انضم إلينا
اغلاق
نبيّ أوروبا الحديثة.. ماكس فيبر والتشخيص المبكّر لعالم مظلم

نبيّ أوروبا الحديثة.. ماكس فيبر والتشخيص المبكّر لعالم مظلم

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض
مقدّمة المحرر

عند النظر في الحياة الشخصية لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، نجد أنها التمثيل الأدق لكتاباته وقناعاته الشخصية في العلم والسياسة، وفي طريقة مقاربة كلٍّ منهما. والنص التالي هو محاولة لرسم "بورتريه" للأحداث التي شكّلت قناعات فيبر، بالإضافة إلى آرائه في العلم الحديث والسياسة.

   

في بداية عام 1919، كانت ألمانيا على شفير الانهيار. فقد آلت الحرب الشاملة إلى حرب أهلية حرّضت الثوريين على الرجعيين، والأُمميين على القوميين، والمدنيين على الجنود. كانت ميونيخ أكثر الميادين دموية، على مدار أشهر قليلة، كان قد حكم المدينة ملك بافاريّ، ورئيس وزراء اشتراكي، وجمهوريّة سوفياتية. أُطيح بالأول، وقتل الثاني، بينما ذُبح أنصار الثالثة. "كل شيء بائس، كل شيء ملطخ بالدماء"، هكذا كتب فيكتور كليمبر، الأستاذ بجامعة ميونخ، في يومياته، "ودائما ما ستود أن تبكي وتضحك في آنٍ واحد".

   

ماكس فيبر (مواقع التواصل)

  

هذه الأحداث وضعت الإطار للمحاضرة المنتظرة طويلا: "السياسة كحرفة" والتي ألقاها في العام نفسه ماكس فيبر زميل كليمبر. وبعد مئة عام، تظل هناك قلة من النصوص التي يمكن الاسترشاد بها في وجه أحداث العنف والبؤس المتزايد في زماننا الحاضر وعالمنا الحالي. بوجه خاص، فإن نقاش فيبر حول السياسي الكاريزماتي، بالإضافة إلى تمييزه بين أخلاقيات الاعتقاد وأخلاقيات المسؤولية، يحمل صدى أكبر في عصرنا الحالي عن عصر فيبر.

     

قوة ثورية خلّاقة

عندما وصل فيبر إلى ميونخ في عام 1918، كان يُعرف بـ"أسطورة هايدلبرغ". وكان قد حاز على هذا اللقب في جامعته الشهيرة التي شُيّدت في القرون الوسطى حيث انتهت مسيرته المهنية الواعدة في التعليم فجأة إثر معاناته من انهيار عصبي. بعد شفائه، عاد فيبر لأبحاثه في القانون والتاريخ، ليضع أعماله المؤثرة "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" و"الاقتصاد والمجتمع". وأثارت صرامته المهنية واستقامته الشخصية إعجاب أصدقائه ومنتقديه على حدٍّ سواء.

    

  

دُهش الاقتصادي جوزيف شومبيتير بـ "التأثير العميق" لفيبر، في حين وجد الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرس في فيبر "إنسانا كرّس أفكاره لكل ما يمس الخبرة الإنسانية"، بينما أعلن السوسيولوجي روبرت ميتشلز أن فيبر كان "رجل ألمانيا المتألق والواعد، والمخلص في زمن عزّ فيه الرجال". كان ذلك الزمن عام 1914، عندما حاول فيبر بعمر خمسين عاما عند اندلاع الحرب التطوعَ للقتال ليتم رفض طلبه كما كان متوقعا. فخدم عوض ذلك في الجبهة الداخلية، مشرفا على إدارة عدد من المستشفيات. بفضل أسلوبه الدقيق المعتاد، أُسندت إليه شؤون بلغت بأهميتها ميزانيات الكوادر. وبما أن الجنود الجرحى كانوا يملؤون أقسام مستشفياته، تمكّن فيبر من رؤية الآثار المروعة لحرب الخنادق بأم عينه. فبالإضافة إلى تقديم العون للمشوّهين تحت رعايته، كان عليه استيعاب موت أخيه، وشقيق زوجته، والعديد من أصدقائه الذين لقوا حتفهم على الجبهة.

      

في البداية، كان فيبر يعتقد أن ألمانيا تخوض محض معركة دفاعية، لكنه سرعان ما استوعب أن مَن يُدير شؤون حكومته مجموعة من المغفلين والأشرار. وقد ترسّخت لديه هذه القناعة عندما كشفت الحكومة أنها سعت لإحكام قبضتها على فرنسا، وبلجيكا، وأجزاء من الإمبراطورية الروسية، وأن القيصر أطلق الغواصات الحربية لكي تهاجم السفن التجارية وسفن الركاب التابعة للحلفاء. لم تكن المسألة متعلقة بكون سياسة الحرب هذه جريمة فقط، كما حذّر فيبر، ولكن بأنها ستكون خطأ فادحا كذلك. فالإستراتيجية ستفشل، وستجعل من ألمانيا دولة منبوذة على الساحة الدولية. و"إن استمرت الأمور على ما هي عليه"، كما أشار، "فإننا بكل تأكيد سنكون في حرب مع العالم كله".

  

بحلول عام 1918، كان فيبر نفسه يخوض حربا على عدة جبهات. فمعاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى تضمنت قنبلة "بند مسؤولية الحرب"، الذي يُحمّل ألمانيا مسؤولية اندلاع الصراع والأضرار الناجمة عنه. ومع أن فيبر أقرّ بأن حكومته ارتكبت العديد من الأخطاء، فإنه حذّر الحلفاء من أن البند الذي يخلط بين المسؤولية والذنب سيكون له أثر مدمر في نهاية المطاف. فعبر تحميل ألمانيا مسؤولية ما حدث، تنصل الحلفاء من مسؤولية ما كان ليحدث.

   

  

كان فيبر قد اتخذ هذا الموقف حتى وهو ينتقد رابطة القوميين الألمان، الذين ألقوا باللائمة في هزيمة بلادهم على أعداء مُختلقين، وكان اليهود على رأس القائمة، عوض أن يتحمل المسؤولية "حشد المعاتيه الذي يحكمنا". وبما أنه نفر من الخيوط المتداخلة للنزعة القومية ومعاداة السامية الخانقة ضمن الحياة الأكاديمية في ألمانيا، أدان فيبر "الكوتا" التي فرضتها الدولة على الأساتذة اليهود، وشجب نظاما "فضّل أقلَّ "الآريين" ذكاء على أكثر اليهود قدرة".

 

خلال هذه السنوات، أطل فيبر بمظهر عام يكاد يكون إنجيليًّا. وبحسب أحد تلامذته، الفيلسوف كارل لويث، نمت على وجه فيبر "لحيةٌ شعثاء تكسوه كله، لتستدعي عنده وهج الأنبياء الحزين". من الطبيعي أن يكون فيبر قد مارس سيطرة نافذة على تلامذته وزملائه، ففي دراسته البارزة "الاقتصاد والمجتمع"، قدم فيبر المفهوم المعاصر للكاريزما. وهو، كما كتب، العنصر الأساسي للسلطة (Herrschaft)، أو الحكم السياسي. ونحن نميل للتفكير بأن المرء إما أن يمتلك الكاريزما وإما لا يمتلكها.

  

لكن بالنسبة إلى فيبر، فمن الأصح القول إن الآخرين هم مَن يُقرّرون إذا ما كان المرء يمتلك الكاريزما من عدمه. الكاريزما ميزة لحظية إلا أنها مصيرية أيضا، وهي صفة موضوعية، يمتلكها نوع محدد من القادة، وحالة ذاتية، تعتمد على نظرة الآخرين، في الوقت نفسه. إن الشخص الكاريزماتي يمتلك "قوة ثورية خلّاقة في التاريخ"، وبهذا المعنى فإنه لم يكن بعيدا عن "الإنسان المتغلّب" لدى أحد أكبر ملهمي فيبر، فريدريك نيتشه. كما الإنسان المتغلب (Übermensch)، يمتلك القادة الكاريزماتيّون القدرة على اختراق المبهم والاشتباك مع القوى الأيديولوجية والفكرية لعصرهم. كما أنهم مؤهلون للسيطرة على المشاعر السياسية والاستقطابات. لكن مثلما تنحسر هذه المشاعر، ينحسر معها صعود هؤلاء القادة الكاريزماتيين.

 

عالم مفكك

 لم تتوسع كتابات فيبر المهنية لسبب: أنه لم يستطع أن يُثبت بأن هذه الاكتشافات كانت لها قيمة جوهرية خارج نطاق الافتراضات الثقافية التي تشاركها مع قرائه ومستمعيه

مواقع التواصل
 

قلة مَن ساورهم الشك في أوساط فيبر بأنه كان، كما أكّد صديق له، "الرجل الكاريزماتي الذي تحدث عنه". في رسالة مؤرخة في عام 1919، ناشد أحد التلامذة فيبر أن يقود الأمة قائلا: "إنها الآن قضية ما إذا كان علينا الاستسلام للحشود والأعداد… أو أن نقوم بتوجيه الطاقات الجبارة إلى طرق يمكن أن نخلق فيها عملا مجديا". بعد خطاب عام ألقاه فيبر، قال زميل له: "لقد كان لكلماته وقع قوي، سيل يتدفق من كل مسامات وجوده". في ظل ظروف الفوضى التي سادت ميونخ بعد الحرب، فإن هذه التوقعات المتعاظمة والمزايا الاستثنائية ألقت بفيبر راغبا إلى دور قلّما اختبره الأكاديميون على الإطلاق. قبل ذلك ببضع سنوات فحسب، كان فيبر قد حذّر زملاءه الباحثين من القبول بهذا الدور تحديدا.

  

في عام 1917، ألقى فيبر خطابا بعنوان "العلم بوصفه حرفة" أمام تنظيم طلابي. ألهب الخطاب المشاعر واعتُبر عملا كلاسيكيا منذ ذلك الحين. وفيه يتساءل فيبر عما يعنيه أن يكون العلم حرفة (الكلمة "Wissenschaft" هي النظير لكلمة "علم" في الألمانية القديمة، وتعني أيضا "معرفة" أو "تعلم"). لكن أي فهم يتمخض عن هكذا تعلّم؟ إن كل الإجابات المتاحة، من اليونان القديمة حتى أوروبا التنوير، هشيم تذروه رياح المنهج العلمي الصارم. فقد أفضت مسيرة العلم والتكنولوجيا إلى ما اشتهر فيبر بتسميته "تفكك العالم"، أي إننا خلال اكتشافنا واستخدامنا قوانين الطبيعة قمنا بتفريغها من سحرها وعظمتها، من المعاني الباطنية والجوهرية التي وجد أسلافنا أنها كامنة في تجلياتها. ماذا يتعين على المرء أن يفعل؟ بالنسبة إلى فيبر، فإن أي عالم، أو حتى بلا شك أي أكاديمي، هو آخر شخص مؤهل للإجابة عن السؤال.

 

العلم يمكن أن يخبرنا بالطبع ماذا سينجم عن دمج عناصر مختلفة، وماذا ينجم عن التحليلات المقارنة للنصوص المختلفة، لكنه لا يمكن أن يخبرنا لماذا من المهم لنا معرفة ذلك الأمر. وبوصفه عالم اجتماع، جعل فيبر شغله الشاغل التوصل إلى منابع وخصائص كل ظاهرة اجتماعية. لكن بخلاف ذلك، فإن كتابته المهنية لم تتوسع لسبب بسيط جدا: أنه لم يستطع أن يُثبت بأن هذه الاكتشافات كانت لها قيمة جوهرية خارج نطاق الافتراضات الثقافية التي تشاركها مع قرائه ومستمعيه. لذا فإن الأكاديميين الممارسين يتمخض عنهم مرشدون سيئون. فقلما تكون لديهم إجابات ذات أهمية لمنحها عندما يتعلق الأمر بالأسئلة المهمّة. إنهم يستطيعون، على الأغلب، توفير أدوات للبحث ومساعدة طلابهم في فهم المنطق الكامن خلف التزاماتهم وعواقبها. وفي النهاية، استنتج فيبر أن "النبي الذي يتوق إليه الكثيرون من جيلنا الأصغر ليس موجودا".

 

بالرغم من ذلك كله

مع تحول السياسة في ألمانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة لتصير أكثر بيروقراطية وعقلانية، لاحظ فيبر، أن السياسيين أصبحوا يعتاشون من السياسة، عوض العيش لأجلها

مواقع التواصل
    

في غضون عامين، مع ذلك، كان النبي فيبر هناك مدفوعا إلى ذلك الدور إما من تلقاء نفسه وإما بفعل أشخاص آخرين. وكانت المناسبة دعوة من رابطة الطلاب الأحرار الليبرالية لمناقشة قضية السياسة بوصفها حرفة. ومن هو الأفضل للإجابة عن هذه الأسئلة، كما خلص الطلاب، سوى "أسطورة هايدلبيرغ"؟ في البدء، لم يكن أسطورة هايدلبيرغ مهتما. لا أحد، ردَّ فيبر، "لديه حرفة أقل مني أنا لكي أتكلم عن حرفة سياسي".

 

لكنه قَبِل في النهاية وإن ظل مترددا بشأن قراره، وأخذ معه شكوكه حتى آخر خطوة باتجاه قاعة كئيبة في أمسية جليدية من يناير/كانون الثاني لكي يُلقي خطابه "السياسة بوصفها حرفة". وبنظرة ثابتة في الحشد الغفير المنتظِر، أعلن قائلا: "إن هذه المحاضرة، التي أنا على وشك إلقائها نزولا عند رغبتكم، ستخيب أملكم بالعديد من الطرق". لم تكن لديه أي نية، كما أعلن، بالتطرق إلى المسائل اليومية الملحة، وإنما عوض ذلك، فمنهجه سيكون رسميا وتحليليا صارما.

 

لكن التحليل الرسمي والزخم العاطفي لم يعودا متنافرين بالنسبة لفيبر بقدر ما لم تكن المعرفة الجادة متنافرة مع الانخراط السياسي. عوض ذلك، فقد كانت هذه المتناقضات الظاهرية تكمّل بعضها بعضا بعمق. وعقد فيبر مقارنة بين صعود الأحزاب السياسية الحديثة في ألمانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. مع تحول السياسة في تلك البلدان لتصير أكثر بيروقراطية وعقلانية، كما لاحظ، بات السياسيون يعتاشون من السياسة، عوض العيش لأجلها. فما الذي كان يعنيه هذا التطور، لا فقط لطبيعة حرفة السياسة وإنما لمرغوبيتها؟ بلمحات متفرقة من ملاحظاته وباتّساعه العريض المألوف، لاحظ فيبر أنه لا أحد معفى من سلوك التباهي، ولا سيما أولئك العاملين في الأكاديميا. لكن مع أن التباهي ليس بالميزة الخطيرة لدى الباحث بالتحديد، لاحظ فيبر أنها تكون كذلك إن توفرت لدى السياسيين الذين تقبع في أعماقهم الرغبة في السلطة. من الطبيعي أن يتعطش السياسي للسلطة؛ فالسياسيُّ الذي لا يرغب بالسلطة أشبه بكاتب لا يرغب بالكلمات. لكن ما هو غير طبيعي، كما أشار فيبر، هو أن "يتوقف التعطش للسلطة عن أن يكون موضوعيا ويصبح محض نشوة شخصية".

    

يصر فيبر على أنه: "ليس أهلا للسياسة إلا من وجد في نفسه من الثقة ما يكفي لئلا ينكسر عندما يبدو العالم من وجهة نظره غبيا جدا أو أحطّ بكثير مما لديه ليقدمه"

مواقع التواصل
    

بالنسبة إلى هكذا نوع من الأفراد، ثمة عيبان: اللا موضوعية، وانعدام المسؤولية. والديماغوجيّ، الذي ينطلق من الرغبة بالاستحواذ على الانتباه، يجمع بين الصفتين. ولأنه عادة ما يكون مدفوعا بالاعتماد على ترك الانطباع، "فإنه دائما يواجه خطر أن يتحوّل إلى ممثل". هذا النوع من الزعماء، المشغولين بالانطباع الذي يتركونه، لا يمكنهم بجدية "أن يتحملوا مسؤولية تصرفاتهم". فنقص الموضوعية، بالمقابل، "يغريهم للسعي خلف الصورة البراقة للسلطة عوض السلطة ذاتها". كما أن نقص المسؤولية "يعني أنه يتمتع بالسلطة لأجل السلطة دون غاية جوهرية".

 

واللمحة التي رسمها فيبر عن هذا النوع من الممثلين السياسيين تسري على زماننا بقدر ما كانت تسري على زمانه هو. لكن الوصف الأكثر دقة من ذلك، يأتي في تصويره لأولئك الذين يسعون خلف السلطة لغايات أخلاقية. حيث تحدث عن صنفين: أولئك الذين تلهمهم "أخلاقيات الغايات النهائية"، وأولئك الذين يتشبّثون بـ "أخلاقيات المسؤولية". بالتعبير الأول، فإن فيبر يقصد أولئك الذين لا يهتمون ولا تثنيهم عواقب السعي وراء معتقداتهم. فالغاية تفوق أي اعتبار آخر. في النهاية، فهي تبرر التضحية بالنفس وبالآخرين طالما أن "شعلة النيّات النقية لم تنطفئ".

 

أما أخلاقيات المسؤولية، فهي دائما ما تصر على وجود طريق آخر. وأولئك الذين يقومون ببث هذه الأخلاقية واعون بما يسميه فيبر "أوجه القصور المعتادة في الناس"، ما يعني أننا خطاؤون، ومعرضون للخطأ، ومفرطون في آدميتنا. وكنتيجة، فلا بد أن نأخذ العواقب دائما في الحسبان. والشخص الذي يتبّع هذه الأخلاقية "لا يشعر أنه في وضع يخوّله إثقال كاهل الآخرين بعواقب تصرفاته طالما أنه كان قادرا على توقعها، وسيقول إن "هذه النتائج هي عواقب تصرفاتي".

    

كتاب "العلم والسياسة بوصفهما حرفة" لماكس فيبر (مواقع التواصل)

    

إن عليه أن يكون جاهزا دوما للإفادة الكاملة بالأمور التي لا تخفى على الناس، بالإضافة إلى الأمور التي يجهلها الناس أيضا، وأن يعطي مسارا معيّنا للأحداث. إن من المؤثر حقا، كما قال فيبر، أن ترى شخصا، يتحمل مسؤولية عواقب تصرفاته، "أن يشعر بمسؤولية من هذا النوع تملأ قلبه وروحه"، وأن يتصرف انطلاقا من أخلاقية المسؤولية، فيصل نقطة يقول عندها: "ها أنذا، وليس بوسعي القيام بشيء آخر".

 

وكما يذكّرنا فيبر، فإن الخط الفاصل بين أخلاقيات الغايات النهائية وأخلاقيات المسؤولية ليس صعبا ولا صعب التعيين كما قد نتخيل. إن بوسعنا تكبد الأثمان البشرية لسلوك معيّن بالكامل وأن نتمسك بمعتقداتنا في الوقت نفسه. وللأسباب نفسها، فإن بوسعنا أن نقدر أهمية المعتقدات بشكل كامل ونظل عازمين على التضحية بها إن كانت عواقبها لا تُغتفر. علاوة على ذلك، يُصِرّ فيبر بأنه ليست هناك طريقة واحدة صائبة للاختيار بين هذين المَسلكين. ولهذا، فإن أولئك الذين يعتنقون كلا النوعين من الأخلاقيات "هم المقدرون حقا للسياسة". فأولئك الذين تناديهم تلك الحرفة دائما سيواجهون عقبات مروعة. لهذا السبب، أصر فيبر: "ليس أهلا للسياسة إلا من وجد في نفسه من الثقة ما يكفي لئلا ينكسر عندما يبدو العالم من وجهة نظره غبيا جدا أو أحطّ بكثير مما لديه ليقدمه. إنما الأهل للسياسة ذلك الذي يستطيع في وجه هذا كله أن يقول "برغم ذلك كله!"".

 

الغباء والخسّة، إن اكتفينا بعالم السياسة، شائعان اليوم بقدر ما كان عليه الأمر في أيام فيبر. وبلا شك أن هناك، ودائما ما سيكون هناك، رجالا ونساء فشلة أو حمقى بما يكفي للتواطؤ مع الشخصيات الكاريزماتية التي تستغل أحقاد الكراهية الدينية والعرقية. لكن فيبر نهى عن اليأس حتى في وجه أحقاد من هذا النوع. ومع أنه برهن بقوة على الانفصال المتزايد للإنسانية عن العالم الطبيعي، فإن حياته وكتاباته تقفان بمنزلة حصن يحول دون السماح بأن يقاسي العالم السياسي القدر نفسه.

------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة.

هذا الموضوع مأخوذ عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار