انضم إلينا
اغلاق
جريدة المقطم.. كيف يمكن للصحافة أن تكون أداة في يد المجرمين؟!

جريدة المقطم.. كيف يمكن للصحافة أن تكون أداة في يد المجرمين؟!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

يبدو أمرا بديهيا اليوم في ظل هذا التراشق الإعلامي أن نقول إن الصحافة لم تكن على الدوام أداة نظيفة أو محايدة، فكثيرا ما عُدّت هذه الوسائل أدوات تأثير وهيمنة، واستُخدمت في معارك التشويه وتصفية الخصوم والمنافسين، ولعبت أدوارا يمكن وصفها بـ "القذرة" في الترسيخ لسيادة سلطة الاحتلال والاغتصاب والظلم والتجهيل. بالإضافة إلى ذاك النمط الصحفي الذي يعتمد على الفضائح الجنسية وحملات التشهير، وهو ما يندرج تحت ما يُسمى بـ "الصحافة الصفراء" والتي يندرج تحتها أيضا ذاك النمط الصحفي الذي يهتم بالتشويه والإثارة والاغتيال المعنوي للخصوم.

  

ومن اللافت أن هذا النوع من الصحافة ظهر في فترة مبكرة من تاريخ الصحافة العربية، وفي وقت كانت تواجه فيه الأقطار العربية هجوما مُحكما وقويا من القوى الغربية على مُقدّراتها وأوطانها، ورأت هذه القوى المحتلة أن إنشاء صحافة موالية لها، تتكلم بلسانها، وتُروّج أفكارها، وتعمل على تشويه خصومها من المطالبين بالاستقلال، والمدافعين عن الهوية العربية والإسلامية؛ مفيد لها في معركة بقائها واحتلالها ونهبها ثروات الشعوب، بل باعتباره مانحا لشرعية سياسية واجتماعية وثقافية تعمل على تطبيع هذا الاحتلال، ولذلك عملت القوى المحتلة على دعم هذا اللون من الصحافة "العميلة"، وتأتي جريدة "المقطم" المصرية نموذجا تاريخيا على هذه العمالة للمحتل، ومثالا على واقع لا تزال صحافة التجهيل والتسفيه تسير على خُطاه.

    

الصدور والتوجُّه

  

صدر العدد الأول من جريدة "المقطم" في 24 فبراير/شباط سنة 1889م بواسطة ثلاثة من مسيحيي لبنان، هم فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس، كجريدة "سياسية تجارية غرضها خدمة الوطن، واسمها المقطم، ويكون صدورها يوميا"[1]. وهذا الثلاثي الذي كان يقف خلف إنشاء جريدة "المقطم"، نشأ في أكبر مؤسسات الغرب التعليمية تأثيرا في الشرق الأوسط، وهي الكلية الأمريكية في بيروت، بل إن أحدهم وهو شاهين مكاريوس أوردت بعض المصادر التاريخية ارتباطه بالحركة الماسونية التي كان واحدا من أقطابها البارزين منذ سنة 1874م، وكان بينه وبين رؤساء المحافل الماسونية في أميركا مراسلات وعلاقات ودية قوية للغاية، حتى إنه كان ينشر في جريدته "اللطائف" التي أنشأها في لبنان قبل مجيئه إلى مصر كل ما تشتمل فائدته من الأخبار الماسونية، مع شرح مفصل عن القوانين الماسونية، وحين افتتح "المقطم" في مصر، ظل اهتمامه بنشر أخبار المحافل الماسونية وأنشطتها المختلفة[2] على الدرجة نفسها من الأهمية.

   

ومن هذا المنطلق الفكري لأصحاب "المقطم"، فقد أعلنوا منذ الأيام الأولى عن سياستهم في النشر، فهم سيعملون على تقريب وجهات النظر بين الحاكمين والمحكومين، وسيدعمون بكل قوة موقف السلطة الخديوية في مصر التي كان يحكمها آنذاك الخديو توفيق وهو الذي استدعى الإنجليز لاحتلال مصر والقضاء على الثورة العرابية، أما موقفهم من الإنجليز فقد أثار كثيرا من المآخذ والانتقادات.

    

حيث رأوا أن "المحتلين احتلوا هذا القُطر (المصري) ولا يخرجون منه إلا بإرادتهم أو بقوة تفوق قوتهم، وأنه لا نفع للمصريين من معاندتهم ومعارضتهم والاستعانة بالدول الأخرى عليهم؛ لأن المعاندة والمعارضة تضران بالمصريين ولا تُخرجان المحتلين من القطر؛ ولأن الدول الأخرى لا تحارب المحتلين لتخرجهم من بر مصر، وأن مصلحة المحتلين تُوافق مصلحة المصريين؛ ولذلك يقصد المحتلون تنظيم أمور مصر وإصلاح حال المصريين، فلذلك يقضي حسن السياسة علينا بمُسالمتهم ومُحاسنتِهم ومُعاونتِهم على إصلاح أحوالنا وإصلاح بلادنا لأن ذلك كله لخيرنا"[3].

   

فـ "المقطم" كانت ترى أن "منزلة الحكومة البريطانية من (منزلة) أمير البلاد وحكومته منزلة الخل النصوح من خليله، فبأي معنى تكون مصر قد فقدت استقلالها وما الذي خسرته بذلك"، وأن إنجلترا ستجلو عن مصر متى علمت أن "الأحوال قد استتبت على ما يُرام، فلا يُخشى بعدها من اضطراب داخلي أو طارئ خارجي"[4].

     

      

كل من يعادي الإنجليز عدو!

وحين ارتقى الخديو عباس حلمي الثاني عرش مصر سنة 1892م، بدأ بالتقرب من الشعب ومن الحركة الوطنية، وحاول إقصاء الوزراء المقربين من الإنجليز، واحتك باللورد كرومر، لكن ذلك دفع جريدة "المقطم" إلى الهجوم على الخديو ذاته وهي التي كانت تمدح سلفه وأباه الخديو توفيق لأنه كان مطيعا بصورة مطلقة للإنجليز، فالخديو عباس حلمي في نظرها "واقف للمحتلين بالمرصاد، ويعاملهم معاملة الأعداء، والجرائد المحلية تُحرّض سموه على معاداتهم وتختلق الأكاذيب عنهم، وتُخفي حسناتهم، وتُهيّج الأهالي عليهم"[5].

  

وحين سمح الإنجليز لأحمد عرابي باشا زعيم الثورة العرابية ضد فساد الخديو والتدخل الأجنبي في البلاد، الذي نفاه الإنجليز إلى جزيرة سيلان لأكثر من ربع قرن، بالعودة للبلاد سنة 1901م ليقضي أيامه الأخيرة في هدوء وراحة وسط أبنائه وأحفاده، فإن الحدث لم يفت عن "المقطم" أن تكتب فيه مقالا كاملا كان عنوانه "عودة الخائن عرابي إلى مصر"!

  

أما مصطفى كامل زعيم الحركة الوطنية، ذلك الشاب الذي دافع عن استقلال مصر، والعلاقات الجيدة التي يجب أن تستمر مع العثمانيين، وهجومه المستمر ضد كرومر والإنجليز، فقد كان في نظر أصحاب جريدة "المقطم" "الفتى المغرور"، و"المأجور المغرور"، "ويا ذل البلاد التي يقوم أمثال مصطفى كامل فيها مقام الذائد عن حقوقها، والمطالب باستقلالها"، وتهاجم "المقطم" الحزب الوطني الذي كان مصطفى كامل زعيما له بأنه "حزب التعصب الأعمى الذي تسمونه الحزب الوطني، والذي قال عنه ولد الخيبة والندامة مصطفى كامل إن تياره في ازدياد كل يوم، ولم يخجل أن يدّعي بأن سموّ الخديو أوجده"[6].

     

مصطفى كامل زعيم الحركة الوطنية (مواقع التواصل)

   

لم تترك "المقطم" حادثة إلا وأبرزت مدى تواؤم سياساتها مع الإنجليز، وحين وقعت حادثة دنشواي الشهيرة، والتي هاجم فيها بعض ضباط الإنجليز حمام فلاحي قرية دنشواي بالمنوفية، وأصابوا امرأة وغفيرا ببنادقهم، ثم تطور الأمر فهاج الناس، وهرب الإنجليز وقُتل منهم ضابطا نتيجة ضربة شمس، والعقوبات المروعة التي ارتكبها الإنجليز بحق 21 رجلا من أهل القرية وإعدام خمسة أبرياء منهم، رغم هذا، فإن "المقطم" ألقت اللائمة على الفلاحين، واعتبرتهم متأثرين بما يُكتب في "الجرائد الوطنية، فهم يعتقدون أن هذه الجرائم تنطق بلسان الوطنيين وتُفصح عن ضمائرهم"[7].

  

على الجانب الآخر تصف هذه الجريدة الضباط الإنجليز المعتدين على أملاك الفلاحين المصريين وأجران قمحهم وأبراج حمامهم بأنهم ابتعدوا "عن الشر، وحبهم العجيب للمسالمة، وخلوص طويتهم، وصفاء نيتهم إلى حد لا يكاد يُصدّق، والحقيقة الثانية أن أهل دنشواي فعلوا حينئذ فعلا يجلّ عنه أهل الشرق، ولا يليق بأبناء مصر سليلة العرب الكرام"[8].

  

ورغم هذه التحيّزات الفاضحة لجريدة "المقطم"، فإن مصطفى كامل ما كاد يسمع عن أنباء حادثة دنشواي وهو يتلقى العلاج من وهنه ومرضه في فرنسا، إلا وطرح فراش المرض، وخاطب الأوربيين في كل صحفهم الكبرى ومحافلهم عن جرائم الإنجليز التي طالت حتى الفلاحين الضعفاء المسالمين في قُراهم، حتى إن مصطفى كامل سافر إلى لندن عاصمة المحتلين، والتقى بكبار رجالاتها من الأحزاب الموالية لسياسة الاعتدال وعدم الاعتداء، فضلا عن الجاليات الإسلامية فيها، وترتب على هذا النشاط اشتعال حرارة النضال الوطني في مصر وخارجها، وازدادت قوة الوطنيين المصريين، ورضخت له بريطانيا في نهاية المطاف حين أعلن اللورد كرومر استقالته من منصبه الذي دام ربع قرن حكم فيها مصر بالحديد والنار، ومثّل فيها دور الطاغية المتجبر.

    

 اللورد كرومر (مواقع التواصل)

    

كانت هذه الاستقالة سببا لحزن "المقطم" وأصحابها، وباعثا لها لزيادة هجومها على الوطنيين المصريين وفي مقدمتهم مصطفى كامل، تقول: "لا ريب أن استعفاء اللورد كرومر يسوء أهل القطر المصري عموما، حتى الذين يتباهون في هذه الأيام بالتطاول عليه، ويفتخرون بالوقاحة وقلة الأدب في توجيه أقوالهم إليه، ولكن ما يُخفف على المصريين ألم هذا التغيير أن الذي حلّ محله إنما هو تلميذه الذي ربي في كنفه"، وتقصد السير "الدون جورست" المندوب السامي الذي خلف كرومر.

  

ويظهر غضب أصحابها الشديد حين يعلمون بفرح المصريين وزعماء حركة مقاومة الاحتلال البريطاني، وتصفهم بأنهم "هجّاصون" يحاولون إيهام الناس بأنهم كان لهم يد في إقالة اللورد كرومر وإقصائه عن مصر، وبعد وفاة مصطفى كامل في فبراير/شباط 1908م، وارتقاء محمد فريد مكانه في زعامة الحزب الوطني والمطالبة بالدستور والبرلمان، فإن "المقطم" تسير على النهج ذاته بالهجوم على الزعيم الجديد للحركة الوطنية، بل وتُجري حديثا صحفيا مع المندوب السامي الجديد جورست الذي يعلن فيه أن مصر غير مهيأة لنيل الدستور، وإقامة حكومة نيابية؛ لأن درجة ارتقاء الأهالي في العلم والمعرفة لا تسمح لذلك[9]! وحين اتفق الإنجليز مع الخديو عباس حلمي بإطالة أمد امتياز قناة السويس، وهو الأمر الذي عارضته الحركة الوطنية والحزب الوطني، تدخلت "المقطم" كعادتها للدفاع عن مصالح أسيادها، لكن هجوم جريدة "اللواء" لسان الحزب الوطني استطاع أن يُخرس "المقطم" في هذه المسألة، بعدما اتهموهم بأنهم "مأجورون".

   

النهاية

عاشت تلك الجريدة عمرها تقول إن احتلال الإنجليز لمصر خير من استقلالها، ولا همّ لها إلا ذكر عيوب المصريين في مقابل التغاضي عن جرائم الاحتلال الإنجليزي وعدم السماح بنشر شيء عنها، وكان هدف أصحابها الأول رضا المحتل ومن يدورون في فلكه من كبار الساسة والعسكر، فاتخذت مع الوقت عداء جماهير الحركة الوطنية وزعمائها مثل الشيخ علي يوسف صاحب جريدة "المؤيد"، وجريدة "الأستاذ" لصاحبها عبد الله النديم، والزعيم مصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم، وطالما هُوجمت هذه الجريدة من الوطنيين المصريين وصحفهم التي ناضلت لإجلاء الإنجليز وإقامة حياة سياسية سليمة، وإنشاء دستور للبلاد، وتحقيق الحرية المنشودة.

    

جريدة المؤيد (مواقع التواصل)

  

ففي جريدة "الأستاذ" لصاحبها عبد الله النديم أحد كبار رجالات الثورة العرابية، نراها تصف القائمين على جريدة "المقطم" بـ"الأُجراء" الذين "التزموا في جريدتهم اليومية تنفير الأمة، وتحسين الاعتراف بسلطة الغير، والتلويح بما يشفّ عن سوء مقاصدهم في الجانب الخديوي، والتزموا ترجمة أوهام مستأجريهم التي توهم الوعيد والتهديد ليظهروا للأمة وهن المسند الخديوي، وقوة مستأجريهم"، وهم بالنسبة للإنجليز "عبيدهم الواقفون على أعتابهم، وخدمهم المخلصون، وجواسيسهم الناقلون، وتراجمتهم المتبرعون"[10].

  

ظلّت "المقطم" على منوالها في الهجوم على الحركة الوطنية، وخدمة للاحتلال البريطاني، وقريبة الصلة بالقصر، حتى إن كريم ثابت الصحفي والمستشار المقرب من الملك فاروق عمل رئيسا لتحريرها في فترة الأربعينيات، وفي نهاية المطاف حين قامت ثورة يوليو، أوقف مجلس الثورة الدعم الحكومي للجريدة بمنع الإعلانات بها، والتضييق على صحفييها، حتى كان عددها الأخير في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1952م، بعد أربعة وستين عاما من صدورها، شاهدة على أسوأ ما يمكن أن تقدمه الصحافة خدمة للعمالة والاستبداد والظلم!

آخر الأخبار