انضم إلينا
اغلاق
"الإسطوغرافيا": رهاب الخارج ونظرية المؤامرة في السياسة الخارجية لإيران

"الإسطوغرافيا": رهاب الخارج ونظرية المؤامرة في السياسة الخارجية لإيران

نور الدين دغير

مراسل الجزيرة
  • ض
  • ض

كثيرًا ما تكون العودة إلى التاريخ بشقيه، المروي الذي ينبني على وقائع حقيقية أو الأسطوري، ضرورة للتعرف بشكل كبير على أي مجتمع ونمط تفكيره. ويجد هذا الأمر مكانه ومصاديقه في العلوم السياسة والعلاقات الدولية اليوم، وهو ما يتيح فهم السلوك السياسي لأية دولة وصياغة استراتيجية للتعامل معها تأخذ بعين الاعتبار كل تلك المعطيات التاريخية. وقد يبدو ما سبق مطلبًا ملحًّا للدول الجارة لإيران، فإيران لديها تاريخ حضاري مليء بالأحداث التي تنعكس بشكل مباشر على سلوكها سواء المجتمعي أو السياسي والثقافي، وفي غياب المعرفة الدقيقة بتفاصيل تلك التطورات والاعتماد فقط على المحدثات من المواقف السياسية (وهو ما يحدث حاليًّا)، يسهم ذلك التاريخ الحضاري في إيجاد جو يسوده سوء الفهم بين الطرفين وينجم توتر ينعكس سلبًا على العلاقة بين إيران وجيرانها وعلى المنطقة برمتها. 

   

يقول ما سجله التاريخ: إن إيران مرَّت بأحداث تاريخية صعبة واحتلالات أسهمت على مدى قرون بتشكيل صيغة علاقتها مع الخارج، فالموقع الاستراتيجي لإيران جعلها منذ مطلع التاريخ إلى اليوم محطَّ اهتمام القوى الكبرى التي سعت لإخضاعها لسلطتها أو التنافس عليها، وقد صور التاريخ القديم والحديث كل تلك الأحداث وتفاعلاتها في الواقع الإيراني. 

  

نحاول في هذه الدراسة استنطاق جزء من ذلك التاريخ الأسطوري والحديث في محاولة لفهم حالة الحيطة والحذر كصفات ملازمة للشخصية الإيرانية، وهو ما بدا واضحًا في السياسة الخارجية لإيران خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع القوى الكبرى، وكيف أن الموروث الإيراني انعكس على بيئة صناعة القرار السياسي وفي صياغة رؤية أو استراتيجية تحكمها كل تلك المحاذير. لم يتم التطرق في هذه الدراسة إلى التأثير الديني في شقِّه الإسلامي الشيعي على السلوك السياسي الإيراني وهذا الأمر أصبح مهمًّا بشكل كبير خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، لقناعة الباحث بأنه يحتاج إلى بحث خاص به. 

   

إيران: السياسة والتاريخ

  

يشكِّل الموروث الثقافي والتاريخي أحد المكونات الأساسية في صياغة رؤية أي مجتمع ودولة للآخَر وفي التعامل معه، وشكَّل هذا الموروث في كثير من الأوقات الرافد الأساس للسلوك السياسي الذي يستمد بعض ملامحه من ثنايا التراث ويبرز بشكل ما في سلوكيات الدول والمجتمعات. وتعتبر العودة إلى الموروث ركيزة أساسية في فهم التعامل مع ذلك الطرف، وإيران ليست مستثناة من ذلك، ويمكن الجزم بأن الموروث التراثي والثقافي لها، يشكِّلان أهم روافد رؤيتها للآخر وكذلك المصدر المهم في بناء استراتيجيتها للتعامل مع القضايا التي تعيشها أو مع غيرها من الدول سواء تلك المجاورة لها أو قوى عالمية أخرى.

  

ونجد وزير الخارجية الإيرانية، محمد جواد ظريف، يؤكد في مقال نشره بمجلة "فورين أفيرز" على أن إيران تحظى بعدد من الخصائص التاريخية التي يمكن اعتبارها مصادر فريدة، يمكن الاستفادة منها للوصول إلى التقدم بعيد المدى. وبالوقوف على القرار السياسي أو الموقف السياسي يبرز العديد من النقاط التي تحدد طبيعة علاقة إيران بالآخر، فمن بين المصطلحات التي ترافقت مع السياسة الإيرانية مفهوم عدم الثقة بالآخر وخاصة بالقوى الكبرى في العالم. وكما أن سياسة حياكة السجاد تُعبِّر في كثير من الأوقات عن طول نَفَس الإيرانيين وهو ما ظهر جليًّا في المفاوضات، فهي كذلك تخفي في طياتها الكثير من الحيطة والحذر في التفاوض أو التعامل مع الآخر. وتؤشر شعارات من قبيل "لا شرقية ولا غربية" على أن بناء المواقف في حالات كثيرة يقوم على أساس نزاع ما بين الخير والشر.

  

وسط هذه المصطلحات، تبرز ملامح تلك المعطيات التي قد تكون مرجعًا في بناء رؤية تجاه ملف معين، أو دولة بذاتها أو حتى شخصيات بعينها، على المستوى الداخلي أو الخارجي. ويبقى السؤال المجمل عن ماهية الثقافة السياسية التي يتحرك على أساسها الفاعل السياسي في إيران، وما حدود هذا التفاعل، ويمكن وضع كل ذلك الفعل السياسي الذي تبلور تاريخيًّا في دائرة رسمها الموروث الثقافي والتاريخي لإيران فيما يمكن أن نصطلح عليه بـ"رهاب الخارج" (xenophobia)، أو بصيغة أخرى، والتي قد تشكِّل أحد تمظهرات رهاب الخارج، وهي: "نظرية المؤامرة". وسنحاول في هذه الدراسة البحث في جذور الرؤية الثقافية التي تحكم السلوك السياسي وحتى الاجتماعي في إيران، وما تأثير المخزون الثقافي الإيراني في ذلك. 

   

ومن المؤكد أن الملاحم التاريخية التي صورها ديوان شاهنامه الفردوسي (رسالة الملك) وكذلك المخزون الديني لإيران قبل الإسلام وبعده، لعبت جميعها دورًا كبيرًا في تفسير الإيراني للعالم وما يدور حوله وفي إخراج قراءة سياسية أو موقف سياسي يستحضر فيه الماضي في الحاضر في محاولة ألا يسقط في إعادة التجارب التي دفع فيها الثمن غاليًا. ولا شك بأن المخزون الإسلامي وخاصة الشيعي له تأثير كبير في صياغة المخيال السياسي في إيران وهو أمر قد يحتاج لبحث مفصل خاصة في إعادة ربط الديني بالتاريخي الثقافي في إيران وكيف تمت صياغة رؤية دينية لم تبتعد كثيرًا عن المخزون الثقافي التاريخي الإيراني، ويبقى دائمًا البُعد الثقافي التاريخي حاضرًا بقوة في المجال التداولي الديني بإيران.

   

1-إيران ورهاب الخارج

  

لم يكن موضوع علاقة الإيرانيين بشكل عام مع الخارج أمرًا بعيدًا عن التحليل والقراءة منذ زمن ليس بالقريب، وتحديد طبيعة هذه العلاقة، وما يثير في عدد من الدراسات هو الإشارة إلى مسألة "رهاب الخارج" أو "وهم المؤامرة" التي يرى عدد من الباحثين أنها تؤطِّر السلوك العملي للإيرانيين، وأن ذلك ناجم بالدرجة الأولى عن المخزون الثقافي والحمولة التاريخية للمجتمع الإيراني في علاقته مع كل ما هو خارجي.

     

نجد ملامح للقضية التي نتحدث عنها في ندوة عقدتها الجمعية الفرنسية للدراسات الإيرانية في طهران تحت عنوان "مكانة رهاب الأجانب في الثقافة الإيرانية"، وإن كان تاريخ الندوة يعود إلى 2007، لكنها جاءت في فترة ارتفع فيها منسوب التوتر بين إيران والقوى الكبرى في العالم خاصة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي بل حتى الحلفاء الأقربون: روسيا والصين، إذ لم يسجِّلا موقفًا داعمًا لإيران في مواجهة الثنائي الأوروبي-الأميركي، وشهدت المرحلة سلسلة من العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ضد إيران.

   

وتعد الندوة من الفعاليات القليلة التي تطرقت لمثل هذا الموضوع، رغم ما يمثله من أهمية في كيفية فهم هذه العلاقة في ظل السياقات الثقافية والتاريخية التي عاشها المجتمع الإيراني. تحدثت في الندوة الدكتورة، منصورة اتحاديه، وهي أستاذة التاريخ بجامعة طهران لتصل إلى خلاصة مفادها أن علاقة الإيرانيين بالأجانب تكون دائمًا مرتبطة بنوع من انعدام الثقة أو الرغبة في التعامل، أما رئيس الجمعية الفرنسية للدراسات الإيرانية، كريستيان بروم بورجه، فرأى أن إحساس الإيرانيين تجاه الأجانب يظل مبهمًا ما بين رغبة في الصداقة مع الآخر والرهاب منه. وأرجع حامد فلادوند، المحقق التاريخي، الأمر في ذلك إلى الهجمات التي تعرضت لها إيران منذ التاريخ القديم إلى اليوم. 

  

إنَّ تكوين أي ذهنية قد ينعكس بشكل واضح على السلوك السياسي للمجتمع والنخبة السياسية، وتكوينها قد تتداخل فيه العديد من المحددات التي تؤطِّر الشخصية الإيرانية، وهذه الشخصية لا يمكن فصلها عن الإطار الديني الذي حكم المراحل التاريخية لإيران وخاصة تلك التي كانت قبل الإسلام ولا يعني ذلك بالضرورة نفي المؤثِّر الإسلامي وخاصة الشيعي في سلوكيات الإيراني، وكذلك التاريخ الروائي للأسطورة الإيرانية وتاريخ روايات الحماسة التي يعتبر ديوان رسالة الملك رافدًا مهمًّا لها، سواء من حيث رسم شخصية الإيراني في مواجهة الآخر، أو رسم بطولاته، أو في تحديد الإطار العام الذي يحكم الاجتماع الإيراني في علاقته بالداخل أو الخارج.

   

2-إيران والثقافة السياسية

يرى إيه إلموند أن الثقافة السياسية هي جزء من الثقافة العامة للمجتمع تنتقل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. وتختزل تركيبة تجمع سلوكيات مختلفة للأفراد

الجزيرة
 

الحديث عن الثقافة السياسية كمفهوم قد يعيدنا إلى الآلية التي يمكن من خلالها تحليل السلوك السياسي لأي مجتمع، مفهوم الثقافة السياسة قد يكون رائجًا ضمن مصطلحات الشأن السياسي والثقافي للدوائر الثقافية العالمية والتجمعات السياسية منذ زمن بعيد، أما مسألة دخول هذا المفهوم في مجال المفاهيم الحديثة في عالم السياسة فيعود إلى خمسينات القرن الماضي مع "غابرييل-إيه إلموند" (GabrielA .Almond) الذي تناول مفهوم الثقافة السياسية كبعد من أبعاد التحليل السياسي. يرى إيه إلموند أن الثقافة السياسية هي جزء من الثقافة العامة للمجتمع تنتقل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية.

    

وتختزل هذه الثقافة السياسية تركيبة تجمع سلوكيات مختلفة للأفراد، قد تشمل القيم والمشاعر والمعلومات والمهارات، كل هذه التركيبة تشكِّل ثقافة الأمة السياسية التي تؤثِّر على تصرفات المواطنين والقادة. ورغم أن إلموند يفصل بين مفهومي التأهيل الاجتماعي والتأهيل السياسي إلا أنه يعتبر الأول يرسم معالم الثاني في إيجاد ثقافة سياسية تتحكم في سلوكيات المجتمع أو الأمة لذا فهو يرى أن التأهيل الاجتماعي هو الطريقة التي يتعرف بها الأطفال على قيم وتوجهات مجتمعهم، والتأهيل السياسي هو جزء من هذه العملية وهو إحدى الطرق التي ينقل بها جيل معاييره ومعتقداته السياسية إلى الأجيال القادمة. والحديث عن الثقافة السياسية لأي مجتمع يمكن أن يكون أساسًا لفهم السلوك السياسي للمجتمع الإيراني واختلافه عن بقية الشعوب الأخرى، لأنه عند الحديث عن إيران نتحدث عن حضارة تجاوز عمرها آلاف السنين وراكمت الكثير من التجارب التي ألقت بظلالها على سلوكيات المجتمع سواء في الداخل أو في التعاطي مع ما هو خارجي.

   

3-إيران: المجتمع والهوية الثقافية

في الحديث عن بنية الهوية الإيرانية يتم استحضار الهوية المجتمعية للتركيبة البشرية التي تشكِّل المجتمع الإيراني والتي لا يمكن فصلها عن التداخلات التاريخية والثقافية الجغرافية، فتأسيس الهوية بشكل عام يُبنى على أساس الوقائع الموجودة، المتوارثة منها أو المستحدثة بحسب عامل الزمن والظروف بهدف الحفاظ على استمرارية القيم، وكل هذا يتأطر من داخل المجتمع والعضوية فيه وهو أمر ضروري، لأن أفراد المجتمع هم الناقلون الأصليون لهوياتهم الاجتماعية.

  

وهناك الكثير من المفاهيم التي تحدد الإدراك الجماعي من قبيل الدولة والمجتمع والمخيال القصصي. وبنية الهوية لأي مجتمع تنبني بشكل أساس على المخزون التاريخي وتتمظهر في سلوكيات الأفراد والمجتمع. وفي إيران، قد تتجلى هذه البنية الهوياتية في مجال التفكير الذي يفصل الإيراني عن الآخر وكذلك في العمل السياسي. وإيران كواحدة من أهم الثقافات القديمة فإن الوسيلة التي كانت متبعة في تلك الثقافات في بناء الشخصية والتربية تتمثل في سرد قصص الملاحم والبطولات، وإلى اليوم لا يزال الحكواتي المتمرس على رواية بطولات ديوان شاهنامه أحد العناصر الثقافية البارزة في إيران. وهنا، نتحدث عن قصص ملاحم وبطولات، وبحسب "إلسايدر ماكنتاير" فالملحمة وقصص البطولات ليست مجرد مرايا بسيطة للمجتمع بل إن تلك القصص توفر فعليًّا الذاكرة التاريخية والمجتمعات البطولية، بشكل عام، لها وضعية محددة تحديدًا جيدًا يمكِّن من معرفة أي غريب يصل إليها.

  

  

إن محاولة فهم المجتمع البطولي تعتبر عاملًا ضروريًّا لفهم المجتمع في صورته الحالية. لذا، قد تكون العودة إلى قصص الملاحم والبطولات التي تم تصويرها في التراث الإيراني سواء تلك المعبَّر عنها في شاهنامه للفردوسي أو السلوكيات والأخلاقيات التي تمثَّلت في الطقوس الدينية في إيران أمرًا مهمًّا لرسم صورة حقيقية للسلوك الإيراني حاليًّا سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي؛ إذ إن العمل الجمعي الإنساني يأتي من خلال عرف أو تقليد أو ثقافة متوارثة كما أن مصير الفرد مرتبط بمصير الجماعة التي تمنحه هويتها.

   

4-المحددات الثقافية للمجتمع الإيراني:

بالوقوف على المدرسة السياسية "لغابرييل إلموند" والتي تؤسس لمفهوم الثقافة السياسية من خلال التأهيل الاجتماعي والتأهيل السياسي، وعلى الدور الاجتماعي والمجتمع في صياغة الرؤية والهوية كما حددها "السدير مكانتير" (Alasdair MacIntyre) وهو أحد أبرز رموز المدرسة الجماعاتية (Communitarianism)، يمكن أن نرسم تصورًا للمحددات الثقافية للمجتمع الإيراني وكيف تتفاعل هذه المحددات في صياغة رؤية مجتمعية تنعكس على الموقف السياسي والرؤية للآخر في إيران. يمكن تقسيم البنية الهوياتية والثقافية للمجتمع الإيراني إلى ثلاث مراحل أو طبقات متمايزة في الشكل:

   

1-مرحلة إيران قبل الإسلام، والتي ترتبط بالأساس بالحضارة الإيرانية القديمة. 

2-إيران بعد الفتح الإسلامي، وترتبط بالتراث الثقافي الإسلامي. 

3-وهناك الشق الأخير الذي يتعلق بالثقافة المعاصرة المرتبطة بالمتغير الحضاري الجديد، والتدخلات الغربية في الشأن الإيراني.

   

إذن، نحن هنا أمام ثلاث محطات ثقافية قد تكون متمايزة في الشكل وتحاول التفاعل مع هوية إيرانية واحدة، وفي ظل هذا التمايز فإن المكوِّن الحضاري القديم يبقى عابرًا للزمن وحاضرًا في التصور الفكري للإيراني حتى في الوقت الحاضر، فقد شبَّه المرشد الإيراني، علي خامنئي، "إسفنديار"، وهو أحد أبطال ديوان شاهنامه "رسالة الملك" للفردوسي بأحد الشباب الحزب اللهيين -أي الشباب المؤمنين بالثورة الإيرانية وقيمها- كما أن ديوان رسالة الملك وشخصياته البطولية وملاحمه حاضرة بشكل كبير في المخيال الثقافي للمجتمع الإيراني. هذه الهوية التاريخية للمجتمع الإيراني تؤسِّس لمفاهيم مشتركة تميز إيران بشكل واضح عن بقية الشعوب، وتحدد المكونات الأساسية للثقافة السياسية في:

-النظرة إلى الداخل السياسي.

-النظرة إلى الآخر ومحددات العلاقة معه.

  

5- ماهية رهاب الخارج

بالحديث عن الثقافة السياسية في إيران ومنشأها ودور الشق الاجتماعي والتاريخي في ذلك، نصل إلى تحديد المنطلقات الأساسية التي تؤطِّر مفهوم رهاب الخارج الذي قد يشكِّل جزءًا من الحالة التي يرشح عنها الموقف السياسي لإيران ونظرته للآخر، ويمكن وضع ذلك في عاملين رئيسيين:

  

   

  

-المخزون الثقافي من خلال الرجوع إلى الذهنية الثقافية للإيرانيين سواء على مستوى التأطير الديني للمجتمع أو من خلال الموروث الثقافي، وما أنتجته الملاحم الإيرانية. وهذه المحددات المذكورة قد تشكِّل تجليًا عمليًّا للموروث الديني الإيراني والذي يركز في جوانبه العقائدية على مفهوم الثنائية وصراع الخير والشر أو الصراع الذي عبَّر عنه زرادشت بين "أهوره مزده" و"أهريمن"، وهذه المواجهة تبرز بشكل جلي في الترانيم التي تعرف بـ"غاتا " وتشمل أحاديث زرادشت وتشكِّل القسم الأكبر من كتابه "أفيستا" وفي كثير منها يدعو إلى مواجهة الكفار والشياطين، وأن الهدف من مواجهتهم هو الوقوف في وجه سلوكياتهم الخشنة التي تستهدف الناس والزرع. ويعبِّر زرادشت كذلك عن هذه الثنائية كون "أهوره مزده" خلق بقدرته العالم لمواجهة أهريمن، وقد تأثرت الذهنية الإيرانية بالأسطورة وأصبحت الثنائية أحد مكونات هذه الأسطورة بالحديث عن أهوره مزده، الذي خلق العالم، وأهريمن، الذي زرع الشر في العالم. وشكَّل هذا الصراع بنية لأيدلوجية في التفكير الإيراني انعكست في التعامل مع الآخر. 

    

لا يمكن كذلك تجاهل ديوان رسالة الملك للفردوسي فقد وصفها الدكتور "مير جلال الدين كزازي" بالعهد القديم للإيرانيين؛ حيث إن العهد القديم تطرق ووضَّح مصير الشعب اليهودي، فيما رسالة الملك فتحت المجال للتعرف على القوميات الإيرانية، وهي تُظهر سلوك وأعمال الإنسان الإيراني. وقد تزامن تأليف ديوان رسالة الملك للفردوسي مع بداية محاولة إحياء التراث الفارسي في ظل حكم السامانيين بين 819 إلى 1000 ميلادية. ويتضح جليًّا تأثيرها من خلال الوقوف عند المراحل الزمانية التي يحددها الديوان، فبحسب أغلب الباحثين ينقسم الديوان إلى ثلاثة أقسام، وهي:

    

-المرحلة الأسطورية، وتبدأ من بداية الخلق.

-قصص البطولات والملاحم، وتحكي عن بطولات الإيرانيين في مواجهة منافسيهم سواء آسيا الوسطى أو شرقها. 

-المرحلة التاريخية، والتي تبدأ مع هجوم الإسكندر المقدوني وبقية الأمم الأخرى التي هاجمت إيران.

-المخزون التاريخي: وفي هذا المجال، يمكن الوقوف على التجارب التاريخية التي مرَّت بها إيران سواء تلك التي عالجها ديوان رسالة الملك، في رسم معالم الهجمات التي تعرضت لها إيران تاريخيًّا أو من خلال علاقة إيران مع الآخر خلال القرون الأخيرة أو ما يمكن أن نصطلح عليه بالمكون التاريخي المعاصر، وكيف كان تدخل تلك القوى في الشأن الداخلي لإيران، وهو ما يرفع من مستوى حساسية إيران في التعامل مع الخارج.

   

6-الأسطوغرافيا الإيرانية والتأسيس لرهاب الخارج

الحديث عن الأسطوغرافيا الإيرانية يراد منه الوقوف عند العديد من المحطات التاريخية سواء منها القديمة أو المعاصرة كأحداث تاريخية ومعرفتها. بمعنى آخر، القيام بدراسة معرفية لتلك الأحداث التي تشكِّل الوعي الجماعي للمجتمع وما يمكن أن ينتج عنه من قيم وسلوكيات، وفي ذلك محاولة لإعادة امتلاك التجارب التاريخية وإحداث حالة وصل بين الماضي والحاضر في هذا السياق فإن النظرة إلى التاريخ الإيراني سواء بشقيه، الأسطوري أو الحديث، تجرنا إلى البحث في الأسطوغرافيا الخاصة به، والبحث بشكل خاص عن السلوكيات التي حكمت الإيراني في تعامله مع الآخر، وكيف تعامل الآخر مع إيران.

   

• التاريخ الأسطوري

   

أسلفنا سابقًا أن ديوان "شاهنامه" للفردوسي يشكِّل مرجعًا أساسيًّا لفهم ثقافة وسلوك الإيرانيين، ويعكس معه ذلك الصراع بين إيران وما يصطلح عليه "بانيران" أي الأجانب عنها منذ بداية تشكيل الكيان الإيراني؛ حيث تشير الأحداث كما سيتناقلها التاريخ الإيراني إلى بداية المؤامرات للسيطرة على إيران، فديوان "رسالة الملك" لا يخلو من تفاصيل معارك المواجهة بين الإيرانيين والتورانيين، أي الشرقيين، وما يمكن أن يُصطلح عليه بالصين اليوم علمًا، بأن الفردوسي كان يشير إليهم بالأتراك، وهذا قد يكون ربما إشارة إلى القبائل التركية التي كانت تقطن شرق آسيا، وكذلك الصراع مع الروم. وتبقى قصة الملك "إيرج" وصراعه مع الملك تور (التورانيين، الصين) والملك سلم (الروم، اليونان) أحد تفاصيل هذا الصراع التاريخي لإيران مع الشرق والغرب ففي خلال هذه الفترة تمايَزَ -بحسب الأسطورة- المجال الجغرافي الإيراني عن أرض الشرق والغرب وهو ما أكسب إيران هويتها القومية مع الملك "إيرج" في مواجهة الهوية اليونانية الرومية التي يمثِّلها سلم، والهوية الشرقية التي كان توران ممثلها، وتحاول الأسطورة أن ترسم للملك "إيرج" شخصية وسطية معتدلة وهي الآلية التي جعلها الإيراني أرضية في مواجهة الغرب والشرق وأسست لها الأسطورة الإيرانية. تستحضر الأسطورة في إيران كيف أطاح الإسكندر المقدوني بالدولة الإخمينية، وكيف تآمر مع أرسطو الفيلسوف على ضرب النسيج الاجتماعي الإيراني وتأسيس الطوائف.

   

ولا يحضر الآخر في الأسطورة الإيرانية إلا وتحضر معه المؤامرات والتخطيط لاستهداف إيران، فهناك بالتأكيد استحضار لمقتل "سهراب"، وهو أحد الأبطال الأسطوريين في إيران على يد والده "رستم"، وهو أبرز الأبطال في التاريخ الأسطوري الإيراني حينما أخفى أعداء إيران (التورانيون ) عن "سهراب" هوية أبيه بهدف التغلب عليه، وما يمكن أن يعقب ذلك من السيطرة على إيران.             

  

سياسيًّا، يمكن الحديث من خلال الأحداث الأسطورية سالفة الذكر عن رسم صورة للعالم الخارجي في تعاطيه مع إيران، صورة تقوم على محاولة إخضاع إيران لسياسة المحاور (شرق أو غرب)، وهو ما يقف التاريخ الأسطوري في مواجهته وإعطاء كيان مستقل لإيران بهوية متمايزة عن الآخر، فيما تظل السياسة الإيرانية تتعامل بحذر مع المعلومات القادمة من الخارج فقد يكون دورها ينحصر في شقين: الأول: هو تمريرها من أجل إخضاع إيران للآخر. والثاني بهدف إحداث خلخلة في النسيج الداخلي الإيراني، وقد تلخص قصة "رستم وسهراب" ذلك بوضوح تام. 

     

ولم يغب الجوار الإيراني عن الأسطورة الإيرانية، وتبدو شخصية "الضحاك" أبرز تلك الشخصيات؛ فقد تحول إلى شخصية شيطانية في التاريخ الأسطوري الإيراني فهو الأجنبي الوحيد في تلك المرحلة الذي استطاع أن يتحرك من جزيرة العرب للسيطرة على إيران، وتمكن من ذلك، فصُنِّف ضمن القوى الشيطانية التي كانت في خدمة "أهريمن"؛ ما يرفع من حساسية المخيال الاجتماعي تجاه كل قادم من الضفة الأخرى من المياه الخليجية خاصة إذا كان يتحرك على أرضية الغزو والسيطرة. لكن هناك صيغة أخرى للتعامل مع العرب يرسمها التاريخ الأسطوري الإيراني حينما يتحدث عن العرب كأحد أسس الجيش الإيراني في مواجهة الشرق (التورانيين) وذلك خلال مرحلة الملك كيخسرو، الذي استطاع تثبيت الإمبراطورية الإيرانية. والأسطورة هنا تبحث مجالين في تعامل الإيراني مع جواره: حذرًا شديدًا تجاهه إذا ما كان يشكِّل تهديدًا له ويكون بذلك جزءًا من القوى الشيطانية التي تتربص بإيران، أو القبول به كمنخرط في الفعل الإيراني والتماهي معه لمواجهة القوى الأخرى التي تتحرك ضد إيران.

      

ويمكن تلخيص التاريخ الأسطوري لإيران على النحو التالي:

-المواجهة بين إيران و"بانيران" منذ بداية تشكيل الكيان الإيراني، ومعه بدأ رهاب الخارج ونظرية المؤامرة والنظر إلى الآخر كعدو يريد السيطرة على إيران. 

-مؤامرة توران وسلم (الشرق والغرب) ضد "إيرج" (إيران).

- حكاية رستم وسهراب -حكاية الضحاك والجوار العربي لإيران-.

-هجوم الإسكندر المقدوني والإطاحة بالإمبراطورية الإيرانية.

  

• إيران والآخر في التاريخ الحديث

  

في التاريخ الإيراني المعاصر، يعتبر القرن التاسع عشر بداية لحقبة جديدة لتعامل إيران مع قوى خارجية أثَّرت بشكل كبير على سياستها الداخلية وأصبحت سياسة تلك الدول تشكل هاجسًا للإيراني. ويحضر في هذه الحقبة عدد من الدول، وهي: فرنسا، وبريطانيا، وروسيا، وحديثًا الولايات المتحدة الأميركية، ولعبت سياسة تلك الدول تجاه إيران وما يمكن اعتباره مؤامرات مورست ضدها، دورًا كبيرًا في تقوية الرؤية المبنية على الخوف من الآخر لدى الإيرانيين، كما عززت لديهم وقوَّت الاعتقاد بمفهوم ونظرية المؤامرة، ففرنسا لم تحترم معاهدة فينكنشتاين (treaty of finckenstein ) التي وقَّعتها مع إيران عام 1807، بعد أن وقَّعت معاهدة أخرى مع روسيا تحمل اسم معاهدة تيلسيت (traety of Tilsit ) في العام ذاته والتي فتحت الباب لروسيا للسيطرة على أراض إيرانية. 

   

وقد تشكَّلت لدى الإيراني ذاكرة تاريخية سيئة بشأن الآخر بعد تعرضها لهجوم روسي في الشمال، وبريطاني في الجنوب، وعثماني في الغرب. وقد اشتد هذا الموقف من القوى الأجنبية بشكل كبير بعد عام 1907 حيث تحولت إيران وقتها إلى دولة شبه مستعمرة مقسمة سيادتها بين روسيا وبريطانيا. وتحضر في الذاكرة الإيرانية كذلك معاهدة 1919 مع بريطانيا، وبعدها الانقلاب الذي حركته بريطانيا في إيران عام 1921. ومن اللافت أن هذا الخوف والشك كان يخامر حتى حكام إيران ممن ربطتهم علاقات وثيقة بالغرب، فأسد الله علم، رئيس الوزراء في عهد محمد رضا بهلوي، ينقل في مذكراته أن الشاه كان شديد الشك في بريطانيا وأنها مسؤولة عن جميع ما يقع في البلد. أما المؤامرات الروسية فكثيرة تفاصيلها في إيران تبدأ من رسالة منسوبة للقيصر الروسي، بطرس الكبير، تشير إلى سعي روسيا السيطرة على المياه الدافئة في الخليج، وكذلك انزعاج إيراني من تحركات ستالين للسيطرة على أذربيجان وكردستان عام 1945، فضلًا عن الذاكرة الإيرانية التي لم تنس أن الروس هاجموا ضريح موسى الرضا، الإمام الثامن للشيعة الإمامية، عام 1912، وسعيهم لإفشال الثورة الدستورية.

   

الولايات المتحدة الأميركية ظهرت كذلك في المجال السياسي الإيراني، وإن كانت بعض المظاهر الشعبية تُظهر نوعًا ما تأثر المواطن الإيراني بتقليد النموذج الأميركي، أما على مستوى المخيال الاجتماعي الإيراني فقد أصبحت الآخر الجديد الذي يشكِّل نموذج الخارجي الذي يستهدف إيران وذلك بالعودة إلى تدبيرها للانقلاب الذي أطاح بحكومة مصدق، 1953، ناهيك عن العلاقة المتشنجة والعداوة القائمة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979.

       

  

يتيح المزج بين التاريخ الأسطوري والتاريخ الحديث تركيب صورة متكاملة يتداخل فيها الماضي والحاضر ويحدد لنا بشكل واضح السلوك الإيراني في العلاقة مع الآخر على أساس الحيطة والحذر في أي تعامل معه والقاعدة في ذلك لا تخرج عن مبدئين: الأول: رهاب الخارج، والثاني: نظرية المؤامرة. هذه المحددات تنعكس على السلوك المجتمعي في إيران وبدرجات أكبر على مستوى السلوك السياسي للنخبة الحاكمة.

    

7- أبعاد وآثار رهاب الخارج

• العلاقة بالشرق والغرب

لم تكن علاقة إيران بالشرق والغرب هادئة أو تنبني على ود أو تعامل على أساس الاحترام المتبادل سواء ما صوَّره التاريخ الأسطوري أو التاريخ الحديث، التاريخ الأسطوري صوَّر صراعًا بين إيران "إيرج" من جهة، والشرق "توران" والغرب "سلم" من جهة أخرى، ونجد صورًا أخرى من الصراع مع شعوب مختلفة، فيما يحكي التاريخ الحديث ما شهدته إيران من تنافس للقوى الكبرى على أرضها، وهو ما شكَّل حالة نفسية في إيران تجاه كل ما هو أجنبي وخاصة إن كان صاحب نفوذ وسلطة، فالرؤية العامة والأولى التي أصبحت تحكم التعامل الإيراني مع القوى الأجنبية تتحرك على قاعدة الحذر اللازم تجاه تصرفاته وأن هناك مؤامرة قد لا تكون ظاهرة في العلن وتعمل في الخفاء على إخضاع إيران. وأصبحت مسألة رهاب الخارج تفرض سيطرتها على الذهنية الإيرانية وتحمِّل الخارج المسؤولية عمَّا يمكن أن تشهده البلاد من مشاكل.

  

وفي ظل الثنائيات المتصارعة في الأسطورة الإيرانية ما بين الخير والشر، تبرز مقولة الشيطان (أهريمن) الذي يواجه الخير (أهوره مازدا)، هذا التنافس الأزلي أصبح واقعًا عمليًّا على المستوى السياسي بالنظر إلى الآخر الذي يشكِّل تهديدًا للكيان الإيراني كحالة "أهريمنية" تبلورت بعد ذلك في شعار الشيطان الأكبر؛ حيث ما زالت الولايات المتحدة الأميركية إلى اليوم تشكِّل تهديدًا وجوديًّا لإيران، ونجد إغراقًا في سياستها التي تقوم على ثنائية "الخير والشر" ضمن نطاق الشر الذي يجب أن يُجابَه بقوى الخير. وعلى أرضية الأبعاد التاريخية والدينية، يبدو أن إيران كوَّنت رؤية للتعامل مع الخارج، وخاصة القوى الكبرى، يمكن أن يتجلى ذلك في أحد أهم شعارات الخارجية الإيرانية "لا شرقية لا غربية"، تعاملًا يضع في حسبانه كل المخاوف ومحكومًا بالإجمال بنظرية المؤامرة؛ وهذا ما قد ينعكس على عملية اتخاذ القرار السياسي في إيران.

  

• إيران والجوار

تناول عبد الحسين زرين كوب قضية فتح بلاد فارس على يد المسلمين، واعتبر ذلك خطرًا على الحضارة والتراث الفارسي بل وصف الفاتحين بوحشيي الطباع

مواقع التواصل
   

لم يخل التاريخ الأسطوري الإيراني من وصف طبيعة علاقة إيران بجيرانها وخاصة العرب، ولم تكن هناك رؤية واحدة للتعامل بينهما، تارة تكون العلاقة محكومة بالتوتر وتارة أخرى بالود والصداقة، وفي هذه السياق برزت مدارس إيرانية تأثَّرت بشكل كبير بالتاريخ الأسطوري الإيراني وبدأت تنظر برؤية يشوبها الكثير من الحذر والخوف من الجار على الضفة الأخرى من المياه الخليجية، ويعتبر ذبيح الله بهروز أحد المروجين لهذه الرؤية التي تنبني على مسألة رهاب الخارج حيث اعتبر القادمين من شبه الجزيرة العربية أعداء لإيران؛ الأمر الذي لم يبتعد عنه كثيرًا عبد الحسين زرينكوب حينما تناول قضية فتح بلاد فارس على يد المسلمين، واعتبر ذلك خطرًا على الحضارة والتراث الفارسي بل وصف الفاتحين بوحشيي الطباع.

  

هذا الموقف لا يعبِّر بالضرورة عن رؤية الإيرانيين للعرب بل إن الشيخ مرتضى مطهري حاول أن يجد صورة للتعاون بين كل ما هو إسلامي عربي وإيراني وذهب عكس ما ذهب إليه "عبد الحسين زرينكوب" حينما قال: إن العرب قد كانت تحكمهم العصبية والقبيلة والخرافة قبل الإسلام أما مع مجيء الإسلام فقد اكتسبوا أخلاقًا عالية وثورية تحكمها العدالة الاجتماعية واستطاعوا أن يصنعوا أرقى حضارة في العالم. موقف قومي وآخر ديني يحاول أن يرسم طبيعة العلاقة الإيرانية-العربية، الموقف القومي في إيران لا يرى في العرب إلا غزاة، أما الموقف الديني فالأمر يختلف، ومستوى الحديث يرتقي إلى مسألة مصالح وعلاقة تبادل بين العرب الذين حملوا الإسلام إلى بلاد فارس والفرس الذين ورثوا حضارة عريقة. 

     

أما الرؤية الأسطورية، فيمكن إجمالها في موقفين: موقف إيراني يرفض أية سيطرة لمن هم على الضفة المقابلة بالخليج؛ وهو ما بدا واضحًا في تصوير شخصية الضحاك كشخصية شيطانية، وموقف آخر يرتقي إلى مستوى التعامل العسكري خلال مرحلة الملك كيخسرو حينما صُنِّفت القوات العربية بالقوة الضاربة في جيشه، وتمكن وقتها كيخسرو من تأسيس الإمبراطورية الإيرانية. على المستوى العملي، إن جانب انعدام الثقة يفرض نفسه على العلاقات الإيرانية-العربية، وقد تزايد القلق العربي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ورافق ذلك مخاوف من شعار تصدير الثورة، وقلق إيراني قد يكون للأسطورة دور فيه، وكذلك المرحلة التي أعقبت الثورة في إيران سواء الحرب العراقية-الإيرانية، أو اتهام إيران لعدد من الدول العربية بالتحالف مع القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية بهدف استهدافها. لهذا، فإن العلاقات بين إيران ودول الجوار العربي كانت تفتقد في بعض التفاصيل إلى الثقة بين الجانبين؛ وهذا الأمر ينعكس سلبًا على مسألة الأمن والاستقرار في المنطقة، وفي كلا الاتجاهين هناك حديث سواء على المستوى الأمني أو العسكري لأجل الحصول على امتيازات سياسية وأمنية.

   

• إيران والداخل 

 انتفاضة 15 خرداد (مواقع التواصل)

 

بدون شك، ارتدادات تأثير التحركات والسياسة المرتبطة بالقوى الخارجية بشأن إيران تلقي بتأثيرها على رؤية الساسة لكل ما يقع في الداخل من تحركات، وهذا الأمر لا يقتصر على مرحلة سياسية معينة بل يرتبط برؤية الطبقة الحاكمة للوضع انطلاقًا من المفاهيم والتصورات التي تكونت تاريخيًّا حول مفهومي رهاب الخارج ونظرية المؤامرة، وقد يكون ذلك جزءًا من استراتيجية المؤسسة الحاكمة لتحصين الداخل من أي توتر أو تغيير سياسي، سواء بربط الإخفاقات الداخلية للبلد بالخارج بهدف التنصل من أية مسؤولية عما قد تصل إليه البلاد من تراجع على المستويات الاقتصادية السياسية والثقافية. وهناك كذلك حالة يتم فيها اختراع عدو أو التهويل من خطره لاتخاذ تدابير لصالح السلطة الحاكمة، سواء تدابير على المستوى الأمني أو السياسي، وقد كانت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية تروِّج بشكل كبير لنظرية المؤامرة حتى تحرف آراء الناس عن الموضوعات الحقيقية، ويذكر أسد الله علم، الذي كان رئيس وزراء الشاه محمد رضا بهلوي ووزير ديوانه، في مذكراته أن الشاه اتهم جهات خارجية بتحريك احتجاجات يونيو/حزيران 1963، والتي تُعرف في إيران بانتفاضة الـ"15 من خرداد" إثر اعتقال الشاه للإمام الخميني، هذه الذهنية كانت حاضرة في احتجاجات الطلبة عام 1973 واتهام الاتحاد السوفيتي بتحريك التظاهرات.

   

بل إن الشكوك طالت حتى بريطانيا التي كانت حليفة للشاه، رضا بهلوي، وابنه، محمد رضا بهلوي، يقول الشاه محمد رضا بهلوي إنه كانت لديه شكوك بأن مصدق كان عميلًا للبريطانيين بل أسهم في تحركات كانت تستهدفه. مبدأ النظر بريبة لكل ما يمكن أن يتحرك في الداخل ضد التوجه العام السائد أو بمعنى أكثر تدقيقًا ضد النظام السياسي ينبني في الأساس على التشكيك في ماهية أي حراك داخلي وأكثر من ذلك ربطه بجهات خارجية معادية. وفي هذا السياق، يتم تحقيق هدفين أساسيين: الأول: إقناع العامة بخطورة ما يقع، وقد تكون هذه الوسيلة مقنعة تجعل الشعب يتأثر بشكل كبير بمن ينسجون ويروجون لمسالة رهاب الخارج ولنظرية المؤامرة، والنقطة الثانية هي أن حالة رهاب الخارج تسهم في إطلاق يد السلطات للتعامل مع أي تحرك وفق الاحتياجات الأمنية وبما يتناسب مع الدفاع عن الأمن القومي للبلد. لهذا، أصبح المشهد الثقافي السياسي الإيراني الداخلي يتعامل بحدة ورفض وبنوع من الحذر المصحوب برهاب خاص مع كل ما هو آت من الخارج ضمن استراتيجية حمائية في مواجهة ما يمكن أن يستهدف الداخل الإيراني حتى وإن تحرك من الداخل، ويمكن أن يتغاضى عن أمور داخلية قد يصنف نقصانها ضمن القبح الاجتماعي كنقص في الحريات والعدالة الاجتماعية، بدعوى أنها قد تستغل بشكل ضد البلاد.

   

خلاصة

نتحدث في إيران عن سيكولوجية اجتماعية ليست حصيلة مرحلة تاريخية محدودة أو فترة زمنية ما، وإنما هي نتاج لتراكمات ترتبط بالتاريخ الأسطوري، والتطور الحضاري الإيراني وما رافقه من تجارب في التعامل مع العالم الخارجي وانعكاسات ذلك التعامل على الواقع الداخلي الإيراني. لذلك، كانت التجارب التاريخية التي مرَّت بها إيران مليئة بكثير من الأحداث جعلت النخبة والمجتمع يتعاملان بنوع من الرهاب المرافق للحيطة والحذر تفاديًا لإعادة التجارب التاريخية ذاتها والتي فقدت فيها إيران كثيرًا من مساحتها الجغرافية وسيادتها واستقلال قرارها السياسي، ويمكن أن يُنظَر إلى مسألة رهاب الخارج والإيمان بنظرية المؤامرة في إيران كسياسة وقائية وحاجز ردع ثقافي وسياسي لتفادي أي اختراق للبلد.

___________________________________________

هذا التقرير مأخوذ عن: مركز الجزيرة للدراسات.

آخر الأخبار