انضم إلينا
اغلاق
منها التفوق في الرياضيات.. لهذه الأسباب عليك أن تُعلِّم طفلك الموسيقى

منها التفوق في الرياضيات.. لهذه الأسباب عليك أن تُعلِّم طفلك الموسيقى

كاميليا حسين

كاتبة مهتمة بشؤون الأسرة والعلاقات وأساليب الحياة الحديثة
  • ض
  • ض

 "هل يوجد غير الموسيقى مَن يعطينا شهوة الحلم والذهاب بعيدا في حنيننا؟ نتحمل قسوة الحياة وصرامتها، لأن الموسيقى من حين لآخر تفاجئنا بعنفوانها ودهشتها وتُشعرنا بطفولتنا الدائمة، وإلا مَن يملأ هذا الخواء المفجع الذي يزداد اتساعا فينا كل يوم؟" 

(واسيني الأعرج، طوق الياسمين)

  

منذ عدة سنوات، بدأت ابنتي تدريبات عزف البيانو، في البداية كانت شغوفة للغاية بالتعلُّم، بنغمات الموسيقى وتنوّعها، بالسحر الناجم عن تتابع النغمات، وبقدرتها على عزف مقطوعات صغيرة واستدعاء تصفيق مَن حولها. اشترينا الآلة، وانتظمنا في الدروس لعدة أشهر إلى أن شعرت بالضجر، خلال هذه الفترة كنا نواجه أسئلة من الآخرين حول دوافعنا لتعليمها البيانو؛ لماذا لا تتعلّم شيئا "مفيدا"؟ أو ما "مستقبل" تدريب البيانو؟ هل سيُساعدها هذا في العمل عندما تكبر؟ لم يكن لديَّ إجابة وقتها، لقد بدت مستمتعة واتبعنا شغفها ببساطة دون تفكير في العائد أو الفوائد. هل ستكبر لتصبح بيتهوفن جديدا؟ ربما لا، ربما تمل من الأمر كله بعد عدة سنوات. بدأت ابنتي الشعور بالضجر بعد عدة أشهر لا سنوات. دفعني هذا للتساؤل حول الفائدة الحقيقية من تدريب الأطفال على الموسيقى، هل الهدف فعلا هو تدريبهم ليصبحوا عازفي المستقبل؟ أم أن هناك فوائد أخرى لا أدركها؟ وكيف يمكن للآباء تشجيع أبنائهم على تعلُّم الموسيقى وتجنيبهم الشعور بالملل؟

    

  

من بين كل الأنشطة.. لماذا نُعلِّم أبناءنا الموسيقى؟

يواجه آباء اليوم حيرة متجددة عند اختيار الأنشطة المناسبة لأطفالهم، فالخيارات أصبحت كثيرة ومتنوعة بشكل لا يُصدَّق، لكنّ الوقت والطاقة والموارد المالية محدودة، وهو ما يجعل عملية الاختيار أمرا صعبا، ويجعل التساؤلات تتزايد حول "الهدف" أو "العائد" من الالتحاق بهذا النشاط أو ذاك.

  

وبينما تظهر فوائد الأنشطة الرياضية بشكل سريع ومباشر، سواء في المهارات الجسدية أو الاجتماعية، فيزداد الإقبال عليها بينما يتراجع الاهتمام بالموسيقى، حتى في مناهج العديد من المدارس وبرامجها الدراسية، فإن تعلُّم الموسيقى في سن مبكرة له فوائد أخرى أبعد من مجرد تعلُّم العزف:

  

تحسين المهارات اللغوية

وفقا لنتائج دراسة أجراها علماء الأعصاب في جامعة جنوب كاليفورنيا على مدار خمس سنوات، اتضح أن تعليم الموسيقى يساعد على تسريع نمو المسار السمعي في الدماغ، وهو المسؤول عن معالجة الصوت وتطوير اللغة ومهارات القراءة وإدراك الكلام، حيث تزداد المرونة العصبية، وهي تغيير فسيولوجي يحدث في الدماغ كاستجابة للبيئة، وفي هذه الحالة يحدث كاستجابة للتعرّض للموسيقى. تُحفِّز الموسيقى النظام السمعي والذي يلعب دورا رئيسيا في تطور اللغة ومهارات القراءة والتواصل. (1)

  

تقوية الأعصاب وعضلات اليدين

يُؤثِّر التدريب على آلة موسيقية بدرجة كبيرة على عضلات اليد، فهو يعمل على تقوية عضلات اليدين، وتطوير المهارات الحركية الدقيقة. يُعاني الكثير من الأطفال للأسف من ضعف عضلات اليدين نتيجة لكثرة استخدام شاشات اللمس، وهو ما يُؤثِّر على مهارات الكتابة لديهم. تعلُّم العزف على آلة موسيقية في سن مبكرة يساعدهم على تخطي هذه المشكلة.

   

   

تعزيز قدرات الدماغ

لم يكن ألبرت أينشتاين فيزيائيا استثنائيا فحسب، بل كان عازف كمان ماهرا أيضا، فقد بدأ التدرب في السادسة من عمره، وكان قادرا على أداء سوناتات موتسارت قبل أن يصل إلى المرحلة الثانوية، وقد افترض العلماء أن ذلك أتاح له الاتصال بين نصفي الدماغ، وهو ما ساعد عبقريته على الازدهار. أظهرت الدراسات أن تعلُّم الموسيقى في سن مبكرة يساعد على تطوير مناطق متعددة في الدماغ، وأظهر الأطفال الذين يتعلّمون الموسيقى تفوقا ملحوظا وحقّقوا نتائج أعلى في اختبارات قياسية مثل اختبار (SAT)، كما حققوا نتائج أفضل في مرحلة المدرسة الثانوية. (2)

   

تحسين قدرات الذاكرة

يتطلّب تعلُّم الموسيقى تذكُّر قدر هائل من المعلومات المرتبطة بالنغمات وترتيبها والإيقاع الزمني وغيرها، وهو ما يتطلّب زيادة سعة وطاقة الذاكرة. أي إن ذاكرة الطفل تنمو بشكل ما لتتمكّن من استيعاب ما يتعلّمه في الموسيقى، لكن هذا يتسع ليشمل بقية المدخلات التي يتعرّض لها، مثل النصوص الدراسية والمحاضرات وغيرها، وهو ما يُفسِّر تحسُّن قدرة الأطفال الذين يدرسون الموسيقى على تعلُّم اللغات الجديدة والرياضيات. (3)

  

المساعدة على فهم الرياضيات بشكل أفضل

هناك العديد من أوجه التشابه بين الرياضيات والموسيقى، ومن خلال إدراك مفاهيم موسيقية مثل الإيقاع والميزان الموسيقي يتمكّن الطفل أيضا من فهم مفاهيم مثل القسمة والكسور والأنماط. (4)

  

بناء الثقة

إن ما تتطلّبه دروس العزف من الخطأ والصبر والمحاولة مرة أخرى هو تحدٍّ في حد ذاته، وإيجاد العزم اللازم للاستمرار والتطور ليس فقط مفتاح النجاح في إتقان الآلة الموسيقية، لكنه أيضا مفتاح مهم للنجاح في شتّى جوانب الحياة، فهو يمنح الطفل الثقة في نفسه، ويُعلِّمه أن الفشل في خطوة ما ليس نهاية العالم، وأن المحاولة والتدريب هما مفتاح النجاح. لقد أظهرت الدراسات أن المشاركة في أنشطة موسيقية وفنية تُعزِّز الثقة بالنفس، فهي تساعد الطفل على الاستمتاع بالتقدُّم، وتقدير الثناء، لكنها أيضا على الجهة المقابلة تعلِّمه أن يتقبَّل النقد الضروري لإحراز التقدُّم.

   

   

تعزيز الصبر والانضباط

يُعاني الكثير من الأطفال من انعدام الصبر والحاجة إلى الإشباع الفوري لرغباتهم، فبينما صار العالم كله -حرفيا- على بُعد أنملة، بفضل التواصل المستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات الذكية، صارت هذه الحاجة وحشا لا يمكن السيطرة عليه. لكن تعلُّم عزف آلة موسيقية وإتقانها يتطلَّب الصبر والوقت وبذل الجهد، فيكتسب الطفل قيمتَيْ الصبر والانضباط سواء كان مدركا لذلك أم لا، وهذه القيم ستبقى معه لبقية حياته. إن إتقان آلة موسيقية هدف صعب يحتاج إلى التدريب المستمر والانضباط، وهذا الانضباط نفسه الذي يحتاج إليه تعلُّم الموسيقى هو الذي يحتاج إليه الاستعداد لاختبار مدرسي أو لمقابلة عمل.

  

تُشجِّع الموسيقى على التعبير والإبداع

يساعد تعلُّم الموسيقى الأطفال على إيجاد قدراتهم الإبداعية، وتتيح لهم وسيلة للتعبير عنها، سواء قرروا الاستمرار في طريق الفن أم لا. كما يُعَدُّ تعلُّم الموسيقى وسيلة فعالة وأساسية لمساعدة الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النمو أو مشكلات متعلّقة بالصحة العقلية. لقد أظهرت الأبحاث تأثيرا كبيرا للعلاج بالموسيقى على الأطفال الذين يعانون من اضطرابات التوحد وصعوبات التعلم، واضطرابات التعلّق، والشلل الدماغي، ومتلازمتَيْ ريت وويليامز. إذ يواجه الأطفال المصابون بهذه الاضطرابات صعوبات كبيرة في التعبير عن أنفسهم بطريقة فعالة وفي المشاركة مع الآخرين، ويساعدهم تعلُّم الموسيقى على تحسين قدرات التعبير وتُمكِّنهم من المشاركة مع الآخرين من حولهم. (5)

  

"أعتقد أن الموسيقى علاج في حد ذاتها. فهي تعبير مُتفجِّر عن الإنسانية. إنها شيء نتأثر به جميعا. وبغض النظر عن الثقافة التي ننتمي إليها، يحب الجميع الموسيقى"

(بيلي جويل)

   


      

متى تبدأ التدريب؟

كلما تعرّض الطفل مبكرا للموسيقى كان ذلك أفضل. ويرى الخبراء أنه يمكن البدء في تعليم الأطفال العزف بانتظام عندما يكونون قادرين على كتابة أسمائهم بشكل مقروء، والجلوس لمدة 15 دقيقة على الأقل، وهو ما يظهر في عمر الخامسة أو السادسة تقريبا. وكلما بدأ الطفل تدريبه مبكرا كان ذلك أفضل، لكن لا يعني هذا أن الأوان قد فات إذا كان طفلك في عمر أكبر، ربما يكون التدريب أصعب أو يحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد، لكن الأمر يستحق المحاولة. (6)

    

كيف تختار الآلة المناسبة لطفلك؟

  

يعتمد اختيار الآلة المناسبة لطفلك لتعلُّمها على عدة عوامل، عليك أن تُفكِّر فيها قبل الإقبال على شراء الآلة الموسيقية والاشتراك في برنامج التدريب:

  

* اهتمام الطفل بالآلة

أي الآلات يُفضِّل طفلك سماع صوتها؟ وهل يُحبّ شكلها وملمسها؟ توفر بعض أماكن التدريب دروسا تجريبية لعدة آلات مختلفة بحيث يستطيع الطفل تجربة عدة آلات. إذا لم تستطع إيجاد ذلك فيمكنك اصطحاب الطفل لمتاجر الآلات الموسيقية القريبة، كما يمكن أيضا أن يشاهد بعض الفيديوهات المختلفة لعدة آلات ومراقبة ردود أفعاله نحوها.

  

* عمر الطفل

الخيارات أمام الأطفال الأقل من سن ست سنوات محدودة بعض الشيء نتيجة لمحدودية إمكاناتهم الجسدية. يُعَدُّ البيانو من أفضل الآلات للبدء وتعلُّم المهارات الأساسية، فالتمثيل المرئي للنغمات على أصابع البيانو يساعد الطفل على فهم النظرية الموسيقية.

  

* بنية الطفل وصفاته الجسدية

بعض الآلات تحتاج إلى معايير جسدية معينة، فالأطفال قِصار القامة على سبيل المثال قد لا يستطيعون التدرُّب على آلات ضخمة يفوق حجمها طولهم. كما يؤثر حجم الشفاه أيضا في مدى مهارة الطفل في عزف آلات النفخ. كذلك إذا كان الطفل يرتدي تقويما للأسنان أو سيحتاج إلى تقويم عما قريب فمن الأفضل تجنُّب بعض آلات النفخ. يُشكِّل طول الأصابع وحجمها أيضا فارقا في مهارة الطفل المستقبلية في عزف آلة كالبيانو.

  

* التكلفة المادية

هل يُمكنك توفير هذه الآلة وما تستلزمه من صيانة دون أن تصبح عبئا على كاهلك؟ بعض الآلات يمكنك تأجيرها أو شراؤها مستعملة وهو ما يُوفِّر عليك مبلغا معقولا.

  

* مدى رواج الآلة

يُؤثِّر هذا على العديد من الأمور، فهناك آلات رائجة مثل البيانو والكمان والجيتار، ومن السهل إيجاد أماكن لتعليمها، لكن إذا أراد الطفل إكمال المسار فسيواجه تنافسية كبيرة في مجاله. إذا أردت تعليم طفلك آلة مميزة ونادرة فضع في الحسبان ما سيتطلّبه هذا من تحديات. (8)(7)

  

أين يتعلم الطفل الموسيقى؟

  

بعد أن اخترت الآلة المناسبة لطفلك، ربما تتساءل: أين يمكن أن يبدأ طفلي دروسه الموسيقية؟

* المدرسة

للأسف تتجاهل العديد من المدارس تعلُّم الموسيقى، ويتضاءل وقت دروس الموسيقى عاما بعد الآخر. لكنّ مُدرّسي الموسيقى والنشاط الموسيقي ما زالوا موجودين في المدارس بشكل أو بآخر حتى وإن كان هامشيا في بعضها. اطلب أن يلتحق طفلك بفريق الموسيقى في المدرسة، سيمنحه هذا الفرصة للتدريب.

  

* ابحث عن أماكن تعليم الموسيقى المتاحة في مدينتك

ويُفضَّل أن تكون قريبة من محل سكنك لتستطيع الالتزام بحضور التدريبات دون انقطاع. تُوفِّر أغلب دُور الأوبرا برامج تدريبية للأطفال، كذلك كليات ومعاهد الموسيقى والتربية الفنية، بالإضافة إلى المراكز والمعاهد الأهلية والخاصة. بعض طلبة كليات الموسيقى، أو دارسي الموسيقى يُدرِّسون الموسيقى أيضا إلى جوار دراستهم، وبأسعار أقل مما يفعل المحترفون، وقد تكون هذه بداية جيدة.

  

* الإنترنت

إذا لم تتوافر أيٌّ من الوسائل السابقة فهناك وفرة من فيديوهات تعليم عزف الآلات الموسيقية المتوفرة بالمجان على الإنترنت.(9)

  

وحش الملل.. كيف نواجهه؟

   

يشكو الكثير من الآباء من ملل أبنائهم وعدم رغبتهم في التدريب، وهو ما يدفع بعضهم للتوقف عن تعلُّم الآلة بعد أشهر قليلة من البدء. هناك بعض النصائح لتشجيع طفلك على الاستمرار بالتدريب:

   

* ضع الآلة في مكان ظاهر ويسهل الوصول إليه.

* قسِّم وقت التدريب في البداية، على سبيل المثال إذا كان طفلك يحتاج إلى التدريب لثلاثين دقيقة يوميا فقسِّم هذا الوقت على مدار اليوم ليتدرب عدة مرات بحيث تترواح مدة المرة من 5 إلى 10 دقائق كي لا يشعر بالملل.

* حفِّزه عن طريق تعليمه مقطوعاته المفضلة، أتذكر إحباط ابنتي حينما كانت تحاول التدرُّب على إحدى مقطوعات بيتهوفن وكيف تبدّد الملل فجأة وانتبهت تماما حين أخبرتها أننا سنتعلّم عزف "Baby shark"، سنعود لبيتهوفن بالطبع، لكننا نحتاج إلى رؤية الأمر بأعينهم من حين إلى آخر.

* اجلس معه أثناء التدريب، كي تُحفِّزه وتُجنِّبه الشعور بالانعزال. (10)

   

"أتذكَّر في محاضرة للعلوم الإنسانية بإحدى الكليات، أثار اهتمامي السؤال التالي: (هل تُدرك ما يجعل الموسيقى موسيقى)؟ الإجابة هي المسافات بين العلامات الموسيقية؛ إنه السكون. إذا لم تكن هناك مسافات، فلن تسمع سوى ضوضاء مستمرة. وبالمثل، تنشأ الحكمة في المساحات الصغيرة الهادئة بين المعرفة والخبرة".

(جون شابيلير)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار