انضم إلينا
اغلاق
الخوف من الالتزام.. هذه هي الأعراض المرضية التي تجعلنا نخشى الارتباط بما نحب

الخوف من الالتزام.. هذه هي الأعراض المرضية التي تجعلنا نخشى الارتباط بما نحب

  • ض
  • ض

في ظروف طبيعية، تتطور العلاقة بين اثنين لتُكلَّل بالزواج، أو يتدرّج المرء في وظيفته حتى يُدرك منصبا مرموقا، أو ربما يُنجز تقدُّما -معنويا كان أم ماديا- في مشروع ما. لكن تلك الظروف الطبيعية -للغاية- قد تبدو مثالية لدى البعض، مثالية للدرجة التي يصعب تحقُّقها أو تخيُّل وجودها؛ لأن في كل خطوة على الطريق عقبة محتملة لإنهاء المسير.

 

رهاب الالتزام، أو مخاوف المسؤولية طويلة الأمد، تلك هي الصيغة الأمثل للتعبير عن هذه العقبة، والتي تُعرَّف على أنها "المخاوف غير الواقعية التي تنتاب شخصا ما عند الوفاء بعهوده تجاه الآخرين"[1]. فقد يجد الرجل فتاة مناسبة للزواج، وقد يتقدّم غيره إلى فرصة عمل مثالية، وما أن تُشير خطوات الأمر إلى النجاح واقتراب المُراد حتى يأخذ الفرد على عاتقه مهمة إفشال كل شيء.

 

في الحقيقة، هو لم يفعل ذلك بسعادة الأحرار، لأنه -وفقا للسيكولوجي "بارتون جولدسميث"[2]- قد يكون هذا الشخص على حق في رغبته حول العلاقة، لكنه يرتعد من فكرة الالتزام. وهو ما أكّده أحد هؤلاء الأشخاص قائلا إنه يشعر وكأنه سيقع في شرَك مُعدٍّ له، كما تنتابه مشاعر الخوف من فقد السيطرة، ليحوِّله رهاب الالتزام من الفعل إلى عكسه في غمضة عين[3].

  

الشعور بالخزي والنظرة الدونية للذات، التي يقع فريستها المرء، قد ترسّخ قناعة زائفة مفادها أنه لا يصلح للمسؤولية وليس أهلا لها، وهو ما يتسبّب له في الرهاب

مواقع التواصل
  

كذلك فالخوف لا يقتصر فقط على فقدان السيطرة، وإنما يمتد -وفقا للدكتورة "مجد القبالين"[4]- إلى خوف من الفشل المحتمل، وإلى خوف من نظرة الآخرين له حال حدوثه، كما يتقاطع مع خوف المرء حول حياته الحالية، والتي يخشى سلبه حريتها أو نمطها المريح الذي اعتاده، خاصة لدى الذكور الذين اعتادوا الحياة عُزّابا لفترات طويلة، مما يفاقم حالة الرهاب -الموجودة بالفعل- إلى درجات أكبر. لكن هل يمكننا تصنيف الشخص الهارب من العلاقات تصنيفا دونيا بنعته بالنذل أو الكاذب الذي لا يصون العهود، أم هو مضطرب يحتاج إلى علاج؟ وهل يصلح رهاب الالتزام كحُجة يبرر بها البعض تخاذلهم، أم أنه اضطراب خاص يحمل أسبابه الموضوعية، وله من الدلائل العامة ما يفرّق مصابيه عن غيرهم؟!

 

قاعدة الثلث والثلثين

كجبل من الجليد، يمكن تشبيه اضطراباتنا النفسية على حدٍّ سواء، فأسفل السلوك المُشاهد، الذي يُمثِّل الثلث الظاهر، قد تقبع البواعث والذكريات كثلثين يحملان الاضطراب إلى سطح الماء. وفي رهاب الالتزام، حيث يخاف المرء الارتباط الطويل، تتداخل الأسباب الموضوعية بين ما يتعلّق بالارتباط نفسه وما يشيع عنه من مخاوف وحكايات مع الأسباب الذاتية المتجذرة في نفس الخائف قبل كل شيء.

   

فيما يتعلق بالنقطة الثانية، يحاور "ميدان" الطبيبة النفسية "إسراء عبد اللطيف" حول التداخل بين هذا الرهاب وغيره من الاضطرابات، لتجيب بأن هذا التداخل "شائع ومتحقق لكون بعض الاضطرابات سببا ونتيجة لغيرها". لذا يجد السيكولوجيون أن مشاعر الخوف الداخلية التي يعاني منها الشخص قد تتحول إلى أشياء خارجية تصبح مصدر الخطر للمريض، فالشعور بالخزي والنظرة الدونية للذات، التي يقع فريستها المرء، قد ترسّخ قناعة زائفة مفادها أنه لا يصلح للمسؤولية وليس أهلا لها، وهو ما يتسبّب له في الرهاب والقلق والارتباك. لهذا الواقع تُصاب بالعطب، فلا يرى إمكانية السعادة فيه، وإنما يتأهّب دائما للسقطة التالية. ومن هنا تتخذ مشاعر الرهاب شكل الاستثارة المُربكة، وحينها ينهي المرء بنفسه كثيرا من الأمور قبل أن تبدأ خوفا من صدمة أخرى متوقعة[6].

    

  

كذلك تلعب مجموعة من العوامل المبكرة دورا في تشويه صورة المرء عن نفسه، ومن ثم قدرته على المسؤولية، فلو تصوّرنا هذا الشخص الخائف طفلا يمر بالكثير من الضغوط النفسية، كفقدان عزيز أو التعرض لحادثة، لسهل علينا فهم تصرفاته الفَزِعة عند الكِبَر، وهو ما ينطبق أيضا على معاناته من انفصال والديه، أو التربية القاسية المتسلطة التي تُفقده الثقة في ذاته، أو الآخرين، وتَضمر معها قدرته على المسؤولية، وتزيد خوفه من فقدان السيطرة على الأمور[7].

 

وهو ما يؤكّده لـ "ميدان" الطبيب النفسي "شهاب الدين الهواري"، إذ يرى أن "التنشئة تلعب دورا محوريا في خلق هذا الرهاب، فطبقا لتحديات "إريكسون"، يبدأ الطفل في الاستقلالية والتفرد في سن مبكرة، والفشل في تحدٍّ بعينه قد ينعكس بدوره على ما يليه من المراحل". وهو ما يتضح بشدة في اضطرابات التعلق لدى الطفل، إذ يرى "الهواري" أن "رهاب الالتزام الاجتماعي/العاطفي قد يُعَدُّ صورة من صور اضطراب التعلق لدى المرء في طفولته".

   

   

وتتلخّص نظرية التعلق[8]، التي أعلنها "جون بولبي" وطوّرتها تلميذته "ماري أينسورث"، في أن العلاقة بين الطفل وأمه قد تُمثِّل النموذج الذي ستكون عليه العلاقة بين هذا الشخص في المستقبل وبين الآخرين، ومن هذا يمكن تصنيف نوعية التعلق الذي يتأثر به الطفل وفق أربعة أنماط؛ أولها التعلق الآمن المستقر، وفيه يتعلق الطفل بأمه بصورة مستقرة كونها تُقدِّم له الرعاية والدفء بصورة طبيعية، مما ينعكس بالإيجاب على شخصيته وثقته بنفسه وبالآخرين.

 

أما النمط الثاني فهو التعلق التجنّبي، فيحدث بسبب إهمال الأم لطفلها، ما يؤثر بالسلب على حميمية الطفل ورغبته في الارتباط بالآخرين. ثم يأتي التعلّق القَلِق كنتيجة لقُرب مبتور من الأم، يتردد بين الاستجابة العاطفية والإهمال، مما يُنتج سلوكا عاطفيا تجاه الأم حال اقترابها، وشعورا غاضبا منها عند ابتعادها، وشعورا عاما بالقلق وتذبذب الأمان مع الآخرين.

 

بينما يأتي النمط الرابع في صورة التعلق غير المنتظم، كختام للتصنيف، حيث يُظهِر فيه الطفل سلوكا مشوشا ومتضاربا حيال أمه، التي تُشكِّل له مصدر التهدئة بالدرجة التي شكَّلت بها مصدرا للقسوة والخوف، مما يُنتج طفلا أكثر عرضة للاضطرابات النفسية ومشكلات في العلاقات المستقبلية مع الآخرين.

  

      

     

لكن على الرغم من أهمية إسهامات "بولبي" و"أينسورث" في صياغة النظرية، والتي تحوَّلت إلى خطوات عملية قابلة للممارسة باسم مدرسة العلاج الشعوري، فإنّ الممارسات الحديثة لا تُحدِّد أنماط التعلق بهذا الشكل الثابت، وإنما تتعامل معها كمقياس تقريبي ما بين التعلق الآمن وغير الآمن بناء على السلوك الظاهر للطفل، أي السلوك ما بين البحث عن القرب تجاه الوالدين مقابل تجنّبه، والذي يعني مدى رغبة الطفل في أن يكون قريبا منهما، أو العكس[9].

  

مع ذلك، لا توجد حدود واضحة بين أنماط التعلق تلك، "فليس صحيحا في جميع الحالات أنّ نمط التعلّق الذي تُظهره وأنت طفل يجعلك تُظهر السمات والسلوكيات الخاصة به وأنت بالغ"[10]، حيث تتطور عوامل أخرى مع النضج، لتتداخل مع اضطرابات التعلق الوالدي للمرء، سواء بالسلب، عن طريق تشويش نمط التعلق الآمن بخبرات حياتية سلبية، أو بالإيجاب، حيث يُغيِّر المرء فكرته عن العلاقات والثقة والعاطفة نتيجة خبرة حياتية إيجابية ومطمئنة.

 

وهو ما تؤيده الباحثة "ابتسام ساروان"[11]، إذ ترى أن النظرية لا تتسم بالشمولية التي تستوعب الثقافات كافة، ذلك لأنه ثمة مكونات خارجية ومحفزات بيئية ضرورية لظهورها وعملها، إذ تضرب الأنثروبولوجيا أمثلة عديدة لثقافات يتلقى فيها الأطفال رعاية من أشخاص مختلفين، أي إن مسؤولية الاعتناء بالطفل مُلقاة على المجتمع نفسه وليست على بالغ معين يقوم بتقديم الرعاية للطفل.

 

من هذه التداخلات والمتغيرات، يرى المعاصرون أن ثمّة أنماطا أخرى للتعلق تظهر لدى البالغين، تتسم بتعقيد أكبر ومكونات أكثر من علاقة الطفل بأمه، وهي ما تُشكِّل هوية سلوكهم الراشد فيما بعد[12]. لكن على الرغم من هذا، تبقى لأنماط التعلق الطفولية آثار محتملة في تكوين رهاب الالتزام، لذا يرى "الهواري" أن "الأنماط غير الآمنة -في الصِغر- قد تُسبِّب تعطُّلا في دافع التعلق بشكل ما، بحسب شدة الاضطراب".

     

السعادة التي يراها الشباب على مواقع التواصل، تجعل دائرة الرهاب لديهم تتسع وتبتلع ضحايا تصورات المجتمع واستهلاكيته

غيتي
    

لكن بسبب هذا التداخل بين المكتسبات والمؤثرات في المراحل المختلفة قد تتشابك المساحات أحيانا وتختلف الأسباب باختلاف مراحل العمر. فإن كانت التربية المشينة والصدمات المبكرة، بجانب أنماط التعلق المخيفة، أسبابا محتملة لتكوين الرهاب داخل النفس، فإنها تبدو أسبابا غير مباشرة لمسألة الالتزام بالعلاقات، خاصة إذا كانت علاقات الإنسان بالآخرين طبيعية وتنحصر أزمته في الارتباط العاطفي.

 

لذا ترى المتخصصة في الإرشاد النفسي "آية الشاذلي"[أ] أن ثمة مؤثرات أخرى، أكثر مباشرة والتصاقا بعلاقات الالتزام الطويل، قد تساهم في صنع هذا الخوف، ولكنّها لا تتسرب هذه المرة عبر الطفولة بل تُعلن عن نفسها في مراحل عمرية أكبر، وتختص حينها بمخاوف الالتزام على نحو خاص.

 

عدوى الخوف

في عام 1978، أصدر عالم النفس "ستانلي ريتشمان" كتابه "الخوف والشجاعة" (fear and courage)، والذي ناقش فيه أسباب الخوف الناتج عن التجارب السابقة للفرد والبيئة المحيطة به، والتي يمكن إجمالها في ثلاث نقاط أساسية:

 

1- الإشراط الكلاسيكي (classical conditioning): وهو الخوف الناتج من تجارب المرء الذاتية، كأن يدخل في علاقة -أو أكثر- تنتهي به إلى الفشل، مما يغرس فيه شعورا بالخوف الحَذِر تجاه أي تجربة مشابهة.

2- الاكتساب غير المباشر (vicarious acquisition): وهي الحالة التي ينتج فيها الخوف بسبب معاينة الشخص لتجربة/تجارب فاشلة لأشخاص قريبين منه، كالأخ أو الصديق، فينشأ لديه الخوف من التعرض للحالة النفسية ذاتها التي يعاني منها الآخر، مما ينعكس إلى خوف من العلاقة نفسها.

3- الاكتساب المعرفي (informational acquisition): وهو أقرب إلى النمط الثاني، غير أن الشخص يكتسب خوفه من قصص الإخفاق والمعاناة لدى الآخرين دون أن يعاين هذه القصص بنفسه.

   

     

من هذا المنطلق، يمكننا أن نعي الانتشار الواسع لرهاب الالتزام حينما يتعلق الأمر بالاكتساب غير المباشر أو نظيره المعرفي. ففي استبيان لـ "ميدان" على مواقع التواصل[13]، شارك فيه نحو مئتين وعشرين شابا وفتاة، أعلن اثنا عشر فردا فقط عن تشخيصهم الطبي برهاب الالتزام، فيما نفت الأغلبية الكاسحة تصنيفها التخصصي بهذا الرهاب.

       

وبجولة سريعة في أسباب المشاركين، نجد أن أغلب الإجابات تدور حول رهاب الالتزام دون أن تذكر أسبابا عائدة إلى الطفولة كالصدمات والتربية العنيفة إلخ، بل ذكر البعض مبررات كالخوف من التغيير، والقلق من عدم اكتفاء الشريك به، والمشكلات النفسية التي تنشأ من قلق الرفض من الغير، بجانب الخبرات الخاصة المؤلمة، أو القصص المحبطة التي يحكيها الأقربون وغيرهم.

 

تلك الأسباب التي لامست مساحة اجتماعية، تتقاطع مع سيكولوجية الرهاب، تسحبنا إلى إحدى النظريات الحديثة -الشهيرة- حول الخوف الاجتماعي المؤثر على الفرد، وهي نظرية "باومان"[ب] حول سيولة الحياة وشيوع الاستهلاكية على كل شيء، بجانب صعود الحياة الفردانية وما يتعلق بها من رفاهية وأنانية وسعي دائم نحو المال بشكل يؤدي للجشع، حتى أضحت العواطف والعلاقات، نتيجة لهذه السيولة وذلك الاستهلاك، شيئا عابرا نستهلكه ونتخلص منه بسبب الخوف من الالتزام بعلاقة واحدة مع كثرة البدائل الممكنة.

  

في السياق نفسه، ترى الطبيبة "إسراء عبد اللطيف" تداخلا من نوع آخر بين المساحتين، الاجتماعية والنفسية، تُؤثِّر بالفعل على قلق الإنسان من الالتزام بالعلاقات الطويلة. فبجانب الرؤية الاستهلاكية المذكورة، ترى أن طغيان النزعة الفردانية يساهم في هذا القلق، إذ إنها تعوق التفاهم مع الشريك وقبول صعوبات العلاقة، مما يجعل الانفصال حلا سريعا يلجأ إليه الفرد. فحسب ما يرى "جيل ليبوفتسكي"[14]، فإن الفردانية والتمركز حول الذات صارت السمة الأبرز لتحولات الإنسان في عصر ما بعد الحداثة، مما فاقم عنده الانغلاق على نفسه وعدم الاكتراث بما خارجها.

   

الأمر الذي يمكن ربطه باضطراب الحالة الأسرية، كما في تحليل الكاتبة الصحفية "غيداء أبو خيران" حول الفردانية والتجمع الأسري، إذ ترى أنه "وفقا للصيرورة الفردانية التي باتت تطغى على المجتمعات، أصبح الفرد مركزا في اختياراته الفردية التي تتضمن المعتقدات والعمل والتعليم والأسرة والصداقات والعلاقات، فلم يَعُد شكل الزواج كما كان عليه سابقا، ولم تَعُد الأدوار ذاتها كما كان مُتعارفا عليه"[15]، الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى مخاوف الارتباط والالتزام بمسؤوليات الحياة المشتركة.

       

الرهاب يتحول من قلق إلى اضطراب نفسي يُوجِب التدخل حينما تتأثر حياة الفرد به سلبا ويتوقّف عن أداء وظيفته المتعلقة بمخاوفه

مواقع التواصل
     

من هذا التقاطع، نجد تفسيرا لشيوع حالات القلق الشبابي من الالتزام بصورة عامة، والارتباط بصورة أخص، حيث ينفصل واقعهم (الخبرات السلبية، الحياة السائلة، الفردانية والاستهلاك) عن الصورة الطبيعية التي تهدأ بها نفس الإنسان وتستقر فيها علاقاته، وهو ما تفاقمه -على جانب آخر- وسائل التواصل حين يعرض عليها الأزواج حياة مثالية -لا تطابق الواقع أحيانا[ج]- مما يرفع سقف التوقعات ويُوسِّع حدود المثالية التي يطمح إليها البعض، فيصنع هذا خوفا آخر -ذكره عدد من المشاركين في الاستبيان بالفعل- يتعلق بالقلق حول فشل العلاقة إذا لم تُحقِّق للمرء هذه السعادة التي يراها على مواقع التواصل، لتتسع دائرة الرهاب وتبتلع -بجانب ضحايا العقدة النفسية- ضحايا تصورات المجتمع واستهلاكيته.

    

الاضطراب!

هل أنت مضطرب؟ ثمّة إشارة بسيطة لنعرف الإجابة، وهي ما يُشير إليها الطبيبان النفسيان بكلمات متقاربة، فيقول "الهواري" إن هناك معيارا لاعتبار حالة المرء اضطرابا من عدمه، هذا المعيار هو تعطل الوظيفية، أي إن الفرد يواجه صعوبة في القيام بوظيفته الطبيعية في هذا الشأن. فمتى تعطّلت وظيفية الفرد بفعل حالة يمر بها أو موقف يُتخذ نحوه، فبمقدورنا اعتبار الوضع حالة اضطراب تستدعي طلب المساعدة.

   

وتقول "إسراء عبد اللطيف" إن الرهاب يتحول من قلق إلى اضطراب نفسي يُوجِب التدخل حينما تتأثر حياة الفرد به سلبا ويتوقّف عن أداء وظيفته المتعلقة بمخاوفه، فحينما يصل الأمر إلى حدٍّ تتعرقل عنده حياة المرء ويفقد معه القدرة على الارتباط والالتزام بالفعل، يجب عليه طلب المساعدة من مختص. وتؤكّد: "هو مَن يجب أن يحكم بذلك لا المحيطون به". كما تُضيف "آية الشاذلي" أن "شدة الأعراض ومدة ظهورها هي متغيرات تُؤخذ في الاعتبار بجانب تعطُّل الوظيفية".

   

في هذا الصدد، تضع البروفيسورة "بيريت بروجارد"[16] عددا من العلامات التي ترسم معالم الرهاب على الشخص في حال ظهورها، أو ظهور بعضها، كالعلاقات السابقة قصيرة الأمد وعدم الاستعداد لأي التزامات مستقبلية، أو اعتياد أساليب هلامية في الحديث، لا يُحدِّد بها المرء مقاصده أو يقطع عهوده بشكل صريح، وكذا لا تتضح من خلالها مشاعره الحقيقية، بالإضافة إلى انحسار دائرة الصداقة وضعف الحياة الاجتماعية بشكل عام. هذا بالإضافة إلى تقلُّب المشاعر والمزاج، وسيطرة القلق الشديد في حال الارتباط بعلاقة للدرجة التي تدفع بالمرء لإنهائها دون أسباب حقيقية ملموسة. كما تتبدّى على الفرد أعراض القلق الاجتماعي، وتتطور النزعة الناقدة للآخرين بصورة مؤذية، بالإضافة إلى الإيمان بمثاليات غير واقعية، والخوف الدائم من التعبير عن المشاعر أو مشاركة الآخرين[17].

    

  

أما عن العلاج، فإن عددا من السُّبل النفسية قد تُفيد الأخصائيين في التعامل مع هذا الاضطراب، بالإضافة إلى المنهجية الأسرية التي تتكفّل بها أسرة المرء في مراحل علاجه. من هذه السبل العلاج السلوكي، والذي يتعرّض فيه المريض لمسببات الرهاب، بالتزامن مع تناول العقاقير التي تُساعد على الاسترخاء ولا تؤدي إلى الإدمان، وهي المرحلة التي تتحدد فيها المشكلة لمعرفة الوسائل المتاحة للتعامل معها. وتزداد وتيرة التعرض تدريجيا بالسرعة والدرجة اللتين يحددهما المُعالِج، سواء كان العلاج فرديا أم في جماعات.

      

ثم يأتي العلاج النفسي بمنزلة القاعدة النظرية التي يُشرِّح بها الطبيب حالة مريضه، لمعرفة مخاوفه بصورة تصاعدية حسب خطورتها، ومن ثم تكييف التعامل معها دون أن تتسبّب في ارتداد عكسي ينقطع بسببه العلاج، لكن "آية الشاذلي" ترى في العلاج السلوكي كفاية لحالة الرهاب تلك. لكن في كل الأحوال، يبقى العلاج الأسري حلقة من الحلقات المحورية في إتمام عملية التعافي، إذ إن أكبر الضرر يُحتمَل حدوثه من بيئة الفرد، وكلما كانت الأسرة ممتنعة عن النقد والسخرية والتعليق على تطور الحالة خلال مراحل العلاج كانت النتائج أفضل.

   

كما أنه يجب التفرقة بين الثناء على المريض -مع كل تحسن بسيط- وبين طمأنته بتجاهل أسباب الخوف، إذ إن مبدأ العلاج السلوكي هنا هو التعرض لهذه المخاوف ومواجهتها. هذا بالإضافة إلى عدد من الرياضات النفسية التي يُنصَح بها للتدرج في الخروج من هذه الحالة الرهابية بصورة مطمئنة.

  

بين هذا الرهاب وغيره قد تحمل طمأنة من خوف خاطئ، وتوجّه القلق إلى طريقه الصحيح. فأن تخاف عُقدة متجذرة من الطفولة هو أمر يختلف عن خوف مكتسب من خبرة حديثة أو قلق من خبرات الآخرين. لذا لا تبدو المشكلة كامنة في الخوف نفسه بقدر ما تقبع في الجهل بكُنه ما نخافه، فلو أن علاج الرهاب أمل يطلبه الخائف، فهل يعالج المرء ما يجهله؟

-------------------------------------------------

الهوامش

أ- من حوار لميدان مع المتخصصة.

ب- للاستزادة يمكن الرجوع إلى:

يفضلون العلاقات العابرة.. حينما يصبح الحب سلعة تباع وتشترى 

الاحتياج الوجودي.. حاجة الإنسان الحديث إلى الحب

الخوف من الزواج.. ما الذي حدث للشباب العربي؟

ج- للاستزادة يمكن الرجوع إلى:

هل استعراض الصور الزوجية بكثرة دليل على فشل العلاقة؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار