انضم إلينا
اغلاق
هل "الالتهابات" هي السبب الخفي للاكتئاب في العالم؟

هل "الالتهابات" هي السبب الخفي للاكتئاب في العالم؟

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض

هناك أدلة جديدة على أن الاكتئاب ليس مجرد اضطراب عقلي، حيث تَعِد فحوصات الدم التي أظهرت وجود التهابات لدى مرضى الاكتئاب بخياراتِ علاج مصممة بدقة لاحتياجات كل مريض على حدة. كنت طبيبا شابا عام 1990 حينما قابلت مريضة مصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي [1]. أخبرتني السيدة بي بهدوء وبعبارات واضحة بأنها حددت في ورقة الفحوصات جميع المربعات المؤشرة على معاناتها من الاكتئاب. عندما أبلغت كبير الأطباء المسؤول عن حالتها، قال: "حسنا، كنت لتفعل ذلك لو كنت مكانها، أليس كذلك؟" وغيّر الموضوع. كان يقصد أن مزاجها انعكاس منطقي لحالتها الراهنة حيث تعاني من عجز وينتظرها مستقبل تتدهور فيه صحتها وقدرتها على الحركة. كانت مكتئبة "بشكل مفهوم" لأنها كانت تفكر، وتجترُّ، فيما يعنيه أن يكون لدى المرء اضطراب التهابي. لذا لم يكن هناك ما يمكننا القيام به كأطباء، كانت مسألة نفسية، وليست جسدية، من اختصاص الطب النفسي.

 

أعراض السيدة بي، التي كانت متداخلة على نحو وثيق بتجربتها المعاشة مع التهاب المفاصل، قُسّمت إلى نفسية وجسدية. بعدما قُسّم تشخيص السيدة بي إلى جزئين، شرعنا في علاج مرضها الجسدي "المفاصل المتورمة" بطريقة مختلفة ومنفصلة تماما عن مرضها النفسي المتمثل في الاكتئاب والإرهاق. قمنا باستخدام اللغة الطبية للخلايا المناعية من أجل علاج الالتهاب، في حين قام فريق مختلف من الأطباء في مشفى آخر باستخدام لغة السيروتونين والعلاج النفسي لعلاج اكتئابها [2].

 

"الاكتئاب" تعبير فضفاض يُراد به العديد من المعاني. والمعنى الإكلينكيُّ السائد اليوم يُشبه ما أطلق عليه الأطباء اليونانيون القدامى الملنخوليا أو السوداوية، وهي متلازمة الحزن أو الحالة المزاجية المنحدرة وانخفاض الطاقة والقدرة على الإحساس بالبهجة أو "انعدام التلذذ" (Anhedonia) وانخفاض الشهية للجنس والطعام، والتوقعات المتشائمة حيال المستقبل، واجترار الذنب على الماضي والتجنّي على الذات في التفكير الذي يمكن أن يؤدي إلى سلوك مؤذٍ للنفس أو انتحاري.

   

 تُشير البيانات الوبائية إلى أن نسبة انتشار الاكتئاب هي نحو 10% بين السكان

مواقع التواصل الاجتماعي
   

لا شك أن من الكآبة بمكان أن يكون المرء مريضا. لكن ماذا إن لم يكن الاكتئاب اضطرابا نفسيا؟ إن التصور بأن السيدة بي قد تكون مكتئبة بسبب الالتهاب، لا لأنها كانت تفكر في الالتهاب، أمر لم يخطر ببالي عام 1990. فكرة كهذه كانت لتكون دجلا طبيا حتى وإن كنتُ ذكيا بما يكفي لتصوُّر وجودها آنذاك.

 

لكنَّ هذا التصور هو محلّ تحقيق جادّ في الوقت الحاضر، وحجرُ الأساس في علم المناعة العصبية النامي. وهو لا يعكس فحسب طريقة جديدة في النظر إلى هذا الاضطراب إلا أنه يعدُ بطرق أخرى لعلاجه ورصده، بل وحتى اتخاذ تدابير جديدة لمنع ظهوره لدى الأشخاص الذين تضعهم تجاربهم الحياتية في مغبَّة تطويره.

 

مسار جديد لعلم الأمراض

تُشير البيانات الوبائية إلى أن نسبة انتشار الاكتئاب هي نحو 10% بين السكان، وأنَّ النسبة ترتفع بين المرضى الذين يعانون التهاب المفاصل الروماتويدي حيث تصل إلى 25%، أو من يعانون مرض التهاب الأمعاء أو الصدفية أو أمراض الرئة المزمنة أو أي اضطرابات التهابية أو أمراض المناعة الذاتية الأخرى. وتنوّه جماعات المناصرة، كالجمعية الوطنية لالتهاب المفاصل الروماتويدي في المملكة المتحدة، بأنّ الأعراض النفسية مثل الاكتئاب والإرهاق و"تَشوُّش الدماغ" جوانب رئيسية لاحتياجات غير ملبّاة لكثير من المرضى الذين يعانون من مرض جسدي.

 

إثبات أن الاكتئاب يمكن أن يسببهُ التهاب في الجسم أمر يتطلب الكثير من الأدلة، لكنه يتطلب ما هو أكثر أيضا: تحول جذري في طريقة التفكير، لأنها تتجاوز إحدى السمات المميزة للتفكير الغربي: خطّ الصدع العميق الذي يعزل الأفكار حول كيفية عمل الجسد عن تلك المتعلقة بعمل العقل.

   

 تُعتبر الستيرويدات من بين أقوى الأدوية المضادة للالتهابات المتاحة حاليا؛ إنها تحاكي تأثيرات الكورتيزول

مواقع التواصل الاجتماعي
    

حتى في وقتنا الحاضر، في 2019، لا تُعتبر تجربة السيدة بي غير مألوفة. يتشاور العديد من المرضى الذين يعانون من اضطرابات التهابية مع أطباء مختصين مثل أخصائيي الروماتيزم الذين قد يحددون أعراض الاكتئاب ولكنهم لا يشعرون بأنهم يعرفون كيفية علاجه أو يفهمون كيفية ارتباطه بالمفاصل المتورمة التي يشعرون أن بوسعهم معالجتها. إن الفصل المادي (الفيزيقيّ) عن الأعراض النفسية ليس مفاجئا بالنظر إلى تقسيم العقل والجسد في الطب الغربي، ولكنه مدهش بالنظر إلى أن معظم الأطباء لديهم خبرة إكلينيكية مباشرة في تأثيرات الأدوية المضادة للالتهاب على تحسين المزاج.

 

تُعتبر الستيرويدات من بين أقوى الأدوية المضادة للالتهابات المتاحة حاليا؛ إنها تحاكي تأثيرات الكورتيزول، الهرمون المضاد للالتهاب الذي يفرزه جسم الإنسان، في مواجهة تأثير المنشطات المناعية التي تسمى السيتوكينات. من المعروف جيدا أن التداوي بالستيرويد يجلب تحسنا سريعا ودراماتيكيا في المزاج والطاقة، (وإن كانت هذه التأثيرات ليست طويلة الأمد عموما، كما يمكن أن يقترن استخدام الستيرويد المفرط بالاكتئاب والذهان).

 

أحد الأجسام المضادة للسيتوكينات، "ريميكيد"، أحرز تقدما كبيرا في علاج الاضطرابات الالتهابية في الخمسة عشر عاما الماضية. إنه يستهدف ويثبط الهرمونات الالتهابية وعادة ما يحمل تأثير مضاد للاكتئاب في غضون بضعة أيام من العلاج، ويطلق على ذلك "الارتفاع الريميكادي".

 

التأثير المضاد للاكتئاب الناجم عن العقاقير المضادة للالتهابات لدى مرضى "الاكتئاب المُترافق" (Comborid Depression) هو بالضبط ما كنت لتتوقعهُ إن كان اكتئابهم ناجما بشكل مباشر عن الالتهابات. لكن الأمر لا يُفسَّر عادة بهذه الطريقة. عوض ذلك، يُنظر إلى الارتفاع الريميكادي على أنه استجابة وهمية: كان من الممكن أن يتحسّن المرضى بصورة مكافئة فيما لو ظنوا أنهم يتعاطون الريميكاد أثناء تعاطيهم بديلا غير مؤذٍ.

   

 يفترض علم المناعة العصبي الجديد أن الاستجابة الالتهابية للجهاز المناعي تشمل تغييرات في طريقة عمل الدماغ

مواقع التواصل الاجتماعي
    

غالبا ما أظهرت التجارب العشوائية للدواءِ الوهمي ومضادات السيتوكين والأجسام المضادة في المرضى الذين يعانون من التهاب المفاصل والصدفية وأمراض التهاب الأمعاء تحسنا في المزاج. ولكن ما زال هناك جدل حول ما إذا كانت تأثيرات الصحة النفسية التي تجلبها الأجسام المضادة لمضادات السيتوكين عبارة عن رد فعل نفسي لفوائدها على الصحة الجسدية؛ حيث يصبح المرضى أقل اكتئابا لأنهم يعانون آلاما أقل في المفاصل وانتفاخا أقل وسهولة في الحركة. بطريقة أو بأخرى، فُسرت الآثار المضادة للاكتئاب الناجمة عن العقاقير المضادة للالتهابات في الاكتئاب المرضي كوظيفة للعقل.

 

انهيار جدار برلين في الدماغ

حتى وقت قريب نسبيا، كان يُعتبر أن الدماغ لديه "امتياز المناعة": إذ لم يتمكن جهاز المناعة من الوصول إليه.[1] [2]  كان الدماغ محميا وراء الحاجز الدموي الدماغي المتكوّن من تغليف محكم من الخلايا البطانية التي تبطِّن الأوعية الدموية في الدماغ، والتي تقارن حصانتها بجدار برلين. مثلما اخترق جدار برلين، اختُرِق الحاجز الدموي الدماغي. أصبح من الواضح بشكل متزايد أن هناك العديد من قنوات الاتصال بين الجهاز المناعي ونظيره العصبي، لم يعد عبثيا الاعتقاد بأنهما يتواصلان مع بعضهما البعض. من الواضح أنهما يفعلان ذلك طوال الوقت، ويصاحب ذلك آثار مهمة على صحتنا وصمودنا في عالم معادٍ وتنافسي.

 

يفترض علم المناعة العصبي الجديد أن الاستجابة الالتهابية للجهاز المناعي تشمل تغييرات في طريقة عمل الدماغ، مما يؤدي إلى استجابة سلوكية. كما أن الالتهاب غالبا ما يسبب زيادة في درجة حرارة الجسم، لذلك يمكن أن يؤدي في كثير من الأحيان إلى انخفاض مستويات الطاقة والسلوكيات التي تسعى وراء المتعة.

 

تُظهر التجارب على الحيوانات أنه إذا أُصيب فأر بجرثومة، فإن سلوكه يتغير حيث يصبح أقل نشاطا وأضعف طاقة وأقل اجتماعية وأقل تفضيلا للمياه المحلاة كما لو أنه وجد إحساس المذاق الحلو أقل متعة عن المعتاد. وتسمى هذه المتلازمة التي تشبه الملامح السلوكية للاكتئاب "سلوك المرض أو السلوك المرضي". إنه يظهر في مجموعة واسعة من المخلوقات بما في ذلك الإنسان العاقل. السلوك المرضي لا يبدأ من الجرثومة المعدية، بل عن طريق الاستجابة المناعية له. سيُظهِر فأر محقون بالسيتوكينات عادة السلوك المرضي نفسه لفأر مصاب بجرثومة.

 

يمكن أن تمر السيتوكينات عبر الحاجز الدموي الدماغي بسهولة تامة، هناك فجوات كبيرة بما فيه الكفاية بين الخلايا البطانية التي تبطن جدران الأوعية الدموية للسماح لبروتينات مثل السيتوكينات بالانتشار من الدم إلى الدماغ. حتى خلايا الدم البيضاء المناعية المنتشرة يمكن أن تساعد بنشاط في الضغط على الخلايا البطانية والوصول إلى الدماغ. هناك قنوات أخرى للاتصال وهي حساسة لتغيير مستويات السيتوكين في الجسم ويمكنها إرسال إشارات كهربائية مباشرة إلى الدماغ مثل العصب المبهم [3].

   

 ليس بالضرورة أن يكون لدى كل مريض بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي مستويات غير طبيعية من السيتوكين أو البروتين المتفاعل-C

مواقع التواصل الاجتماعي
      
الالتهابات تسبب الاكتئاب

الاكتئاب هو إحدى الشكاوى الشائعة بين مرضى الالتهابات، ولكن الصلة بين الالتهابات والاكتئاب لا تزال غير واضحة بين مرضى الاضطراب الاكتئابي الرئيسي من الناحية الإكلينيكية [4]. المحيّر أن الدليل الإحصائي والتشخيصي الخامس للأمراض النفسية لا يضع اضطرابات الالتهاب كتشخيص لدى مرضى الاضطراب الاكتئابي الرئيسي. وإن كانت الدراسات بدءا من تسعينيات القرن الماضي تجد باستمرار أن مستويات البروتينات الالتهابية بما فيها البروتين المعروف باسم البروتين المتفاعل-C والسيتوكينات تزداد بشكل ملحوظ لدى مرضى الاضطراب الاكتئابي الرئيسي مقارنة بالأفراد الأصحاء [5].

 

الفرق في مستويات البروتينات في الدم بين مرضى الاضطراب الاكتئابي الرئيسي والأفراد الأصحاء ليس كبيرا مقارنة بالمستويات الأعلى لهذه البروتينات لدى مرضى التهابات المفاصل. وليس بالضرورة أن يكون لدى كل مريض بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي مستويات غير طبيعية من السيتوكين أو البروتين المتفاعل-C. نحو ثلث مرضى الاضطراب الاكتئابي الرئيسي يعانون أيضا من التهاب منخفض الدرجة. هناك العديد من التفسيرات المحتملة لهذه الحقيقة الثابتة: قد يعني ذلك أن الاكتئاب يسبب التهابا أو أن الالتهاب يسبب اكتئابا أو أن كليهما ناتج عن عامل ثالث خارجي. إذا كان الالتهاب يسبب الاكتئاب، فإننا نتوقع العثور على دليل الإصابة به أولا. قامت العديد من الدراسات بتقييم المرضى مرارا وتكرارا وأكدت أن الالتهابات يمكن أن تتنبأ بالاكتئاب.

 

في جنوب غرب إنجلترا، حظي 14000 شخص ولدوا في عام 1991 بتقييم متكرر منذ الولادة لدراسة تطورهم الطبيعي. عند بلوغهم 18 سنة، كان هنالك زيادة ملحوظة في معدلات الاكتئاب في أوساط من كانت لديهم مستويات عالية من السيتوكين في الدم عندما كانوا في التاسعة من العمر. وقد وجدت دراسة أخرى لموظفي الخدمة المدنية البريطانية الأكبر من 50 سنة أن أولئك الذين لديهم مستويات أعلى من البروتين المتفاعل-C ولم يعانوا من الاكتئاب عندما تم تقييمُهم لأول مرة في عامَيْ 2004 و2008، كانت لديهم معدلات اكتئاب أعلى بكثير عند إعادة تقييمهم في عام 2012. في كلا المجموعتين سبق الالتهاب الاكتئاب بعدة سنوات.

 

وقد حققت دراسات أخرى في تسلسل الأحداث على مدى فترات زمنية أقصر. على سبيل المثال، كان لدى المرضى الذين يعانون من التهاب الكبد والذين لم يعانوا من الاكتئاب قبل تلقي العلاج المضاد للفيروسات عبر سيتوكين الإنترفيرون زيادة كبيرة في خطر التعرض للاكتئاب بعد نحو ستة أسابيع على العلاج. وشهدت صحة الشباب الذين تمت دراستهم بعد الحقن بدواء وهمي ومرة أخرى بعد التطعيم ضد التيفوئيد أعراض اكتئاب خفيفة وعابرة نسبيا بعد 48 ساعة من التطعيم. يمكن أن تؤدي الصدمة الالتهابية المعالجة إكلينيكيا مثل علاج الإنترفيرون أو التطعيم ضد التيفوئيد إلى توقع اكتئاب لاحق على مدار فترات زمنية تتراوح بين أيام وعقود.

   

 يؤدي الالتهاب الطرفي الذي يحدث في أجزاء متفرقة من الجسم إلى تعطيل وظيفة الدماغ العاطفية

مواقع التواصل الاجتماعي
    

قد تتوافق أسبقية الالتهاب في الحدوث مع التسبب بالاكتئاب ولكنها ليست مؤكَّدة بشكل قاطع. ولا يزال من غير المفهوم كيف تؤدي الإشارة الالتهابية في الدم إلى حدوث تغيرات في الدماغ يمكن أن تؤدي بدورها إلى تغير المزاج والسلوك الاكتئابي. تشير التجارب على الحيوانات إلى أن مثل هذه السلسلة من الأحداث يمكن تصوّرها عند البشر، ولكن من الأصعب قياس حالة الخلايا المناعية أو الخلايا العصبية في دماغ الإنسان الحي كما في دماغ الفئران.

 

تُظهر طرق المسح الدماغي -مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)- أن مرضى الاضطراب الاكتئابي الرئيسي الذين لديهم مستويات أعلى من البروتين المتفاعل-C في دمائهم، قد انخفضت قوة الاتصال لديهم بين مكونات دارات الدماغ أو الشبكات المعروفة بأهميتها في المعالجة العاطفية والاضطرابات المزاجية. يؤدي الالتهاب الطرفي الذي يحدث في أجزاء متفرقة من الجسم إلى تعطيل وظيفة الدماغ العاطفية. وعلى الرغم من دقة الرنين المغناطيسي الوظيفي، فإنه لا يستطيع تقديم معلومات عن الخلايا العصبية الفردية أو الحالة الالتهابية للخلايا المناعية في المخ. في الواقع، لا توجد طريقة جيدة لقياس الالتهاب في الدماغ البشري في الوقت الراهن؛ ويشكّل ذلك أحد العقبات الحالية لتحديد دور التهاب الجسم في التهاب الدماغ البشري الذي يولّد بدوره تغيّرات في المزاج والسلوك.

 

الإجهاد أساس الالتهاب والاكتئاب

هناك العديد من المصادر المحتملة للالتهاب التي يمكن أن تسبب الاضطراب الاكتئابي الرئيسي للمريض. يستجيب جهاز المناعة للعديد من العوامل الداخلية والخارجية التي يمكن أن تؤثر على حالة الالتهاب، مثل زيادة مستويات السيتوكين في أشهر الشتاء وانخفاضها في فصل الصيف. ترتبط التغيرات الهرمونية للشيخوخة وفترة ما بعد سن اليأس بزيادة الالتهاب. كما ترتبط السمنة بشدة بالالتهاب، فالأنسجة الدهنية غنية بالخلايا الأكولة [6]. من المعروف أن جميع هذه العوامل وغيرها من العوامل المعروفة بزيادة الالتهاب تزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب.

 

من المرجح أن أبرز مصدر للالتهاب الذي يسبب الإصابة بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي هو الإجهاد. الإجهاد الاجتماعي هو أكبر عامل خطر للإصابة بالاكتئاب؛ أحداث الحياة الرئيسية مثل وفاة فرد من العائلة أو المقربين والطلاق وفقدان الوظيفة، إضافة إلى الأدوار الاجتماعية المرهقة للبالغين مثل رعاية أحد المقربين، تزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب خلال الأسابيع أو الأشهر أو السنوات التالية. كما تتنبأ الضغوط في الطفولة مثل الانفصال المبكر عن الوالدين بالإصابة بالاكتئاب بعد ذلك بعقود.

   

  في الوضع الأمثل، تتحكم الجينات في الاستجابة السلوكية للالتهاب والعدوى في الحيوانات والبشر

مواقع التواصل الاجتماعي
    

ومما يثير الاهتمام أن هناك أدلة متزايدة على أن العلاقة بين الإجهاد والاكتئاب يتوسطها الالتهاب، حيث يسبب الإجهاد الالتهاب، والذي يؤدي بدوره إلى الاكتئاب. في دراسة طويلة الأمد على مجموعة من حديثي الولادة في نيوزيلندا، كان لدى الأطفال الذين عانوا من سوء المعاملة أو الشدائد في سن الثامنة مستويات متزايدة من البروتينات الالتهابية في دمائهم في سن الحادية والعشرين لاحقا. وقد وجدت دراسة استهدفت المدرسين المجهدين والمدرسين المرنين أن المدرسين الذين عانوا من الإجهاد الوظيفي أنتجوا المزيد من السيتوكينات أكثر من المدرسين المرنين. لقد ضخ جميع المعلمين المزيد من السيتوكينات خلال ساعة من المهمة المجهدة المتمثلة في إلقاء خطاب. هناك الكثير من الأدلة على تسبب الإجهاد بالالتهاب في الحيوانات.

 

لماذا يجعلنا نظام المناعة مكتئبين؟

تعود الإجابة عن هذا السؤال إلى داروين، مثلها مثل كل أسئلة "لماذا؟" في علم الأحياء. لا بد من وجود منطق يجعل السلوك الاكتئابي جزءا من الاستجابة الالتهابية التي تعزز قدرتنا على البقاء على قيد الحياة. فائدة الاكتئاب للبقاء أو التكاثر ليست واضحة وضوح الشمس. عادة ما يكون المرضى الذين يعانون من الاضطراب الاكتئابي الرئيسي أكثر فقرا، ولديهم علاقات أقل استقرارا، ويمتلكون عددا أقل من الأطفال، ولديهم معدل حياة أقل من نظرائهم غير المصابين بالاكتئاب. وفقا لدائرة الصحة الوطنية البريطانية في عام 2016، فقد أدى المرض النفسي الخطير والاضطراب الاكتئابي الرئيسي واضطراب المزاج ثنائي القطب والفصام إلى خفض متوسط العمر المتوقع بمقدار 12 عاما. من الواضح أن الاضطراب الاكتئابي الرئيسي لم يُنتقَ [طبيعيا] لأنه يساعد الجنس البشري على النجاة في القرن الحادي والعشرين. لكن السلوكيات الشبيهة بالاكتئاب الناجمة عن استجابة للالتهاب يمكن أن تكون قد ساعدت أسلافنا على البقاء في الماضي البعيد عندما كانوا أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية.

 

قد يكون انحدار الطاقة والنشاط قد حافظ على الطاقة لمكافحة العدوى. قد يكون الانسحاب الاجتماعي قد حمى "المريض" من الإجهاد التنافسي وحمى بقية القبيلة من العدوى المحتملة. ربما جعل القلق والنوم المتقطع المريض أكثر يقظة وأقل عرضة للافتراس. يمكن حتى إن أسلافنا قد تطوروا لكي يعانوا من الالتهاب ليس فقط استجابة للعدوى ولكن تحسبا لتهديد العدوى. إن المواقف الاجتماعية مثل الصراع أو التنافس على الموارد والتي من المرجح أن تؤدي إلى العنف والصدمات مع وجود مخاطر عالية من العدوى يمكن أن تكون سببا في حدوث استجابة التهابية وقائية، بما في ذلك السلوك المرضي.

 

إذا كان الأمر كذلك، فإن الجينات التي تزيد من خطر الإصابة بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي اليوم يجب أن تشمل الجينات التي تنتج السيتوكينات أو أي بروتينات أخرى من جهاز المناعة. في الوضع الأمثل، تتحكم الجينات في الاستجابة السلوكية للالتهاب والعدوى في الحيوانات والبشر. لسوء الحظ، لم يصل فهمنا لوراثة الاكتئاب لهذا المستوى من التقدم حتى الآن.

  

لقد ساد مجال تطوير الأدوية المضادة للاكتئاب البحث عن قرص دواء سحري يسري مفعوله على جميع المصابين بالاكتئاب

مواقع التواصل الاجتماعي
    

نعلم أن الاكتئاب يمتد في العائلات وهو قابل للتوريث الجيني. فقط حتى عام 2018، نُشِرت أول بيانات دقيقة وموثوقة حددت 44 "جينة للاكتئاب"، على الرغم من أنها تُشكّل مجتمعة أقل من 10% من مجمل المخاطر بالنسبة للاضطراب الاكتئابي الرئيسي. لقد كان اكتشاف جينات الاضطراب الاكتئابي الرئيسي بطيئا، حيث اتضح أن هناك الآلاف من الجينات المعنية، كل منها له تأثير ضئيل. كما كان على العلماء فحصُ أعداد كبيرة جدا من الحمض النووي للمرضى والأفراد الأصحاء (مجموعة المقارنة) لتحديد جينات الاضطراب الاكتئابي الرئيسي المهمة من بين جميع الجينات الأخرى الموجودة في الجينوم.

 

والآن بعد أن أصبح لدينا الحمض النووي لمئات الآلاف من المرضى، يمكننا تحديد بعض الجينات المرتبطة بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي. والكثير من هذه الجينات يصنّع البروتينات في الدماغ وبعضها متعلق بالجهاز المناعي. الجين الأكثر ارتباطا بالاضطراب الاكتئابي الرئيسي هو جين "أولفكتومادين 4" (olfactomedin 4)، يتحكم في استجابة الالتهابية للعدوى في المعدة. هذا ما تتوقعه في حال كنت تؤمن بالتفسير التطوري، ولكن هذا الاستنتاج يتطلب تحليلا أكثر دقة من مجرد البيانات للتأكد.

 

العلاج الموحد لا يناسب الجميع

ما الفرق الذي يمكن أن يُحدِثه استمرار المزيد من الأبحاث في التحقق من صحة ما إذا كان الالتهاب سببا في الاكتئاب أحيانا للعلاج والوقاية؟ أحد الابتكارات الواضحة على ذلك استخدام العقاقير المضادة للالتهابات كمضادات للاكتئاب للمرضى الذين يعانون من الاضطراب الاكتئابي الرئيسي واكتئاب ما بعد الصدمة. وقد قدّمت العديد من التجارب الإكلينيكية للأدوية المضادة للالتهابات أدلة ظرفية على فعاليتها المضادة للاكتئاب. من ناحية أخرى، كانت هناك حفنة من الدراسات الصغيرة على قدرة مضادات الالتهابات اللاستيرويدية على علاج الاضطراب الاكتئابي الرئيسي، عند تحليل جميع البيانات، لم يظهر دليل واضح على أنها تعمل كمضادات للاكتئاب.

 

بالرغم من ذلك، تشير الدراسات إلى أمر من المحتمل أن يكون مهما؛ ألّا نتحمس لفكرة وجود علاج شامل. لقد ساد مجال تطوير الأدوية المضادة للاكتئاب البحث عن قرص دواء سحري يسري مفعوله على جميع المصابين بالاكتئاب. إن العقاقير المضادة للاكتئاب تمنح لأي مريض مصاب بالاكتئاب مثل الفلوكسيتين وما يرتبط بها من مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية بحجة أنها تعمل بفعالية في المتوسط. لكن علاج مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية لن يكون فعالا لجميع حالات الاضطراب الاكتئابي الرئيسي، من الواضح أن العلاج الموحد لا يناسب الجميع.

  

 تقترح الدراسات أن اختبارات الدم سوف تصبح أكثر أهمية في الطب النفسي مما كانت عليه في الماضي

مواقع التواصل الاجتماعي
   

التدخلات المضادة للالتهابات لن تكون أبدا الحل لجميع المرضى الذين يعانون من الاكتئاب. في الوقت الحالي، هناك معالجات بديلة جديدة مضادة للاكتئاب، بما فيها الأنظمة الغذائية لتغيير المايكروبيوم، وأجهزة التحفيز الكهرومغناطيسي المصممة لتغيير وظيفة الدوائر الدماغية العاطفية، والعقاقير التي تعمل في المقام الأول على جلوتومات الناقل العصبي بدلا من مستقبلات السيروتونين مثل الكيتامين [7]. المستقبل يعد بمجموعة من الخيارات العلاجية، ولكن كيف نعرف أي علاج أكثر فاعلية لكل مريض؟

 

ثورة علاجية؟

عندما قام العلماء الذين يديرون إحدى تجارب العقاقير المضادة للالتهاب لعلاج الاكتئاب كالأدوية اللاستيرويدية مثل الريميكيد بتحليل بياناتهم، وجدوا أن بعض المرضى استجابوا بشكل أفضل من غيرهم. كانت الآثار المفيدة للعلاج أكبر لدى مرضى الاكتئاب الرئيسي الذين كانت لديهم مستويات أعلى من البروتين المتفاعل-C في دمائهم قبل بدء العلاج. مما يعني أن علاج الاكتئاب عن طريق مضادات الالتهاب كان الأفضل بالنسبة للمرضى المصابين بالاكتئاب الذين كان لديهم التهاب أكبر، وهذا ليس مستغربا. في الواقع أن ما يثير الدهشة هو الطريقة المحسّنة التي تشير إليها النتائج لمعالجة الاكتئاب في المستقبل.

 

تقترح الدراسات أن اختبارات الدم سوف تصبح أكثر أهمية في الطب النفسي مما كانت عليه في الماضي. من المرجح أن الموجة التالية من التجارب الإكلينيكية للعقاقير المضادة للالتهاب لعلاج الاكتئاب سوف تقيس المؤشرات البيولوجية للالتهاب للتنبؤ بالمرضى الذين هم أكثر عرضة للاستجابة للعلاج بمضادات الالتهاب.

 

تُستخدم الآن العديد من التدخلات ذات الفعالية المتنوعة والانتشار لتخفيف الاكتئاب. تتراوح بين التدريب النفسي البحت مثل تدريب الذهن إلى العمليات الجراحية، مثل تحفيز العصب المبهم حيث يتم زرع جهاز تحت الجلد لتوصيل نبضات كهربائية إلى العصب المبهم الذي يبذل جهد إنتاج رد فعل مضاد للالتهاب. هذا الإجراء محفوف بالمخاطر ومخصص للمرضى الذين لم يستجيبوا للعلاجات الأخرى. لا تشير المؤشرات الحيوية لحالة الجهاز المناعي فقط إلى الأشخاص الذين من المرجح أن يستجيبوا لنهج علاجي معين، بل وإنها توجه تقدم العلاج أيضا. يُعتبر ذلك ممارسة قياسية في مجالات الطب الأخرى، وسيكون تقدما كبيرا إذا استطاع الطب النفسي القيام بالأمر ذاته.

  

 هناك أدلة متزايدة على أن المعاناة من محنة في الطفولة ترتبط بزيادة البروتينات الالتهابية لدى البالغين

مواقع التواصل الاجتماعي
      

أتوقع أننا مستقبلا سوف نستخدم المؤشرات الحيوية لنظام المناعة بما فيها البروتين المتفاعل-C والسيتوكينات وغيرها لتحديد أولئك المرضى الذين يعانون من الاكتئاب الناجم عن الالتهابات. سيسمح لنا ذلك بتزويدهم بخطة علاج أكثر تخصيصا بالترافق مع تدخلات تستهدف علاج الالتهاب. قد يكون من الممكن الاستفادة من نظام المناعة ليس فقط لعلاج الاكتئاب بل لمنعه أيضا. يُعتبر سوء المعاملة أو الصدمة في الطفولة عامل خطر تنبؤيا قويا للاكتئاب الذي قد يظهر بعد عقود. من المعروف منذ فترة طويلة أن الجهاز المناعي لديه ذاكرة خارقة إزاء التعرض للتهديدات البيولوجية، مثل العدوى في مرحلة الطفولة. على سبيل المثال، يحتفظ الناجون من عدوى طفولة قاتلة محتملة مثل الحصبة بذاكرة مناعية تمكنهم من الاستجابة بقوة إذا تعرضوا مرة أخرى للفيروس في وقت لاحق من حياتهم. هل يمكن أن ينطبق ذلك على التهديدات الاجتماعية للبقاء في الطفولة؟

 

هناك أدلة متزايدة على أن المعاناة من محنة في الطفولة ترتبط بزيادة البروتينات الالتهابية لدى البالغين. هناك أدلة تفصيلية في التجارب على الحيوانات على أن الإجهاد في الحياة المبكرة مثل الانفصال عن أحد الوالدين يمكن أن يدمغ علامة على الجينوم الذي يسبب ميلا نحو استجابة الحيوان الالتهابية للضغوط المتأخرة. بعبارة أخرى، يمكن لنظام المناعة في الفأر أن يحمل ذاكرة طويلة الأمد للتعرض للإجهاد في مرحلة الطفولة، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للإصابة بالالتهاب (والاكتئاب) عند بلوغه.

 

إذا تبيّن أن ذلك ينطبق أيضا على البشر، فلربّما أمكن استخدام العلامات الحيوية للذاكرة المناعية لأطفال تعرّضوا لإساءة المعاملة أو المحنة في تحديد الأطفال المعرضين لخطر اضطرابات الصحة النفسية في وقت لاحق من حياتهم؛ وبالتالي من المرجح أن يستفيدوا من البرامج الوقائية. ربما يكتشف العلماء في نهاية المطاف طرقا لإعادة برمجة الذاكرة المناعية للإساءة حتى لا يحمل الناجون خطر الإصابة بالاكتئاب لبقية حياتهم.

 

جنود المناعة: الخلايا الأكولة والخلايا الدبقية الصغيرة

أبرز مهمة للنظام المناعي هي الدفاع عن النفس ضد الأجسام الأجنبية عن الجسم، والمثال الكلاسيكي على ذلك هو الاستجابة المناعية للعدوى. نعيش في عالم مليء بالجراثيم، جسيمات مجهرية أجنبية عن الجسم، يمكن أن تلحق الضرر بنا أو تقتلنا. إذا أصابتنا جرثومة خطيرة فإن الجهاز المناعي جاهز للتعامل مع الوضع؛ فالخلايا الأكولة تكشف عن البكتيريا وتدمّرها.

  

 الاكتئاب شائع جدا في الواقع، نحو واحد من كل أربعة أشخاص يعاني من نوبة اكتئاب كبيرة في وقت ما في حياته

مواقع التواصل الاجتماعي
    

الاستجابة المناعية الأولى للعدوى هي الالتهاب عادة؛ عندما تكشف الخلايا الأكولة عن وجود جرثومة معدية، فإنها تنشط. تنتقل الخلايا نحو الجرثومة محاولة الاتصال بها ثم ابتلاعها وهضمها. بالرغم من فعالية الخلايا الأكولة، يمكن أن تتكاثر الجراثيم بسرعة كبيرة وتفوقها عددا. وللمساعدة في المعركة ضد الأعداد الهائلة المحتملة من العوامل الأجنبية عن الجسم، تستدعي الخلايا الأكولة المساعدة عبر إطلاق بروتينات تُدعى السيتوكينات في الأوعية الدموية المجاورة، والتي تنتشر في جميع أنحاء الجسم وتجذب الخلايا الأكولة الأخرى لتعزيز الاستجابة المناعية المباشرة ضد الجراثيم.

 

في الأيام والأسابيع التالية للعدوى، تشارك الخلايا والأنظمة المناعية المتخصصة الأخرى. على سبيل المثال، قد تعمل الخلايا الليمفاوية -وهي نوع من خلايا الدم البيضاء- على زيادة إنتاج الأجسام المضادة، وهي البروتينات التي يمكن أن تساعد الخلايا الأكولة على التعرف على النوع نفسه من الجرثومة وقتلها بسرعة أكبر إذا ظهرت في المستقبل.

 

بمجرد وصول الإشارات الالتهابية من الجسم إلى الدماغ، غالبا ما تلتقطها الخلايا الأكولة الموجودة في الدماغ والتي تسمى الخلايا الدبقية الصغيرة وتضخّمها. تُنَشَّط الخلايا الدبقية الصغيرة بواسطة السيتوكينات لإنتاج المزيد من السيتوكينات في حلقة مفرغة إيجابية يمكن أن يكون لها تأثيرات ضارة على وظيفة الخلايا العصبية المجاورة. لا تتكيف الارتباطات المشبكية بين الخلايا العصبية بهذه السرعة مع أنماط التحفيز المتغيرة. كما أن السيتوكينات تجعل الخلايا العصبية أقل عرضة للتكاثر وأكثر عرضة للموت. علاوة على ذلك، يتسبب الالتهاب بجعل بعض الخلايا العصبية تقلل إنتاج السيروتونين أو إطلاقه، وهو الناقل العصبي الذي يُعتقد أنه يلعب دورا رئيسيا في الاكتئاب. تؤدي التغييرات الناجمة عن الالتهاب مجتمعة إلى عدم المرونة السلوكية، السمة المميزة للاكتئاب.

 

إدراج عامل الالتهاب في العلاج من الاكتئاب

يؤدي الاكتئاب إلى حث الأفراد على الانسحاب اجتماعيا. الاكتئاب شائع جدا في الواقع، نحو واحد من كل أربعة أشخاص يعاني من نوبة اكتئاب كبيرة في وقت ما في حياته. يمس الاكتئاب كل عائلة على هذا الكوكب.

   

العديد من العقاقير المضادة للالتهاب موجودة بالفعل في السوق، ولكن لم يتبين أن أيًّا منها له تأثيرات مضادة للاكتئاب.

رويترز
    

إذا كنت تعلم أن لديك اضطرابا التهابيا، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي أو داء كرون (مرض التهاب الأمعاء)، وكنت تعاني أيضا من الاكتئاب أو الإرهاق، تحدّث إلى طبيبك عن الأعراض النفسية بالإضافة إلى الأعراض الجسدية التي تعاني منها. يمكن أن تساعد العلاجات القياسية للاكتئاب مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية والعلاج النفسي في الاكتئاب المرضي، ولكن العديد من المرضى الذين يعانون من مرض جسدي لا يستخدمون هذه العلاجات. قد يحيلك طبيبك إلى أخصائي نفسي إكلينيكي أو طبيب نفسي. خذ بالاعتبار أي خيارات علاج مضادة للاكتئاب مما يقترحه عليك الأطباء، وتواصل مع الآخرين في هذا الخضم وتبادل الخبرات معهم.

 

إذا كنت تعاني من الاكتئاب ولكنك لا تعاني من اضطراب التهابي كبير، فقد تكون المستويات المنخفضة من الالتهاب مساهمة في اكتئابك. يمكن لفحص الدم البسيط للبروتين المتفاعل-C أو تعداد خلايا الدم البيضاء أن يشير إلى مستوى الالتهاب الذي يعاني منه جسدك. إذا كانت اختبارات الدم إيجابية، حاول تحديد سبب الالتهاب والقضاء عليه، تشمل الاحتمالات الشائعة التهاب اللثة والسمنة والضغط الاجتماعي.

 

العديد من العقاقير المضادة للالتهاب موجودة بالفعل في السوق، ولكن لم يتبين أن أيًّا منها له تأثيرات مضادة للاكتئاب. هناك العديد من طرق علاج الاكتئاب غير المستندة إلى العقاقير، بما فيها اليوغا والتأمل والحميات الغذائية وتحفيز العصب المبهم، لكن لم تتم الموافقة على أي منها كعلاج للأعراض الاكتئابية للالتهابات. لذا توخّى الحذر، اطرح أسئلة حاسمة حول الأدلة لأي علاج، قريبا لا يوجد مخاطر بممارسة اليوغا أو الامتناع عن مواد غذائية محددة من النظام الغذائي الخاص بك؛ ولكن لا يزال الأمر يستحق السؤال عما إذا كان ذلك سيغير مستويات البروتينات أو الخلايا الالتهابية في جسمك. مهما كانت الدورة العلاجية التي تختارها بعد التشاور مع طبيبك، قم بتتبع مستويات الالتهاب لديك من خلال اختبارات الدم المتكررة. راجع طريقة علاجك إذا بقيت درجة الالتهاب في جهازك المناعي مرتفعة.

-------------------------------------------------

هوامش

[1] التهاب المفاصل الروماتويدي: هو اضطراب التهابي مزمن، يقوم بمهاجمة جهاز المناعة المفاصل، مسببا التهابات ومدمرا المفاصل، ويمكن أن يصيب أماكن أخرى تتجاوز المفاصل.

[2] السيروتونين: هي أحد الناقلات العصبية، وتلعب هذه المادة دورا مهما في تنظيم مزاج الإنسان، لذا يسمى أيضا بهرمون السعادة والرغبة الجنسية، ولها دور أيضا في مرض الصداع النصفي (داء الشقيقة) وعلاج الاكتئاب.

[3] العصب المبهم أو العصب الرئوي المعدي (Vagus nerve): هو العصب الوحيد الذي ينشأ في الدماغ وينتهي بعيدا في الجهاز الهضمي.

[4] الاضطراب الاكتئابي الرئيسي (MDD): يُعرف أيضا بالاكتئاب الرئيسي أو الاكتئاب أحادي القطب أو الاكتئاب السريري، يحدث حين يعاني الشخص من نوبة اكتئابية رئيسية واحدة أو أكثر. ويُشخص الاضطراب الاكتئابي الرئيسي (النوبة المنفردة) بعد صدمة واحدة. ويشار أحيانا إلى الاكتئاب بدون فترات من الهوس بالاكتئاب أحادي القطب، وذلك لأن المزاج يبقى منخفضا ولا يرتفع لأعلى حالاته كما في الاضطراب ثنائي القطب.

[5] البروتين المتفاعل-C: هو بروتين مُوجود في الدم بمستويات ترتفع استجابة للحالة الالتهابيّة.

[6] خلايا أكولة أو بلاعم: خلايا مشتقة من الخلايا الوحيدة تساهم في المناعة اللانوعية والمناعة الخلوية النوعية عند الفقاريات.

[7] جلوتومات الناقل العصبي: هي مادة كيميائية تُفرِزها الخلايا العصبية لترسل الرسائل، ويمكنها التفاعل مع الضوء.

---------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار