انضم إلينا
اغلاق
رواية "ألوان العار".. السخرية في مواجهة بؤس المدينة والمجتمع

رواية "ألوان العار".. السخرية في مواجهة بؤس المدينة والمجتمع

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"أكتب لأن لديّ شيئا أقوله ضد هذا العالم، ضد عفنه الجذري وضد البلهاء الذين يحكمونه"

 (ألبير قصيري)

   

كان زمنا طويلا حتى اعتاد سكان حيّ السيدة زينب بالقاهرة الزيارات الدورية المتكررة لهذا الشاب نصف الخواجة ونصف المصري كما يسمونه، كان الشاب يتردد كثيرا على حيّهم الفقير المعدم تقريبا، تبدو عليه ملامح الثراء والسعة فضلا عن ملامح تدل على أصول أجنبية لا تخطئها، لم يكن في حيّهم الفقير أي شيء يجذب الناس إلا جامع ومقام السيدة زينب نفسها، بينما لا يبدو على ألبير قصيري -كما عرفوا اسمه منه بعد فترة- أي اهتمام بهذا المزار الإسلامي، في الواقع ما لفت انتباههم هو سعي الشاب الحثيث للاقتراب من سكان الحي الفقراء أنفسهم والاختلاط بهم ومشاركتهم تفاصيل حياتهم ما وسعه ذلك.

   

كانت ثورة 19 قد وقعت منذ ما يزيد على عقدين، ومن وقتها بدت المدينة منقسمة إلى عالمين مختلفين تمام الاختلاف، القاهرة التاريخية القديمة بأحيائها الفقيرة الشعبية السيدة زينب والغورية وحي الظاهر وسوق الزلط القديم، أحياء فقيرة شعبية معدمة مغرقة في بساطتها وعشوائيتها، وعلى الناحية الأخرى أحياء القاهرة الخديوية الحديثة التي لم تهدأ يوما واحدا منذ الثورة وتغلي بالأحداث والمظاهرات والتنظيمات السياسية، كان من المعتاد أن يذهب الناس من القاهرة القديمة إلى أحياء المدينة الجديدة، الزمالك وجاردن سيتي وشارع عماد الدين والملك فؤاد، إما ليشتركوا في الحراك السياسي والثقافي الذي بدأته الثورة، أو بحثا عن فرص أفضل في العمل والحياة وحتى الرفاهية والمتعة ومشاهدة عجائب المدينة الحديثة التي بناها الأجانب كقطعة من أوروبا في قلب الشرق، إلا ألبير قصيري الشاب البرجوازي ذو التعليم الفرنسي والأصول الفرنسية الذي بهره نمط الحياة المرح والخامل الذي يحياه سكان الأحياء القديمة كحي السيدة الزينب غير البعيد عن ميدان التحرير -الميدان الأول للحراك السياسي المصري- غير مبالين تماما بما يحدث خارج عالمهم، مستمتعين تماما بعفوية اللحظة الآنية الصافية والخمول الجميل والسخرية من الذات والآخرين بحثا عن النكتة الحلوة والمرح وضحك لا ينقطع.

     

ألبير قصيري (مواقع التواصل)

   

كان ألبير يعيش في أحد الأحياء الراقية في القاهرة، أحياء البرجوازية والإقطاعية المصرية جنبا إلى جنب مع الجاليات الأجنبية، كان يشهد بروح ملولة دائما النقاشات الكبرى في السياسة العالمية والكلام عن احتمالية نشوب حرب عالمية أخرى بين الدول الأوروبية أو عن مشادات التنظيمات السياسية في الجامعة مع البوليس السري والإنجليز والملك، لكنه حين يجلس في أحد المقاهي القديمة المتهالكة في السيدة الزينب أو الغورية، يندهش من حكمة هؤلاء البؤساء والفقراء وسخريتهم الدائمة من كل ما يجري حولهم ولا يملكون له دفعا ولا تغييرا، يدخنون الحشيش بشكل علني ويتكلمون في الجنس بلا تحفظ ويسبون بعضهم البعض بأقذع الألفاظ بمنتهى المودّة والعشم الطيب، يلعنون الملك والأحزاب والمثقفين والساسة والاحتلال البريطاني ويلقون النكت على الجميع بما في ذلك أنفسهم، لا يتذمرون أبدا ولا يتوقفون عن الضحك وإلقاء الدعابات، في إقبال نهم على التقاط المرح من كل لحظة عابرة والاستمتاع بالحياة لا يجاريهم فيه حتى أباطرة المال والسياسة والقوة، كانت تلك الجلسات في المقاهي، وتلك النكت، وهذا الكسل والخمول اللذيذ، والشوارع المتسخة بالناس والقصص وبالحياة وما تحمله خلفها من رؤية للذات وللعالم، أهم ما صبغ أدب ألبير قصيري ووجدانه بعيدا عن الملل والجدية التي تتسلط على العالم البرجوازي الحديث المنظم، ليصبح أحد الخطوط الرئيسية في رواياته التي تابع إصدارها لنصف قرن بعد ذلك.

  

الفن والحرية.. يا عمال العالم استمتعوا بالعالم

"الطغاة موجودون دائما وسيظلون كذلك، وبالتالي من العبث إهدار أعمارنا في محاربتهم؛ الأهم هو ألا يدفعنا هذا ألا نحب الحياة، الحياة رائعة ومدهشة مهما حاولوا حجبها عنّا"

(ألبير قصيري)

   

في شبابه أسس ألبير، مع مجموعة من أقرانه المعادين للستالينية والفاشية، جماعة الفن والحرية كأول حركة سيريالية عربية، نددت الحركة بالنفاق الاجتماعي الأخلاقي المحافظ للبرجوازية في مصر وبالصرامة والجدية الحزبية للتنظيمات الشيوعية والتعصب الهوياتي الوطني والتسييس المفرط الذي أخذ يحاصر ويقضي على كل عفوية وتحرر وفردانية ممكنة، حددت سيريالية قصيري ورفاقه في حركة الفن والحرية أعداءها بدقة، فهي ليست الفاشية والستالينية فحسب، بل الملل والصرامة وأدلجة الفن وقتل العفوية والمرح والتمتع بالحياة التي نتجت عن الفاشية والستالينية، متسلّحين بالفن والضحك والسخرية واللعب لإنقاذ الحياة من سطوة الجدية الكئيبة.

   

"الحياة بسيطة.. وشخصيات رواياتي أيضا بسيطة"

(ألبير قصيري)

  

جماعة الفن والحرية أول حركة سيريالية عربية (مواقع التواصل)

     

كان تأسيس حركة الفن والحرية في وقت تغلي فيه شوارع القاهرة سياسيا، حيث وصلت معدلات العنف السياسي إلى أقصاها بين السلطة والتنظيمات السياسية المعارضة، وبين التنظيمات السياسية نفسها، حركة مصر الفتاة الفاشية العنصرية، وحركة حدتو الشيوعية وخلاياها المسلحة، وحركة الإخوان المسلمين والتنظيم الخاص المسلح التابع لها، وتنظيم القمصان الزرق الجناح المسلح لحزب الوفد، كان التجنيد السياسي والأيديولوجي في ذروته، وكانت كل تلك التنظيمات تتحدث عن المجتمع المثالي الأكثر نقاء، بينما كان ألبير وهو يتسكع في حي الغورية أو السيدة زينب يجد أن هؤلاء البسطاء الأميين غير العابئين بحركة التاريخ الكئيبة أصحاب نمط الحياة الأكثر رحابة وبهجة، ليست فلسفة ألبير هي دعوة للتشاؤم وتفكيك أي معنى لسعي الإنسان في الحياة، بل التذكير بأن البساطة واللا مبالاة والبطء والكسل هم الهامش الأساسي الذي يمكن لسعادة العيش أن تنمو فيه، "خصوصا حين تتقاسمها مجموعة من الأصدقاء ملتفّة حول حجر دخان في جلسة ونس غير عابئة بالعالم؛ الكسل والأريحية عند قصيري مسألة تتجاوز بكثير تلبية الرغبات السهلة، كالتمدد على كنبة وتدخين الحشيش أو الثرثرة بلا انقطاع أمام كوب من الشاي في ساعة العصاري، كونها تلزم كامل سلوكنا وتؤسس لنظام معلّل من الوجود يصبح شرط الكينونة والمعرفة والامتلاء بالحياة".

   

ملوك المدينة غير المتوّجين

بمجرد بداية رواية "ألوان العار" يقذف بنا قصيري فجأة في قلب زحام القاهرة جاعلا إيانا نتأمل جدارية حياتية ينخر البؤس تفاصيلها تحت شمس جهنمية واصفا شخوصها بـ "رابطي جأش متسامحين مع عدو غير مرئي يهدم أساسات عاصمة كانت منارة في الماضي، عاصمة تحوّلت إلى مملكة نمل". لكن على الرغم من قتامة الجدارية فإن قصيري يلتقط وهو ينقل رائحة الأوساخ وانفجار المجاري وأسراب الذباب قدرة الناس على المرح والسخرية والحكمة أيضا ضمن كل هذا البؤس، فالرواية عند قصيري ليست تركيزا على أحداث أو حوارات فلسفية عميقة، بل هي مناخ يرسم تفاصيله تفاعل الشخصيات مع واقعهم وتحايلهم على القبح، والتمسك بروح الفكاهة التي تكفل لهم بقاءهم على قيد الحياة وهم محتفظون بكرامتهم كملوك أبديين غير متوّجين.

     

رواية "ألوان العار" لـ "ألبير قصيري" (مواقع التواصل)

   

يبدأ قصيري افتتاحية الرواية بوصف المدينة: "حشود من البشر، قطعان هائلة هائمة على وجهها تحت شمس لا ترحم فوق أرصفة غير مستوية وهواء ملبد بالأتربة، وسط كل هذا تتحرك حشود المواطنين في تسكع لا مبالٍ.. بدت للناظر وكأنها قد تكيفت، بسكينة بل وبشيء من السخرية اللاذعة من الذات والعالم، مع تدهور البيئة الحاسم الذي لا رجعة فيه، حشود لا تؤثر فيها المأساة ولا حتى الحزن ولا نوائب الزمن"، ينقلنا قصيري بعد مقدمته إلى طبيعة تلك الحشود ومن هم ملوك المدينة الحقيقيون: "سيل بشري جارف يحمل عينات متنوعة من البشر أصابها اليأس بالسكينة: عمال عاطلون، حرفيون بلا زبائن، مفكرون خاب أملهم، موظفون إداريون مطرودون من مكاتبهم لعجز في عدد المقاعد، خريجو جامعات رازحون تحت وطأة علمهم العقيم الذي لم يؤتِ ثماره، وأخيرا الهازئون الأزليون، هؤلاء الفلاسفة المحبون للظلام والعتمة ولهدوئهم الداخلي، الذين يرون أن هذا التدهور المشهود لمدينتهم قد صُمّم خصيصا لشحذ حاستهم النقدية".

   

بعد هذه المقدمة القصيرية التي تضع القارئ في مناخ الرواية، يظهر أسامة -الشخصية الرئيسية في الرواية- واقفا أعلى كوبري عابدين على مشارف الميدان الواسع الممتلئ بالبشر: "كان تأمل الفوضى هو أكثر ما يثير سعادة أسامة. يتكئ بمرفقيه على سور الكوبري ويجترّ أفكارا تنتاقض كل التناقض مع الخطب التي يكررها المفكرون والزعماء أن النظام أساس استمرار العالم.. كان يرى خلال تجواله في شوارع القاهرة بأن العالم يمكنه الاستمرار في العيش بلا نهاية في جو من الفوضى واختلال النظام، ولا يبدو أن هناك شيئا يمكن أن يعطل حتى الحس الفكاهي عند الناس".

   

أسامة النشال، الأنيق خفيف الظل، ذو الحس المرهف شديد الوعي بالجمال وشديد الإنصات للهشاشة والضعف في نفوس الناس من حوله، يسمع قصصهم، صدقها وزيفها، وينفعل معها لا لشيء إلا للونس والتضامن المحب العميق، يذهب لأفخر الأماكن في القاهرة ليقوم بنشل محافظ الأثرياء الفاسدين التي تحتوي داخلها على الفتات مقارنة بما يراكمونه في البنوك، والد أسامة، عامل مصنع فقد بصره في إضراب عمالي قبل ثورة الضباط، مرّت السنون ولا شيء تغيّر، فعاش أعمى في عزلة لا تقطعها إلا زيارات ولده التي يملؤها بتخيل جنازة كريمة: "سيكون هناك رفقاء المصنع القدامى. أنا على يقين أنهم لم ينسوا أنني تلقيت ضربة الهراوة التي أفقدتني بصري أثناء كفاحنا المشترك. ولربما أيضا أوفدت الحكومة الثورية واحدا من وزرائها، أترى؟ لقد أعددت كل شيء حتى يتمّ دفني في لياقة وكرامة"، وهناك المعلم نمر أستاذ أسامة ومرشده في عالم اللصوصية والنشل، الرجل الذي لم يحتمل البقاء في التنظيمات الثورية في انتظار ثورة لا تأتي، فقرر تعليم الفقراء والمعدمين مهارات النجاة والبقاء في مدينة لا ترحم، وأخيرا المثقف والصحفي كرم الله، رسول السخرية الذي ترك المدينة ليبني له بيتا فخما وسط المدافن، المشترك الوحيد بين شخصيات الثلاثة ليس اللا مبالاة ولا حب الضحك والفكاهة، لكن الأهم الانعدام الأصيل لأي طموح داخل المجتمع.

    

كتب قصيري روايته كنكتة أو دعابة، لكنها نكتة يائسة بلا أبطال ولا شهداء مثل كل نكتة سياسية مصرية، ذلك اليأس الساخر الذي يجعلك محتارا بين البكاء أو الضحك على حالك

مواقع التواصل
   
حثالة أبطال العالم

"إنني لا أثق في غالبية هؤلاء الثوريين، ينتهي بهم الأمر دائما إلى أن يصبحوا رجال سياسة رصينين ويدافعون عن هذا المجتمع نفسه الذي كانوا يحقّرونه في الماضي"

(كرم الله، رواية "ألوان العار")

   

في أحد الأيام يقع في يد أسامة محفظة متعهد بناء عقارات فاسد تحتوي على وثيقة تُثبت تورطه مع مسؤولين حكوميين في صفقة فساد أودت بحياة ثلاثين شخصا في سقوط مبنى سكني، يذهب أسامة ليخبر المعلم نمر بالوثيقة المهمة التي وجدها، يحار الاثنان، فيقرران الذهاب إلى كرم الله المثقف (تعرف على المعلم النمر في السجن بسبب كتابته لمقال ساخر من قرارات الحكومة) الذي يعيش في بيت فخم وسط المقابر.

   

يقرر الثلاثة التلاعب بالمتعهد وبالمسؤولين الحكوميين المتورطين معه وإيقاعهم في الفضيحة تلو الفضيحة وإرباكهم وتخويفهم وتهديدهم بشكل ضمني، كان الهدف الأساسي هو تحويلهم إلى مادة دائمة للمواقف الهزلية والمضحكة واستثمارها في توزيع الضحك المجاني ونشر روح المرح والسخرية بين الناس، يأخذنا قصيري في استعراض بانورامي يختم به قصته لجلسات الرجال في المقاهي والنساء وهن فوق أسطح البنايات المتهالكة وهم يتندّرون بفضائح المسؤولين المتوالية ليس لمجرد التنكيت كروتين يومي فقط، بل يظهرون خلال الضحك والسخرية في حالة انتصار وسعادة وتحرر وظفر بالحياة، كأبطال وحيدين لهذا العالم.

   

كتب قصيري روايته كنكتة أو دعابة، لكنها نكتة يائسة بلا أبطال ولا شهداء مثل كل نكتة سياسية مصرية، ذلك اليأس الساخر الذي يجعلك محتارا بين البكاء أو الضحك على حالك. نكتة مريرة عمرها ممتد لقرون طويلة، ومحل إقامتها هو المدينة المصرية التي تحمل أسماء متعددة، لكن جوهر علاقات القوة فيها ثابت. وروايات ألبير قصيري موضوعها بالأساس هو ذلك اليأس المثير للضحك والبكاء معا، اليأس الذي يُنذر دائما بثورة لا تأتي، وإن أتت فيسهل قهرها أو خداعها. وفي هذه المعركة الأبدية بين المتن والهامش، في المدينة المصرية التي تدّعي التمدّن والمعاصرة، يحيا أبطال روايات قصيري، يبحثون عن خلاصهم، أو وسائل تُمكّنهم أن يطفوا -ولو للحظة- على حطام الحياة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار