انضم إلينا
اغلاق
اللورد كرومر.. المندوب السامي الذي أخضع مصر ثقافيا وعسكريا!

اللورد كرومر.. المندوب السامي الذي أخضع مصر ثقافيا وعسكريا!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

كان دخول الإنجليز مصر وهزيمتهم لأحمد عرابي في كفر الدوار والتل الكبير، واعتقاله مع كبار قادته ومساعديه، بداية الاحتلال الذي سيوجد على الأراضي المصرية طوال سبعين عاما قادمة؛ وكان أول ما فكر فيه الاحتلال من التغييرات الجوهرية لضمان سيطرتهم وبقائهم في مصر؛ إلغاء الجيش المصري، وخلق جيش أصغر من حيث العدد يرأسه ضباط من الإنجليز يتولون أمره، وبالفعل، وبعد احتلالهم القاهرة في 14 سبتمبر/أيلول 1882م أصدر الخديو توفيق بإيعاز منهم مرسوما بإلغاء الجيش المصري، وكانت الخطوة الأولى لإعادة هيكلة الجيش، ومحاسبة كبار الضباط الذين اشتركوا في الثورة العربية وقتال الإنجليز، فضلا عن تسريح صغار الضباط الموالين للحركة العرابية[1].

  

وعُهد بقيادة الجيش المصري الذي أُعيد هيكلته إلى الجنرال البريطاني فالنتين بيكر الذي أخضع الجيش المصري للسياسة البريطانية، فأنعم عليه الخديو توفيق الموالي للإنجليز بلقب "فريق"، ثم عيّن الخديو السير إفلن وود أحد قادة جيش الاحتلال البريطاني رئيسا لأركان الجيش المصري، فكان أول "سردار" (رئيس أركان) للجيش المصري، وظل هذا المنصب محصورا في القادة الإنجليز طوال عهد الاحتلال، كما حرص الإنجليز على إنقاص عدد الجيش المصري فأصبح ما بين ستة إلى تسعة آلاف جندي وضابط، وأُقصي الضباط المصريون عن أقسام الجيش الحسّاسة والمهمة مثل المخابرات الحربية وغيرها، وكانوا لا يضمنون البقاء في مناصب الجيش عامة إلا لمن أبدوا ولاءهم للاحتلال والقادة الإنجليز، وتسريح أي ضابط يُستشعر منه النقمة على الإنجليز وسياستهم.

  

 الجنرال البريطاني فالنتين بيكر (مواقع التواصل)

      

لم تقف السيطرة الإنجليزية على الجيش المصري عند هذا الحد، بل التزموا سياسة استقطاب العناصر الضعيفة معرفيا للالتحاق بالجيش المصري لكي يسهل السيطرة عليهم، ويطيعوا الأوامر العسكرية دون تردد، فصار يؤخذ للمدرسة الحربية في عهد الاحتلال من ساقطي الشهادة الابتدائية، وقليل من حملة الشهادة الابتدائية، واقتصر التعليم في المدرسة الجديدة على معلومات ضئيلة يقوم بتدريسها معلمون معظمهم من الإنجليز، هذا فضلا عن قضاء الإنجليز على الصناعات الحربية، فقد ألغوا جميع الترسانات التي أُنشئت في العصور السابقة لصناعة المدافع والبنادق والذخائر، وأصبحت ذخيرة الجيش المصري تُشترى من الإنجليز حصرا، ثم أُودعت جميع الذخائر في قلعتي القاهرة والخرطوم بحراسة ضباط الإنجليز فقط دون المصريين[2]!

  

كانت الخطوة التالية بعد السيطرة على الجيش والقوى العسكرية الأخرى في مصر أن يسيطر الإنجليز على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، ولما كان الضباط والجنرالات غير مؤهلين لهذه المهمة السياسية بالدرجة الأولى فقد عُهد إلى رجل شديد الخبرة السياسية للسيطرة السياسية والاقتصادية على البلاد، وهو اللورد دوفرين سفير إنجلترا السابق في إسطنبول، فجاء إلى القاهرة بعد شهر من الاحتلال العسكري في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1882م.

  

ذئاب الإنجليز في مصر!

مكث دوفرين في القاهرة بضعة أشهر يتأمل في أوضاعها، وفي فبراير/شباط 1883م رفع إلى اللورد جرانفيل وزير خارجية إنجلترا تقريرا شديد الأهمية والخطورة يكشف السياسة البريطانية في مصر التي سارت عليها حتى الانجلاء، وقد ذكر فيه بأنه لا ينصح بأن تتولى إنجلترا حكم مصر المباشر لأن ذلك سيُثير سخط المصريين وكراهيتهم، ولكن تكون بصورة أقل ومن وراء الستار، وتكلم عن البوليس وأشار إلى جعله تحت سيطرة مفتش عام ومساعد له من الإنجليز يعاونه بعض المفتشين البريطانيين، كما أوضح أن مصر ليست كفئا لأن يكون لها مجلس نيابي وحكومة ديمقراطية، وبالنسبة إلى القضاء نصح بضرورة إدخال العناصر الأوروبية في المحاكم المصرية، وإسناد وظيفة النائب العام إلى شخصية إنجليزية، وفيما يتعلق بأمور الري والزراعة نصح بأن يتولى هذه المسؤولية أحد كبار المهندسين الإنجليز في الهند للتشابه الكبير بين نظامي الري الهندي والمصري.

    

اللورد دوفرين (مواقع التواصل)

     

وفي الأول من مايو/أيار سنة 1883م صدر القانون الأساسي الذي كان دليلا عمليا على الرؤية البريطانية لاحتلال مصر، وكانت أهم ملامحه:

1- تسريح الجيش المصري الذي قام بالثورة العرابية وإعادة تشكيل الجيش تحت الإشراف الإنجليزي.

2- ألا تتولى إنجلترا حكم مصر مباشرة، بل تُبقي السلطة في يد الخديوي ووزرائه تحت إشراف الإنجليز، مما أوجد سلطتين في مصر؛ سلطة شرعية (الخديوي)، سلطة فعلية (الإنجليز).

3- استمرار تبعية مصر للدولة العثمانية منعا لإثارة السلطان العثماني.

4- العمل على صبغ الإدارة المصرية بالصبغة الإنجليزية (ما عُرف بسياسة الجلنزة).

5- إلغاء المراقبة الثنائية مع فرنسا، حتى تنفرد إنجلترا بحكم مصر، وكان ذلك سببا في عداء فرنسا والذى استمر حتى الوفاق الودي 1904.

6- إلغاء مجلس النواب وإقامة مجلس صوري عُرف بمجلس شورى القوانين يتألف من 30 عضوا، وتعين الحكومة فيه 14 عضوا.

    

قررت الحكومة البريطانية تعيين أحد كبار رجال سياستها في الهند، إيفرين بارنج، مندوبا ساميا لها في مصر، فجاء بارنج من الهند إلى القاهرة مباشرة -بعدما أصبح السير إيفلن بارنج- فوصلها في سبتمبر/أيلول سنة 1883م، وكانت دار المندوب السامي البريطاني المنوط به تنفيذ السياسة البريطانية في مصر متواضعة حينذاك لا يبلغ عدد العاملين فيها إلا 6 أشخاص فقط، فقد كان الظن حينها أن بريطانيا ستنجلي عن مصر سريعا بعدما تستقر الأوضاع للخديو توفيق الموالي لها.

  

ونظرا للوضع الجديد الذي كسبته بريطانيا بعد الاحتلال، ما لبثت دار المعتمد البريطاني أن أصبحت مركز السلطة في القاهرة، يتردد عليها بانتظام وزراء الحكومة المصرية، وقناصل الدول الأوروبية الأخرى، وممثلو الجاليات الأوروبية في مصر، وغيرهم، كما كانت مقر اجتماعات بارنج مع المستشارين الإنجليز في الوزارات المصرية، وكان هدف بارنج "كرومر" في تلك السنوات الأولى من الاحتلال يتمثّل في تخفيض مصروفات الحكومة المصرية لسداد ديونها.

    

اللورد كرومر (مواقع التواصل)

  

كانت دار المعتمد البريطاني أيضا بؤرة للتصرفات التي تُعبّر عما يعنيه الوجود البريطاني عند المصريين، فكان بارنج يستخدم عربة تجرها الخيول يحرسها جنود الجيش البريطاني، وذلك عندما يتوجّه إلى قصر عابدين لمقابلة الخديو أو عندما يذهب إلى محطة السكك الحديدية بالقاهرة لاستقبال شخصية مهمة، أو لحضور العروض العسكرية المعتادة للجيش البريطاني، كذلك أصبحت أسرة بارنج ذاتها على رأس الجالية البريطانية في مصر، تنظم حفلات العشاء والرقص للمستشارين وكبار الضباط وعلية القوم من الإنجليز عند مرورهم بالقاهرة، ولم يُدع إلى تلك الحفلات من أهل البلاد سوى الأرستقراطية التركية - الجركسية، وأفراد قلائل من المصريين، مما جعل دار المعتمد البريطاني قلعة للتضامن الأوروبي عامة والبريطاني خاصة، ورمزا للتصاعد الجديد للنفوذ البريطاني[3].

  

كان اللورد كرومر يحظى بثقة الوزراء الإنجليز، فقد كان مسؤولا عن التنسيق السياسي مع الحكومة المصرية، كما كانت تتم استشارته في أمور السياسة العسكرية بعدما يرجع في ذلك إلى الضابطين البريطانيين الجنرال ستفنسون قائد جيش الاحتلال البريطاني في مصر، والسير إيفلن وود قائد الجيش المصري الذي عيّنه الخديو توفيق على رأس الجيش بعد الاحتلال مباشرة.

  

كرومر.. الحاكم الأوحد في مصر!

على الجانب السياسي خضعت الحكومة المصرية وعلى رأسها الخديو ومجلس النظّار لسياسة اللورد كرومر وأوامره، وكان خضوعا تاما، وبرز في مسألة السودان وحروب الإنجليز وانصياع المصريين لهذه الحروب والمواجهات التي دارت ضد الحركات الثورية السودانية في غرب السودان ضد الوجود البريطاني ومسألة الانسحاب المصري الذي تم بأمر من الإنجليز، وشيئا فشيئا راحت وعود الإنجليز وكرومر بالجلاء تتبخر.

    

عمل اللورد كرومر على تحسين الأحوال المالية لمصر، وهذا الإصلاح كان يُقصد من ورائه دفع أقساط الديون الكارثية التي كان الخديو إسماعيل قد أسقط فيها البلاد

مواقع التواصل
     

ونظرا لضعف تأثير المقاومة والمعارضة المصرية لهذا الحكم الإنجليزي في عقديه اللاحقين، فإن كرومر كان يكتب في تقاريره التي يرفعها للإدارة البريطانية في لندن أن عدم تزعزع الاحتلال في مصر راجع إلى أن المصريين أخذوا يُقدّرون الفوائد التي جنوها من الاحتلال، وأنه بناء على ذلك لم تعد القوة أساس السيطرة البريطانية في مصر، ولكن عاطفة ارتباط حقيقية بين المصريين والبريطانيين[4].

  

عمل اللورد كرومر على تحسين الأحوال المالية لمصر، وهذا الإصلاح كان يُقصد من ورائه دفع أقساط الديون الكارثية التي كان الخديو إسماعيل قد أسقط فيها البلاد، وكانت سببا في المراقبة الثنائية الفرنسية الإنجليزية في أواخر عهده على الحكومة المصرية ومصروفاتها، ثم كانت أحد الأسباب الرئيسة في ازدياد نفوذ الأجانب في البلاد وما تبع ذلك من الثورة العرابية، ثم أخيرا الاحتلال البريطاني القادم بحجة حماية الخديو وحفظ النظام ودفع أقساط الدائنين.

  

ولكي يحقق اللورد كرومر هذا الغرض عمل على فرض الضرائب على الفلاحين المصريين، وهي الطريقة نفسها التي كان يفرضها الخديو إسماعيل لكي يسد نهم حملة السندات من أصحاب الديون، بل روّج اللورد كرومر أن هذه الضرائب التي تُجبى من فقراء الفلاحين هي مجرد أموال قليلة لا تؤثر على أحوالهم، ورأى الإنجليز أن "الضريبة المفروضة على الفلاح المصري ليست فادحة، بل هي في الواقع دون الضريبة التي يؤديها الفلاح الإنجليزي"[5]!

  

    

   

على أن الحقيقة كانت تبرز في تقارير القنصلية، فقد كتب اللورد نورثبروك المندوب البريطاني في مصر للوقوف على شؤونها المالية يقول إلى حكومته في لندن واصفا حال الفلاحين المصريين تحت إصلاحات "كرومر" بأنهم "قوم يعيشون في أكواخ من الطين، فإذا خرجوا منها خرجوا وهم يكادون يكونون عراة الأجسام، وإذا تبلَّغوا بشيءٍ من الزاد فليس بغير خبز الذرة والبصل؛ ذلك بأن قيمة حاصلاتهم الاسمية لا تكاد تكفي لأداء الضرائب".

  

كرومر في زي الاستشراقي!

كان اللورد كرومر أكبر من مجرد مندوب سامٍ لبريطانيا في مصر، لكي يَضمن بقاءها تحت رحمة الاحتلال إلى أطول فترة ممكنة، متحكما في ثرواتها وجيشها، وضاغطا على فلاحيها بالسياسة ذاتها التي كان ينتهجها الخديو إسماعيل لأخذ الأموال من مُعدمي مصر وفلاحيها، لقد أراد كرومر فوق ذلك أن تسير مصر فكرا وثقافة وتعليما أيضا في نسق السياسة البريطانية، وفي كتابه المهم "مصر الحديثة" نرى رجلا سياسيا في زيٍّ استشراقي استعلائي، يهاجم الإسلام علانية، ويصفُ الدين الرسمي للمصريين بأن نظامه الاجتماعي قد فشل لأسباب كثيرة في زعمه.

      

كتاب "مصر الحديثة" لـ "اللورد كرومر" (مواقع التواصل)

   

يقول: "أول وأهم هذه الأسباب أن الإسلام يضعُ المرأة في وضعٍ مُتدنٍ. ثانيا، أن الإسلام لم يتحدّث كثيرا عنها من خلال القرآن بقدر ما عرف من خلال التقاليد والتفاسير والأحاديث التي تدور حول القرآن"، كما أخذ كرومر على الشريعة الإسلامية ووصفها بالقسوة البالغة في معاقبة اللصوص المسلحين الذين كانوا ينهبون قرى الفلاحين، ويتهم مفتي مصر بأن أحكامه المستقاة من الشريعة نوع من "العقاب المرعب الذي لا يمكنُ لسبب أو آخر أن يكون مفهوما منذ الوهلة الأولى"، وهو يعني بذلك "وحشية" حد الحرابة كما يرى.

  

يذهب كرومر إلى أبعد من ذلك حين يصف الإسلامَ بأنه "ينزعُ بشكل عام إلى الحثّ على عدم التسامح، وتوليد الكراهية والاحتقار ليس فقط للمشركين، وإنما لكل الموحّدين الذين لا يقرون الصيغة التي تقول: إن محمدا هو نبي الله ... ومؤسس هذا الدين صبَّ لعنات الله على كل من لا يُسلِّم بأن وحيه يأتي من السماء، وأن كلامه ينزل على أرض مهيأة، نظرا لأن عددا كبيرا من أولئك الذين اعتنقوا الإسلام هم أشباه متوحّشين غير متحضّرين، وهم في أغلب الأحيان من المتوحّشين المحبين للحرب"[6].

  

تلك هي النظرة الحاقدة على الإسلام التي أعلنها كرومر في مذكراته، وهي التي كتبها في الأصل إلى الأوروبيين من بني جلدته، وقد تعدّت هذه النظرة من الاعتقاد الكامن إلى برنامج عمل استطاع كرومر بكل جهده، وعلى مدار ما يقرب من ربع قرن كان الحاكم الحقيقي فيها لمصر تحت سلطة التاج البريطاني، أن يُغيّر من وجهها الثقافي والمعرفي، ويجعلها تتجه بكليتها صوب المناهج والأفكار والثقافة الإنجليزية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، لعب اللورد كرومر على عدة محاور.

  

السيطرة على الثقافة والتعليم

فكان منها صناعة صحافة عميلة للاحتلال البريطاني، تناطح وتواجه الصحافة الوطنية التي كانت لسان الشعب المصري وأحزابه المناوئة للاحتلال ومشروعه وأهدافه الرامية للسيطرة المطلقة على الثقافة والتعليم والمجتمع والسياسة والجيش والاقتصاد، وكانت صحيفة "المقطم" التي أنشأها كلٌّ من فارس نمر ويعقوب صرُّوف وشاهين مكاريوس سنة 1889م هي المدافع الأول والأبرز عن الاحتلال.

    

جريدة المقطم (مواقع التواصل)
    

حتى إنها كانت تُردد أفكار الحكومة البريطانية حول الجلاء وزمان تحقيقه، عندما يطمئن المحتلون إلى مقدرة مصر على حُكم نفسها، وإدارة عجلة التقدم فيها، فـ "المقطم" ترى أن "منزلة الحكومة البريطانية من أمير البلاد وحكومته منزلة الخِلّ النصوح من خليله؛ فبأي معنى تكون مصر قد فقدت استقلالها، وما الذي خسرته بذلك"[7].

  

بل ذهبت "المقطم" إلى أبعد من ذلك حين كانت تفتّ في عضد المصريين علانية، وتبثّ فيهم اليأس من مواجهة البريطانيين ومقاومة وجودهم على التراب المصري، تقول في إحدى مقالاتها دون استحياء: "إن المحتلين احتلوا هذا القطر ولا يخرجون منه إلا بإرادتهم أو بقوة تفوق قوتهم، وأن لا نفع للمصريين من معاندتهم ومعارضتهم والاستعانة بالدول الأخرى عليهم؛ لأن المعاندة والمعارضة تضرّان بالمصريين ولا تُخرجان المحتلين من القطر؛ ولأن الدول الأخرى لا تحارب المحتلين لتُخرجهم من برّ مصر، وإن مصلحة المحتلين توافق مصلحة المصريين، ولذلك يقصدُ المحتلّون تنظيم أمور مصر وإصلاح حال المصريين، فلذلك يقضي حسن السياسة علينا بمُسالمتهم ومُحاسنتهم ومعاونتهم على إصلاح أحوالنا وإصلاح بلادنا؛ لأن ذلك كله لخيرنا"[8].

  

في مقابل هذه الصحيفة العميلة للاحتلال برزت صحيفة "المؤيد" لسان حال الحركة الوطنية المصرية التي أنشأها رجل من كبار رجالات الثورة العُرابية، بل كان مستشارا لأحمد عرابي، وهو عبد الله النديم الذي فتح أذرعه لكافة رجال الحركة الوطنية مثل مصطفى كامل وغيره ليكتبوا مهاجمين سياسة كرومر في مصر، وأهدافه الاستعمارية الخبيثة.

    

صحيفة المؤيد (مواقع التواصل)

    

على أن أخطر الخطوات التي قام بها كرومر لتأكيد السيطرة البريطانية على التعليم في مصر كان تعيينه لأحد كبار المنصّرين البريطانيين في مصر وهو دوجلاس دنلوب الذي تولى وزارة المعارف لأكثر من ربع قرن، واستقدم فيها المعلمين الإنجليز وأعطاهم مرتبات كبيرة للغاية مقارنة بالمعلمين المصريين، وحرص على سياسة "الجلنزة" بما يعني فرض التعليم في سنواته الإلزامية والإعدادية باللغة الإنجليزية، وحرص أيضا على تغيير المناهج التعليمية بما يتواءم مع أهداف الاحتلال البريطاني والتغريب والتبشير في مصر، والتشكيك في الحضارة الإسلامية وتاريخ الإسلام.

  

من جانبه، التزم اللورد كرومر سياسة التقتير على ميزانية التعليم في البلاد، فعلى الرغم أن ميزانية مصر زادت 4 ملايين جنيه في حدود الربع قرن التي حكم فيها كرومر (1883-1907)، فإن ذلك لم يكن له أي صدى في ميزانية التعليم طوال هذه المدة، حيث ظلت النسبة فيها ثابتة تُقدّر 0.09% من الميزانية العامة للدولة[9]، وهي نسبة شديدة الضآلة لمحور أساسي من محاور قيام ونهضة الأمم مثل التعليم.

  

وأدّت هذه السياسة المقصودة إلى تدهور حال التعليم نتيجة التقتير عليه، فقد زادت الأمية بنسبة 0.5% تحت الاحتلال البريطاني، بل عمد كرومر إلى ما هو أبعد من ذلك حيث أغلق الكثير من المدارس الثانوية والخاصّة والعالية، وكثيرا من المدارس الابتدائية مثل مدرسة درب الجماميز ومدرسة الترجمة ومدرسة الهندسة ومدرسة المعلمين، وفي عام 1889م ألغى المدارس الثانوية في كلٍّ من طنطا والمنصورة والزقازيق وأسيوط وبني سويف[10].

    

   

وإلى جانب إلغاء المدارس قام الاحتلال بإلغاء مجانية التعليم في المدارس كافة حتى يُصبح التعليم ممنوعا على معظم الشعب المصري الذي لا يستطيع أن يدفع مصروفات التعليم، وبلغ من حرص الاحتلال على إلغاء المجانية أن أزمة وزارية كادت تُودي بالوزير سعد زغلول الذي كان يتولى حقيبة التعليم، نتيجة حالة مجانية واحدة منحها سعد سنة 1907م، ولم تتكرر هذه الحادثة بعدئذ حتى عام 1922م، كذلك قتّر الاحتلال على إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج ففي سنة 1888م صدرت الأوامر بألا يُرسل للخارج سنويا سوى تلميذ واحد في العام على نفقة الدولة، وقصر الاحتلال إرسال البعثات على إنجلترا حصرا[11].

  

وقد قاوم دنلوب نشر التعليم العالي في مصر بكل شراسة، وقد سجّل ذلك كرومر في تقريره سنة 1907 "أن إنجلترا لا تريد نشر التعليم العالي في مصر، وأنها لا تريد إلا إعداد جمهور من طبقة الأفندية ليشغلوا الوظائف الثانوية في الحكومة، وأن المصريين لا يصلحون للعلوم العالية، وأن زيادة التعليم تصرف عن فلاحة الأرض وتعود على مصر بالإفلاس".

  

نهاية كرومر

وحين رأى الخديو عباس حلمي الثاني مع اعتلائه عرش مصر سنة 1892م هذه السياسة الاستبدادية التي ينتهجها الإنجليز من خلال اللورد كرومر في مصر فقد مال ناحية التيار الوطني، وبدأ حكمه بالاتصال بالشعب وبتوسيع نفوذه عن طريق الرحلات في المديريات ومقابلة الأعيان والعلماء وتكليفه المختصّين كتابة التقارير عن نظم التعليم والجيش ونحو ذلك، فبدأ شيء من الجفاء بينه وبين كرومر، وحدثت بينه وبين كرومر عدّة احتكاكات حين أقال عباس وزارة مصطفى باشا فهمي في يناير/كانون الثاني سنة 1893م وهو الذي كان صديقا مقربا من الإنجليز، وأزمة الحدود في يناير/كانون الثاني 1894م، لكن كان الخديو ضعيفا يعود فيخضع لإملاءات كرومر.

    

اللورد كرومر والخديو عباس حلمي الثاني (مواقع التواصل)

  

وبسبب هذا الاستبداد والإخضاع لمصر، نشطت الصحافة الوطنية، فاحتضنت جريدة "المؤيد" كتابات مصطفى كامل وخطبه التي أصبحت تعبر عن رغبة الأمة في الجلاء والاستقلال، فكانت "المقطم" لسان الإنجليز تصفه بأنه "الفتى المغرور" و"المأجور المغرور"[12]، وأصبح الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل ذا شعبية هائلة تقض مضجع كرومر وتؤرّقه.

  

كانت حادثة دنشواي سنة 1906م التي شُنق فيها الفلاحون المصريون بسبب دفاعهم عن أرضهم وعرضهم في مواجهة الإنجليز إيذانا بانطلاق شرارة مواجهة كرومر واستعلائه الذي بلغ حدا من الصلف لم يُبلغ من قبل، وكان هذا الهياج الجماهيري، والمطالبة بجلاء الإنجليز، والحصول على دستور للبلاد، سببا في نقمة كرومر، حيث وصف في تقاريره الأخيرة قبل عزله من منصبه الوطنيين بأنهم مستأجرون وآلات يُحرّكها مهيّجون لا ذمم لهم، ولا يُمثّلون غير أقلية مشاغبة، ورغم ذلك وتحت السخط العام، والنقمة التي بلغت أوجها من كرومر وسياسته الاستبدادية قدّم استقالته أخيرا في صيف عام 1907م[13].

     

 إعدام المتهمين بحادث دنشواي (مواقع التواصل)

   

وهكذا، وبعد ربع قرن، استطاع فيها كرومر أن يُخضع مصر عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وتعليميا للإرادة البريطانية، ووفق خطة وأهداف وعمل دؤوب، استطاعت الحركة الوطنية المصرية من خلال زعيمها الشاب مصطفى كامل وجريدة "المؤيد" وطبقات من المتعلمين وعموم الشعب المصري أن تُرغم ذلك المندوب السامي المغرور على التنحي، فخرج من البلاد حسيرا لا قيمة له!

آخر الأخبار