انضم إلينا
اغلاق
"حفلة التفاهة".. ما الذي لدى السيسي ليقدمه للعالم؟

"حفلة التفاهة".. ما الذي لدى السيسي ليقدمه للعالم؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

استمع للتقرير


"نحن أحفاد الفراعنة، حضارتنا الفرعونية ممزوجة بالفلسفة اليونانية الرومانية، أَثْرتنا الثقافة القبطية، عَزّزتنا الطقوس الإسلامية، انتشار اللغة العربية أحدث ثورة في أدبنا، نَحْتضن عادات البحر المتوسط، ونقع في قارة أفريقيا، وننتمي إلى دول حوض النيل"

  

هذه هي أعمدة الشخصية المصرية السبعة التي سعت الدولة المصرية لتأكيد وحدة النسيج المجتمعي المصري عبر رسالتها التي أوردتها في مطبوعة ورقية لفعاليات منتدى شباب العالم في دورته الثانية المُنعقد في مدينة شرم الشيخ والذي يتم تنظيمه بإشراف مباشر من مؤسسة الرئاسة المصرية(1). مؤتمر سعت الدولة من خلاله إلى التفاعل المباشر بين قيادة الدولة مع الشباب المصري وحتى الشباب على مستوى العالم، انطلاقا مما أسمته قيمة مصر الحضارية وتمسكها بمسؤوليتها التاريخية في نشر السلام ومُحاربة التطرف والعُنف.

    

   

وفي نظرة تحليلية للمغزى الذي يقف وراء المؤتمرات الدولية التي تقيمها الدول، فإنها تُمثّل في جوهرها سعيا لنيل أحد المظاهر الشرعية الأخلاقية والأيديولوجية التي تستعرضها وتؤكدها أمام العالم والمجتمع الدولي، وسعيا لتأكيد شرعيتها أولا ودورها الإقليمي أو الدولي بالكيفية نفسها. كما أن المُؤتمرات التي توجهها الدول للشباب تُمثّل تقليدا سياسيا معروفا ومُمتدا تاريخيا في الكثير من الدول تحت إطار الشرعية والأيديولوجيا، فالشباب في المجتمعات الحديثة يمثل طاقة إنتاجية وأيديولجية ضخمة، وهم بالنسبة للدول والتنظيمات السياسية جيش أيديولوجي مُحتمل(2)، لتمتص التعبئة رحيق حياتهم في الإنتاج والحروب والمشاريع القومية والصراعات، حيث غالبا ما يتحول الشباب على أيدي الساسة الكبار أو الشيوخ إلى وقود للصراع الأيديولوجي الدائر في المجتمعات الحديثة.

 

كان للاتحاد السوفيتي قديما مؤتمر سنوي للشباب الشيوعي كان يُدعى "الكُومسمول" أو "اتحاد الشبيبة الشيوعية اللينينية في الاتحاد السوفيتي"، حيّث كان يضم كوادر شبابية لتأطيرهم وتدريبهم وتثقيفهم ليُكَوّنوا طليعة مُستقبلية تقود الدولة والأيديولوجيا الشيوعية في المستقبل، وفي مصر خلال عهد الحكم الناصري تم تأسيس منظمة الشباب الاشتراكي لتكون بدورها إطارا أيديولوجيا ومُنظمة للشباب الاشتراكي الناصري الذي يحمل أيديولوجية الدولة ورؤيتها إلى العالم، معتمدةً عليهم في التعبئة السياسية والاجتماعية لمناوأة التيارات الأيديولوجية الأخرى.

 

وفي التاريخ القريب كان أحد مشاريع تهيئة جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، هو مؤتمره السنوي "شباب من أجل المستقبل"، حيث هدف هذا المؤتمر إلى رؤية مُركبة تهدف لتخريج كوادر لسوق العمل الحديث والشركات الكبيرة، وتكوين قاعدة شبابية تكون نواة في المستقبل يعتمد عليها جمال مبارك في إدارة الدولة حال وصوله للرئاسة، النقطة المهمة هنا هو أن مؤتمر "شباب من أجل المستقبل" كان يحمل مشروع رؤية للمُستقبل بالفعل، حيث كانت عمليات خصخصة القطاع العام المملوك للدولة بالفعل، وكانت حكومات أحمد نظيف وعاطف عبيد تسير بوتيرة مُتسارعة في تطبيق أجندة الليبرالية الجديدة، ليكون شباب المؤتمر هم الطليعة المحلية لحقبة الليبرالية الجديدة وأصحاب المراكز المرموقة في الشركات الاستثمارية وقاعدة جمال مبارك السياسية في الوقت نفسه.

 

حفلة التفاهة في شرم الشيخ

وفي الحين الذي تبرز فيه المضامين الأيديولوجية في عموم المؤتمرات، يأتي مؤتمر شرم الشيخ خاليا من أي مضمون أيديولوجي متماسك أو رسالي، فالخطابات تتجه في مسارات التأكيد على أهمية الحب والتضامن والإنسانية الجميلة كقيم وعبارات مكتفية بذاتها لا تحيل إلى أي معنى أو فعل خارجها، وهو ما يكشف عجز الدولة عن إنتاج خطاب موجه لأي أحد. يبرز هذا العجز رغم تمثل خطاب الدولة باعتباره إحدى الأدوات الأساسية في الاجتماع السياسي الحديث(4)، وارتباطه بطبيعة الدولة الحديثة -على وجه خاص- بشكل عضوي؛ إذ إن الخطاب هو ما يُضفِي على مؤسسات الدولة ومُمارستها المعنى والمخيال السياسي في وعي الجماهير، وهو أداة تواصل الدولة مع المجتمع والعالم، وخطاب الدولة هو الحضور الرمزي للدولة كمؤسسات وقوانين مشاريع وأيديولوجيا، فإذا افتقرت الدولة إلى هذه العوامل، أصبحت لا تملك إلا الشرعية الإدارية فقط، شرعية التنظيم واللوائح والإجراءات، بالإضافة إلى قدراتها على فرض النظام اعتمادا على القمع والبطش وآليات القوة المادية فقط(5).

      

   

وفي هذا السياق، يقسم الدكتور "برهان غليون" شرعية الدولة إلى ثلاثة مستويات(3):

المستوى الأول هو الشرعية الإدارية والتقنية، وهو المرتبط "بمدى كفاءة السُلطة الإدارية في تنظيم الحياة العامة وكل ما تستخدمه الدولة الحديثة من طرق حكم وأنظمة مراقبة وسيطرة وأجهزة إدارية وأشكال بيروقراطية داخل هذة الأجهزة"، وهنا تكون شرعية الدولة شرعية إجرائية وإدارية فقط مرتبطة بمدى الكفاءة التقنية لجهاز الدولة ككل في تأدية مهامه التي ادعاها لنفسه.

 

أما المستوى الثاني فتظهر فيه الدولة كتمثيل للمجتمع ولمصالحه وهو المرتبط بالشرعية السياسية، فتتحدد شرعية الدولة السياسية بقدر "تعبيرها عن برامج ومصالح القوى الاجتماعية المنظمة داخل المجتمع، سواء أكانت هذه القوى نخبا عامة، أو طبقة وسطى، أو تحالف طبقات، أو شعبا، أو تحالف شعوب متعددة".

 

ويقف المستوى الثالث مستندا على الشرعية الأخلاقية للدولة أو بتعبير آخر أيديولوجيا الدولة، والمقصود هنا هو الغايات السياسية والرسالة الحضارية والتاريخية التي تحاول الدولة تجسيدها وتقديم الوسائل للوصول إليها وتعبئة قوى المجتمع وراءها. وكأي منتدى دولي فمن المفترض منه أن يكون تعبيرا عن المستوى الثالث من الشرعية، أي الشرعية الأخلاقية والأيديولوجية كالمؤتمر الماركسي أو الناصري أو مؤتمرات القومية التي عرفها العالم العربي في صراعه مع الاستعمار.

 

إلا أن مستويات الشرعية تلك التي وصفها برهان، ينقلها المؤرخ طارق البشري لمستوى تحليلي آخر، حيث يعيد ذلك الانفصال في شرعية الدولة لحدث الانقلاب العسكري باعتباره "انفصال الشرعية الإدراية عن الشرعية السياسية والتحرك ضد الشرعية السياسية"(6)، فمنذ الانقلاب العسكري في مصر لم يخرج النظام العسكري الإداري الحاكم في مصر عن المستوى الأول للشرعية؛ الشرعية الإدارية والمادية، حيث يجد السيسي ونظامه أنفسهم محبوسين داخل مفارقة صنعوها بأنفسهم، فهم بين العداء للسياسة وبين الاحتياج إليها، فالسياسة كما يوضح الباحث كريم مُحمد(7) تعني فتح ملفات تتعلق بشرعية النظام نفسه، والحاجة إلى السياسة لتوليد خطاب وشرعية تحقق للنظام قدرا من القبول الشعبي والدولي، في المقابل لا يجد السيسي غير الشرعية الإدارية وقدرته على الضبط والسيطرة وتسيير عجلة الحياة، أمام العالم يسوق السيسي تلك القدرة الإدارية المادية لتأكيد قدرته على دمج مصر في أي مشروع إقليمي أو عالمي حتى لو كان يبيع أصول الدولة نفسها وإدخال مصر في حظيرة الليبرالية الجديدة، من خلال إقامة فعاليات دعائية جوفاء بحسب الباحث أشرف الشريف، فلا هي تهم أنصاره وحلفاءه ولا معارضيه ولا حتى القوى الإقليمية والدولية.

 

المؤرخ طارق البشري (مواقع التواصل)

   

الإنسانية والحب والليبرالية الجديدة

"لقد بتنا نعرف القانون السري لتلك المفردات، نحن ندرك الآن أفظع الحروب تُخاض باسم السلام، وكذلك تُسوغ أسوأ الاضطهادات باسم الحرية، وأقذر البربريات باسم الإنسانية"

كارل شميت


وفي مشهد افتتاح عبد الفتاح السيسي لـ"النصب التذكاري لإحياء الإنسانية" بحضور عدد من الشخصيات الرسمية في مختلف الدول، وهو الأمر الذي أثار الكثير من السخرية لدى رواد مواقع التواصل، نصبٌ تجسّد على شكل منحوتات ورسومات فنية يتوسطها رسمة رئيسية حملت شكل القلب. قلبٌ أوضحت المتحدثة الرئيسية في كلمتها باعتبار أن هذا القلب يُمثل "قلب مصر الذي يضخ الحضارة إلى ربوع الأرض وينبض بالحياة للبشرية كلها وتسكنه الفضيلة التي حافظت على الإنسانية مُنذ خلق الله الأرض ومن عليها، فهذا المُنتدى الذي تنظمه مصر هو منتدى من أجل المحبة والسلام، ومن أجل الإنسانية على أرض السلام والمحبة والإنسانية"، ليقوم عبد الفتاح السيسي بعدها وسط تصفيق بافتتاح النُصب التذكاري، في لحظة وصفها الحاضرون باللحظة الخاصة(8).

 

في كتابه "مفهوم السياسي" يوضح الفيلسوف السياسي والقانوني كارل شميت كيف أن الليبرالية في جوهرها هي فلسفة لا-ديموقراطية بعمق بسبب نزوعها الدائم لتحييد السياسة من غالبية الأنشطة الإنسانية، ما يطرحه شميت أن هناك نزوعا دائما لليبرالية سواء الجديدة أو الكلاسيكية عن طريق إضفاء مفردات أو صياغات غير سياسية على ممارساتها وتحالفاتها وحتى على صراعاتها وحروبها، فعن طريق الخطاب الليبرالي بات من الممكن "تسمية الحرب من أجل حماية مواقع السُلطة الاقتصادية أو توسيعها بغير اسمها السياسي الحقيقي، فبات يجب جعلها بفضل البروباغندا حربا على الإرهاب أو حربا من أجل السلام أو من أجل الاستقرار، ولم يعد العدو هنا يُسمى عدوا، بل يتم إطلاق صفات غير سياسية عليه كإرهابي أو معتدٍ على السلم أو حتى خارج على القانون والإنسانية".

 

منذ الانقلاب العسكري في مصر ووصول السيسي لسُدَّة الحُكم، لم يستطع السيسي تكوين خطاب سياسي حقيقي أو بناء تحالفات سياسية سواء في الداخل المصري أو على المستوى الإقليمي إلا تحت غطاء نقد السياسة، كخطاب الحرب الإرهاب أو القضاء على التطرف والعمل من أجل الإنسانية والمحبة والسعادة كما جاء على لسان وزير الخارجية في تبرير حصار قطر بحجة أنها "لا تريد أن ترسم البسمة على وجوه الناس"، بيد أن الحيّز السياسي كما يوضح شميت هو أفق العصر الحديث، فما حدث بالضبط هو "تحويل الاقتصاد إلى سياسة، حيث إن تحالفا اقتصاديا يُصبح تحالفا سياسيا في اللحظة التي يسعى إلى خلق وضع على الأرض يسمح له باستخدام سلس لوسائل السُلطة الاقتصادية، كالقروض وتدمير العملة المحلية والصناعات الوطنية وغيرها"، لأنها في جوهرها عملية سياسية حربية تخدم اصطفافا لمصالح وقوى سياسية مُعيّنة على حساب مصالح فئات أخرى.

  

تتزايد مؤشرات التحول النيوليبرالي في عهد السيسي والنظام العسكري الحاكم التي بدأت بإعلان مصر تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بناء على توصيات صندوق النقد الدولي، تحرير سعر الصرف، ورفع الدعم التدريجي عن الوقود والسلع الأساسية، وفرض ضريبة القيمة المُضافة، وأخيرا توقف الدولة عن العديد من أدوارها الاجتماعية كالقطاع الصحي الحكومي، والبدء في خصخصته وتمليكه لمستثمرين أجانب ومصريين لتحويله إلى مشاريع صحية استثمارية وربحية، تتم تلك العمليات بدون نقاش سياسي حولها، بل يتم تبنّيها تحت خطاب عن انفتاح مصر للعالم ومحاربتها الفكر المتطرف الظلامي، ويأتي المُنتدى في شرم الشيخ كمناسبة تسويقية على استعداد الدولة المصرية لحماية مصالح التحالفات الاقتصادية وتنظيم المؤتمرات والاحتفالات.

   

    

 وفي إحدى رسائله التي أوضحها السيسي في المؤتمر، ظهر انفصال الدولة عن مسؤولياتها التنظيمية الأولى، والتي زادت من الهوة بين الدولة والمواطن، ليعلن أن الدولة غير قادرة على رفع كفاءة المنشآت التعليمية كل عام دراسي، أو غيرها من المنشآت الحكومية الأخرى كالمستشفيات والتي تتراجع كفاءتها باستمرار، مضيفا أن "الظروف الاقتصادية الصعبة لمصر تجعلنا لا نمتلك سوى الأفكار والمبادرات"، ليحيل السيسي هذه المسؤولية باتجاه  رجال الأعمال والاستثمار الخارجي والمبادرات الفردية في استلام مهمة رفع كفاءة البنية التحتية للدولة مقابل السماح باستثمارها وتحقيق المزيد من الأرباح حتى لو كان ذلك على حساب حق العديد من المواطنين المصريين في الحصول على علاج يتناسب مع قدرتهم المادية كواحد من أبسط حقوق المواطنة.
 
وبهذا المؤتمر الذي استند في سعي الدولة المصرية لترويج صورة المحبة، وسعيا منها لترميم سمعتها الأخلاقية التي تدهورت منذ الانقلاب العسكري وما صاحبه من مجازر واعتقالات، يبدو الواقع وما تؤكده تلك الرسائل التي تصل لما يمكن أن يمتد لحياة المصريين أنفسهم منفصلا تماما عن أي مضمون حملته صورة المؤتمر، ليطرح الكثيرون اقتباسا من رواية ميلان كونديرا يبدو مشروعا: إنها حفلة للتفاهة! 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار