انضم إلينا
اغلاق
السواك.. مكمل لفرشاة ومعجون الأسنان أم بديل عنهما؟

السواك.. مكمل لفرشاة ومعجون الأسنان أم بديل عنهما؟

هالة أبو لبدة

محررة تعليم وجامعات
  • ض
  • ض

"إذا كانت العين هي نافذة الروح، فالفم هو بوابة الجسد"

   

هو بوابة الجسد إذن، وهكذا تجذّرت أهمية صحة الفم ونظافته منذ قديم الزمان وفي حضارات يعود تاريخها لآلاف السنين قبل الميلاد كالبابلية والآشورية والسومرية(1)، وترسخت ببحث الإنسان القديم عما يساعده في تنظيف أسنانه وفمه، ما جعله يلجأ لاستخدام الأعواد العشبية، التي استخدم بعضها مضغا كما ورد في الأدب اليوناني والروماني القديم، حتى إن بعض المصادر ذكرت اهتمام سكان صحراء أفريقيا والسودان باستخدام هذه الأعواد بين النساء والرجال كلما سنحت لهم الفرصة في طقوسهم الاجتماعية(2).

    

وقد أوردت منظمة الصحة العالمية في تقريرها عام 2000 تأكيدها أن هذه الأعواد "تلعب دورا مهما وأساسيا في تحسين صحة ونظافة الفم"، وأوصت "بضرورة الإسراع في إجراء الأبحاث العلمية الخاصة لتبيان تأثير استخدام مثل هذه الأعواد على صحة الأسنان"(3)، فهل لعبت الأعواد دورا فاعلا في حماية وتعزيز صحة الفم بما يضعها في منافسة أمام فرشاة ومعجون الأسنان، أم أنه كان مجرد أداة مؤقتة لتنظيف الفم بصورة ما؟

  

لماذا الأعواد العشبية؟

   

تنوعت فصائل النباتات التي استُخدمت أعوادها لتنظيف الأسنان لتتجاوز 182 فصيلة لنباتات وأشجار انتشرت في آسيا وأفريقيا، وجنوب أميركا، والشرق الأوسط، وُجد معظمها (158 فصيلة) في أفريقيا وحدها، واستُخدمت جذور هذه النباتات وسيقانها وأغصانها لصنع الأعواد.

  

واعتُبرت شجرة الأراك المعروفة علميا باسم "سلفادورا بيرسيكا" (Salvadora persica) أكثر هذه الأنواع شهرة على الإطلاق، فقد امتد وجودها الجغرافي في مناطق كثيرة بدءا من راسثان الهند ونيبال وماليزيا شرقا مرورا بباكستان وإيران والعراق والسعودية ومصر حتى موريتانيا غربا، ومن الشمال الأفريقي مرورا بالسودان وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى وحتى جنوب شرق أفريقيا(4).

    

وقد عزز انتشار هذه الأعواد توفرها وانخفاض تكلفتها وسهولة استخدامها إضافة إلى التأكيد الثقافي أو الديني على استخدامها، فحملت أسماء مختلفة كـ "الأراك" أو "المسواك" في الثقافة العربية، و"كويوجي" (koyoji) في الثقافة اليابانية، و"كِسا" (qisa) في الثقافة الآرامية، و"ماستِك" (mastic) في الثقافة اللاتينية.

    

     

المسواك تحت المجهر

في البداية، كان يُعتقد أن الاحتكاك الذي ينتج بين شعيرات المسواك وسطح الأسنان هو السبب وراء قدرته على تنظيف الأسنان، لكن دراسات حديثة نقَّبت في العود للتأكد من ذلك، وبدأ تقصي أثره على البكتيريا المسببة لأمراض الفم والأسنان بتتبع خواصه فيزيائيا وكيميائيا، قبل وضعه في مقارنة مع فرشاة ومعجون الأسنان ومستحضرات غسول الفم، وركزت هذه الدراسات على "المسواك" المصنوع من شجرة الأراك وأخرى على مسواك شجرة النيم نظرا للتشابه الكبير في خواصه مع خواص عود الأراك.

   

لقد ارتبطت أمراض الفم والأسنان واللثة بأنواع محددة من البكتيريا، مثل: "بريفوتيللا انتيرميديا" (Prevotella intermedia)، و"تريبونوميا دينتيكولا" (Treponema denticola)، و"بورفيروموناس جينجيفاليس" (P. gingivalis)، و"اكتينوباسيلاس اكتينوماسيتيمكوميتانس" (A. actinomycetemcomitans)، واعتُبرت الأخيرة أكثرها شراسة والسبب وراء أحد الأمراض المدمرة التي تصيب اللثة والعظام المحيطة بالسن(5).

     

وقد أظهر التحليل الكيميائي لعود الأراك قدرته على قتل الميكروبات الموجودة بالفم بما فيها هذه الأنواع، ومقاومته الالتهابات الفموية، وذلك لاحتوائه على نسبة عالية من الكبريت والكلور والكالسيوم، وأحد مشتقات السينايد، كما أثبت قدرته على إزالة بقايا الطعام الملتصقة بميناء السن لاحتوائه على مادة السيليكا التي تزيل هذه البقايا وتصبغات الأسنان، ومساعدته على التئام جروح الفم لاحتوائه على فيتامين ج، وتقليله من التهابات اللثة، وتقليل تكوّن طبقات اللويحة السنية "Dental Plaque" بسبب مادة التانين ذات الخواص القابضة، كما أن الطعم اللاذع للسواك والذي يعود لاحتوائه على زيوت طيارة يحفز إنتاج اللعاب، إضافة إلى قدرته على تحسين حاسة التذوق، وتبييض الأسنان، والتخلص من الرائحة السيئة وحتى علاج بعض الأمراض الجهازية(6)، وقد جاءت بعض هذه المركبات الطبيعية مشابهة لتلك الموجودة في أنواع معجون الأسنان المتوفرة في السوق.

     

  

المنافسة بين السواك وفرشاة الأسنان

الكثير من الأبحاث قارنت بين السواك من جهة وفرشاة ومعجون الأسنان من جهة أخرى، هدفت إحدى هذه الدراسات لتقصي كفاءة السواك في إزالة طبقات اللويحة مقارنة بفرشاة الأسنان، وضمت الدراسة جزأين، أحدهما تجريبي والآخر سريري، وشمل الجزء التجريبي عينة مكونة من 15 شخصا، تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاما، وطُلب من هذه العينة الامتناع عن استخدام أي وسيلة لتنظيف الأسنان لمدة أسبوع للسماح لطبقة اللويحة بالتشكل، ثم طُلب منهم بعد مرور الفترة استخدام السواك في تنظيف أحد جوانب الأسنان وفرشاة الأسنان لتنظيف الجانب المقابل، وتم أخذ صور للأسنان في كلتا الجهتين.

   

أما الجزء السريري فشمل عينة مكوّنة من 56 شخصا بينهم 18 أنثى و38 ذكرا، وتراوحت أعمارهم بين 20 إلى 60 سنة، وانقسمت العينة إلى 17 من مستخدمي السواك و29 من مستخدمي الفرشاة، واستبعد البقية كونهم ممن يستخدمون السواك والفرشاة في آن واحد، وتمت مقارنة كمية طبقة اللويحة المتكوّنة في أسنان المجموعتين، ودل الجزء التجريبي على عدم وجود فرق في انخفاض كمية طبقة اللويحة بعد استخدام السواك أو الفرشاة، وهو ما دل عليه الجزء السريري أيضا، مما يجعل السواك وفرشاة الأسنان في المستوى نفسه من الكفاءة في مواجهة تكوّن طبقة اللويحة(8).

     

   

على صعيد آخر نُفّذت عدة دراسات لمقارنة التأثير المضاد للبكتيريا للسواك وفرشاة ومعجون الأسنان، من بينها بحث نُفّذ في السودان على عينة مكونة من 213 شخصا تتراوح أعمارهم بين 20 و65 عاما(7)، لمقارنة وضع الأسنان بين مستخدمي السواك ومستخدمي فرشاة ومعجون الأسنان، واستخدمت المحلول المائي والكحولي لمسواك الأراك لفحص تأثيره على 25 نوعا من الميكروبات الموجودة في الفم، وأشارت إلى أن المواد الكيميائية الموجودة في تركيب المسواك أكسبته قدرة على قتل الميكروبات الموجودة بالفم، مع وجود صفة انتقائية في ذلك، أي إن فعاليته في قتل البكتيريا تفاوتت بحسب نوع البكتيريا، فقد تفوّق على معجون الأسنان في قتل عدة أنواع من البكتيريا، بينما حدث العكس مع معجون الأسنان في الأنواع الأخرى(9).

 

لكن دراسة حديثة أعلنت عن نتائج مفاجئة وجديدة، وضمت جزأين أحدهما كلينيكي والآخر مخبري، وركز الجزء المخبري على المقارنة بين التأثير القاتل لكلٍّ من السواك وفرشاة الأسنان على 12 نوعا من البكتيريا الفموية الموجودة في الشق اللثوي، من بينها البكتيريا الأخطر "A. actinomycetemcomitans" المعروفة اختصارا (A.a)، وذلك باستخدام تقنية الحامض النووي الوراثي، ومراقبة معدل نمو هذه البكتيريا في وسط يحتوي على خلاصة مسواك الأراك، وكذلك تعريض الخلايا البشرية المناعية "مونوسايتس" (Monocytes) إلى سموم هذه البكتيريا في وجود خلاصة مسواك الأراك وفي غيابه وتحليل مستوى إنزيم "اللاكتيت ديهايدروجينيز" الذي تفرزه الخلايا البشرية الميتة، وقد أظهرت نتائجها أن لخلاصة السواك تأثيرا قاتلا ضد بكتيريا (A.a) فقد عطّل نموها في الظروف الملائمة لذلك، وهو ما يُمكّنه من حماية الخلايا البشرية المناعية عند مهاجمتها من قِبل هذه البكتيريا(10).

   

    

لا نعلم حتى الآن ما كلمة الفصل في إمكانية استخدام السواك بديلا لفرشاة ومعجون الأسنان، فقد تنوعت استنتاجات الدراسات البحثية المُنفّذة حتى اليوم، فبعضها خلُص إلى إمكانية استخدام أيٍّ منهما لتنظيف الأسنان، وآخر نصح باستخدام كليهما للوصول إلى مستوى مثالي من نظافة الفم وصحة الأسنان، وأعلن بعضها عن إمكانية استبدال الفرشاة والمعجون بالسواك نظرا لسهولة استخدامه وفعاليته وانخفاض تكلفته، ومنها ما أبرز الجانب المظلم للسواك وركز عليه من حيث عدم قدرته على الوصول إلى سطوح الأسنان من الجهات كافة، وكذلك تسبّبه بانحسار اللثة الذي يمكن الوقاية منه باستخدام الإرشادات الدقيقة عند استخدامه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار