انضم إلينا
اغلاق
"زمن المؤقتين".. كيف ودعنا الأمان الوظيفي للأبد؟

"زمن المؤقتين".. كيف ودعنا الأمان الوظيفي للأبد؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

تعاني السيدة "م. أ" من قلق دائم، يستمر منذ لحظة استيقاظها في الصباح، ولا يتركها حتى في ساعات النوم الذي ما عادت تستغرق فيه إلا قليلا. ترك هذا القلق أثره على صحتها، فباتت تشعر بوهن شديد وإرهاق مستمر. وصار القيام بمهامها كأم، أو حتى قضاء وقت خالٍ من الهموم مع عائلتها الصغيرة شديد الصعوبة. حوّل القلق السيدة "م. أ" إلى مجرد شبح من ذاتها السابقة، فهي لم تكن دائما هكذا، بل تعزو تدهورها لحدث بعينه، قلَبَ حياتها رأسا على عقب.

  

تروي "م. أ" لـ "ميدان": "بدأ كل شيء منذ سبعة أشهر. ذهبت لشركتي ذلك الصباح كما اعتدت أن أفعل منذ سبع سنوات. بدا صباحا عاديا لا ينبئ سوى عن يوم عمل معتاد. عندما استدعانا رئيس الشركة لاجتماع عاجل دون سابق تنبيه، ظننت وزملائي أنه سيكون اجتماعا روتينيا آخر، لكن في اللحظة التي وطئت فيها أقدامنا غرفة الاجتماعات، عرفنا أن شيئا ما ليس على ما يرام. لم يُطل الرئيس لحظات انتظارنا، وقبل حتى أن تبدأ تكهناتنا، ألقى علينا بالقنبلة: تعرضت الشركة لخسائر فادحة في الربع الأخير، وبناء عليه، ولتقليل النفقات حتى تستطيع الاستمرار، سيُسرَّح نصف عدد العاملين في الشركة. ساد الصمت المكان، ومنذ تلك اللحظة، لم تعد حياتي لما كانت عليه أبدا".

  

ومع كل ما تعانيه الآن، لم تكن السيدة "م. أ" في واقع الأمر ممن طردوا، وتكمل حديثها لـ "ميدان" بقولها: "تنفست الصعداء عندما علمت أني سأحتفظ بوظيفتي، لكن راحتي تلك كانت لحظية. أشعر دائما أنها مسألة وقت قبل أن ألحق بزملائي، وأجد نفسي أنا أيضا بلا عمل. لا تغيب عن ذهني الأسئلة ليلا ولا نهارا، أُفكر: عندما يحدث هذا ماذا عساي أفعل؟ حتى هذه اللحظة، لم يجد زملائي ممن سُرحوا عملا بديلا، وتعرض الكثير منهم لأزمات مادية عسيرة، ولا يعلم أحد متى سيجدون وظيفة.

    

  

أرتعد من مجرد التفكير أن هذا هو مصيري المحتوم، يُشكل راتبي نصف دخل البيت، ومن دونه لن نستطيع أنا وزوجي أن نوفر لفتاتينا حياة كريمة. أحاول قدر الإمكان أن أعمل باجتهاد، وأن أُثبت أهميتي لمرؤوسيّ، لأَحُول دون حدوث هذا، لكنّ خوفي لا يغادرني، ولا أتمكن من منع نفسي من البحث أثناء ساعات العمل عن وظائف بديلة. أعجز عن إيجاد أي وظيفة ملائمة لي، فأزداد قلقا على قلق. أتمنى حقا لو كان هناك ما يمكن أن أفعله لأوقف كل هذا، لكني عاجزة تماما، أمري ليس ملك يدي".

   

ليست السيدة "م. أ" وحدها بالطبع فيما تعانيه. فاليوم، لم يعد الأمان الوظيفي سوى شيء ينتمي لماضٍ بعيد؛ ماضٍ كان الموظف فيه يقضي حياته المهنية، منذ التخرج وحتى التقاعد، يعمل لدى مرؤوس واحد، ولم تكن التسريحات وتقليصات العمالة سوى حوادث نادرة الوقوع، لا تؤثر غالبا سوى في العُمّال البسطاء، ولا يصل مداها أبعد من هذا في السلم الوظيفي. أما اليوم، فوفقا لموقع ذي بروكر، صار غياب الأمان الوظيفي ببساطة هو المعتاد. [1]

   

ومثل السيدة "م. أ"، يترك ذلك الغياب الموظفين في حالة نفسية سيئة، ويحوّلهم من عاملين منتجين إلى فرائس سائغة للقلق والاكتئاب. فوفقا لبحث جاين نولان[2]، يتعرض الموظفون العاملون في بيئة عمل غير مستقرة لمعاناة نفسية تعادل، وفي بعض الأحيان تفوق، من تعرضوا للتسريح. فعلى عكس ما حدث للذين طُردوا بالفعل، يجد الموظفون الخائفون من الطرد أنفسهم في موقف يخيم عليه عدم وضوح الرؤية، فلا هم واثقون من مستقبلهم في الشركة فيعملون في راحة بال، ولا هم تعرضوا للطرد فيتفرغون للبحث عن أماكن عمل بديلة؛ بل يتأرجحون بين الأمل والخوف، ويتحكم فيهم القلق بشكل تام. ولا يتوقف التأثير النفسي لانعدام الأمان على الفترة التي يقضيها الموظف في شركته في حالة خوف، بل يظل يعاني بعدها من الاكتئاب لمدة تصل، وفقا لورقة عالمة النفس البلجيكية فاندر إلست، لثلاث سنوات.[3]

       

  

ويبقى السؤال: كيف ولماذا تحوّل العمل من ذلك الشيء الواضح البسيط، حيث يظل الفرد يعمل في المكان نفسه طوال حياته المهنية، إلى فضاء يخيم عليه انعدام اليقين، فتجد نفسك في غمضة عين قد تحوّلت من موظف بارع إلى عاطل عن العمل؟ وليس مكان العمل وحده معرضا لعدم الاستقرار، بل الوظيفة نفسها؛ فلم يعد من المتوقع بعد الآن أن تقضي حياتك المهنية كلها تعمل في الشيء نفسه، فوفقا للإحصاءات المنشورة في الفاينانشل تايمز، يقضي الموظف حياته المهنية يعمل من ثلاث إلى خمس وظائف مختلفة. [4] فكيف يحدث ذلك التحوّل؟

     

قفص البيروقراطية الآمن

إن سافرت بالزمن، ووصلت إلى عواصم أوروبا القرن التاسع عشر، بالتأكيد لن يعجبك ما ستراه. مصانع عملاقة في كل مكان، تُوظف أجراء وتعطيهم رواتب هزيلة لقاء ساعات عمل غير إنسانية تجعلهم يعيشون في ظروف معيشة لا تليق ببشر. وأمام هذا الامتهان، لم يكن حقا بمقدورهم الاعتراض خوفا من فقدان تلك المبالغ الهزيلة التي تُبقيهم وعائلاتهم على قيد الحياة. المشكلة أنه حتى مع رضاهم بتلك المعاناة، فقد وجدوا أنفسهم أغلب الوقت معرضين لفقدان وظائفهم، ففي عام 1850، وصلت نسب فشل الشركات والمصانع المنشأة حديثا إلى 70%، ما ترك 40% من العُمّال عاطلين عن العمل. كان عدم الاستقرار الوظيفي أزمة تهدد العاملين حينها مثلما تهدد العاملين اليوم.[5]

 

وجد ماركس في هذا سببا كافيا لقيام ثورة عمالية واسعة على نظام العمل المجحف ذاك، ثورة تُعيد للعمال كرامتهم وتوفر لهم وظائف دائمة ومستقرة، وتضع النهاية للنظام الرأسمالي. لكن ما تنبأ به ماركس لم يحدث أبدا. يقول أستاذ علم الاجتماع ريتشارد سينيت في كتابه "الثقافة الجديدة للرأسمالية" عن هذا: "لم يكن بمقدور هذا الشكل البدائي للرأسمالية أن يستمر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، فقد كان يقدم دافعا قويا للشعوب للقيام بثورات. على مدار أكثر من مئة عام، ما بين 1860 وحتى 1970، تعلمت الشركات فن الاستقرار، ما جعلها تضمن دوامها وزيادة عدد العاملين بها". لكن كيف حدث هذا؟ [6]

      

     

يجيب سينيت: "أُنقذ أصحاب رؤوس الأموال من الثورات عن طريق تطبيق النموذج العسكري على الرأسمالية"، ثم يضيف: "يعود لماكس فيبر الفضل في تحليل عسكرة المجتمع المدني في نهايات القرن التاسع عشر، ونعني بمصطلح "عسكرة المجتمع المدني" أن الشركات صارت تعمل بشكل مقارب للجيوش، حيث لكل شخص مكان ووظيفة محددين وثابتين". [7]

 

يبيّن سينيت ما يعنيه بشكل أوضح في موضع تالٍ ويقول: "في المؤسسات البيروقراطية، كما في الجيش، تتشكل المؤسسة على هيئة هرم. كل مكتب في هذا الهرم، وكل جزء منه، له وظيفة محددة؛ وكلما صعدت أعلى التسلسل القيادي، قلّ عدد الأشخاص في مواقع السيطرة. وبالعكس، كلما تحركت لأسفل، تجد أن في مقدور المؤسسة استيعاب عدد أكبر من الأشخاص من غير ذوي السلطة". قضى العالم النصف الأول من القرن العشرين في الحرب، بحيث صار من غير الغريب أن تتأثر مؤسسات المجتمع المدني من تشكيل الجيوش. [8]

 

وقد كان للنموذج العسكري هذا أكبر الأثر في جعل مؤسسات العمل أماكن مستقرة. ففي تسلسل السلطة الذي بيّنه سينيت، يملك كل شخص وظيفة محددة وثابتة، ومسارا وظيفيا مرسوما، منذ لحظة دخوله للمؤسسة، وحتى إحالته إلى المعاش. هذا بالإضافة إلى تطبيق المؤسسات لسياسات تُفضّل خطط العمل طويلة الأمد، ذات الأرباح الجيدة على المدى البعيد، بدلا من اللجوء لسياسات متهورة تحقق أرباحا سريعة وتعد بالفشل في نهاية المطاف، مما ساهم في خلق حالة من الأمان الوظيفي. ليس هذا فقط، بل ساعد النموذج العسكري أيضا في تقليل نسب البطالة: "فكما يستطيع الجيش أن يستوعب عددا غير محدود من المقاتلين في صفوف جنود المشاة، استطاعت المؤسسات قديما استيعاب عدد كبير من الموظفين في المراتب الدنيا من الهرم الوظيفي". [9]

     

   

وبناء عليه، فكثيرا ما كانت المؤسسات تُلحق بها عمالة زائدة لا تحتاج إليها بشكل حقيقي، فقط من أجل الحفاظ على السلام الاجتماعي عبر إدماج الجميع في العمل. وكان هذا بالطبع يأتي نزولا على أوامر الحكومة، التي رأت أن الحفاظ على السلام الاجتماعي سيحول دون قيام ثورات، وعدّتها أولوية تفوق أي شيء آخر. يكتب سينيت: "في ألمانيا تحت حُكم أوتو فان بيزمارك، بدأ تطبيق هذا النموذج العسكري على الشركات ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل الحفاظ على استتباب الأمن، وللحيلولة دون قيام ثورات. فالفقير، مهما بلغ فقره، غالبا لن يثور طالما شعر أنه يمتلك وظيفة ومكانا محددا في المجتمع، على عكس الفقير الذي لا مكان له".[10]

   

ومن هنا، امتلكت حياة الموظف والعامل هيئة محددة وثابتة، أمكنه من خلالها، وللمرة الأولى ربما، أن ينظر إلى المستقبل بشيء من الثقة، ويضع خططا طويلة الأمد لحياته. فالعمل بالنسبة لموظف أمس، مثلما هو لموظف اليوم، هو المحور الذي ترتكز عليه حياته، ومن هنا، فمن الضروري أن يظل هذا المحور ثابتا ومستقرا ليضمن استقرار شتى مناحي تلك الحياة. رأى الموظف من هنا حياته المهنية، على حد تعبير سينيت، كسُلّم، قد يرتقي درجة أو يهبط درجة، لكنه يظل يمتلك مكانا ما فوقه.

  

لم يكن هذا النموذج بالطبع بلا سلبيات. يكتب سينيت عن هذا: "إلى الحد الذي ساهمت فيه البيروقراطية في إرساء الاستقرار الاجتماعي، حيث شعر فيبر بشيء من الإعجاب نحوها. لكن انتابه أيضا قلق عميق من العواقب التي يجرها ذلك الاستقرار البيروقراطي على حياة المرء. فالشخص الذي يقضي حياته الوظيفية كلها في مؤسسة بيروقراطية يعيش فيما شبّهه فيبر بـ "قفص حديدي". أو إن استخدمنا مجازا آخر، تصبح حياته كما لو أنه يصعد أو يهبط فوق درجات سُلم في بيت لم يصممه، يعيش حياة صممها شخص آخر له".[11] من هنا، كان على موظف البيروقراطية أن يدفع ثمن استقراره، فلقاء أمانه الوظيفي كان عليه التضحية بحريته. فيعيش حياة مستعارة، يقضي أغلب ساعات يومه وأغلب سنوات حياته المهنية في خدمة أهداف أشخاص آخرين. أما موظف اليوم، فلا يتمتع لا بحرية ولا باستقرار.

  

     

زجاج الحاضر الهش

"طوال معظم التاريخ الإنساني، تقبل البشر حقيقة أن حياتهم ستتغير فجأة بسبب الحروب أو المجاعات أو أي نوع آخر من الكوارث، وسيكون عليهم الارتجال حينها للنجاة. أما الغريب حِيال عدم اليقين اليوم، هو أنه موجود بلا أي كوارث حقيقية تلوح في الأفق؛ عدم اليقين اليوم موجود في نسيج الحياة نفسها التي صنعتها الرأسمالية"

ريتشارد سينيت[12]

   

إن بدا قفص البيروقراطية الحديدي منيعا وصلبا كصخر قادر على مقاومة أي شيء، فإنه في حقيقة الأمر كان بمثل هشاشة ذلك الصخر أمام موج البحر الذي يفتته بمضي السنين. أتت رياح التغيير على البيروقراطية الآمنة، وحطمتها بشكل شبه تام. أول هبّات تلك الرياح تبدّت في التغير الكبير الذي شمل الأنظمة الاقتصادية في نهايات السبعينيات، حيث تحوّلت الشركات من كيانات قومية إلى مؤسسات ضخمة عابرة للقوميات بفضل العولمة الاقتصادية. ومن ثم صار من الصعب، أو من المستحيل تقريبا، أن تفرض الحكومات سيطرتها على تلك الكيانات التي ما عادت تنضوي تحت لواء بلد بعينه. العكس هو ما حدث، باتت الكيانات الاقتصادية الكبيرة تتحكم وتتلاعب بالسلطة لتخدم مصالحها، لتتشكل تلك العلاقة "الآثمة" بين رؤوس الأموال والسُّلطات التي ما زالت لها اليد العليا في التحكم في سياسات معظم دول العالم إلى اليوم.

  

لم يكن من مصلحة تلك الشركات أن تُعيّن عددا كبيرا من الموظفين الذين لا حاجة إليها بهم فقط لضمان أمان اجتماعي لا تكترث له. ومن هنا، انطلقت الشركات الكبيرة في بداية الثمانينيات في عمليات إعادة الهيكلة للعاملين لديها، وأسفرت عمليات إعادة الهيكلة عن تقليص حاد للعمالة. فبين العامين 1987 و1991، قلّصت أكثر من 85% من أكبر 1000 شركة في العالم عدد العاملين بها، لينتج عن هذا خسارة 10 ملايين شخص لوظائفهم حتى مطلع التسعينيات. [13]

    

تحوّل سوق العمل ليصير كغيره من الأسواق، معتمدا بشكل شبه تام على آليات العرض والطلب

الجزيرة
   

وقد ساهم التقدم التكنولوجي للبرمجيات والحواسب في هبوب ثاني رياح التغيير العاتية. فبفضله، صارت قادرة على التخلص من قاعدة الهرم البيروقراطي، ذلك الذي كان بوسعه أن يشمل عددا غير محدود من العاملين ويسند إليهم وظائف روتينية. فصارت برامج رخيصة الثمن نسبيا قادرة على القيام بمهام أولئك العاملين، ومن ثم لم تتردد الشركات كثيرا قبل أن تسرحهم. [14] قد تفكر، بالتأكيد عرَّض هذا التغير الحاد الموظفين في الدرجات الدنيا من الهرم الوظيفي لمتاعب لا حصر لها، لكنّ الموظفين الأعلى شأنا الذين يقومون بمهام معقدة لا تقدر عليها الآلة بقوا مستقرين، أليس كذلك؟ الإجابة القاطعة، هي: نعم، ليس كذلك.

  

فبعد أن كان محميا من الحكومات والنقابات والتجمعات العمالية، تحوّل سوق العمل ليصير كغيره من الأسواق، معتمدا بشكل شبه تام على آليات العرض والطلب؛ فصاحب المهارة المطلوبة بكثرة سيجد عليه طلبا من الشركات، وصاحب المهارة غير المطلوبة لن يجد وظيفة سوى بصعوبة. يبدو هذا بديهيا تماما، والتصرف حياله بديهي أيضا، تعلم المهارات المطلوبة بكثرة ولن تجد صعوبة في إيجاد وظيفة مستقرة، أليس كذلك؟

  

واقع اليوم أكثر تعقيدا من هذا. فقد جعل التطور التكنولوجي الذي يسير بسرعة غير مسبوقة كل شيء في مهب الريح، فالمهارة المطلوبة اليوم بكثرة، قد تستيقظ غدا لتجد أن أحدا لم يعد في حاجة إليها. لن يحميك حينها حتى كونك تعمل في شركة بالفعل ولست خريجا جديدا في بداية رحلة البحث عن وظيفة، فالشركة التي تعمل لديها إن وجدت أن مهاراتك لم تعد مهمة بالنسبة لها، فلن تتردد كثيرا قبل طردك، مثلما حدث مع زملاء السيدة "م. أ"، ومع موظفي شركة آي بي إم (IBM) في مطلع التسعينيات. [15]

  

"IBM" في مطلع التسعينيات: دراسة حالة عن غياب الاستقرار
مدير شركة "آي بي إم" حتى منتصف الخمسينيات "توماس واطسون" (مواقع التواصل)

 

حملت سياسات رجل الأعمال الأميركي ومدير شركة "آي بي إم" حتى منتصف الخمسينيات، توماس واطسون، الشركة إلى قمّة صناعات التقنية، وظلّت متربعة فوقها لعقود طويلة. إحدى أهم تلك السياسات كان نشر ثقافة الاستقرار بين مهندسي الشركة، ففي لحظة تعيينك في "آي بي إم"، يمكنك أن تتوقع البقاء هناك حتى تُحال إلى المعاش، وتتدرج في هذا سلالم الهرم الوظيفي بمرور السنوات. كما اهتمت الشركة بالصحة النفسية للعاملين، فوفرت لهم ولعائلاتهم اشتراكات مجانية في ملاعب ونوادٍ للترويح عن أنفسهم في العُطلات. مات واطسون في منتصف الخمسينيات، وظل إرثه حاضرا بعدها لعقود طويلة. لكن في مطلع التسعينيات، تغيّر كل شيء.

   

ظل رهان الشركة حتى التسعينيات مقتصرا على الحواسب الضخمة (mainframe computers) التي تستخدمها الشركات والمؤسسات الكبيرة، ولم تلتفت كثيرا لسوق الحواسب الشخصية (personal computers) الآخذ في النمو. ولم تكتشف الشركة فشل ذلك الرهان سوى عام 1994، لكن الأوان كان قد فات؛ خسرت الشركة في ذلك العام أكثر من 6 مليارات دولار، وكانت مايكروسوفت قد استحوذت على سوق الحواسب الشخصية، ما جعل دخولها فيه شيئا صعبا للغاية. ما أول شيء فعلته الشركة في مواجهة تلك الخسارة الفادحة؟ تخلّصت من أكثر من ثلث العاملين في الشركة، 60,000 موظف. [16] معظم من تخلصت منهم الشركة كانوا مهندسين مختصين في برمجة الحواسب الضخمة، وعدد كبير منهم كانوا في منتصف العمر. دخل أولئك المهندسون المؤسسة وهم شباب صغير يمتلك مهارة مهمة ومطلوبة، وخرجوا منها وهم كهول مثقلون بخبرة في مجال لم يعد يحتاج إليه أحد.[17]

   

كيف تستغل الشركات عدم الاستقرار لمصلحتها؟

في ظل حالة عدم الاستقرار التي تخيّم على أماكن العمل اليوم، تسود مكاتب الموظفين أجواء سامة. فمن ناحية، تستبد حالة الخوف بالجميع، فلا أحد يضمن وجوده في عمله، ولا أحد يعرف بشكل يقيني إلى متى سيظل محتفظا بوظيفته. وكعَرَض جانبي لحالة الخوف تلك، تُضمر الأجواء نوعا من المنافسة بين زملاء العمل؛ فكل واحد منهم يود أن يثبت لمديره أنه الأجدر بالاحتفاظ بوظيفته. وأصحاب الشركات والمديرون يستغلون تلك المنافسة أسوأ استغلال، فيقسمون الموظفين إلى فرق متنافسة، ووحده الفريق الفائز هو الذي سيحوز على التقدير والحوافز، بينما لن يحصل الخاسرون على شيء، وربما يفقدون وظائفهم. يساهم كل هذا في تبديد أجواء الصداقة التي نشأت بين زملاء العمل، وإحلال المنافسة العدائية محلها. وإمعانا في استغلال عدم الاستقرار الذي تظن بعض الشركات أنه يُحفز الموظفين على العمل وزيادة الإنتاجية، تصطنع بعض الإدارات تلك الأجواء اصطناعا، وتخلق أجواء غير آمنة بشكل مقصود.

     

الأمر المثير أن سياسات تقليص العمالة، بكل ما بها من قسوة خالية من الإنسانية، لم تسهم أغلب الأحيان في أي ربح اقتصادي للشركات التي اتبعتها

مواقع التواصل 
   

فشركة مثل "جنرال إلكتريك"، وفقا لتقرير البي بي سي، تفصل بشكل دوري عشرة في المئة من الموظفين ذوي الأداء الأضعف، وتتبع بعض الشركات القانونية إستراتيجية "اصعد أو اخرج"، فالموظف الذي لا يحقق نجاحات كبيرة تؤهله لصعود السلم الوظيفي يُفصَل بشكل تلقائي. ومن طرق الاستغلال الأخرى التي تقوم بها الشركات هي وضع عبء زائد على الموظفين الذين لم يُفصلوا وفرض ساعات عمل طويلة عليهم، وكحال عُمال المصانع في القرن التاسع عشر، يرضخ موظفو اليوم لتلك الضغوط، فهم لا يملكون من أمرهم شيئا. [18]

   

الأمر المثير هنا أن سياسات تقليص العمالة، بكل ما بها من قسوة خالية من الإنسانية، لم تسهم أغلب الأحيان في أي ربح اقتصادي للشركات التي اتبعتها. ففي إحدى الدراسات التي شملت 1000 شركة قلصت عدد موظفيها، لم تزد نسبة الشركات التي حققت الأرباح المرجوة من التقليص سوى 22%. أما التأثير الحقيقي والمؤلم فهو ما نجده منعكسا على نفسية وحياة الموظفين الذين يعملون في مثل تلك الشركات، فهم من يجدون حياتهم تقف على المحك، يذهبون كل صباح إلى عمل لا يعرفون إذا ما كان اليوم هو آخر يوم لهم فيه، ويعيشون حياة لا يعلمون إن كانوا سيقدرون على تحمل تكاليفها في الشهر القادم أم لا. [19]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار