انضم إلينا
اغلاق
لا تتحسن ويصيبها الفتور!.. لماذا تتدهور علاقة الأزواج مع مرور الوقت؟

لا تتحسن ويصيبها الفتور!.. لماذا تتدهور علاقة الأزواج مع مرور الوقت؟

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

ثمة توافقيّة أنيقة في عهود الزواج: في السرَّاء وفي الضرّاء. لكنّ الحب ليس توافقيا، بل إنَّ معظمنا لا يُدرك كم يمكن له أن يميل لكفّة على أخرى. فالضرَّاء أهمُّ بكثير من السّراء في الزّواج، بل في أي علاقة أخرى، أدمغتنا تعمل بهذه الطريقة.

   

تميل أفكارنا ومشاعرنا باتّجاه ما يسمّيه الباحثون بـ "تأثير السلبيّة"، وتأثير السلبيّة هو ميلنا للاستجابة بجديّة أكبر إلى الأحداث والمشاعر السلبيّة عمّا هو الحال في الإيجابيّة منها. عند سماع مزيج من الإطراءات والانتقادات، يتملّكنا الهوس بالانتقاد الموجّه إلينا بدلا من الاستمتاع بالثناء، ويُعرف اختلال التوازن هذا بـ "انحياز السلبيّة"، الذي تطوّر في أدمغتنا لكي يحفظ أسلافنا من الأخطار المحيقة، لكنّه كثيرا ما يُغلّف تصوّراتنا الشخصية وسلوكياتنا أيضا.

   

يمكن لمشاكسة طفيفة أن تَحمل عواقب تدميرية إن طغت الأمور السلبيّة على حكمك الشخصي ودفعتك للتصرّف بأساليب تُقصي شريك حياتك أكثر من ذي قبل. ستكون أمورك أفضل إن لجأت إلى التعقُّل للسيطرة على اندفاعاتكَ غير العقلانيّة، لكن للقيام بذلك، سيكون عليك أوّلا أن تفهم إلى أي حدٍّ يمكن أن تصل قوّة تلك الأمور السلبيّة.

   

  

في العلاقات، يُمكن لتأثير السلبيّة أن يُضخِّم من أخطاء شريكك، سواء كانت حقيقة أم متخيّلة، بدءا بالاعتقادِ بنكران الجميل، ذلك أنّك منحاز لنفسك بفعل إفراط في الثقة بالنفس يضخّم من نقاط قوّتك، وتبدأ بسؤال نفسك كيف يمكن لشريك حياتك أن يكون أنانيا وأعمى إلى هذا الحدّ عن فضائلك، عن كل ما قمتَ به من أجله؟ إنك تفكّر في أكثر الألغاز إثارة للسخط في الحياة: لماذا لا يقدّرني؟

 

لدينا بعض الإجابات، بفضل علماء النّفس الذين كانوا يتتبّعون سعادة الأزواج، حيث اتّضح من تقييمات الأزواج لمنسوب الرضى الداخليّ بأنَّ الزيجات، عادة، لا تتحسّن بمرور الوقت. فالتقييمات تنحدر نزولا بمرور الزمن، لكنَّ الزيجات الناجحة لا تُعرَّفُ بالتحسّن، بل بتفادي التراجع، وذلك لا يعني أن الزواج محكوم بالتعاسة، فصحيح أن وهج السّحر يخبو، بحيث لا يعود بإمكان الفرحة التي جمعت بين اثنين في البداية أن تستمرّ عقودا من الزّمن، لكنّ معظم الأزواج يجدون مصادر أخرى للسّعادة ويحافظون على منسوب جيد من الرضى الداخلي إجمالا، وإن لم يكُن رضى البدايات نفسه، وفي بعض الأحيان قد يبلغ تراجع الرضى درجة ينتهي معها الزواج.

 

عبر رصد تفاعلات الأزواج وتتبعها على مدار الزمن، تمكّن الباحثون من تطوير نظريّة مدهشة لانهيار العلاقات. تخيّل أنّك تواعد شخصا يقوم بتصرّفات تزعجك، وهذا لا يتطلّب قدرا كبيرا من المخيّلة، ربّما يكون شريكك مسرفا، أو لعلّه يُلاطف إحدى صديقاتك/أحد أصدقائك، أو يذهل عنك في منتصف قصصك، فكيف تردّ؟

    

- دع الأمر يمضي وأَمِّلْ بأن تتحسَّن الأمور.

- أخبره بما يزعجك واعمل على تسوية الأمر.

- ابتعد عنه؛ لا تقل شيئا، لكن انسحب عاطفيّا من شريكك.

- توجّه إلى المخرج، هدد بالانفصال، وابدأ بالبحث عن شخص جديد.

    

عندما تكون موجودا بشكل هادئ من أجل شريكك، فقلّما ستتم ملاحظة إخلاصك، لكن عندما تنسحب بصمت من شريكك أو تطلق تهديدات غاضبة، فإنّك تبدأ الدوامة الكارثيّة للانتقام

مواقع التواصل
   

تُشكِّل هذه الإجابات مصفوفة استُخدمت في دراسة كلاسيكيّة تناولت كيفيّة تعامل الشركاء العاطفيين مع المشكلات، وتمكّن علماء النفس بجامعة كنتاكي من تحديد اثنتين من الإستراتيجيّات العامّة، واحدة بنّاءة وأخرى هدَّامة، يمكن لكل واحدة منهما أن تكون خاملة أو نشطة.

  

بدت الإستراتيجيّات البنّاءة معقولة ومثيرة للإعجاب، لكنّها لم تكن حاسمة إلى ذلك الحد. فالحفاظ على إخلاص خامل لم يكن له أثر ملحوظ على مسار العلاقة، كما أنَّ محاولة الخروج بحل للمشكلات قد حسّن الأمور بدرجة طفيفة فحسب. فأهمية الأمور السيئة كانت أكبر، كما استنتج علماء النفس: "لم تكن الأمور الجيّدة والبناءة التي قام أو لم يقم بها الأزواج لبعضهم بعضا هي التي تُحدِّد إذا ما كانت علاقة سوف ’تنجح‘ بقدر ما كانت الأمور الهدّامة التي قاموا أو لم يقوموا بها في رد فعل على المشكلات". فعندما تكون موجودا بشكل هادئ من أجل شريكك، فقلّما ستتم ملاحظة إخلاصك، لكن عندما تنسحب بصمت من شريكك أو تطلق تهديدات غاضبة، فإنّك تبدأ الدوامة الكارثيّة للانتقام.

  

"يكمن السبب وراء صعوبة العديد من العلاقات الطّويلة الأمد"، كما يقول كاريل راسبالت الذي قاد دراسة الأزواج، "في إمكانيّة أن يكون أحد الطّرفين قد مارس السلبية لفترة تؤدّي إلى أن يبدأ الطرف الآخر الرّد بسلبيّة أيضا. عندما يحدث ذلك، يكون من الصّعب إنقاذ العلاقة". السلبيّة مرض تصعب هزيمته، كما أنّه معدٍ بعض الشيء. وجد باحثون آخرون أنه عندما يُطلب من الشريكين، كلٌّ على حِدة، التفكير في جوانب العلاقة، فإنّهم يقضون وقتا أطول في التفكير في الأمور السيئة من الأمور الجيدة. ولكي تجتاز الأمور السيئة عليك أن توقف دوامة السلبيّة قبل أن تبدأ.

  

لكن لنفترض بأنّك تقضي علاقتك الرومانسيّة بلا مشكلات، وهذا يتطلب الكثير من المخيّلة، بحيث تكون خرجت من العلاقات العاطفيّة إلى زواج سعيد، الأرواح تسمو، القلوب تغني، والدماغان مغسولان بالأوكستسين، بالدوبامين ونواقل عصبيّة أخرى تتصل بالحب، على الأرجح بأنه لن يكون لأيٍّ منكما المزاج للمشاركة في دراسة علميّة. لكن رغم ذلك، فقد تم إقناع عدد من حديثي الزواج للمشاركة في مشروع طويل الأمد تحت اختصار "باير/ثنائي" (PAIR)، الاسم غير الرومانسي هو "عمليّة التأقلم في العلاقات الحميمة"، عُقدت المقابلات مع هؤلاء الأزواج، في بنسلفانيا الوسطى، على مدار أوّل عامين من الزّواج من قِبل عُلماء نفس قاموا بتصنيف الجوانب السلبيّة والإيجابيّة للعلاقات.

   

السلبية تضرب الأشخاص اليافعين، على وجه التحديد، بقوّة، ولذلك يتطلق الأشخاص الذين يتزوّجون مبكّرا بشكل أسرع عن أولئك الذين يختارون تأجيل الزّواج

مواقع التواصل 
  

كان بعض هؤلاء الأزواج مختلفين أو عدوانيين تجاه شركائهم، وغلب عليهم الطلاق بسرعة، بينما تمكّن معظم الأزواج من إظهار الشيء الكثير من العاطفة المشتركة وواصلوا الاحتفال بذكرى زواجهم من عام لآخر. مع ذلك، لم تكن تلك المشاعر البهيجة الأولى هي الدليل المؤكّد على قوّة العلاقة في المدى الطويل. فبعد أكثر من عقد من الزَّمن، كان هناك عدد غير متناسب من الأزواج الذين بدؤوا "بعاطفة مدوّخة" لكنّهم لم يعودوا معا. كمجموعة، اتّسم أولئك الذين تطلّقوا بعاطفة أعلى بمقدار الثلث خلال سنوات زواجهم الأولى عن أولئك الذين استمرّوا في زواج مديد وسعيد. على المدى القصير، كان الشغف قد أتاح لهم التغلب على وساوسهم وشجاراتهم، لكنّ تلك المشاعر الإيجابيّة لم تستطع إبقاء الزواج مستمرّا للأبد، لقد كانت طريقة تعاملهم مع المكدِّرات، من شكوك وإحباطات ومشكلات، هي المتنبئ بعمر الزواج.

  

إنَّ السلبية تضرب الأشخاص اليافعين، على وجه التحديد، بقوّة، ولذلك يتطلق الأشخاص الذين يتزوّجون مبكّرا بشكل أسرع عن أولئك الذين يختارون تأجيل الزّواج. من بين الأسباب الأخرى أن مَن يتزوّجون في سن أصغر تكون لديهم أموال أقل في العادة، مما يتسبب بتوليد ضغط إضافي.

  

بعض الأزواج، بالطَّبع، أفضل حالا بالانفصال، لكنَّ كثيرا منهم يدمّرون علاقة كان يُمكن لها أن تنجح، وقد أدهش الباحثين الذين تتبَّعوا الأزواج، مرارا، رؤية علاقات تتحطّم حتى عندما لم تكن هُناك أسباب واضحة لذلك. لاختبار إحدى النظريات، قام عالما النَّفس ساندرا موراي وجون هولمز بجلب شركاء إلى مختبر، وتسليمهم عددا من الاستبانات لتعبئتها على طاولات مرتّبة بحيث يجلس الشريكان وظهر أحدهما للآخر. كان يُطلب من كل اثنين الإجابة عن الأسئلة ذاتها، كما قال لهم المُستَبِين، وكان من المهمّ عدم التواصل بين الأزواج في أثناء تعبئة النماذج.

 

لكن الاستبانات كانت، في الحقيقة، مختلفة، حيث كان أحد النموذجين يسأل عن أكثر الصفات التي يكرهونها في الشريك الآخر. كان بإمكانهم إدراج كمّ الصّفات الذي يناسبهم، لكن قيل لهم إنَّ صفة واحدة قد تفي بالغرض. كان لدى أولئك الأشخاص، الذين مضى على تواعدهم معدّل عام ونصف، القليل من الشكاوى، لكنّهم كانوا في المجمل راضين إلى حدٍّ ما. أما الشركاء الآخرون فقد أُوكلت إليهم مهمة مختلفة: تسمية كل الأشياء الموجودة في المنزل. بعد أن طُلب إليهم تسمية 25 غرضا على الأقل، كانوا يبدؤون الكتابة، عبر فرز قطع الأثاث، أدوات المطبخ، الأغراض، الكتب، الأعمال الفنيّة، أيًّا كان، وكانوا يثابرون في إضافة المزيد بعد خمس دقائق على انتهاء المدّة.

     

  

في تلك الأثناء، كان الشركاء الآخرون الجالسون هناك لا يقومون بشيء سوى الاستماع لصوت الخربشة، والافتراض بأنَّها جرد مستفيض لعيوبهم الشخصيّة. لقد فعلوا ما بوسعهم لتسمية شكوى واحدة أو اثنتين، أما بالنسبة لشركائهم، فعلى ما يبدو لديهم وجهات نظر مختلفة جدا حيال العلاقة. كما تتم الأمور عادة في هذا النّوع من الدراسات، فقد تم إخطار كلا الشريكين بالخدعة، بحيث لم يَعُد أحد إلى المنزل إلا وكان راضيا.

 

لكن قبل كشف الحقيقة، طرح المُستَبِين مزيدا من الأسئلة حول العلاقة، واتّضح بأنه قد كان للخدعة وقع كبير على بعض الأشخاص، على أولئك الذين كانت لديهم قابلية أكبر لشكوك الذات. في حين شعر الأشخاص الذين كان لديهم تقدير مرتفع للذات، وقد تم قياسه في اختبار سابق على التجربة، بالقليل من التهديد، لكنّه سرعان ما تبدّد لأنهم كانوا مطمئنين بما يكفي لأن يعلموا بأنّ شركاءهم يقدّرونهم. أمّا الأشخاص الذين كان تقديرهم لذواتهم متدنيّا فقد استجابوا بعنف لوابلِ الانتقادات المتخيَّلة.

 

ما إن تناهى إلى أسماعهم صوت كل تلك الخربشات وراء ظهورهم، حتى خُيِّل لهم بأنَّ شركاءهم يرفضونهم، واستولى عليهم الخوف. لحماية أنفسهم، قاموا بتغيير مواقفهم، وخفض مستوى التقدير والعاطفة الذي يشعرون به تجاه الطرف الآخر. لقد شعروا بأنّهم أقل قربا، وأقل جدارة بالثقة، بل وأقل تفاؤلا حيال العلاقة. لقد كان الأشخاص المتزعزون يتصرّفون على نحو غير ضروري، لأنهم في الحقيقة حازوا من تقدير شركائهم بمقدار ما حاز الأشخاص الواثقون بأنفسهم. لكنهم أسقطوا شكوكهم الذاتيّة على شركائهم، لقد افترضوا بأنهم سيحكُمون عليهم بالقسوة نفسها التي حكموا بها هم على أنفسهم.

      

     

هذا النّوع غير الضروري من حماية الذات يكون مؤذيا بشكل خاصّ في العلاقة، كما وجد موراي وهولمز في دراسة أخرى عبر تتبُّع مجموعة من حديثي الزواج لمدّة ثلاث سنوات. في كثير من الأحيان، يظهر أنَّ أمور الشريكين جيدة، أنّهما قلّما يتشاحنان، ثم ما تلبث المخاوف الذاتية لأحد الطرفين أن تُلقي بظلالها. يدفعهم هذا ذهنيا لإقصاء الشريك الآخر رغم عدم وجود خطر حقيقي. يتملّكهم الاستياء بشكل خاص من تقديم التضحيات بشكل روتينيّ، كالاضطرار للبقاء في البيت مساء عوض الخروج مع الأصدقاء. لقد كانت علاقاتهم من بين الأقوى في البداية، لكنّها سرعان ما انهارت.

 

بمراقبة الشركاء العاطفيين المتألمين في أثناء جدالاتهم، لاحظ الباحثون نمطا من الاختلافات الجندريّة. حيث عمد المتزعزعون من الرجال إلى صبّ مخاوفهم على الفتور الجنسي للشريك، يشتعلون بالغيرة حتّى عندما لا يكون هناك ما يستدعيها، تتملّكهم رغبة مفرطة بالامتلاك والسيطرة، وهو ما يسلط الضغط على العلاقة، وفي النهاية يذهب بالمرأة بعيدا. أما النّساء فقد كانت خشيتهنّ من الفتور الجنسيّ أقل من الأنواع الأخرى من الرفض، وغلب عليهنّ التصرّف بعدائية أكثر من مجرد الغيرة. وقد صُنِّفت ردود الأفعال هذه في دراسة بمدينة نيويورك لشركاء جرى تسجيل تفاعلاتهم بالفيديو في مختبر بجامعة كولومبيا أثناء النقاش في مشكلاتهم.

   

في كلّ مرة قام أحد الشريكين بأمر سلبي، كالتذمّر، أو الكلام بنبرة عدائية، أو تقليب عينيه، أو إنكار المسؤولية، أو إهانة الطرف الآخر، كان يتم فرز هذا السلوك وإحصاؤه. بقيادة جيرالدين داوني، وجد الباحثون أن أكثر الأشخاص افتقادا للأمان الدّاخلي كانوا أكثر الناس عُرضة للتصرف بشكل سلبي.

   

أن تُمسك لسانك بدلا من قول شيء مسيء أو دنيء سيُفيد علاقتك أكثر من قول أو عمل جيّد

غيتي
   

كان خوفهم الشخصي من التعرض للرفض يزيد من حدّة الكدر الذي شعروا به، لأن الجدال بالنسبة إليهم لم يكن يتعلق بقضية محددة ولكنّه كان علامة على وجود مشكلات أعمق ونذير شؤم بأنَّ العلاقة في مهبّ الريح. وتمثّلت استجابتهم المتخوّفة في إقصاء الشريك، وكان الأمر يتم بنجاح مؤسف، كما وجد الباحثون عبر متابعة الشركاء لعدّة سنوات. كان من المتوقّع لأولئك الذين يتحسسون من الرفض، تحديدا، الانتهاء بمفردهم، حتّى بات الخوف من الرفض نبوءة ذاتيّة التحقق.

 

لا يدرك معظم النّاس أن السلبية تؤثر في علاقاتهم الشخصية. عندما سأل روي باوميستر، أحد مؤلّفي هذا المقال، طلابه لماذا يعتقدون بأنّهم سيكونون شركاء صالحين، قاموا بتسمية عدد من الأشياء: المودّة، الفهم، الحميمية، الإخلاص، الذكاء، وخفّة الظل. صحيح أن هذه الأشياء تُشكِّل فارقا، لكنّ الأمر الحاسم هو تجنّب السلبيّة، فأن تُمسك لسانك بدلا من قول شيء مسيء أو دنيء سيُفيد علاقتك أكثر من قول أو عمل جيّد.

---------------------------------------------------------------

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار