انضم إلينا
اغلاق
"اقتلوا الصراصير".. كيف يفسر العلم التلذذ بالقتل عند اليمين المتطرف؟

"اقتلوا الصراصير".. كيف يفسر العلم التلذذ بالقتل عند اليمين المتطرف؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

الغريب في الأمر، والذي قد يدعوك للكثير من التأمل ربما، أن الإرهابي الذي قتل يوم 3 أغسطس/ آب 2019 نحو ٢٠ شخصا في أحد متاجر وولمارت بولاية تكساس الأميركية، كان يعرف قبل الدخول أن المتجر مليء بالمواطنين، ليس لأن هذا هو يوم عطلة مزدحم، أو لأنه كان قد قام بالعد، بل لأن تلك هي العادة في هذا الوقت من العام، إنه موسم المدارس! (1)

   

تخلص من الصراصير

هل تتخيل ذلك؟ لقد قتل هذا الإرهابي، والذي ظهر فيما بعد أنه يميني متطرف آخر، قتل الناس وهم يشترون احتياجات المدارس لأطفالهم، سيكون هذا النوع من الأحداث هو إحدى العلامات الانتقالية في تاريخنا لفترة طويلة، ليس بسبب عدد الضحايا الكبير، أو بسبب طبيعة العملية نفسها والتي تتكرر بمعدلات متزايدة شيئا فشيئا خلال السنوات السابقة، ولكن بسبب مدى وضوح الفكرة للعيان في كل مرة، هؤلاء -ببساطة- لم يتعاملوا مع الضحايا كأنهم بشر، بل كأنهم "أشياء"، أشياء في لعبة إلكترونية، وكأنهم حسابات على لعبة "PUBG"، أشياء لا تختلف كثيرا في طبيعتها عن مجموعة من الحشرات كالصراصير، أو الحيوانات القابلة للصيد.

 

الصراصير، لقد سمعنا هذه الكلمة من قبل، هل تتذكر ذلك؟ في رواندا بين(2) أبريل/نيسان ويوليو/تموز 1994، حينما بدأت قبائل الهوتو عبر الجيش والميليشيات الخاصة في قتل كل ما تقع أيديهم عليه من مواطني التوتسي، في أثناء تلك المجزرة أنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية لنشر الكره والغضب الشديد ضد التوتسي، كانت الجملة الأشهر والأكثر تكرارا، لمئات المرات في اليوم الواحد، هي(3): "تخلص من الصراصير"، تسبب ذلك في مقتل نحو مليون شخص واغتصاب مئات الآلاف من النساء، معظم حالات القتل كانت بالساطور، إنها إحدى أعنف المجازر البشرية على الإطلاق.

   

    

لكن، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ كيف يصل الأمر بشخص ما أن يتعامل مع آخرين كأنهم مجموعة من الصراصير لا أهمية لحياتهم على الإطلاق؟ لقد نشأ البشر على تقديس الكيان الاجتماعي كجزء من غريزة البقاء بجانب الجنس والحاجة إلى الطعام، الإقدام على القتل هو قفزة عالية للغاية لا يمكن بسهولة أن تنفذها بتلك الصورة إلا حينما تفقد القدرة على إطلاق لفظ "إنسان" على شخص ما، فكيف يمكن أن يحدث هذا التحول؟

  

قبل عدة سنوات(4) قام "تشين بو زونج" مع "كاتي ليلينجيكويست"، متخصصا علم نفس المنظمات، بتجربة جديدة من نوعها، في التجربة: هناك مجموعتان من الأفراد، يتحدث القائمون على التجربة مع أفراد المجموعة الأولى حول أشياء عادية، الحياة الجامعية مثلا، أما أفراد المجموعة الثانية، فيستدرجونهم للحديث حول حوادث تصرفوا فيها بدرجة ما من عدم الأخلاقية، حوادث مشينة، ثم بعد التجربة يُعرض على كل فرد من المجموعتين أقلاما أو مناديل كهدية، تكون النتيجة العادية في عيّنة عشوائية هي أن يأخذ نصف الناس المناديل، والنصف الآخر الأقلام، لكن قد تتعجب حينما تكتشف أن معظم الحاضرين للتجربة الثانية سيودون الحصول على المناديل وليس الأقلام.

   

للبشر قدرة على استخدام فكرة "المجاز" بشكل بيولوجي بسبب تفعيلهم لمنطقة من المخ تُدعى القشرة الخزامية الأمامية. في التجارب السابقة، وهي فقط أحد الأمثلة من نطاق واسع سجّل نتائج جوهرية، أخذ الناس المناديل لأنهم يريدون التخلص من ذنوبهم عبر مسحها، وكأن المنديل هو رمز للتطهير عبر المسح، تجارب أخرى اختبرت رغبة المشاركين في غسل أيديهم أو الاستحمام بعد أحاديث مشابهة. في النهاية، فنحن نتمكّن بسهولة من ترميز العالم من حولنا، ونتعامل مع تلك الرموز كأنها حقائق، لكن أسوأ ما في الأمر أن ذلك قد يتخذ منحى كارثيا، لأننا قد نُقدم على القتل بسهولة لمجرد قدرتنا على ترميز الآخرين، كصراصير أو كقطع كباب لا قيمة لها.

    

كتاب "أكثر الناس حكمة" (the wisest one in the room) (مواقع التواصل)

    

لكن لا يزال سؤالنا قائما، كيف يمكن أن يصل إنسان ما إلى تلك الحالة؟ هناك مليارات البشر في العالم، وهم لا يقومون بالقتل العشوائي كل يوم، في تلك النقطة يمكن لنا أن نتأمل ما يسميه "توماس جيلوفيتش" و"لي روس" من ستانفورد، في كتابهما "أكثر الناس حكمة" (The Wisest One in the Room)، بـ "الواقعية الساذجة(5)"، وهي ميل الإنسان إلى الاعتقاد أنه يرى العالم بشكل موضوعي وصحيح، وأن أي شخص "طبيعي" من المفترض أن يرى العالم بالطريقة نفسها، وإلا فهو خاطئ.

   

يتطور الأمر لما هو أبعد من ذلك، حيث نضع -في بعض الأحيان- "هؤلاء" الذين لا يتفقون مع آرائنا وقناعاتنا في قائمة خاصة نسميها "هُم"، تلك المجموعة "المختلفة عنّا"، المتحيزة، الجاهلة، غير العقلانية، التي لا تستمع للصواب (رأينا)، بينما نحن عقلانيون أكثر كفاءة وخبرة، ثم نبدأ بعد ذلك في تعديد مزايا مجموعتنا الخاصة ومدى عقلانيتها في مقابل لا عقلانية، وغباء، وعجرفة المجموعة الأخرى المتآمرة علينا، بعد ذلك يصل الأمر إلى الحط من شأن الآخرين شيئا فشيئا حتى نقوم في النهاية بنزع إنسانيتهم عنهم، سوف نطلق عليهم -في مرحلة تالية- ألقابا من عالم الحيوانات والأشياء، سوف نسمّيهم مثلا "صراصير"، بعد نزع إنسانية أي إنسان يصبح كل شيء متاحا، على مدى تاريخ هذا الكوكب تسببت تلك الأفكار -وما زالت- في أكثر المجازر خطورة في تاريخ البشرية.

   

أين نعيش اليوم؟

أين نعيش اليوم؟ في علم النفس الاجتماعي والإدراكي نتعلّم أن البشر ليسوا عقلانيين بالكامل، وأن تفضيلاتهم بالأساس قائمة على انتماءاتهم السياسية والدينية، هناك درجة من "القَبَلية" في تفكيرنا جميعا، حيث يساعدنا انتماؤنا إلى توجه سياسي ما، على تعريف هويّاتنا، ما نحن عليه، ويعزز إحساسنا بذواتنا، وهو ما يمكن أن يكون أكثر أهمية بالنسبة إلينا من الدقة في مسألة ما، حتى إذا كانت الدقة أمرا يهمنا في العادة. هنا، سوف نميل إلى تصديق الأفكار التي تتماشى مع آراء حزبنا، مهما كانت غير معقولة.

     

هل تعتقد أن هناك أي اختلاف بين رسائل مثل "تخلّص من الصراصير" وتلك التي يراها مواطن أوروبي أو أميركي أو أسترالي يوميا في التلفاز وعلى وسائل التواصل؟

الجزيرة
   

لكننا، في المقابل من ذلك، نعرف أيضا أنه يمكن التحكم في هذه الدرجة من التحيز، يمكن لنا أن نتعامل كعقلانيين، أو نصحح أخطاءنا كلما وقعنا فيها. على سبيل المثال، في تجارب لـفيل فيرنباش(6)، من جامعة بون، سنة 2013، كان واضحا أن هؤلاء الذين تم تعريفهم بالحقائق، بهدوء وعقلانية، تراجعوا بشكل واضح عن تطرفهم، كذلك فإن تجارب عاموس تفرسكي ورفاقه في التسعينيات(7) أثبتت أنه على الرغم من التحيز فإن الأمور كانت أكثر "لطافة" حينما قُدمت للجمهور بصورة هادئة، لكن ذلك يحدث فقط في الأوقات العادية، أوقات الاستقرار، أمّا الذي نمر به الآن، في هذا العالم، فهو على العكس من ذلك تماما.

 

حينما ترتفع الأصوات اليمينية المتطرفة، تلك التي تنادي بتفوق أعراق على أخرى وديانات على أخرى وثقافات على أخرى، تلك التي تتناثر فيها التعليقات والإشارات من كل حدب وصوب تجاه فئات معيّنة من البشر على أنهم أقل في الذكاء والخبرة والدماثة، تسقط الشعرة العقلانية الرفيعة التي تربطنا بالواقع، كيف يمكن أن تتصرف إذا كانت الرسالة التي يعطيها أحدهم إليك يوميا هي أن هذا المُهاجر سوف يسرق مالك، سوف يسرق زوجتك، سوف يسرق عملك؟ هل تعتقد أن هناك أي اختلاف بين رسائل مثل "تخلّص من الصراصير" وتلك التي يراها مواطن أوروبي أو أميركي أو أسترالي يوميا في التلفاز وعلى وسائل التواصل؟

      

   

إن مواطنا عاديا، في أية دولة في العالم، بما فيها دولنا العربية، قد يتحول إلى جندي مجهول في جيش الهجوم المتطرف على المهاجرين أو المختلفين في الرأي أو المعتقد في أي لحظة، ورغم أن القفزة من شخص عادي إلى قاتل تتطلب الكثير من المعايير الأخرى، فإن رسائل كتلك ترفع من احتمالات حدوث ذلك حد السماء، ويمتد ذلك ليشمل السود، المرأة، اللاجئين، الأقليات، إلخ.

   

ومع تصاعد هذا النوع من الرسائل المتطرفة في العالم أجمع لا يمكن أن نتوقع إلا مزيدا من الفوضى في كل الجوانب، ومع صعود اليمين في عصر آثر الكثيرون تسميته "عصر ما بعد الحقائق"(8) (Post Truth Era)، لأن الكذب والأخبار المفبركة والخطابات التي تعمد لشحذ العاطفة وتنحية العقل هي أشبه ما يكون بعُملة هذا العصر المتداولة، لا يمكن أن نتوقع إلا المزيد من الكذب، المزيد من الإقصاء، المزيد من إطلاق الأحكام العنصرية المتطرفة فقط بغرض نيل مكانة سياسية.

   

في مجموعته الخاصة من التجارب، خلال عدة عقود مضت، يشير إيميل برونو(9) من معهد "إم آي تي" (MIT)، وهو مدرس كان يعمل متطوعا للخدمات الاجتماعية والطبية في المناطق التي تشهد حروبا ثم التفت لدراسة علم نفس الصراع السياسي، إلى أنه كلما ازداد التطرف انخفضت درجات تعاطف الناس تجاه الآخرين في حالة الخلافات السياسية، انخفضت لدرجة السعادة بموت الآخرين! لذلك فإن المشكلة التي نواجهها اليوم ليست فقط في متطرف إرهابي يميني يقتل عشرات الأشخاص، المشكلة في الأعداد المهولة من هؤلاء المُعَبَّأين بكل أنواع الرسائل المتطرفة على مدى سنوات، هؤلاء الذين سيصرخون بعد الحادث: "برافو، تخلص من الصراصير".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار