انضم إلينا
اغلاق
القضاء المصري وعبد الناصر.. قصة انهيار القانون في مصر

القضاء المصري وعبد الناصر.. قصة انهيار القانون في مصر

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

ظهيرة يوم 28 (مارس/آذار) عام 1954 خرجت عدة تظاهرات عمالية بتوجيه من "هيئة التحرير" رافعين شعار "لا للديموقراطية"، ومطالبين باستكمال الثورة، وهاتفين بحياة الجيش وعبد الناصر، ومنادين بسقوط الأحزاب والنقابات "الرجعية" وسقوط الدستور والحرية والديموقراطية، وفي اليوم التالي قبل ظهر يوم 29 مارس 1954 توجهت مجموعة من عمال النقل، من بينهم أشخاص يوزعون منشورات مكتوب عليها "أوان الديموقراطية لم يأت بعد"، إلى مقر مجلس الدولة بالجيزة، وما إن وصلوا هناك حتى علت هتافات ضد عبد الرزاق باشا السنهوري شخصيا، ينعتونه فيها بالجاهل والخائن ويهتفون بسقوطه وموته(1).

 

وما إن توقفت المسيرة خارج بوابة المجلس المغلقة، حتى دخل أحد الضباط إلى مكتب السنهوري وطلب منه الخروج إلى حديقة المحكمة لمخاطبة الموجودين فيها والتهدئة من روعهم، وبمجرد خروجه، اقتحمت جموع المتظاهرين فناء المجلس وانقض بعضهم على السنهوري بالسب والضرب، وحينئذ فقط فطن السنهوري أخيرًا بأن الأمر لم يكن مظاهرة يخاطب فيها المتظاهرين -كما ادعى الضابط-، بل هو اعتداء مبيّت عليه. سقط السنهوري باشا، الفقيه الدستوري الأنبغ في تاريخ مصر الحديث، على أرضية حديقة المجلس، وتلقى ضربا مبرحا كاد أن يموت على إثره لولا أن بعض السُّعاة حاولوا الدفاع عنه، ولم يتمكن شيخ القانون المصري من مغادرة مكان الاعتداء إلا بعد قدوم الصاغ صلاح سالم، والذي اصطحبه إلى الخارج، وهو -وفق إحدى الروايات- مدثّر بسجادة من مكاتب المجلس(2).

 

عبد الرازق السنهوري باشا (مواقع التواصل)

فيما بعد ستُعرف هذه الحادثة بـ "قصة ضرب السنهوري بالجزمة على سلم مجلس الدولة"، لكنها لم تكن مجرد حادثة تدل على تعامل الضباط الأحرار مع القضاة والقانون، بل حادثة سترسم مسار الصراع بين السلطة "العسكرية" في مصر منذ انقلاب يوليو وحتى قيام ثورة يناير وسقوط مبارك، وبين القضاء المصري وهو المؤسسة الأعرق على الإطلاق في تاريخ مصر الحديث وفي المنطقة العربية جلها، حادثة يستنبط منها المؤرخون حكمة تاريخية مفادها أن "نهاية خدمة الغز علقة، ونهاية خدمة العسكر ضرب الجزم"، وهي الحادثة التي لن تفتأ النخبة المصرية تتذكرها في كل حدث سياسي، سواء في عهد عبد الناصر أو السادات أو مبارك، وهذه الذاكرة هي ما ستكون سببًا جوهريًّا في نكسة ثورة يناير 2011(2).

حيث يُلقي تاريخ السلطة القضائية وصراع القضاة في مصر مع السلطة الحاكمة ضوءًا على عقل الدولة المصرية، فقد اختلط تاريخ القضاء في مصر مع تاريخها السياسي منذ دخول العثمانيين مصر وتعيينهم منصب "قاضي عسكر"، مرورًا باغتيال القاضي أحمد الخازندار، ثم الاعتداء على السنهوري، ثم مذبحة القضاة، ثم تظاهرات استقلال القضاء، وحتى مشاركة المحكمة الدستورية العليا ورئيس نادي القضاة في الثورة المضادة والتمهيد للانقلاب العسكري.

 

كما يلقي تاريخ القضاء في مصر ضوءًا على قلب الدولة المصرية، قلبها القانوني، حيث كان الدستور والقانون منذ عهد الخديوي إسماعيل ونشوء المحاكم يشكلان العماد الأساسي للدولة المصرية، ومن جهة أخرى، تعد المؤسسة القضائية مؤسسة اجتماعية تقبع في قلب المجتمع ويلجأ إليها المتخاصمون وتنظم الأحوال الشخصية، لذلك دأبت السلطة العسكرية دائمًا على محاولة السيطرة على القضاء، إلى أن تحقق لها الأمر.

 

"قاضي عسكر" بالدولة العثمانية (مواقع التواصل)

القضاء في العهد الملكي.. تأسيس دولة القانون

أمضت مصر قرنًا ونصفَ قرنٍ من الزمان في الإصلاحات القانونية والدستورية المتتالية حتى ظهر دستور عام 1923، وحتى اكتمل للقضاء المصري استقلاله وسيادته وشموله في أربعينات القرن العشرين، حيث يقول المستشار طارق البشري: "ثمّة أمران متلازمان لا يكتمل التكوين القضائي إلا بهما، أولهما: نظامي يتعلق بالتكوين المؤسسي المستقل للجهاز القضائي، وثانيهما: نفسي تربوي يتعلق بتكوين القاضي الإنسان"، وقد صدر قانون استقلال القضاء الأول في سنة 1943 في عهد وزارة الوفد التي رأسها مصطفى النحاس، وكان وزير العدل فيها محمد صبري أبو علم، وتحت ولايته صدر قانون استقلال القضاء، فيقول البشري: "كان استقلال القضاء قبل ذلك متحققًّا، ولكنه في تحققه كان يستند إلى الأعراف وضغوط الرأي العام دون أن يكون أحكامًا مقننة، كما كان يستند أيضا إلى مجموعة من الأحكام وردت في دستور 1923، الذي أقر استقلال القضاء، وأن لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأنه ليس لأي سلطة في الحكومة التدخل في القضايا"(3).

 

ويذكر المستشار البشري أن الظرف الاجتماعي والسياسي حينذاك كان مهيئًا لصدور قانون استقلال القضاء، فمن جهة كان الرأي العام قويًّا و ضاغطًا على الحكومة والأحزاب، ومن جهة أخرى كانت وزارة العدل ضعيفة لكثرة تغيير الوزراء فيها، إذ تداول وزارة العدل -وكانت تسمى وزارة الحقانية- على مدى خمس وسبعين سنة من 1878 إلى 1953 نحو 60 وزيرا، وتداولها في ظل دستور 1923 من مارس 1924 حتى قيام الجمهورية في 1953 نحو 38 وزيرا، مما أعطى للقضاء مساحة كبيرة للاستقلال والتحرك في المجال العام(3).

كما أن خلال أربعينات القرن العشرين، وتحديدًا في 1949 انتهت المحاكم المختلطة، وهي المحاكم التي نشأت بموجب ما كان مقررًا من امتيازات للأجانب في مصر، والتي نُظمت في القرن التاسع عشر بموجب اتفاقية عُقدت مع الدول الأوروبية والغربية صاحبة الامتيازات، وعندما ألغيت تلك المحاكم استرد القضاء المصري سيادته القضائية على كل من يقيم بأرض مصر(3).

 

ثم صدرت مجموعات التقنينات الكبرى غير المنقولة عن القوانين الأجنبية وغير المترجمة عنها، فحسب ما يذهب إليه المستشار البشري، كان القانون المصري منذ عرفت مصر التقنينات الحديثة والمحاكم الأهلية في أوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر تقنينات مأخوذة كلها من القانون الفرنسي، سواء القانون المدني أو التجاري أو البحري أو المرافعات أو الجنائي أو الإجراءات الجنائية، وهي القوانين التي تشكل صميم المرجعية القانونية للمحاكم والقضاء، إلى أن صدرت مجموعة جديدة من التقنينات والصيغ القانونية الجديدة التي يقول عنها البشري إنها غير منقولة من أي قانون أجنبي(3).

كتاب "القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء" للمستشار "طارق البشري" (مواقع التواصل)

وكان أول هذه التقنينات الجديدة هو القانون المدني، الذي كان للمستشار عبد الرزاق السنهوري أكبر الأثر في وضعه، يقول البشري: "وهو، وإن لم تكن الشريعة الإسلامية مصدره التشريعي، إلا أنه كان قانونًا غير مفروض من أجنبي، ولا كان تابعًا لفقه دولة أجنبية محددة ولقوانينها كما كان القانون السابق عليه، بل كان قانونًا يعكس الخبرة المصرية في الفهم وفي التطبيق حسبما استقرت أحكام المحاكم سابقًا، كما كان قانونًا يمثل خيارات مصرية في تقرير الأحكام وفي الاستفادة من خبرات الخارج"(3).

ثم صدرت مجموعة تقنينات أخرى جديدة مأخوذة من الشريعة الإسلامية، فصدرت تباعًا في السنوات من 1943 إلى 1948م، منها قانون الميراث والتركات وقانون الوصية وقانون الوقف، يقول البشري: "لم يكن قد قُنن من أحكام الشريعة قبل ذلك إلا مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بشؤون الزواج والطلاق والنفق، فضلا عن اللائحة الخاصة بنظام المحاكم الشرعية وتشكيلاتها وترتيبها وإجراءاتها، أما ما عدا ذلك فكانت المحاكم تستقي أحكامها من كتب الفقه المعتمدة حسب الرأي الراجح في مذهب أبي حنيفة، فجاءت هذه التقنينات الحديثة لتختار من أقوال المذاهب المختلفة ما يناسب أوضاع العصر وظروف البيئة.(3).

وكان التتويج الأكبر في تلك الفترة هو إنشاء مجلس الدولة في 1946، والذي سمح للأفراد بأن يرفعوا الدعوى على الحكومة، وجعل ممارستها للسلطة تحت رقابة القضاء، كما أخضع القرارات التي تصدر من سائر الوزارات والمصالح المتعلقة بالمواطنين لرقابة محاكم مجلس الدولة التي تنظر في مدى مشروعية أي قرار من هذه القرارات وسلامته القانونية وعدم انحراف السلطات في إصدار أي قرار"وبإنشاء مجلس الدولة انبسطت الحماية القضائية على كل أنشطة المجتمع وكل معاملاته وعلاقاته، وقد بُني مجلس الدولة من مادة القضاء المصري نفسها"(3).

ونتيجة لتلك الجهود والإصلاحات القضائية، ظهر في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر نخبة قانونية حاكمة، تغلغلت في نسيج المجتمع المصري واحتلت مكانة بارزة في تاريخه السياسي، فقادة الكفاح الوطني ضد الاحتلال الإنجليزي كان أغلبهم من القانونيين، بدءًا من مصطفى كامل ومحمد فريد إلى سعد زغلول وأصحابه ممن أسسوا حزب الوفد إبّان ثورة 1919، وصولًا إلى مكرم عبيد ومصطفى النحاس وأحمد ماهر وعلي ماهر والنقراشي والهلالي وغيرهم، وبجانب اشتغالهم بالقانون الذي كان لغة السياسة حينذاك، برزت أسماؤهم في المناصب السياسية وتولوا الوزارة أو المناصب الكبرى في الدولة "حتى إن تاريخ مصر السياسي في تلك الأعوام يقترب كثيرًا من كونه تاريخًا لعلاقات النخبة القانونية الحاكمة ببعضها البعض"(4).

أما في المجال الثقافي، فقد تشكلت النخبة الثقافية للمجتمع المصري حينذاك من أسماء القانونيين الذين عرفوا القانون واشتغلوا به، مثل أحمد لطفي السيد وحسين هيكل وفكري أباظة وعلي أمين في المجال الصحفي، إلى أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ويحيى حقي وتوفيق الحكيم وغيرهم ممن كان لهم الباع الأوسع في تطوير الحياة الأدبية حتى منتصف القرن العشرين، وإلى جانبهم نجد أسماء كبار القانونيين ممن كان لهم أيضًا الدور الرئيس في تسيير الحياة الاقتصادية بالبلاد، فمن طلعت حرب، وهو أيضًا من خريجي كلية الحقوق، إلى كبار المحامين ممن تولوا الشؤون القانونية للطبقة البرجوازية الجديدة في مصر وما علاها من كبار الرأسماليين(4).

فقد كانت النخبة القانونية أو ممن اشتغلوا بالقانون ودرسوه هم من يسيطرون على مقاليد الحكم والمناصب الكبرى، وكان لهم التأثير الأكبر في الحقل السياسي والاقتصادي والأدبي والثقافي، فكانت الفترة بين ثورة عرابي سنة 1882 وأزمة مارس 1954 هي الفترة الأهم في ازدهار النخبة القانونية، "وكان لهم في كل ذلك أثر فكري بالغ في ذيوع مفردات الحكم المدني الديمقراطي الحديث في خطابنا المعاصر، من قبيل «مبدأ المواطنة» وما يستتبعه من مساواة بين المصريين في الحقوق والواجبات دون التمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين، وكذلك مبدأ «الفصل بين السلطات»، و«استقلال القضاء»، وحماية «الحقوق الفردية» من عصف الدولة بها، إلى غير ذلك من المصطلحات حديثة العهد في معجمنا اللغوي، والتي لم يمض على استقرار المفردات الدالة عليها ونشرها في الثقافة العامة سوى قرن ونيف من عمر مصر الحديثة، ويرجع الفضل الكبير في تعميمها على نحو ما نعهد اليوم إلى ذلك الدور الفكري الرائد الذي اضطلعت به النخبة القانونية في مصر منذ مشارف القرن العشرين"(5).

 

صورة تجمع المستشار "عبد الرازق السنهوري" و"محمد نجيب" و"جمال عبد الناصر" في أحد اللقاءات (مواقع التواصل)

إلى أن حدث انقلاب يوليو، هنا كان يجب أن ينشأ الصراع بين النخبة القانونية التي تسيطر فعليًّا على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في مصر وبين النخبة العسكرية الجديدة التي جاءت من قاع المجتمع بثقافة عسكرية ضحلة لا ترتقي والنخبة القائمة، لكن هذه النخبة العسكرية "الحقيرة" على حد قول المؤرخين (5) قد لقنت أهل القانون درسًا عنيفًا، فضُرب السنهوري باشا بالأحذية على سلم مجلس الدولة الذي أُنشئ لمراقبة السلطة، ونُقل على إثرها للمشفى، وفي اليوم التالي اتَّهم السنهوري باشا الصاغ جمال عبد الناصر صراحة بأنه هو من دبر حادثة الاعتداء عليه، وأخبر زوجته بمنع عبد الناصر من الدخول عليه في غرفته، حتى تم استبعاد السنهوري باشا نهائيًّا، ليس من مجلس الدولة فقط، بل من الحياة السياسية المصرية كلها، لتنسدل الستائر على العهد الملكي وعلى سيادة القضاء والقانون، لكن هل كان السنهوري باشا ضحية حقًّا لنخبة عسكرية غاشمة كرهت القانون والسياسة والديمقراطية؟

جناية السنهوري والعهد الناصري

ومَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الجَوَادِ ...أَنْكَرَ أَظْلافَهُ والغَبَبْ

(أبو الطيب المتنبي)

يعود السبب المشهور تاريخيًّا للاعتداء على السنهوري باشا إلى موقفه خلال أزمة مارس 1954 حين آثر الوقوف مع التيار الديموقراطي مؤيدًا رأي محمد نجيب بعودة الجيش إلى ثكناته وإطلاق حرية الأحزاب السياسية، تمهيدًا لعقد انتخابات نزيهة في ظل دستور جديد كان للسنهوري دور كبير في صياغة أحكامه، إلا أن النخبة العسكرية الجديدة قد استخفت بسيادة القانون، وكسرت شوكته بالاعتداء على المستشار السنهوري، ثم عزله من منصبه القضائي، ومنعه من السفر لسنوات جزاء لمعارضته السلطة الجديدة، ثم راحت تُنشئ محاكم ثورية استثنائية خارج ساحات القضاء والقانون، ثم حاولت إخضاع السلطة القضائية كلها للسلطة العسكرية الاستبدادية (5).

 

لكن التاريخ الحقيقي به كثير من التفاصيل التي ينساها أو يتناساها المتحدثون عن بطولات السنهوري، فقد لعب السنهوري دورًا سياسيًّا بارزًا خلال الفترة التي سبقت حركة الضباط حتى عام 1954، بل إنه أمد انقلاب يوليو بكل الغطاء القانوني والتشريعات القانونية التي سهلت دخولهم لرواق الدولة المصرية العريقة. فالرجل الذى ضُرب على سلم مجلس الدولة في 29 مارس 1954 وكان بذلك ضحيةً شديدةَ الدراميةِ لرفض «العسكر» تبني دستور ديمقراطي جديد وعقد انتخابات نزيهة يختار فيها الشعب ممثليه بالبرلمان، هو أيضا الرجل نفسه الذى جلس على منصته القضائية في 31 يوليو 1952، وذلك بعد أسبوع واحد من قيام الجيش بانقلابه العسكري، فأفتى بأبسط ما يخالف أحكام دستور 1923، وهو من رفض الرأي القانوني السليم بوجوب استدعاء البرلمان ليحلف مجلس الأوصياء أمامه على العرش اليمين الدستورية، حيث تنازل الملك فاروق عن عرش مصر لابنه أحمد فؤاد الثاني، وفي تلك الحالة يوصي الدستور بأن يحلف مجلس أوصياء العرش، وهم هنا "الضباط الأحرار"، اليمين أمام البرلمان(5).

أمد السنهوري -ما بين انقلاب الجيش واشتعال أزمة مارس 1954- الضباط الأحرار، وعلى رأسهم عبد الناصر، بمختلف صور العون القانونى في مشروع "تطهير" الحياة السياسية

مواقع التواصل
 

بل أفتى السنهوري قائلا: "تضمن الفتوى الصادرة منا دعوة الحكومة إلى استخدام القوة إذا ما حاول مجلس النواب الوفدي المنحل الانعقاد من تلقاء نفسه"، الأمر الذي جعل وحيد رأفت عضو مجلس الدولة يثور في وجه السنهوري ومعه سليمان حافظ قائلا: "لا يليق بسدنة القانون وحرماته أن يستعدوا الحكومة على نواب انتخبهم الشعب لتمثيله، خاصة والوطن بصدد انقلاب عسكري لا يعلم إلا الله أين سيقود البلاد، وإن واجبنا كحقوقيين مدنيين أن نتضافر لمواجهة ما يصاحب تلك الانقلابات العسكرية من خطر على الحريات"(5).

 

ثم أمضى السنهوري الجانب الأكبر من تلك المرحلة الحرجة ما بين انقلاب الجيش واشتعال أزمة مارس 1954 وهو يمد الضباط الأحرار، وعلى رأسهم عبد الناصر، بمختلف صور العون القانوني في مشروع "تطهير" الحياة السياسية، فأسهم في صياغة بعض القوانين الحساسة للنظام العسكري الحاكم في تلك المرحلة، وأفتى في قسم الرأي في مجلس الدولة بتحصين هذه القوانين من الطعن عليها بالعيب أو العوار، كما صدرت في ظل رئاسته للمجلس أيضًا مجموعة مهمة من الأحكام القضائية المؤيدة لتلك القوانين(5).

 

وجاء على "غلاف مجلة روز اليوسف في عددها الصادر قبل أسبوع من وقوع الاعتداء على السنهوري أفضل تمثيل لما كان قد وصل إليه هذا الود والتعاون بين نخبة القانونيين والضباط الأحرار من حال، فجاء على الغلاف رسمًا كاريكاتيريًا لدستور البلاد الجديد المرتقب، وقد تأبطت ذراعاه ناصر ونجيب من كل ناحية، بينما يقوم صلاح سالم على الزفة كراقصة بالورد من الأمام، أما السنهوري فنجده في الخلف وهو يحتفي بالموكب الدستوري أيضًا عن طريق دق الصاجات، وسليمان حافظ من جنبه في مشهد مقارب لحركات الأراجوزات في الموالد"(6).

لم تكن جناية السنهوري باشا مجرد مغامرة شخصية لرجل من أنبغ العقول القانونية العربية في العصر الحديث، بل كانت مغامرة جماعية بإصلاحات قانونية وقضائية استمرت قرنًا ونيفًا

مواقع التواصل
 

من هنا نعيد النظر في واقعة الاعتداء على السنهوري باشا، ليس كاعتداء على حرية القضاء واستقلاله ووقوفه مع الديمقراطية، بل هي واقعة في إطار صراع سياسي دخله السنهوري بخوذة هيبته لكن بدون أي قفازات، فيما كان عبد الناصر يقف في وسط الحلبة معه جميع الأسلحة يسدد الضربات واللكمات للجميع، ويعلق المستشار أحمد مكي على واقعة السنهوري قائلا: "ولعل العبرة التي ينبغي أن يعرفها القضاة وغيرهم، هي أنه لا يجوز الخلط بين السياسة والقضاء، لأنه خلط بين الحق والهوى، والزهد والشهوة، ولقد أساءت السياسة إلى السنهوري، وانتقصت من رصيده الكبير"(6).

 

لم تكن جناية السنهوري باشا مجرد مغامرة شخصية لرجل من أنبغ العقول القانونية العربية في العصر الحديث، بل كانت مغامرة جماعية بإصلاحات قانونية وقضائية استمرت قرنًا ونيفًا، أي إن السنهوري كان يغامر بأسس الدولة العربية كلها، كالسيد يعطي مجوهراته العريقة لمشردي الشوارع يلعبون به، وبناء على فتوى مجلس الدولة بإعطاء الضباط الأحرار حق الوصاية على عرش مصر واستبعاد البرلمان، كانت هذه الفتوى من مجلس الدولة وبمباركة قضاة مصر الكبار أول قطرة لغيث من التدابير "الثورية" العسكرية الخارقة في مجملها لمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء خلال الفترة ما بين انقلاب الجيش وأزمة مارس 1954، كمحاكم "الغدر" و"الشعب"، وحل الأحزاب والنقابات، وتحصين قرارات العسكر من رقابة مجلس الدولة عليه(7).

 

كذلك صدر في 18 يناير 1953 مرسوم بقانون اعتبر "كل تدبير اتخذه أو يتخذه القائد العام للقوات المسلحة بوصفه رئيس حركة الجيش التي قامت في 23 يوليو 1952، بقصد حماية هذه الحركة والنظام القائم عليها، من قبيل أعمال السيادة التي لا يجوز الطعن فيها أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة" وتعاقبت المراسيم بقوانين تعلن سقوط الدستور ثم حل الأحزاب وتحصين جميع التشريعات والتدابير الصادرة منذ 23 يوليو 1952 عن رقابة المحاكم، "وبينما بقي السنهوري على رأس قضاء إداري منزوع المخالب، لا سلطان لمجلس الدولة فيه حيال هذه التدابير الثورية المحصنة من رقابة المحاكم، استمر سيل المراسيم بقوانين صادرة عن وزارة نجيب، تارة بتعديل قانون الأحكام العرفية وإنشاء نوع جديد من المحاكم يجلس على منصة القضاء فيها خمسة من ضباط الجيش لمحاكمة أعداء النظام، وتارة أخرى باستحداث مجموعة من المحاكم الاستثنائية مثل "محكمة الغدر" في ديسمبر 1952، ومن بعدها "محكمة الثورة" في سبتمبر 1953، ثم إحالة أعداء النظام لهذه المحاكم الاستثنائية"(8).

مصطفى فهمي يدافع عن نفسه أمام محكمة الغدر (مواقع التواصل)

وفي عام 1958 أُنشئت محاكم أمن الدولة (طوارئ) والتي تعمل حتى الآن تحت مظلة قانون الطوارئ، بعد أن استتب أمر القضاء وخضع مجلس الدولة لنظام يوليو العسكري بعد أن أصدر عبد الناصر قرارًا بحل مجلس الدولة، وإعادة تشكيله على أساس قانون جديد لتنظيمه، وعزل السنهوري باشا عن الحياة السياسية بحجة مشاركته في العمل السياسي قبل الانقلاب، واعتقال المستشار حافظ بك زميل السنهوري، ومن هنا نفهم أنه بمجرد أن يوافق رجل القانون على خرق أحكام الدستور والقانون والمنطق القانوني والأخلاقي لتحقيق مصالح سياسية آنية، ثم الادعاء بالتمسك بهم في لحظات أخرى في سياق مصالح سياسية أيضًا، فهو لا ينطبق عليه ما ينطبق على رجال السياسة فقط، بل يفسد أي تجربة ديمقراطية أو عملية انتقال ديموقراطي، وهذا ما سيكرره التاريخ مرة أخرى بعد ثورة يناير(9).

 

استقلال واحتواء وأكاذيب أخرى مهدت لمذبحة القضاة

رغم ما أصاب القضاء من انهيار مع بداية قيام نظام دولة يوليو العسكرية إلا أن ذلك النظام لم يستطع أن يخرج على الإطار القانوني العام الذي صاغه فقهاء القانون على مدار قرن ونصف، وشكلوا خلال تلك الفترة النسق العام والأساسي للدولة المصرية، بل والعربية، ورغم انتهاكات الحكم العسكري لكل أعراف القانون والقضاء وبداية الإعلانات الدستورية والتدابير الثورية إلا أنهم أكدوا في كل فترات حكمهم، بداية من عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك وحتى عبد الفتاح السيسي، على التزامهم بالقانون ودولة الدستور والقانون، وفي كل مرة ينقلب الجيش على الحكم المدني لا يستطيع أن يُنكر تلك الأعراف(9)، وهذا ما جعل المستشار الكبير طارق البشري يقول إن العهد الناصري حافظ على استقلال القضاء ولم يتدخل فيه وأبقى الهيكل القضائي والقانوني كما هو وأقام المحاكم الثورية والاستثنائية خارج دوائر القضاء(10).

لكن عبد الناصر نفسه يوضح شيئًا آخر، أنهم فهموا أن القضاء هو جوهر الدولة وأساسها فتجنبوا الاصطدام معه مفضلين إخضاعه تدريجيّا، يقول عبد الناصر: "حقيقة إحنا لم نتدخل في القضاء منذ سنة 1952 حتى الآن! وكانت عندنا قاعدة إن إحنا إذا تدخلنا في القضاء وحاولنا نقول للقضاة احكم بكذا، وده أرقيه، أو أقرب ده أو أبعد ده، أبقى هدمت عمل أساسي للبلد.. واستقر الرأي على أنه لو كان فيه قضية سياسية بنعمل إحنا قضية سياسية، ونعمل إحنا أنفسنا قضاة، بدأنا هذا الموضوع بمحكمة الشعب، وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة هم اللي بيحاكموا.. وكان ده بيدّي الناس المعنى بأن القضية سياسية، ولنا فيها رأي فنبعدها عن القضاء، وإحنا اللي حنتحمل المسئولية أو بنعمل ثورة في هذا الشأن"(11).

جمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

ثم بدأ نظام يوليو في السيطرة على مؤسسات الدولة والمجال العام كله، فقام الاتحاد الاشتراكي العربي بفتح باب العضوية في يناير سنة 1963، فانضم إليه خلال أول ثلاثة أسابيع فقط قرابة الخمسة ملايين عضو، ممثلين بذلك رمزيًّا "اتحاد قوى الشعب العاملة"، لتوفر بذلك عمليًّا شبكة اتصال للنظام وقلبه الأمني مع مختلف فئات المجتمع، فالجميع أصبح عضوًا في الاتحاد الاشتراكي، من أول النقابات المهنية والاتحادات العمالية والنسائية والجمعيات التعاونية، إلى الوزراء وأعضاء مجلس الأمة وكبار موظفي الدولة وصغارهم، ومعهم بالطبع أعضاء نقابة المحامين وأساتذة القانون في الجامعات، فجميعهم مدعوون للاشتراك في صياغة دستور مصر تحت مظلة الحزب الواحد(12).

 

ولم يتخلف عن هذا الركب سوى القضاة، بحجة تعارض عضويتهم في الاتحاد الاشتراكي مع مبدأ استقلال السلطة القضائية، والذي يعلي من حيدة القاضي السياسية على المنصة، ويلزم معه عدم انتماء القضاة لأي تنظيم حزبي قد يؤثر على أحكامهم. على أن ذلك لم يمنع تنظيم الاتحاد الاشتراكي السري الذي أنشأه ناصر في يونيو 1963، بما أصبح يعرف بـ "التنظيم الطليعي"، من التغلغل في الجهاز القضائي أيضًا تحت عناية السيد محمد أبو نصير، أمين تنظيم القانونيين، فتم تجنيد العناصر الموالية للنظام وكتابة التقارير عن العناصر المناوئة له بين أعضاء النيابة والقضاء، ممن ظهرت أسماؤهم بعد ذلك في محاكمات أمن الدولة المعروفة بقضية "مراكز القوى"، وفق اعترافات سامي شرف وشعراوي جمعة، اللذين شكلا بدورهما تنظيمات سرية بين صفوف ضباط الشرطة والقوات المسلحة(12).

 

وأصبح المناخ السياسي مهيأ للتخلص من شوكة القضاة، ووُجهت لهم أصابع الاتهام بانتمائهم للرجعية ومعاداتهم للثورة، ثم ظهرت سلسلة مقالات علي صبري، الأمين العام للاتحاد الاشتراكي، نشرتها جريدة الجمهورية في صفحتها الأولى بين 18 و26 مارس 1967، تنادي بضرورة انضمام رجال النيابة والقضاء لعضوية الاتحاد الاشتراكي، وتنتقد مبدأ الفصل بين السلطات باعتباره "خرافة برجوازية" تقطع أواصر الصلة بين ممثلي قوى الشعب العاملة وقضاته، وتعزلهم عنه في أفكار رجعية مثل استقلال القضاء عن السياسة(12).

 

"علي صبري" الأمين العام للاتحاد الاشتراكي (مواقع التواصل)

   

وأتت هزيمة الجيش في يونيو 1967 لتؤجل مشروع ضم القضاة إلى عضوية الاتحاد الاشتراكي، فانتهز القضاة الفرصة وأصدروا بعدها بأقل من سنة بيان الجمعية العمومية للقضاة في 28 مارس 1968، الذي أعلنوا فيه رفضهم الرسمي للانضمام للاتحاد الاشتراكي على كافة مستوياته، مع المطالبة بعدم إشراك غير المتخصصين في أداء رسالة القضاء، جاء فيه: "صلابة الجبهة الداخليَّة تقتضي إزالة كافة المعوقات أمام حرية المواطنين، وتأمين الحرية الفردية لكل مواطن في الرأي، والكلمة، والاجتماع، وفي النقد والاقتراح، وكفالة الحريات لكل المواطنين، وسيادة القانون"(12).

 

ومما زاد الطين بلة أن القضاء خلال هذه المرحلة أخذ يصدر بعض الأحكام غير المستقيمة مع هوى النظام، فكانت براءة أسرة الفقي في الجناية رقم 22/1967 المعروفة بقضية "كمشيش" والتي اتخذها النظام ذريعة للتنكيل بمن تبقى من معارضيه سواء بالاعتقال أو الحراسة، عن طريق تشكيل ما عرف ب"لجنة الإقطاع"، وبرئاسة المشير عبد الحكيم عامر، ثم كانت الجنحة رقم 106/1967 والتي قضى فيها بإدانة أحد ضباط الشرطة لتهريبه سبائك ذهبية، فيما بدا تحديًّا صريحًا من القضاء لسلطات وزير الداخلية، ومن بعدها الجناية رقم 113/1968 والتي حكم فيها ببراءة الأستاذ محمود عبد اللطيف عبد الجواد المحامي من تهمة التآمر على قلب نظام الحكم، وكذلك الحكم ببراءة السفير محمد إبراهيم سوكة عن جناية التخابر مع دولة أجنبية(12)، حتى أتت انتخابات نادي القضاة فكانت صفعة غير مسبوقة لعبد الناصر.

 

نادي القضاة ليس ناديًا ترفيهيًّا

في العاشر من فبراير/شباط عام 1939 اجتمع -في مقر محكمة استئناف مصر- 59 من رجال القضاء والنيابة العامة، واتفقوا على تأسيس نادي القضاة، وحددوا هدفه بأنه "لتوثيق رابطة الإخاء والتضامن وتسهيل سبل الاجتماع والتعارف بين جميع رجال القضاء الأهلي والمختلط"، وكان هدفهم الحقيقي إنشاء هذه الرابطة للعمل على استقلال القضاء تمهيدًا لإلغاء المحاكم المختلطة، وقد ظهرت ثمار ذلك العمل بعد أربع سنوات عندما صدر في العام 1943 أول قانون لاستقلال القضاء.

شعار نادي القضاة المصري (الجزيرة)

يعرّف المستشار طارق البشري ماهية هذا النادي قائلًا: "فهو ليس ناديًا اجتماعيًا ييسر لأعضائه الخدمات الاجتماعية والثقافي، وهو أيضًا ليس شأنه فقط كشأن النقابات المهنية التي تقوم لرعاية أصول المهنة بين الممارسين لها وتحمي مستواها العلمي والفني، إن نادي القضاة كل ذلك وشيء آخر مهم، إنه كذلك الهيئة المشخصة لما يمكن أن نسميه "الجماعة القضائية" في عمومها والخاصة للقضاة، والنادي هو التشكيل المؤسس الوحيد الذي يجمع القضاة جميعًا بكل مستوياتهم ودرجاتهم ومحاكمهم وتخصصاتهم، وهم يعتبرون نحو تسعة أعشار من تتكون منهم السلطة القضائية حسبما حصرها الدستور، أما العشر الباقي مما حصره الدستور وأسماه، فهم مجلس الدولة والمحكمة الدستورية، وهذا ما يعطي النادي تفردًا شديد الخصوصية، ويجعل دوره يفوق دور النقابات المهنية؛ لأنه لا يحرس مهنة سامية فقط ولا يحرس تقاليدها وأعرافها وحسن أدائها فقط، لكنه يحرس عمل أعضائه الذين يشكلون سلطة من السلطات الدستورية"(13).

وبسبب تلك الخصوصية وذلك التفرد الذي تمتع به نادي القضاة، جاءت انتخابات النادي عام 1969 بما لم تشتهِ السلطة العسكرية فكانت مذبحة القضاة، حيث جاءت انتخابات نادي القضاة بالقاهرة في 21 مارس 1969، وانقسم المرشحون بين معسكرين، الأول مؤيد والآخر معارض لبيان 28 مارس 1968، وقام عبد الناصر بمباركة الجناح الأخير ودعمه، وقام بتعيين محمد أبو نصي، أمين التنظيم الطليعي عن القانونيين، وزيرا للعدل قبل الانتخابات(14).

 

إلا أن الرياح جاءت بما لم تشته السفن، فكانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد، إذ أسفرت الانتخابات عن فوز جميع المرشحين المؤيدين للبيان إلى حد الإجماع، فحصدوا كل مقاعد مجلس إدارة النادي، في تحدٍّ غير مسبوق للنظام، فكان رد عبد الناصر إصدار حزمة من القرارات الجمهورية بقوانين في أغسطس سنة 1969، أطلق عليها آنذاك رسميًّا اسم "قوانين الإصلاح القضائي"، وتعارف مؤرخو القانون على تسميتها فيما بعد بقوانين "مذبحة القضاء"(14).

 

لا سبيل لإصلاح الدولة إلا بإصلاح قانونها ودستورها، بل بإصلاح قضاتها ونزاهتهم فإن هم تحالفوا مع العسكري والطاغية والمستبد فقد ضيعوا حقوقهم وحقوق سائر الناس

رويترز
 

أول هذه القوانين قضى بتشكيل المحكمة العليا (الدستورية العليا حاليا) وكان الغرض منها قصر سلطة الرقابة على دستورية القوانين في يد مجموعة قضائية تطمئن السلطة التنفيذية إليها، ومنع المحاكم الإدارية من النظر في دستورية القوانين، وهي المحكمة التي ستصبح فيما بعدُ قلعة النظام القديم أثناء ثورة يناير وستمهد للانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013.

 

والقانون الثاني لنفس السنة أمر بإنشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية بذات الغرض، عن طريق هيمنة وزارة العدل على مقدرات القضاة في وظائفهم، وهو القانون الذي سيرسم مسارًا طويل الأمد من الصراع بين وزراء العدل في حقب كل من السادات ومبارك وبين القضاة، سيتوج ذلك الصراع بانضمام تيار استقلال القضاء للشارع المصري في 2006 ممهدًا لثورة يناير.

 

وقام القانون الثالث بعزل 189 قاضيًا من مناصبهم، بالإحالة إلى المعاش، أو النقل لوظائف أخرى بعيدًا عن منصة القضاء، وهو القانون الذي سيحفر ذاكرة أليمة في وعي القضاة ستجعلهم ينحازون للثورة المضادة خوفًا من أن يقوم محمد مرسي بتنفيذ قراره المماثل لقرار عبد الناصر والذي وصفه البشري بـ"الجريمة"، ثم أخيرًا كان القانون بحل مجلس إدارة نادي القضاة المنتخب، واستبدال آخر به تم تعيينه(15).

 

وبذلك أتم نظام يوليو آخر حلقات انهيار مبدأ الفصل بين السلطات، بعد أن استولى عبد الناصر على حق إصدار التشريعات، كذلك بعد تنازل مجلس الأمة عن اختصاصه لرئيس الجمهورية بعد هزيمة يونيو 67، وبذلك ظهر مصطلح "دولة الدستور والقانون" التي لا تستطيع أن تجد لنفسها مكانًا خارجًا عن النظام القانوني المدني الذي انقلبت عليه، وفي الوقت نفسه لا تجد مندوحة في استباحة كل الأعراف القانونية والدستورية بمباركة رجال القانون أنفسهم، وهو الأمر الذي سيحدث مرة أخرى بعد ثورة يناير، كي يعرف من يقرأ التاريخ أن لا سبيل لإصلاح الدولة إلا بإصلاح قانونها ودستورها، بل بإصلاح قضاتها ونزاهتهم فإن هم تحالفوا مع العسكري والطاغية والمستبد فقد ضيعوا حقوقهم وحقوق سائر الناس.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار