انضم إلينا
اغلاق
رواية "كائن لا تحتمل خفته".. خفة الحرية أم ثقل الحب؟

رواية "كائن لا تحتمل خفته".. خفة الحرية أم ثقل الحب؟

مها فجال

محررة بقسم فن
  • ض
  • ض

يتحرك عالم ميلان كونديرا الروائي بين مجموعة من الأقطاب، الخفة والثقل، الروح والجسد، القوة والضعف،[1] ضحك الملائكة لأن كل شيء له معنى، وضحك الشياطين لأن العالم كله لا معنى له.[2] وفي روايته الأشهر "كائن لا تحتمل خفته"، يأتي قطبا الخفة والثقل في المركز، ويدور حولهما كل شيء. فالرواية التي تبدأ بسؤال لشخصية توماس الذي يقف محدّقا في جدار يتساءل: أيدعو تيريزا لتأتي إلى بيته مغامرا بإثقال حياته بالحب، أم يدعها تمر وينساها كطيف آخر عابر؟ لا تلبث أن تنطلق من هذا التساؤل لسؤال أعم؛ ما الأفضل: حياة نعيشها متخففين من كل ثقل وشعور ومعنى ندور في الهواء دون شيء يربطنا بالأرض، أم أخرى ترتسم فيها خطواتنا وفقا لجاذبية المعاني والمشاعر الثقيلة؟

لكن كونديرا لا يعطينا أي إجابات، فالرواية بالنسبة له "لا تؤكد على أي شيء، بل تبحث عن أسئلة وتطرحها".[3] وفي ظل هذا السؤال حول الخفة والثقل، تتحرك الشخصيات الأربعة الأساسية، توماس وتيريزا وفرانز وسابينا، كثنائيات يلعب كل فرد فيها على أوتار مختلفة في أنغام الخفة والثقل، تتضافر معا وتنسجم مُشكّلة جسد الرواية.

ميلان كونديرا (مواقع التواصل)

 

توماس وتيريزا: خفة وثقل

إذا حاولنا أن نختصر حياة توماس وشخصيته في لوحة فستكون رسمة لرجل يعيش فوق طوف خشبي صغير يسبح فوق سطح الماء، وحتى يظل متحركا، وحتى لا يعرقله شيء، يُلقي من فوق طوفه أي ثقل قد يُبقيه ثابتا. هكذا تظل معظم الأشياء والأشخاص في حياته محض عابرين، إذا زادت إقامتهم عن قدرته على تحمل ثبات طوفه، تخلّص منهم وعاد للإبحار.

بتلك الطريقة كان قد تخلّص من زوجته الأولى وابنه وعائلته كلها بالتبعية، وبتلك الطريقة أيضا كان يعامل كل النساء. عوضا عن الطوف في واقع حياته يوجد سرير، وفوق ذلك السرير يحب جسده أن يستكشف أجسادا أخرى، يستمتع بها لليلة، ثم ينفيها بعيدا عنه ولا يدعها أبدا تبقى فيه حتى الصباح. انعكست تلك الرغبة في التخفف على أوجه حياته كلها، ترك بلده عندما لم يعد العيش فيه آمنا، ترك وظيفته كطبيب عندما صار ثمن الاحتفاظ بها أن يتعاون مع الشيوعيين الذين احتلوا وطنه في الظاهر، لكنه كان يفعل هذا في الواقع رغبة في تجربة التخلّص من خيط من الخيوط القليلة جدا التي ظلت تربطه بحياة بعينها. الشيء الوحيد الذي أضاف ثقلا لحياته ولم يقو على التخلص منه أبدا هو تيريزا.

وُلد حبه لتيريزا ككل شيء في حياته، بخفة، خفة مجاز: "لم تكن تيريزا تُذكّره بأحد من حياته السابقة، لم تكن لا عشيقة ولا زوجة. بل كانت طفلا أخذه من سلة مطلية بالقطران ووضعه على ضفة سريره"؛[4] ولم يكن توماس يعرف حينها خطورة المجاز، فنحن "لا يمكننا التلاعب بالمجازات، مجاز واحد قد يلد الحب".


لم يكن تخليه عن خفته في سبيل تيريزا التي ظلت تثقله منذ اللحظة التي عبرت فيها سريره محمومة وظل هو يرعاها طوال الليل، وحتى نهاية حياتهما التي جاءت معا، بالشيء المنطقي أبدا. لكن القلب عندما يتحدث، مثلما يقول كونديرا لاحقا في روايته، يجد العقل من غير اللائق أن يعترض. وهكذا، ألقت تيريزا بوجودها أكبر ثقل في حياة توماس سيمنعه منذ تلك اللحظة فصاعدا عن الطفو بحرية مثلما كان يفعل. لكن، يعود السؤال، هل الثقل شيء سلبي تماما؟، "إن أكثر الأحمال ثقلا يسحقنا، يلوينا تحت وطأته ويشدنا نحو الأرض. ولكن لو ألقينا مثلا نظرة على شعر الحب خلال العصور كلها لرأينا أن المرأة تتوق أن تتلقى حمل جسد الرجل. إذًا، فالحمل الأكثر ثقلا هو في الوقت ذاته صورة للاكتمال الحيوي في ذروته. وبالمقابل، فإن الكائن الإنساني عند الغياب التام للحمل يصير أكثر خفة من الهواء، محلقا بعيدا عن الأرض وعن كيانه الأرضي. يصير شبه واقعي وتصبح حركاته حرة قدر ما هي تافهة". [5]

تيريزا على الجانب الآخر تأتي كصورة للثقل. حبها لتوماس يمكن اختصاره في صورة يدها التي تبقى متشبثة بيده طوال الليل ولا تتركها أبدا، في ارتباطها بتوماس ورغبتها في أن يكون لها وحدها. فبينما جاءت حياة توماس له بارتباطات وأثقال جاهزة، كحبه للطب الذي عرف أنه مصيره منذ اللحظة الأولى وزواجه وحبه للنساء، كانت حياة تيريزا خالية من أي شيء شبيه لهذا. لم تكن سوى نادلة بفندق متواضع في قرية صغيرة ولا تعدها الحياة بأي شيء أكبر. لكن هي كان بها توق إلى ما هو أكثر، دون أن تعرف بالتحديد ماذا تريد. هكذا جاءت تيريزا في رأس ميلان كونديرا أول ما جاءت كصورة للاضطراب، للخوف، لعدم الثقة: "وُلدَت تيريزا من قرقرة في المعدة". ظلت تبحث عمّا يربطها بالحياة، وتبحث في ذلك عمّا يعطي لها معنى، لكنها في كل ذلك كانت بلا وجهة ولا هدف مفتقدة لأي علامة ترشدها في الطريق. وفي ذلك اليوم الذي رأت فيه توماس للمرة الأولى، جالسا غير بعيد عنها في الحانة حيث كانت تعمل، شعرت أنها وجدت أخيرا ضالتها.


في منتصف قصتهما تقريبا، تأتي لحظة تنقلب عندها الأدوار. في سويسرا حيث سافرا هربا من الاحتلال الروسي، لا يتوقف توماس عن خيانته لها؛ يغمرها شعورها بالضعف، فبينما "كانت تيريزا في براغ تابعة لتوماس في أمور القلب فقط، فهنا هي تابعة له في كل شيء. ماذا سيصير بحالها فيما لو تركها. هل عليها أن تمضي بقية حياتها خائفة من أن يتركها؟"[6]. وفي هذه اللحظة، غمرها شعور أنها لا تنتمي لتوماس القوي، لا تنتمي لهذا البلد، أنها لا تنتمي سوى لروحها الضعيفة فقط، ولبراغ مدينة المهزومين مثلها. للمرة الأولى في حياتها تستولي عليها نشوة الخفة، فتعود لبراغ محاولة أن تترك الحب الذي كثيرا ما آذاها وراءها.

تستولي ذات النشوة على توماس في الأيام الأولى لرحيلها، يحس للمرة الأولى في سبع سنوات أنه حر حقا، خفيف حقا. لكن بعدها بقليل، تبدأ بذور الشفقة التي زرعها حب تيريزا في قلبه تُنبت أشواكا، لا يسعه أن يتخيلها وحيدة على بُعد مئات الأميال عنه تجابه أخطار مجهولة دون أن يشعر بالألم. للمرة الثانية وبشكل حاسم، يسمح توماس لثقل الحب بأن يحركه، فيعود لبراغ، لتيريزا التي صارت له بمنزلة حجر كيانه كله مربوط به ولا يسعه التحرك سوى في اتجاهه.

فرانز وسابينا: ثقل وخفة

على الجانب الآخر من علاقة توماس وتيريزا التي يُمثّل فيها توماس قطب الثقل وتيريزا قطب الخفة، توجد علاقة فرانز وسابينا التي تنعكس فيها تلك الأدوار. تدخل الأجزاء الخاصة بهما في بناء الرواية كتنويع مختلف على مقطوعة الخفة والثقل الذي تمثل شخصيتا توماس وتيريزا فيها اللحن الأساسي، لتصير علاقة فرانز وسابينا بمنزلة لحن قصير يُضفي بُعدا آخر للمعزوفة نفسها التي تُشكّلها الرواية.

ظل فرانز عمرا بأكمله يتبع الطرق التي حفرها منذ سنوات طويلة وإن كان ما عاد يتحملها، ظل زوجا مخلصا لامرأة لا يطيقها، وأبا جيدا لابنة تشبه أمها أكثر من اللازم

مواقع التواصل 
 

تُمثّل شخصية سابينا هنا قطب الخفة، لذلك ليس من الغريب أن تأتي في الرواية أول ما تأتي كالعشيقة المفضلة لدى توماس، فهي تفهم تماما رغبته في عدم إنشاء أي علاقة جادة بل وتشاركه فيها. كتوماس، تكره سابينا كل الأثقال والقيود، لذلك يستلهمها كونديرا في الأساس من نداء الخيانة الجذّاب. كلما ارتبطت سابينا بأي شخص أو شيء، سمعت بوق الخيانة يجذبها للرحيل، لخيانة أي طريق تتبعه بالانحراف عنه، لخيانة أي شخص تحبه بهجره. وذلك بالضبط ما فعلته مع فرانز، لكن ليس قبل أن تُغيّر، دون دراية منها أو اهتمام، حياته. فكما كانت تيريزا الثقل الذي أرسى طوف توماس السابح باستمرار، كانت سابينا الخفة التي حركت ماء وجود فرانز الآسن.

ظل فرانز عمرا بأكمله يتبع الطرق التي حفرها منذ سنوات طويلة وإن كان ما عاد يتحملها، ظل زوجا مخلصا لامرأة لا يطيقها، وأبا جيدا لابنة تشبه أمها أكثر من اللازم؛ لم تواته قط الشجاعة للرحيل، لم تواته الشجاعة للخيانة. لكن عندما تترك تلك الخيانة حيز المجازات وتدخل حياته في جسد سابينا الجميل، ينحرف عن مساره المحفور أخيرا ويدخل معها في علاقة؛ لكن ذلك الانحراف لا يأتي سوى بزاوية ضيقة، فيظل فرانز يرتدي قناع الزوج المخلص غير قادر على المصارحة. ينظر فرانز لحياته، لكل الأثقال غير المرغوب بها فيها، فلا يرى سوى أكوام من المخلفات يتوق لامتلاك مكنسة هرقل السحرية ليتخلص منها.

في الليلة التي امتلك فيها فرانز أخيرا القدرة على مصارحة زوجته بخيانته لها وهجرها، لم يكن يعرف أن سابينا تخطط في اليوم التالي أن تخونه وتهجره. ترحل سابينا عنه، لكنه يكتشف أنه حتى إن لم تعد موجودة في حياته بجسدها، فقد ظل أثرها فيها ممتدا: "قبل أن تختفي من أفقه، تسنى لسابينا أن تدس في يده مكنسة هرقل فيكنس بها من حياته كل من لم يكن يحبه. كان يلوح له أنه فارس يخيّل في فراغ رائع، في فراغ دون زوجة ودون ولد ودون بيت. إن هذه السعادة المباغتة وهذا الانشراح وهذه الغبطة التي تمده بها حريته وحياته الجديدة، هذا هو الحاضر الذي تركته له سابينا".[7]

  

كونديرا: الرواية كفضاء للعب



تُحرِك الثنائيات روايات كونديرا على طول الخط، مثلما يحدث في "كائن لا تحتمل خفته" حيث تعد الموتيفة الأساسية هي ثنائية الخفة والثقل؛ وعلى الرغم من عدم انحياز كونديرا لأي قطب من الأقطاب بشكل ظاهر داخل النص، فسرده دائمًا سواء في هذه الرواية أو أيًا من أعماله الأخرى يميل ناحية الخفة لا الثقل. يمكننا أن نتخيل ميلان كونديرا أثناء كتابته لرواياته يجلس إلى مكتبه، وبدلًا من أن يقطب جبينه في جدية، يطلق العنان ونفسه ويلعب؛ فالرواية كما صرّح في أكثر من لقاء هي فضاء للعب والاحتمالات.

لهذا نجد في رواياته كلها خروج عن كل ما هو معتاد في السرد. فيتخلص منذ الصفحات الأولى من "كائن لا تحتمل خفته" من وهم الواقعية، ويتحدث بصوته هو، لا كراوٍ من داخل الحدث، بل كمؤلف من خارجه، متعمدًا كسر الإيهام. يحدثنا عن شخصياته بوصفها شخصيات، ويروي لنا ما الذي ألهمه إياها ــ بلغ هذا الكسر للإيهام عنده ذروته في "الخلود"، حيث دخل بنفسه وشخصه كشخصية داخل الرواية. لا يكتفي كونديرا بهذا فقط، بل يُدخل أنواع أخرى من السرد في القلب من رواياته ويربطها بأحداثها، مثلما يحدث في "كائن لا تحتمل خفته"، حيث نجد الجزء الأخير في الرواية ينطلق من مقال حول مفهوم الكيتش الذي تنتهي إليه مصائر شخصياته، وبشكل أكثر راديكالية في "كتاب الضحك والنسيان" الذي ضمنّه نوتات موسيقية.

ينبع ذلك المزج الحر في الأنواع من إيمانه بليونة القالب الروائي واتساعه ليشمل مختلف الأشياء في تناغم، فيقول في حوار له مع فيليب روث: "يحمل شكل الرواية حرية هائلة كامنة فيه، فالرواية هي منظومة طويلة من النثر التركيبي يستند للعب بشخصيات مختلقة، هذه هي الحدود لا غير. القوة التركيبية للرواية قادرة على جمع كل شيء في وحدة واحدة كأصوات الموسيقى متعددة النغمات."[8]


ولا تتوقف تلك الخفة عند أسلوب كونديرا السردي فقط، بل تمتد لحيوات شخصياته التي غالبًا ما يحركها صُدف غير متوقعة وحوادث غريبة. يقول كونديرا حول هذا: "لقد كان، ولم يزل، طموح حياتي أن أوحد جدية السؤال القصوى بخفة القالب القصوى. وليس ذلك مجرد طموح فني، فالمزج بين القالب التافه والموضوع الجاد يكشف فورًا القناع عن أحلامنا (تلك التي تجري في نومنا وتلك التي نؤديها على خشبة مسرح التاريخ العظيمة) وتفاهتها الرهيبة. نحن نعيش خفة الوجود التي لا تحتمل."[9]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار