انضم إلينا
اغلاق
كيف عاش فقراء مصر قبل سبعة قرون؟!

كيف عاش فقراء مصر قبل سبعة قرون؟!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"الشحَّاذ في الطرقات للَّه عليه نعمة أنه أقدَره على ذلك، وكان من الممكن أن يُخرِسَ لسانه فيعجز عن السؤال، أو يُقعده فيعجزَ عن السعي، أو يقطع يديه فيعجز عن مدِّهما، إلى غير ذلك. فعليه ألَّا يُلحّ في المسألة بل يتَّقي اللَّه تعالى، ويُجملَ في الطلب".

(الفقيه العلامة تاج الدين السبكي في كتابه "معيد النِّعم ومُبيد النِّقَم")

      

يبدو الفقر أمرا طبيعيا في مسيرة التاريخ الإنساني، وهو نتيجة حتمية لسوء توزيع الثروات، أو بسبب الآفات والكوارث الاقتصادية التي لا تنفك عن المجتمعات في أطوارها المختلفة، حتى إن بعضهم ليتحوّل بين عشية وضحاها من الغنى إلى الفقر بسبب هذه الطوارئ المهلكة، وضياع فرص العمل، أو العجز والمرض.

      

وقد عاش هؤلاء الفقراء على الدوام حياة من العوز والحاجة، لا ينفكون عن الاهتمام بضروريات الحياة من المطعم والملبس والمسكن، وأكثرهم لم يتحمل نفقة يومه، فلم يكن يجد هؤلاء إلا أيادي المحسنين ليسدوا رمقهم وحاجتهم وضعفهم الذي لم يعرفوا له نهاية أو سببا.

  

وقد أخذت قضية الفقر والفقراء حيزا مهما من التراث والتاريخ الإسلامي، في القرآن والسنة النبوية ومصادر الفقه والحديث والتصوف وغيرها، وشرع كل فريق من العلماء يحضّ على مقاومة هذه الظاهرة من خلال نصوص الإسلام التي فرضت الزكاة على الأغنياء القادرين، وحضّت على الصدقة لتطهير النفوس والشعور بالفقراء المحتاجين، وبرز مفهوم الفقر واضحا عند العلماء.

  

  

  

فالفقير في تعريفهم مَن ليس له مالٌ ولا كَسْب لائق به، يقَع مَوْقِعا من كفايته، من مَطْعَم ومَشْرَب، ومَلْبَس ومَسْكَن، وسائر ما لا بُدَّ منه لنفسه، وما تلزمُه نَفَقَتُه من غير إسراف ولا تَقتير، كمَن يحتاجُ إلى عشرة ريالات كلَّ يوم، ولا يجد إلا أربعة أو ثلاثة أو ريالين، وذَكَر الإمام الطَّبَرِيُّ (ت 311هـ) في تفسيره أن المراد بالفقير: المحتاج المتعفف عن المسألة، والمسكينُ: المحتاجُ السائل[1].

  

وهكذا اتضح منذ فترة مبكرة من تاريخ الإسلام الفارق الجوهري بين مفاهيم الفقر والمسكنة والعوز، كما اتضحت وسائل مكافحة ذلك من خلال مصارف الزكاة والصدقات ومستحقيها، حيث بيّنها القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

  

أما وسائل مكافحة الفقر واقعيا وعمليا، فقد أُنشئت دواوين (وزارت) لجمع الصدقات والزكوات وتنظيمها، وضرائب الأرض الزراعية (العشور) والخراج، والغنائم وطرق تنظيمها، ثم فُرضت بعد ذلك ضرائب على السلع والخدمات والطرق والصادرات والواردات والتجارة الدولية مثل تجارة البهارات أو ما كانت تُسمى بـ "الكارم"، كل ذلك كان يدخل إلى خزائن بيت المال ودواوين الدولة الأخرى، لكن ظلّت مشكلة الفقر تُراوح في كثير من الأوقات مكانها، فكيف ظهرت مأساة الفقر في عالم الإسلام قبل قرون؟ وما أبرز صور هذه المعاناة والعوز التي مرّوا بها؟ وكيف كان طعامهم وشرابهم ومناطق سُكناهم؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

  

رؤية تراثية للفقر

  

وُجِدت في المدونة التراثية الإسلامية مؤلفات وآراء على قدر كبير من الأهمية تجاه مسألة الفقر ومكافحتها من منظور الحلول التي قدّمها الإسلام، فأبو حامد الغزالي في كتابه الشهير "إحياء علوم الدين" يُعدّد خمسة واجبات مفروضة على مَن يتلقى الزكاة؛ أولها أن على المرء أن يعرف أن إعطاء الزكاة فرض فرضه الله، كما ينبغي للمرء أن يتحقق من أن رحمة الله للفقير أكبر من رحمته للغني، وقد شُرِح الأمر باستفاضة واسعة في الفصل الذي خصّصه لـ "فضيلة الفقر"[2].

  

وبحسب الغزالي، يجب على المرء أن يشكر من أحسنَ إليه، ويدعو له، ويمتدحه دون أن ينسى أنه أداة لتوصيل نعمة الله، ولا ينبغي للمرء أن يقبل من الأملاك إلا ما حازه بطريقة شرعية، وبالكميات التي يحتاج إليها، وأخيرا لا يجب على المرء أن يقبل ما هو أكثر من القدر المفروض على المحسن أن يدفعه.

  

وقد اشتهر اتجاه بين الصوفية يدعو إلى الزهد والفقر، ويراه نوعا من التدين الواجب، ويحض أتباعه على الابتعاد عن أخذ الزكوات والصدقات، وكثير من هؤلاء كانوا يعتبرون أنفسهم خارج نطاق هذه المسألة من الأصل، ذلك أن الله قد جرّدهم من الملكية الدنيوية الزائلة، وبحسب الشبلي الصوفي الشهير فإنه "يجب على الصوفية أن يفرقوا كل ممتلكاتهم سيرا على نهج الخليفة أبي بكر الصديق"[3].

  

غير أن مسألة الفقر والفقراء كانت أكثر عمقا وتشعبا من تناولها الفقهي أو الصوفي، دفعا للفقراء ونشرا للتضامن الاجتماعي بين المسلمين، أو ابتعادا عن سؤال الناس والاكتفاء بالكفاف كما يرى الصوفية، إذ كانت هناك أسباب خطيرة أدّت إلى زيادة رقعة الفقر والإفقار بين المصريين آنذاك، وعلى رأسها تصحّر الأراضي الزراعية أو غرقها بالفيضان في دولة عُرفت على الدوام بريادتها الزراعية اعتمادا على مياه النيل.

  

الزراعة في مصر

انهيار الزراعة الذي كان سببه الأساسي غرق المحاصيل أو انخفاض النيل عن الجريان كان يُسبِّب مجاعات خطيرة تسبّبت في مقتل مئات الآلاف من المصريين

مواقع التواصل
   

كانت الأراضي الزراعية في مصر في زمنَيْ الأيوبيين والمماليك موزَّعة وفق مفهوم "الإقطاع الحربي" الذي ساد منذ عصر السلاجقة، وهي ريع الأراضي الزراعية وفق أنصبة معينة للجيش والسلطان وكبار رجالات الدولة، مع إبقاء نسبة ثابتة للفلاحين والمزارعين في تلك الأراضي، وكثيرا ما أصابت الأوبئة هؤلاء الفلاحين، أو تعرّضوا لظُلم المقطعين وجورهم على محاصيل القرية الزراعية، أو تكليف الأهالي بأعمال السخرة في حفر الترع، وإقامة الجسور أو هدم المدن والقرى أو إحراقها لدوافع حربية، وما جاء العام 715هـ/1315م إلا وانخفض عدد القرى في مصر إلى 2163 قرية، بينما كانت في زمن الأمويين قبل ذلك بستة قرون 10 آلاف قرية[4].

      

وبسبب هذا التوتر وانخفاض رقعة الأرض الزراعية، بسبب الظلم أو الفيضان أو التصحّر، عُرفت ظاهرة الهجرة من الريف إلى القاهرة وتَرْك الأراضي الزراعية تواجه البوار والإهمال، الأمر الذي كان يُعرِّض مصر لهزات اقتصادية عنيفة، كانت تُهدّد موارد الحكومة ورجالها المعتمدين على الزراعة بالتبعية، فما كان من رجال الحكم إلا زيادة الأعباء الملقاة على التجارة مثل الاحتكار أو زيادة الضرائب والتي عُرفت آنذاك بالمكوس[5].

    

وكان انهيار الزراعة في مصر في العصر الوسيط يتبعه انهيار في النواحي الاقتصادية الأخرى كافة، وعلى رأسها الصناعات والحِرَف، فانهيار الزراعة الذي كان سببه الأساسي غرق المحاصيل أو انخفاض النيل عن الجريان كان يُسبِّب مجاعات خطيرة تسبّبت في مقتل مئات الآلاف من المصريين، وبروز ظواهر اجتماعية شديدة العنف والغرابة مثل ظاهرة "آكلي لحوم البشر" التي تناولها عدد من المؤرخين وعلى رأسهم عبد اللطيف البغدادي، وقد تناولنا هذه الظاهرة في تقرير سابق ورأينا مدى فداحتها على سكان مصر آنذاك.

     

في دولة المماليك، تُركت للأفراد حرية دفع الزكاة، الأمر الذي أدّى إلى اتساع دائرة التسوُّل حتى أصبحت حِرفة

مواقع التواصل
    

وقد أشار البغدادي إلى أن "بمصر تسعمئة منسَج للحُصر فلم يبق منهم إلا خمسة عشر منسجا، وقِس على هذا من باعة وخبّازين وعطّارين وأساكفة وخيّاطين وغير ذلك"[6]، أي إن أثر انخفاض النيل عن الجريان أدى إلى تدمير قطاعات واسعة من الصناعة، الأمر الذي أدى بالتبعية إلى زيادة أعداد الفقراء والمعوزين آنذاك، وترتّب على انتشارهم بروز ظاهرة "التسوُّل"، بل ظهور طوائف كاملة من هؤلاء "الشحاذين" كان لهم كبير أو قائد يتوجّهون بأمره.

      

صحيح أن ديوان الزكاة كان يؤدي دوره في مثل هذه الحالات، لا سيما في عصر صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد تشكيله سنة 567هـ/1171م، حيث أمر بتوزيع المال على الفقراء وأبناء السبيل والغارمين بعد أن يقتطع الجزء الخاص بالعاملين عليها، حتى استطاع جمع اثنين وخمسين ألف دينار ذهبي سنة 588هـ، وأدّى هذا الديوان دورا كبيرا في مكافحة ظاهرة الفقر، بل فاضت الأموال في عصر الكامل الأيوبي بعد وفاة صلاح الدين بثلاثين سنة، حتى كانت تُدفع مرتبات لعلماء الدين والمدرسين والمعيدين وغيرهم[7].

  

عالم الفقراء والمهمشين

غير أن هذا الديوان سرعان ما غاب أثره في دولة المماليك، وتُركت للأفراد حرية دفع الزكاة، الأمر الذي أدّى إلى اتساع دائرة التسوُّل حتى أصبحت حِرفة أشار إلى خطورتها عدد من فقهاء وعلماء ذلك العصر مثل العلامة تاج الدين السبكي (ت 771هـ) في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم"، حيث يبرز نقمته على هذا الطائفة بقوله:

    

"الشحَّاذ في الطرقات: للَّه عليه نعمة أنه أقدره على ذلك، وكان من الممكن أن يُخرس لسانه فيعجز عن السؤال، أو يقعده فيعجز عن السعي، أو يقطع يديه فيعجز عن مدِّهما، إلى غير ذلك. فعليه ألَّا يُلحّ في المسألة... ويرون المسلمين ربَّما لم يعطوهم شيئا، فيَشمَتون ويسخرون؛ وربَّما كان المسلم معذورا في المنع، والكافر لا يفهم إلَّا أنَّ المسلمين لا يكترثون بذلك. فرأيي في مثل هذا الشحَّاذ أن يؤدَّب حتى يرجع عن ذكر وجه اللَّه تعالى، وذكر شيبة أبي بكر الصدِّيق رضي اللَّه عنه، ونحو ذلك، في هذا المقام. ومنهم مَن يكشف عورته ويمشي عُريانا بين الناس، يوهم أنَّه لا يجد ما يستر عورته، إلى غير ذلك من حِيَلهم ومَكْرهم وخديعتهم"[8].

     

  

لقد كان اهتمام دولة الأيوبيين والمماليك مُنصبّا على مواجهة التحديات الخارجية في مواجهة الصليبيين والمغول وغيرهم، والداخلية في تثبيت سلطانهم وعرشهم، الأمر الذي كان يدفعهم إلى الحاجة الدائمة إلى المال للإنفاق على جيوشهم وحاشيتهم، وبسبب ضعف الزراعة والتجارة والصناعات، عرف الفساد الإداري طريقه إلى الدولة، وعُرفت ظاهرة الرشوة على نحو واسع، حتى إن كثيرا من الوظائف كانت تُباع وتُشترى، وقد رأى المؤرخ الكبير المقريزي أن أحد أسباب انهيار دولة المماليك في عصره يرجع إلى الرشوة.

    

يقول: "ولاية الخِطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة؛ كالوزارة والقضاء ونيابة الأقاليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل، فتخطَّى لأجل ذلك كل جاهل ومفسد وظالم وبالغ"، ومَن يدفع الرشى لأجل منصب تتكاثر عليه الديون، ولاسترداد ما دفعه تكون زيادة الضرائب على أعوانه وحواشيه مما يجعلهم يمدّون أيديهم إلى أموال الرعايا[9].

   

وبسبب هذا الفساد الإداري والاقتصادي، والذي كان يتفشّى في أوقات الأزمات الكبرى، كان الخبز هو الملاذ الضروري والوحيد لعامة فقراء مصر، صحيح أن قيمته الغذائية لم تكن عالية، لكنه كان يُبقيهم على قيد الحياة، وجاءت تسمية المصريين للخبز بـ "العيش" منذ تلك العصور الوسيطة التي لم يعرف فقراؤها غيره بديلا، وبجانبه اعتمد فقراء المصريين على السمن والجبن والكشك والبصل والعدس والمدمس (الفول)، أما اللحوم فلم تكن من أغذية الفقراء إلا في المواسم وعلى فترات متباعدة، وكان الكثيرون منهم يقبل بأردأ أنواعها حتى اشتهر بينهم المثل القائل: "الكِرْشة عند المقلّين زفرة"، أي الكِرْشة وهي معدة الحيوان وأمعاؤه عند الفقراء تعوّض اللحم الغائب[10].

  

  

  

أما أماكن سكنى فقراء مصر فقد تنوّعت ما بين المناطق المركزية منها بتأجير مساكن شعبية سُميت بـ "الرِّباع"، أو بجوار الجوامع لا سيما جامع السلطان حسن أسفل القلعة، حيث بنى الفقراء مساكن متواضعة من الطوب اللبن، والأخصاص، وكانت على قدر كبير من الضيق، واتخذ قسم كبير منهم أسوار القاهرة التي كانت تحيط بها لحمايتها من خطر الأعداء سكنا، فأقاموا بها الأكواخ الخشبية، وقد لاحظ بعض الرحّالة الأجانب خلال القرنين السابع والثامن الهجريين أن بالقاهرة كثيرا من الطبقات الشعبية موجودون في الطرقات نهارا وليلا، وأجسادهم شبه عارية، وبلغ عددهم خمسين إلى مئة ألف، وقد كتب فريسكو بالدي الذي زار القاهرة سنة 785هـ/1383م أن بالقاهرة ينام الآلاف منهم بالعراء ليلا بسبب الحاجة إلى المساكن[11].

   

وهكذا عاش فقراء مصر قبل قرون على أقل القليل من الطعام والشراب، وعاشوا في مناطق هامشية وفي العراء أحيانا لضيق ذات اليد، وكان السبب الرئيسي والأخطر لبروز هذه الظاهرة هو ضعف القطاع الزراعي الذي كان يتدهور لقلة فيضان النيل أو لزيادته المدمّرة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار