انضم إلينا
اغلاق
الفردوس الأرضي.. عندما تنتظركم الجنة عبر بطاقة الائتمان!

الفردوس الأرضي.. عندما تنتظركم الجنة عبر بطاقة الائتمان!

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

أين تقع الجنة تحديدا؟ سؤال خطّته رسالة إلكترونية بعثت بها شركة طيران أوروبية إلى جمهورها. لا وقت للانتظار، فالإجابة حاضرة في متن الرسالة التي وصلتني نسخة منها باسمي مباشرة: الجنّة تنتظرك يا سيِّد حسام شاكر! (وافرحتاه!) مرحبا بك في هذا الموسم في جزر الكاريبي، وتكلفة دخولها بسعر خاصّ لمدّة محدودة فقط، تبدأ من 299 يورو لا أكثر، شاملة الضرائب بالطبع!

  

حبكة الاستدراج

تضمّنت دعوة دخول "الجنّة" في تلك الرسالة الترويجية صورا مُتقنة الالتقاط محبوكة المعالجة، ففيها إشراقة شمس دافئة على شواطئ تتلألأ أمواجها الهادئة كالدُّرر، فتمنح انطباعا بأنّ في هذه الوجهات السِّياحيّة تحديدا ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعيُن، خاصّة لأولئك القابعين في بلاد باردة بلا إشراقة دفء معظم السّنة يدور فيها البشر في تروس حياتهم اليوميّة الرتيبة. (1)

 

على هذا المنوال المألوف تتنافس السُّوق في اقتراح وجهات "الجنّة" والترغيب بفرص معايشتها للمستهلكين على تفاوُت قدراتهم الشرائية وتعدّد اهتماماتهم التفضيليّة، وقد تحاول أن تصوِّر لكلٍّ جنّته المصمّمة حسب ما يتوفّر لها من معطيات عن جمهورها، وهذه صارت أكثر دقّة مع خوارزميات الشبكات (2). تستدرج السُّوق عبر الشبكات والتطبيقات بعض جمهورها إلى "خيارات اقتصادية" تُتيح فرصا مُغرية لدخول "الجنّة" الموعودة، بتخفيضات تحرِّض المأخوذين بالعروض "المحدودة" على وضع مزيد من السِّلَع والخدمات في عربات تسوّق افتراضية ماثلة على شاشاتهم.

   

جزر الكاريبي (مواقع التواصل)

     

السوق ومفهومها عن الجنة

تقترح السُّوق مفهومها الأرضيّ عن "الجنّة" بإقرانه بالثقافة الاستهلاكية الطاغية أساسا، وبما ينعقد معها من أنماط في الهيئة وطرائق في التصرّف تُختار بعناية دون سواها مع تجديد الخطاب بما يلائم ملامسة اهتمامات الجماهير ونزعاتها الصاعدة في كل مرحلة. فمفتاح الحياة الفردوسيّة المعروضة في هذا الخطاب هو الطلب والاقتناء والشغف بالمزيد، بما يُلجئ الفرد الذي يطارد وَهمَه المتجدِّد إلى محفظة نقوده أو "بطاقة ائتمانه" كي يتمكّن من بلوغ المنشود الذي قد يزهد به بعد اقتنائه وإن تباهى به بين الخلائق، ليَطلُبَ غيْره مِن بعد.

 

تستثير الثقافةُ الاستهلاكيّة، التي تتشابك السُّوق والصناعة الثقافيّة والإعلاميّة في إذكائها، إحساسا غامرا بإمكان بلوغ فردوس أرضيّ مُتوهّم، وتبدو المشاهد والانطباعات الفردوسيّة المقترحة في خطاب السُّوق الجديد أقدر على اجتذاب اهتمام أهل الأرض وتحريك شغفهم من مخيال "الجنّة" التقليدي الرّتيب في نسخه الأوروبيّة المعهودة من أزمان مضت، بسرديّاتها وتصاويرها، وإنْ اتّصلت بعض أمارات الحياة الفردوسية في خطاب السّوق الجديد بتلك المشاهد المصوّرة على سقوف الكاتدرائيات منذ قرون. (3) يجوز الافتراض أنّ ما تعرضه السُّوق اليوم في مشاهدها المُتقنة ليس منقطعا عمّا نقشه ميشيل أنجيلو أو رفائيل عن العوالم السماوية والحياة الأخروية، حتى إنّ بعض هذه النُّقوش تُنتَحل في خطاب السُّوق المصوّر اليوم مع تحويرات جزئية تُوحي بمصادرة الأخروي لصالح الأرضيّ، وتمنح وعود الاستهلاك قدرةَ "التجاوز" الرمزيّ للممكن الأرضي الذي لا يؤمن به المُنصرفون عن الآخرة وعالم الغيْب. (4)

 

استعجال الآخرة في الأولى

لا تكترث السُّوق بالآخرة فتستعجلها في الأولى؛ كي تتنافس علاماتُها التّجاريّة في افتعال فردوس أرضيّ مُتخيّل يستثير شغف جمهورَها ويُدغدِغ رغباتِه ويدفعه إلى الإسراف في ثقافة الاستهلاك الجامحة. لم ينشأ هذا المنحى مع السُّوق على أي حال، فقد أدمجت بعض الملل والنحل والطوائف والفلسفات الآخرةَ في الأولى عبر إنكار البعث والنُّشور مثلا، أو باعتقادها بفردوس أرضي يؤول إليه التّاريخ على يد مُخَلِّص يأتي في آخر الزّمان، أو بمفعول تطوّر تاريخيّ يؤول بالبشر إلى سلام شامل وطمأنينة غامرة بعد أحقاب من الجوْر والصِّراع والمتاعب، وهو ما وجده القائلون بنزوع كارل ماركس إلى حتمية اشتراكية ضمن تأويل ما جاء في "البيان الشيوعي". ولم تبرح بعض تصوّرات "نهاية التاريخ" هذا المنحى بأقدار نسبيّة، وإن لم تضمن لِمَن عدّته "الإنسانَ الأخير" حياة فردوسية على أرضه المثقلة بعواقب العبَث المنهجيّ الذي ظلّت السوق ذاتها ضالعة فيه.

    

كي يبقى الإنسان في ألَق دائم، تندفع السُّوق إلى إرواء ظمأ الجماهير العطشى إلى جمال مستمرّ وشباب دائم، فتتزاحم الأقدام عند عيادات التّجميل ومعامل التّحوير

غيتي 

   

وجدت السُّوق فرصتها مع جمهور يغفل عن الآخرة، فأوحت دعايتها الإيحائية باقتدارها النسبيّ على منح أسباب النّعيم المُقيم لمن يطلبها، فأخذت تحثّ الجمهور على اغتنام "فرصة لا تُعوّض"، وأنه "لا ينبغي التردّد، لأنّ المرء يعيش مرة واحدة!"، حسب مقولات رائجة. ولأنها "فرصة واحدة" لا أكثر؛ فإنّ هناك أشياء "عليك ألا تفوِّتها"، ومن شواهد ذلك أنّ سوق السِّياحة المتضِّخمة عالميا تستعمل تعبيرات ساذجة من قبيل اقتراح "معالم تجب رؤيتها" أو "أفلام تجب مشاهدتها" ضمن خطاب "must-see" الذي يُوحي باشتماله على فروض من الإلزام الرمزيّ لجمهور يعيش في هذه الدّار دون أن يُطلَب منه في الخطابات المعولمة أن يُطِلّ بناظريْه إلى ما يتجاوز مواضع أقدامه من حركة الزّمن.

  

وكي يبقى الإنسان في ألَق دائم ونضارة لا تَذبُل، كحال أهل الجنّة تقريبا كما يأتي في عقائد الملل والنِّحل، تندفع السُّوق إلى إرواء ظمأ الجماهير العطشى إلى جمال مستمرّ وشباب دائم، فتتزاحم الأقدام عند عيادات التّجميل ومعامل التّحوير وأَسِرّة التّبديل في الهيئة والشكل والمظهر، وتتسابق المختبرات في بحثها الدؤوب عن إكسير الحياة المتجدِّدة الذي يتزايد الطّلب عليه، وتنهمك جهود التّسويق في ترويج موادّ ومستحضرات تمنح وعودا سخيّة بكبح عقارب السّاعة ومقاومة الشيخوخة المحتومة. (5)

   

فردوس أرضي رمزي

لا يقضي ذلك بأنّ "الجنّة" معروضة للمستهلكين بصفة صريحة دوما، فخطاب السُّوق في هذا الشأن يقوم في معظمه على استدعاءات إيحائية وكنايات رمزيّة من شأنها أن تُكثِّف الهالةَ الفردوسيّة بالصُّورة والمشهد والمؤثِّرات الحسِّية والمتلازمات الانطباعيّة التي تدور حول جدوى الاستهلاك، ويُراد من ذلك أيضا الصُّعودُ ببعض العلامات التجاريّة إلى مقامات علوية في الأذهان ومراتب سامية في الوجدان؛ لتفارق في التصوّر ممكنات العيش الأرضيّ، حتى يُصادِر بعضُها أماراتِ الحياةِ الفردوسية المتصوّرة لذاتها.

     

تؤدّي الإعلانات بالمُجمل إلى تعزيز واستمرار الاحتكارات، ما يأتي ضمن ترسُم الثقافةُ الإعلانيّةُ والترويجيّة مواصفاتِ العيْش الفردوسيّ في وعي الجمهور

 
مواقع التواصل
 

تتشكّل مفاهيم فردوسيّة من خلال انطباعات متضافرة تستثيرها دعاية السُّوق المشبّعة بالمؤثِّرات المحبوكة في أدقّ تفاصيلها، كما تطوّرت خبراتُها عبر المراحل مع توظيف ما يستجدّ من خلاصات علميّة ونفسيّة في هذا المسعى المتواصل. تَعرِض السُّوقُ النّعيمَ في منتهاه والفلاح في أقصاه والهناءةَ في مبلغها والسّعادة في ذروتها من خلال تكثيف القرائن الحسِّية، مرئيّة ومسموعة ومجرّبة بافتعال محبوك، الدالّة على هذه الأحوال المنشودة. تُظهِر السُّوق وجوها منتقاة بعناية وفق مواصفات مخصوصة مشبّعة بنضرة النّعيم التي تتدخّل المساحيق والمعالجات البصرية لإنتاجها المزيّف، أو تُصَوِّر أناسا متّكئين في فردوسهم الأرضيِّ على أرائك الافتعال التي لا ينبغي أن يتسلّل إلى مشهدها شيء من هموم الدُّنيا كي لا تُفسِد الحبكة.

 

أمارات الحياة الفردوسية

ترسُم الثقافةُ الإعلانيّةُ والترويجيّة مواصفاتِ العيْش الفردوسيّ في وعي الجمهور الذي يتأتى بعمل "صالح" قوامه الإنفاق الاستهلاكي، بدءا من مقطع ترويجيّ ينتهي بربّة بيْت متذمِّرة وقد صارت سعيدة محظوظة لأنها اختارت صنفا محدّدا لإطعام صغارها أو سقايتهم أو لإزالة البقع من الملابس، فيتملّكها ارتياح غامر بعد شكوى دائمة، وتُحَلّ مشكلاتها جميعا بضربة واحدة ضمن مقطع لا يتجاوز دقيقة مشاهدة. بيْد أنّ ما يبدو مجرّدا مبسّطا مع مساحيق الغسيل التي تُطلَب جدواها العملية أساسا سيتجلّى مكثّفا عميقا مع سِلَع وخدمات معروضة لبيع الهالات الانطباعيّة المرتبطة بها قبل أي شيء. فالسّاعات الفاخرة، مثلا، لا تُطلب في حقيقتها لمعرفة حركة الزّمن نحو مصائر محتومة، وإنما تُقتنَى كناية عن مفاهيم بها ترتبط وإيحاءات منها تفيض، فتصير السّاعةُ الثّمينة مؤشِّرَ حظوة ومبعثَ تفاخُر وإشارةَ اقتدار وبرهانَ نجاح، بما يتيح الانضواء في أروقةِ المحظيِّين المُوصَدة على مَن فيها، وتصير المَركبةُ الفارهةُ أسلوبَ حياة فردوسيّة لا وسيلةَ حركة مكانية، وهكذا دواليك.

  

تُحبَك المتلازماتُ الانطباعية للصُّعود بعلامات تجاريّة بازغة في مُدرَكات جمهورها؛ ليمنح بعضُها ألقا فردوسيا رمزيّا من مداخل شتى، وهو ما يحفِّز انطباعات الحظوة المقتصرة على مَن تمكّنوا من دخول "الجنّة" إيّاها دون غيرهم من تعساء الكوكب الذين يُتاح لهم التلصّص على أهل النّعيم الأرضيّ عبر ما تطفح به الشّاشات والإعلانات وما يُبصَر في واجهات المتاجر وشوارع المشاة الشهيرة. إنها حالة تُذكي القنوط من الواقع الذي يغمر معظم البشر الذين لا طاقة لهم بحيازة هذا، فيندفع بعضهم إلى محاكاة أهل السّعة الظاهرة والنعيم المُتصوّر بسلع مقلّدة تحمل العلامات ذاتها تُشرى على الأرصفة بثمن بَخْس دراهمَ معدودة.

     

     

لا تتورّع السُّوق عن مصادرة مخيال "الجنّة" لذاتها، ولا مصلحة لها أساسا في زهد البشر بالدُّنيا وزينتها، فهي في جُملَةِ ما تُغرق به جمهورَها من رسائل متضافرة تنتحل المفهومَ الفردوسيّ، وتسعى إلى الاستحواذ على النزوع الخلاصيّ لدى البشر وإقرانه بمناحٍ محدّدة من السُّلوك الاستهلاكيِّ الذي يغترف من الدُّنيا بلا حدّ بذرائع شتى.

  

تعمل السُّوق في هذا الاتجاه وتُراهِن عليه، فتعلو بالتوقّعات المنشودة من الإقبال على سِلَعِها وخدماتِها الأرضيّة بربط علاماتها التِّجاريّة بقيَم عُليا كي ترتفع معها في الوجدان الجماهيري، ويصير العيش الفردوسيُّ الجديد مقترنا بحقائب التسوّق الملوّنة التي تخرج بها نساء محظيّات من متاجر شهيرة، مع المرور بمحطات استهلاكيّة قد يتوسّطها "ستاربكس" مثلا الذي ليس مقهى وحسب، فهو أسلوب حياة مقترحة بالأحرى على ضفاف الاستهلاك. يجوز الافتراض أنّ المرء يُتاح له في محطّات هذا "المقهى" مثلا تجريب ما قد يبدو حياة فردوسية أرضية كثّفها خطاب السوق في وعي جمهوره المُعولَم، خاصة بالنسبة إلى بيئات تتطلّع إلى الالتحاق بنمط الحياة الغربي المتصوّر.

   

انعكاسات في السلوك الشبكي

للتصوّر الفردوسي الساذج الذي تُكثِّفه السوق في الرؤوس انعكاسات ملحوظة في سلوك الجمهور الشبكيّ، فالبشر يصطنعون خلفيّاتهم المسرحيّة الملائمة لعيْش فردوسيّ مرغوب حسب مواصفات كلِّ مرحلة، عبر طقوس يمارسونها في زمن الصُّوَر والمقاطع الذاتيّة. يقوم أحدهم باجتزاء لحظة هانئة دون سواها أو انتزاع موقف نجاح مزعوم من سياقه الشاقّ ويدفع بمشهده هذا إلى جماهير الشبكات، دون أن ينفكّ سلوكُه عن افتعال يُرجَى منه أن يمنح انطباعا مضلِّلا ببلوغِ سعادة منشودة أو فلاح مُبرهَن عليه بلغة الصُّورة والمشهد وما تحتويه من طقوس مسلكية مُعولَمة.

      

   

ويلتحق أفراد من الجمهور بمواقعهم في أحابيل "التسويق متعدِّد المستويات" أو الترويج الشبكي في خدمة السوق وعلاماتها التجارية البازغة، فتأتي ذوات الوجوه النّضِرة، مثلا، بسلاسل من المقاطع المرئيّة عبر الشبكة يُكَرِّسْنها لترويج منتجات استهلاكيّة مقرونة بوعود حالمة لا يُلحَظ اشتغالُها مع معظم الجمهور، فهي ترسم في جملتها مواصفاتِ حياة مثاليّة تفارق شروط الممكن الأرضيّ. (6)

  

قسوة الارتطام بالواقع

لا يتوقّف المنحى عند هذا الحدّ، فالعيْن الفاحصة لا تلحظ أنّ الجمهور المُخاطَب سيعقد في دواخله مواصفات بصريّة عن حياة فردوسيّة أو ما يحاكيها لا تقتصر على إقبال ساذج على مُنتجات محدّدة، فهذه المشاهد والمعايشات الحسِّيّة عن بُعد تطبع بخيالاتها في مُدرَكات الجمهور متلازمات مسلكية وتفضيلات محدّدة في الهيئة والتصرّف والتأثيثات تصير أيضا من أمارات الفردوس الأرضي أو العيش الأمْثَل، الذي يدور حول مدن الأضواء الملوّنة وغير بعيد عن مراتع التسوّق الحديثة. فإنْ بدت أنوف الشّاخصين في إعلانات التّرويج محدّدةَ المقاييس دقيقةَ الانتظام، كما هي عند "نجمات" الشّاشة و"نجومها"، وكما تظهر لدى الدُّمى الشقراء المعولمة التي ما تركت بيْتَ وبَر ولا مدَر إلاّ دخلته، يصير مفهوما ضمنا أنّ هذه الهيئة الشكلية النمطيّة هي من مواصفات أهل الفردوس الأرضيِّ الذين تجدر محاكاتُهم ويُرجى تقليدُهم، ولو كان ذلك بالانصياع لمبضع الجرّاح مرّة تلو أخرى.

   

يَعِد خطاب السُّوق الجديد جمهورَه بسعادة منشودة ثمّ يخذله في الواقع بعد الاقتناء والتجريب. ومَن ينغمس في الفردوس الأرضي المزعوم حقا، كما تقترحه السُّوق، سيلحظ زيْفه ويكتشف تهافُتَه، وهذا بمجرد بلوغه أو الإفاقة من سَكْرَته، بما قد يُشكِّل خبرة مريرة للحالمين أو تجربة قاسية للواهمين، وإن لم يُعترَف بذلك.

    

يُخامِرُ الانتحارُ أذهانَ الصّاعدين لقمّة المجد المتصوّر، ليتردّى بعضهم بقعر الهاوية بعد أن صدّقوا وعود الفردوس الأرضي، فلمّا بلغوه لم يجدوه شيئا

مواقع التواصل
     

لا عجب، إذن، أنّ بعض الذين صعدوا قمّة الدُّنيا تدهوَروا معها إلى قعر الهمّ والغمّ، إذ أدركوا أنّ مؤشِّرات الفلاح الأرضيّ التي حرصوا على طَلَبِها لم تمنحهم سعادة كالتي تغمر بيوتَ فقراء قانعين في اجتماعهم على فتات الطعام في أسرة مُتآلفة مثلا.

   

تدفع تجربة الفردوس الأرضيّ بعض القانطين من وعودها إلى ردّة جامحة عن الدُّنيا وزينتها بالانغماس في مسالك زاهدة، أو بالتنازل عمّا يملكون عن آخره، أو بخوْض تحوّلات اعتقاديّة أو فلسفية لا يخلو بعضها من خرافة أو هَوَس، ويختار بعضهم الانفلات عن السِّكّة برشفات البهجة الوهمية المؤقّتة التي يتيحها شَراب مُسكِر يصرفهم عن الواقع أو مسحوق مخدِّر يُلقي بهم إلى التهلكة. وقد يُخامِرُ الانتحارُ أذهانَ الصّاعدين إلى قمّة المجد المتصوّر في الشهرة والحظوة والثراء، ليتردّى بعضهم من بعدُ في قعر الهاوية بعد أن صدّقوا وعود الفردوس الأرضي وبذلوا الأثمان والأعمار في طَلَبِه، فلمّا بلغوه لم يجدوه شيئا، بما يحرِّضهم على استئناف السؤال الاستهلالي؛ أين تقع الجنّة تحديدا؟

---------------------------------------------------------------

هوامش:

1/ عن مخيال الجنّة في الإعلانات السياحية انظر مثلا:

Waade, Anne Marit: “Imagine Paradise in Ads Imagination and Visual Matrices in Tourism and Consumer Culture”. In: Nordicom Review 31 (2010) 1, pp. 15-33

 

2/ تعتمد منصّات التسوق الإلكتروني البارزة على الخوارزميات وما يرتبط بها من تطبيقات أنظمة الذكاء الاصطناعي في الشبكات للتعرّف على الجمهور واستهداف المُستهلكين المُحتَملين بناء على تفضيلاتهم أو توقّع اختياراتهم، كما لدى "أمازون" مثلا. انظر: فاطمة الزهراء محمد أحمد السيد، "الخوارزميات وهندسة تفصيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي" في: لباب للدراسات الاستراتيجية والإعلامية (مجلة)، ع5، فبراير 2020، ص109.

 

3/ مثلا؛ في النصف الأوّل من التسعينيات روّجت شركة "رينو" (Renault) الفرنسية لسيارتها "Clio" بمنشورات ومقاطع مشفوعة بمقولة: "صُنِعت في الجنة" (Made in Paradise) وفيها تظهر السيارة الحمراء مادة غواية استهلاكية في الحياة الفردوسية بصفة بديلة عن التفاحة الحمراء. ما زال ترويج هذا الصنف في الإعلانات يمنح انطباعا عن حياة فردوسية أرضية دون الاضطرار إلى الاغتراف الصريح من مخيال الجنّة الأوروبي كما جرى سابقا. ومن شواهد الحالة أنّ كتابا تخصصيا متصدِّرا عن الإعلان باللغة الألمانية اختيرت لغلافه في طبعات متعددة صورة تشتمل على محاكاة صريحة لأسطورة حوّاء وغواية أكل التفاحة الحمراء، تعبيرا عن طبيعة المخاطبة في هذا الحقل. انظر الكتاب المعنيّ:

Schweiger, Günter/ Schrattenecker, Gertraud: „Werbung“. UTB-Verlag. Stuttgart.

 

4/ من الأمثلة الجليّة على هذا المنحى إعلان لشركة "ليغو" (Lego) لألعاب التركيب يعود إلى سنة 2014 يحاكي التصوير الجصِّي الشهير لميشيل أنجيلو "خَلْق آدم"، الذي صوّر فيه رسّام القرن السادس عشر في سقف كنيسة سيستين في الفاتيكان ما افترض أنها لحظة الخلق في هيئة التقاء ما أراد بها يد الخالق مع يد المخلوق. جاء إعلان "ليغو" ليُظهر يد الإنسان وهي تلتقي على المنوال ذاته مع يد كائن التركيب من تصميم الشركة الدنماركية.

 

5/ يشهد سوق مستحضرات محاربة الشيخوخة توسّعا عالميا يقدّر بنموّ سنوي مطّرد يقارب 8 في المئة، بما يفوق 56 مليار دولار تقديريا في 2020. حسب: Global Anti-Aging Market Report and Forecast 2019-2024، انظر: هنا، تاريخ الدخول 16 فبراير 2020

 

6/ تعتمد الشركات والعلامات التجارية بشكل متزايد على ترويج منتجاتها من خلال مَن يُعتبرون "مؤثِّرين" في الشبكات، خاصة من الفتيات اللواتي يقمن بالاستعراض التسويقي عبر منصّات التواصل الاجتماعي. انظر مثلا: هنا، تاريخ الدخول 16 فبراير 2020.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار