كانت مفاجأة سريعا ما اكتشفها الانقلابيون العرب وعلى رأسهم عزيز المصري.

   

كانت السنوات التالية للانقلاب العسكري واستيلاء ضباط الاتحاد والترقّي على الحكم صعبة على كل الأطراف داخل السلطنة العثمانية بشكل عام، وصل الصراع بين الضباط العرب والأتراك إلى أشُدِّه، أُلقي القبض على عزيز المصري وعدد كبير من العسكريين العرب، وحُكِم على غالبيتهم بالإعدام، ونُفِّذ الحكم في عدد منهم بالفعل، ومارست سلطة الاتحاد والترقّي -تحت دعوى التحديث والقومية التركية- العديد من المذابح في الشام والأناضول وتركيا ضد الأرمن والعرب وغيرهم من الأقليات في الأناضول، واندلعت المواجهة في اليمن بين القبائل العربية والقوات العثمانية، واستولت إيطاليا على ليبيا بعد هزيمة كلٍّ من الجيش العثماني والمقاومة السنوسية، وصولا إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى وقيام الثورة العربية الكبرى التي رأت فيها النخب العربية في مصر والشام والعراق خلاصهم من الاستبداد التركي العثماني.

   

قبل اندلاع الحرب العالمية بأشهر قليلة، كان عزيز المصري قد وصل لتوّه إلى مصر بعد نجاته من حكم الإعدام ومحاولة اغتياله داخل السجن، على إثر ضغط عربي ودولي على حكومة الاتحاد والترقّي للإفراج عنه، وبدخول تركيا الحرب أصبحت النُّخب العربية في مرحلة امتحان دقيق؛ هل تقف مع دولة الخلافة الإسلامية في محنتها أم تنفصل عنها وتعاديها؟ كان الرأي السائد لدى رجال الحركة الإصلاحية العرب الوقوف مع تركيا وتناسي الخلافات معها لحين انتهاء الحرب، أما موقف عزيز المصري -القائد السابق في الجيش التركي- فكان دقيقا، فرفقاء سلاحه القُدامى حكموا بإعدامه، بل وحاولوا قتله، وتوسَّطت بريطانيا -دولة الاحتلال- للإفراج عنه، هذه الإشكالية ما بين "الثورة العربية الكبرى" والولاء القديم للدولة العثمانية والتجاذب مع الإنجليز سيُحدِّد فصولا مهمة قادمة في حياة عزيز المصري.

     

الثورة العربية الكبرى (مواقع التواصل)

   

في التاريخ العربي الحديث، يتفق المؤرخون على أن الثورة العربية بدأت مع مراسلات الشريف حسين حاكم مكة وبين السير -هنري مكماهون المعتمد البريطاني في- مصر (1915-1917)، وهو ما يُعَدُّ صحيحا بنسبة كبيرة، لكن المراسلات البريطانية لجسّ نبض العرب وتحريكهم ضد تركيا والإمبراطورية العثمانية كانت أوسع من مجرد مراسلات الحسين - مكماهون، حيث لعبت المخابرات البريطانية دورا مهما في المراسلة مع العديد من النُّخب العربية في مصر والهلال الخصيب لجسّ النبض ومن ثم التحضير والتنسيق للثورة العربية لإضعاف الجانب التركي-العثماني، في هذا السياق كشفت الوثائق البريطانية عن مقابلة بين عزيز المصري والكابتن رسل أحد ضباط المخابرات البريطانية في القاهرة. طلب عزيز المصري خلال تلك المقابلة معرفة موقف بريطانيا من إقامة دولة عربية مستقلة عن تركيا-الدولة العثمانية، وأضاف المصري الذي كان يتحدّث باسم اللجنة التنفيذية لجمعية العهد -وهي جمعية تأسست من الضباط العرب المنشقين من جمعية الاتحاد والترقّي- أنه إذا ما وافقت بريطانيا على دعم تلك الدولة فإنها في المقابل ستحصل على امتيازات تفضيلية دون غيرها وتُمارس السياسة الخارجية لهذه الدولة العربية نيابة عنها.

   

وقدَّم "المصري" خلال ذلك اللقاء خطة القيام بثورة تبدأ من العراق يدعمها ما يقارب من خمسة عشر ألف جندي عربي في الجيش العثماني، وقد طلب أيضا أن تقوم بريطانيا بمساعدة هذه الثورة وذلك بتقديم المال والسلاح فقط، وعرّف عزيز المصري الدولة العربية التي ستقوم فيها الثورة بأنها الأقاليم التي تتحدث اللسان العربي وتمتد حدودها الشمالية بخط يبدأ بالصحراء الليبية ويمر بالإسكندرية ومصر والسودان ونجد والشام والعراق فالموصل إلى الحدود الإيرانية، حيث كانت الاتفاقية التي يسعى إليها عزيز هي خلق إمبراطورية عربية مستقلة عن العثمانيين لها علاقاتها المتميزة مع بريطانيا، في مقابل مساعدة البريطانيين في هزيمة الأتراك.

   

إلا أن اتصالات عزيز المصري مع المسؤولين البريطانيين في هذه الفترة، كما يرصد جرادات في رسالته عن عزيز المصري حتى 1916، لم تُثمر عن نتيجة حاسمة، لأن المصري كان مُتشدِّدا في طلباته وشروطه عن الاستقلال وضماناته، وهذا ما لا تريده بريطانيا، حيث كانت هذه الاتصالات واللقاءات التي أجراها عزيز المصري تعكس شخصيته وهو الذي أمضى سنوات طويلة في الشؤون السياسية والعسكرية، كما أنها سبّبت إحباطا في نفسيته تجاه السياسة البريطانية، على عكس مشروع شريف مكة الذي تمتّع بمكانة روحية أعلى عند العرب من عزيز المصري، وتحلّى بمرونة سياسية عند البريطانيين لم تتوفّر لدى عزيز والعسكريين العرب في جمعية العهد، وهو ما لم يَنسه العكسر لعائلة شريف مكة طيلة العقود القادمة.

   

عن هذه المرحلة من حياته يقول عزيز المصري في مذكِّراته مع محمد عبد الحميد في كتابه "أبو الثائرين": "لم أكن أعلم ما موقفي عند الإنجليز، وما موقف الأحزاب في مصر من وجودي في القاهرة. كانت قضيتي أن الدول العربية يجب أن تنفصل عن الدولة العثمانية، وأيضا يجب أن يكون هناك اتحاد فيدرالي يضمّها جميعا، اتحاد أساسه حق كل دولة في التصرُّف في سياستها الداخلية، أما السياسة الخارجية والجيش فحقٌّ لحكومة مركزية عربية، ولقد تغيّرت فكرتي فيما بعد حول هذا الاتحاد الفيدرالي، وكانت دعوتي إلى وحدة عربية يساندها جيش عربي قادر على حماية هذه الوحدة، لكن الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي كانوا يُخطِّطون لمصالحهم من خلال جيوش عصرية تحمي هذه الأحلام. كانت مشكلتي الأساسية أنني لست سياسيا محترفا ولكنني رجل عسكري أحترف هذه المهنة. وبدأت أفكر كيف أحقق أفكاري من منطلق كوني الرجل العسكري المحترف، ولكنني لست سياسيا، فلم أعلم أين ميداني".      

  

كتاب "أبو الثائرين" (مواقع التواصل)

   

وتحت ضغط الأمر الواقع وتسارع الأحداث، اجتمع عزيز المصري ونوري السعيد بالشريف حسين وقَبِلَ الجميع التنسيق في الصراع المشترك مع العثمانيين، إلا أن بذور الخلاف كانت حاضرة منذ البداية، فالشريف حسين كان يرفض وجود جيش حديث نظامي في الحجاز كما يقترح عزيز المصري، خشية تكرار سيناريو الانقلاب العسكري مثلما حدث مع السلطان عبد الحميد قبل سنوات قليلة، بينما كانت رؤية ضباط جمعية العهد بأن الثورة ليس الهدف منها قطع الصلة نهائيا بالسلطانة العثمانية، ففي بداية حديثه مع الشريف حسين أكّد عزيز المصري أنه ليس مع إلغاء الرابطة العربية العثمانية، وأوضح أن الهدف الأساسي للقوة العسكرية العربية هو منع انتشار الأعمال العسكرية بين العثمانيين والبريطانيين في الحجاز، وفي باقي الأقاليم العربية حتى نتمكّن من تحقيق استقلال الدولة العربية، كما اقترح على الشريف حسين ألّا يقطع العلاقات نهائيا مع الإمبراطورية العثمانية وألمانيا، وهو ما يتنافى كليا مع أهداف الشريف حسين واتفاقه مع بريطانيا.

   

وبالفعل بعد فترة وجيزة وُئِدَ هذا التحالف العربي قبل تحقيق أهدافه، فالخلاف السياسي والتنظيمي أكبر من أن يضمّ تحالفا ناجحا بين الشريف حسين متزعِّما القبائل العربية في بلاد الحجاز واليمن والقوات العربية العراقية والسورية والمصرية وقيادات جمعية العهد، وتم عزل عزيز المصري ورجع إلى القاهرة قبل نفيه منها إلى إسبانيا، وكان للشريف حسين ما أراد بدحر القوات العثمانية عن أراضي الحجاز واليمن والاعتراف به ملكا لكل العرب، مقابل احتلال بريطانيا وفرنسا للعراق والشام كله وميناء عدن.

  

الطريق إلى دولة يوليو العسكرية

بعد عشر سنوات قضاها في المنفى، عاد عزيز المصري إلى مصر في ظل حكومة وأغلبية برلمانية وفدية وفَّرت له الحماية السياسية والقانونية من خطر الإنجليز، كان ذلك في العام 1924، في تلك الفترة تغيَّرت مصر كثيرا عن مصر العثمانية التي عرفها وعاش فيها عزيز المصري قبل الحرب العالمية الأولى، انهارت السلطنة العثمانية وتفكَّك الجيش العثماني الكبير، وقامت ثورة 1919، الثورة الشعبية الأعمق والأوسع في تاريخ مصر كله، وتنامت النزعة الوطنية المصرية عند عموم الناس في مصر، صنع المصريون -سواء كانوا موظفين أو عُمّالا أو شبابا أو نساء أو أطفالا- ثورة شعبية من أجل كتابة الدستور وجلاء الاستعمار وتحويل مصر إلى ملكية دستورية ودولة وطنية ذات سيادة، وتراجعت النزعات الدينية السياسية وانتهى حلم الإمبراطورية الإسلامية أو العربية في عقول أصحابها بانهيار الدولة العثمانية واحتلال الأقاليم العربية، وكان عنوان المجال السياسي والنضال من خلاله هو التحرر التام من الاستعمار وحماية الدستور والديمقراطية والوطنية المصرية الوليدة.

        

عيّنت حكومة الوفد عزيز المصري ناظرا لمدرسة البوليس، وأوكلت له ملف إصلاح البوليس المصري، الجهاز الذي كان منذ إصلاحات محمد علي باشا رمزا للقهر والتسلُّط

مواقع التواصل
     

وعلى الرغم من أجواء الحرية النسبية التي أتاحتها ثورة 19 ودستور 23 والقوة السياسية الهائلة لحزب الوفد، على النقيض تماما من الحياة العامة والحياة السياسية في مصر قبل الثورة، فإن عزيز المصري خفت ذكره وقلّ تأثيره في زمن الوفد والوطنية المصرية الدستورية الليبرالية، فقد عيّنت حكومة الوفد عزيز المصري ناظرا لمدرسة البوليس، وأوكلت له ملف إصلاح البوليس المصري، الجهاز الذي كان منذ إصلاحات محمد علي باشا رمزا للقهر والتسلُّط، ليكون جهازا وطنيا محترفا، وتأتي المصادر لتحكي عن اللوائح والقوانين والشروط التي وضعها عزيز المصري لإعادة هيكلة جهاز الأمن المصري من جديد، مما أثار إعجاب حكومة الوفد والأحزاب السياسية وحتى الملك فؤاد، الذي طلب مقابلة عزيز المصري وعرض عليه أن يكون مُربِّيا لولده وولي العهد فاروق، لتربيته على النظام والحياة العسكرية وأخلاق القادة، وقضى عزيز المصري منذ رجوعه حياته بوتيرة هادئة رتيبة بين مدرسة البوليس وقصر الملك فؤاد ورحلات ولي العهد فاروق، إلا أن كل تلك السنين كانت مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة.

    

كان عالم ما بعد ثورة 19 عالما مختلفا كليا من حيث شعاراته وخطاباته وقواه عن العالم العثماني والإمبراطوري الذي نشأ فيه عزيز المصري، وتشكَّل فيه ومن خلاله وعيه السياسي وخياله الاجتماعي، صحيح أن المصريين كانوا مشغولين بالاستقلال عن الاستعمار إلا أن ذلك أتى في سياق بناء سيادة وطنية عبر نضال دستوري وديمقراطي، وفي مجال سياسي مدني مكوَّن من أحزاب سياسية وانتخابات وصحف ومجال ثقافي تنويري ليبرالي محافظ، يتحدَّث عن قيم العقد الاجتماعي والمواطنة والحقوق والحريات، عكس عالم الانقلابات العسكرية والجمعيات السرية الذي حاول عزيز المصري من خلالها الوصول للاستقلال والسيادة وأحلام الإمبراطورية كما تخيّلها وحلم بها دوما.

    

  

في منتصف الثلاثينيات، وقعت أحداث حاسمة في مصر وفي العالم قلبت هذا الهدوء الذي عاش فيه عزيز المصري حتى ظن أنه مستمر إلى الأبد إلى عواصف وصراعات لم تهدأ طيلة عقد ونصف ما بعد ذلك، كانت بوادر الحرب العالمية في أوروبا قد بدأت تلوح في الأفق، وكانت تبعات ذلك على مصر الواقعة تحت سيطرة الاستعمار البريطاني قوية، وفي الداخل المصري كان الصراع بين الوفد حزب الوطنية المصرية والملك على أشُدِّه حيث تم تعطيل العمل بالدستور وحل البرلمان، وفي مواجهة ذلك عمّت المظاهرات والاحتجاجات والإضرابات أرجاء القُطر المصري، كان هذا الصراع في أوقات السِّلم أحد الأوراق الرابحة للإنجليز في مصر، لكن مع احتمالية نشوب حرب فإن بريطانيا أرادت إحكام سيطرتها سياسيا وأمنيا على مصر، فوقع اختيارها على التحالف مع حزب الوفد ذي الأغلبية الشعبية الكاسحة بدلا من الملك فاروق، فأجبرت الملك على السماح للوفد بتشكيل الحكومة وعودة العمل بالدستور واحترام نتائج الانتخابات البرلمانية، وفي المقابل قَبِلَ الوفد بالتحالف مع الإنجليز للحصول على اعتراف بريطاني-دولي بكونه الممثل الرسمي للشعب المصري والمخوَّل الحصري بالتفاوض مع بريطانيا والمجتمع الدولي لتحقيق الاستقلال، فضلا عن وضع حدٍّ لتلاعب الملك بالديمقراطية والدستور.

   

كان نتاج تلك الترتيبات السياسية الجديدة ما يُعرف في التاريخ المصري بمعاهدة 36، التي اعترفت بشرعية التمثيل الوفدي للشعب المصري، إلا أنها ضمنيا كذلك كانت تنازلا كارثيا من الوفد الذي في سبيل سعيه الحثيث للحصول على الشرعية السياسية اعترف بشرعية الوجود الاستعماري البريطاني في مصر، وهو ما يُعَدُّ تنازلا عن صلب القضية الوطنية التي نال الوفد شعبيته وشرعيته التمثيلية على أساسها، وهو ما كان يعني أن الشرعية الرسمية التي كسبها الوفد من توقيع المعاهدة خسر في مقابلها الشرعية الشعبية والسياسية التي كسبها من الجماهير المصرية لتوقيعه المعاهدة نفسها، فالوفد بهذا المعنى أصبح وكيلا محليا عن الاستعمار الخارجي، وأصبحت الحكومة الوفدية وأجهزتها الأمنية هي البديل السلطوي في القمع والمراقبة والعقاب عن القوات الاستعمارية والبوليس السياسي التابع للملك، ما مَثَّلَ على المستوى الشعبي تراجعا رهيبا في شعبية الوفد وشرعيته التمثيلية الوطنية.

   

كان هذا التنازل من حزب الوفد انتقاصا من شرعية حزب الوفد نفسه، بل من شرعية المشروع الدستوري الليبرالي النيابي نفسه، لأن الحزب وإن نادى بالليبرالية النيابية والملكية الدستورية، فإنه قدَّم نفسه قبل كل ذلك صاحب مشروع وطني ديمقراطي ليبرالي ودستوري وحزب الوطنية المصرية التي تشكَّلت بعد الثورة على هذه الأُسس الثلاثة (الوطنية الليبرالية، الملكية الدستورية، والديمقراطية النيابية)، وليس مجرد حزب سياسي، وبهذا كان تراجع الوفد تآكلا لشرعية النظام السياسي كله، وليس مجرد تراجع لحزب سياسي فقد شعبيته، منذ توقيع المعاهدة والممارسات السلطوية للوفد في الحكم، بدأت الطبقة الوسطى الحضرية الآخذة في الازدياد -بفعل التحديث كسياسات التعليم الموحَّد المدرسي والجامعي التي اتسعت مع الثورة- في التوجُّه لتنظيمات تُعبِّر عن مزاج سياسي راديكالي جديد لدى الطبقة الوسطى، مثل تنظيم الإخوان المسلمين وحركة مصر الفتاة والتنظيمات الشيوعية المختلفة، التي زادت شعبيتها بشكل قياسي، في الوقت ذاته الذي قلّت فيه نسب المشاركة في الانتخابات والحياة السياسية الرسمية.

    

كان تنظيم الضباط الأحرار ابنا لعالم ما بعد معاهدة 36، العالم الذي تغذّى على الأشباح القديمة للإمبراطورية الإسلامية العثمانية وأحلام الثورة العربية

مواقع التواصل
   

هنا عاد عزيز المصري إلى الحياة السياسية من جديد، كان التحالف الحاكم بين الوفد والإنجليز إيذانا بانتهاء عالم ما بعد ثورة 19 إذ تم التسوية بين الثورة وأعدائها، خفت الحديث عن قيم التنوير والعقد الاجتماعي والاقتصاد الوطني والمضامين الواسعة للسياسة والثقافة الحديثة، لصالح مزاج سياسي راديكالي يستدعي الأشباح القديمة السابقة على ثورة 19، حيث عودة الأحلام الإمبراطورية الأُممية على نمط الخلافة الإسلامية عند الإخوان المسلمين ومصر الفتاة وكذا الأُممية الشيوعية الطبقية عند الحركات الشيوعية المصرية، وكنتيجة للسُّلطوية السياسية لحكومات الوفد والسعديين انهارت شرعية النظام الديمقراطي شبه الليبرالي، وعادت مصر إلى ثقافة العمل السري والاغتيالات والعنف السياسي والجمعيات السرية كوسيلة وحيدة للنضال السياسي.

   

شهدت هذه الفترة تقارب عزيز المصري مع كل التنظيمات الجديدة في مصر، اقترب المصري أولا من حركة مصر الفتاة، "فكان عزيز المصري يأنس كثيرا لأركان حركة مصر الفتاة، فقد رأى في كثير منها صورة من شبابه ونضاله السياسي القديم، وكان يستقبل أعضاءها في كل وقت وفي جميع الظروف: في مدرسة البوليس، وفي بيته، وفي عمله، وبعد أن تولّى قيادة الجيش، وبعد ذلك. كان يعرف الكثير من أفرادها ويدفع إليهم بالكتب، ويدلّهم على خير ما يقرأون". وفي الوقت ذاته كان عزيز المصري أحد أهل الثقة القلائل لدى حسن البنا من خارج الإخوان، وكان كثيرا ما يُساعد الإخوان في تدريب فِرَق التنظيم الخاص الجناح المسلح للإخوان والعمل على تسليحه، بل إن تسليح الإخوان تحديدا كان هو العمل الذي جمع عزيز المصري بمَن أصبحوا بعد ذلك عناصر تنظيم الضباط الأحرار، تحديدا جمال عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرؤوف، كما تعرَّف على أنور السادات عن طريق حركة مصر الفتاة.

     

كان تنظيم الضباط الأحرار ابنا لعالم ما بعد معاهدة 36، العالم الذي تغذّى على الأشباح القديمة للإمبراطورية الإسلامية العثمانية وأحلام الثورة العربية، عالم اختزل كل ممكنات السياسة والثقافة والهوية في الصراع مع الغرب الاستعماري والحلم باستعادة المجد الإمبراطوري الذي تحطّم مع الحرب العالمية الأولى، غير منشغل بقضايا بناء المجتمعات الوطنية الحديثة وقضايا الحريات والقانون والشرعية السياسية والديمقراطية، يظهر الخيال الإمبراطوري بوضوح في حلم الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم عند الإخوان المسلمين ومصر الفتاة بقدر مختلف، والأُممية الشيوعية الطبقية عند الحركات الشيوعية، وحلم القومية العربية العِرقية الإثنية عند الضباط الأحرار، في مقابل اختفاء تام لسؤال العقد الاجتماعي والتحديث والشرعية، أي الكيفية التي تتحوَّل بها الكتل السكانية في مصر والمحيط العربي إلى مجتمعات حديثة داخل دول وأنظمة ديمقراطية.

  

حسن البنا وعزيز المصري (مواقع التواصل)

      

كان عزيز المصري منذ رجوعه من المنفى كثير الشكوى أن رجالات الوفد لا يتواصلون معه ولا يحترمون تاريخه السياسي والنضالي، وهو في المقابل لم يفهم كثيرا من خطابهم، وبعد تراجع الوفد وانهار عالمه، كان عزيز المصري بمنزلة الأب الروحي لغالبية التنظيمات السياسية الراديكالية، خاصة مصر الفتاة والإخوان المسلمين والخلايا المسلحة الصغيرة المنتشرة في القاهرة والإسكندرية ومدن القناة وكذا التنظيمات السرية الموجودة في الجيش، وكل عالم ما بعد معاهدة 36، ومن ناحية أخرى كان تنظيم الضباط الأحرار تجمعا واسعا لضباط شبان شاركوا بأنفسهم في كلٍّ من تلك التنظيمات السابقة وجمعوا كل الخطابات والخيالات السياسية داخل مشروعهم السياسي قبل وأثناء حكمهم لمصر.

 

في العام 1962، يجلس عزير المصري الباشا السابق يستمع في منزله عبر الراديو لخطاب الرئيس جمال عبد الناصر بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة للانقلاب العسكري الذي أتى به ورفاقه للحكم، يحكي عبد الناصر عن بعض ذكرياته هو رفاقه في لقاء جماهيري أثناء تحضيرهم للانقلاب العسكري: "أنا أذكر في سنة 1942 رحنا لعزيز المصري، ويمكن كان معاي كمال حسين وعبد الحكيم (عامر) وبغدادي. رحنا للفريق عزيز المصري في بيته وكان في عزبة النخل، قلنا له إحنا ضباط، قال والله ما أنا عارف أنتم ضباط ولا باعتكم البوليس السياسي، على العموم ضباط أو باعتكم البوليس السياسي أنا حتكلّم، اسألوا اللي أنتم عاوزينه، قلنا له: إيه العمل؟ قال: العمل الثورة. عزيز المصري راجل النهاردة عمره 88 سنة، صحيح من الأجيال الماضية لكنه كان ثائر زينا، تفكيره زينا مش زي الأجيال القديمة والأحزاب والتنظيمات، كان ده بيدينا الأمل، إن فيه أمل فيه إرادة التغيير، وإن الشعب حيمشي مع إرادة التغيير". 

  

من على مقعده يسمع عزيز المصري عبد الناصر ويبتسم، فربما عرف بالفعل إجابة السؤال الذي أرّقه عند زيارة الضباط الأحرار لبيته قبل عشرين عاما، ليكشفوا له أمر تنظيمهم بتلك السهولة، بل ويختاروه قائدا لهم، قبل أن يرفض هو طلبهم، ويختاروا اللواء محمد نجيب بدلا منه، يغلق عزيز المصري جهاز الراديو ويذهب لفراش نومه وهو يشعر بأن حياته كانت -على الرغم من كل ما عاناه خلالها- حافلة ومُثيرة وتدعو للفخر والشعور بالامتنان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار