انضم إلينا
اغلاق
زادوا الطين بلّة.. مديرون تنفيذيون جاؤوا لإنقاذ الشركات فأغرقوها

زادوا الطين بلّة.. مديرون تنفيذيون جاؤوا لإنقاذ الشركات فأغرقوها

  • ض
  • ض

حدث هذا الموقف كثيرا في التاريخ: تتأزم الأمور وتصل إلى ذروتها، السفينة تغرق بالفعل والقلوب بلغت الحناجر، العيون جاحظـة والكل يشعر بالضياع، الجميع ينشد البطل الغامض المنقذ الذي سيأتي ليخلّصنا من هذه الأزمة ويعيد إلينا الحياة والمجد. يظهـر أخيرا البطل بمؤثرات سينمائية عظيمة، وتتجه إليه العيــون بالآمال والأحلام، ثم يفاجأ الجميع أن البطل المنقذ يساهم في المزيد من إغراق السفينـة، وأن الشيء الوحيد الذي يقوم به هو أنه يسرّع من نهايتهم بدلا من إنقاذهم!

  

يبدو هذا المشهد الذي يجمع ما بين الكوميديا والتراجيديا واضحا في أجلى صوره في عالم الأعمال والشركات العملاقة، حيث احتفظ لنا أرشيف العمل بمجموعة من المديرين التنفيذيين الذين بدوا للوهلة الأولى أنهم سيكونون المنقذين للشركات المتعثّـرة بعد الآمال الكبرى التي عُقدت عليهم، فما كـان منهم إلا أن زادوا الطين بلّة، وساهموا في زيادة تعثّـرها حتى اندثارها بالكامل.

    

ماريسا ماير.. جاءت لإنقاذ السفينة فأغرقتها

  

قبل الانتشار الهائل لغوغل كأبرز محرّك بحث في العالم، والمهيمن المركزي على التصفح في شبكة الإنترنت، اعتاد الناس أن يجروا بحثهم في "ياهـو!"، محرك البحث الشهيـر الذي تأسس في مطلع التسعينيات، وكان هو المستحوذ الأكبر على شبكة الإنترنت لسنوات طويلة، حتى تدهــور أداء الشركة بكل أذرعها مرورا بأزمات مستمـرة بلغت ذروتها في العام 2012، وهو العام نفسه الذي تم الاستعانة فيه بـ "ماريسا ماير" كمديرة تنفيذية جديدة للشركة قادمة من غوغل، وأُسندت إليها مهمة واحدة: أنقذي هذه السفينة العمـلاقة من الغرق.

   

كانت الآمال كبيرة على التنفيذية المخضرمة القادمة إلى "ياهو!" لإنقاذها من الغرق، ولكن ما حدث أن ماير كانت المسمار الأخير في نعش الشركة الأميـركية التي كانت تستحوذ على الأسواق سنوات طويلة، بسبب أخطائها الإدارية الفادحـة التي قادت الشركة إلى المزيد من الغرق بدلا من الخروج من أزماتها المتراكمة على مدار سنوات.

   

على مدار سنواتها الأربع، قامت ماير بتوظيف إداريين وموظفين من أعلى مستوى بأجور كبيـرة، ثم قامت لاحقا بعزلهم من مناصبهم في الشركة، مما مثّل إهدارا لعدة ملايين من خزانة الشركة المتهـاوية على أجورهم وتعويضـاتهم دون تحقيق أي إنجازات حقيقية من وراء وجودهم. أيضا، أطلقت ماير سياسة توسّعيـة نشيطة للغاية -على غرار غوغل- تقوم على أثرها الشركة بالاستحواذ على عدد كبير من المشروعات الناشئة المبتكرة التقنية في مجال الإنترنت. هذه السياسة قادت الشركة إلى إتمام 53 عملية استحواذ على شركات ناشئة مختلفة بإجمالي تكلفة قُدّرت بـ 3 مليارات دولار.

  

المذهـل أنه من بين كل هذا العدد الهائل من الاستحواذات على الشركات الناشئة، لم يحقق النجاح من بينها سوى شركة "تمبلر" (Tumbler) فقط، بينما فشلت كافة الشركات التقنيـة الأخرى في تحقيق أي نجاح يُذكــر، وهو الأمر الذي اضطـر "ياهــو" إلى إغلاقها تماما بعد إنهاء إجراءات الاستحواذ، بدلا من فتح الأبواب لهذه الشركات لاستعادة علاماتها التجارية مرة أخرى. بمعنى آخر، أهدرت الشركة عدة مليارات من الدولارات في الهواء دون أي مردود حقيقي.

     

  

خلال هذه السنوات أيضا، وبعكس السائد تماما، قررت مايـر إنهاء تعاقدات العمل عن بُعد، وأصدرت قرارا بضرورة وجود كل موظفي الشركة في مقراتها المباشرة حول العالم، وأنه لن يُسمح للموظفين بالعمل عن بُعد بعد الآن. كان هذا القرار مُعاكسا تماما للاتجاه العالمي للتوظيف عن بُعد الذي كان يتنامى بشكل كبير، وأصبح هو المسار الأساسي الذي تنتهجه الشركات الكبرى حول العالم.

 

في عام 2015، وهو العام الثالث من إدارة ماير للشـركة هوى سهم "ياهو" بأكثر من 30% في البورصة، بينما غادرها 12 مسؤولا إداريا تنفيذيا جوهريا، مما أدى إلى المزيد من الانهيار سواء على مستوى سمعة الشركة أو تشغيلها. وبمطلع عام 2016، أصبح من المعروف في الأسواق العالمية أن القيمة التجارية لـ "ياهـو" أصبحت أقل من الصفر خلال الأرباع السنوية الماضية، وهو الأمر الذي أكّد مصداقيته تصريح ماير نفسها أن الشركة تدرس احتمالية بيع أنشطتها الرئيسية بالكامل.

  

في العام نفسه، أُعلن عن استحواذ شركة "Verizon" بالكامل على شركة "ياهو" مقابل مبلغ متواضع للغاية قيمته 4.8 مليار دولار فقط، وهو ما اعتُبر من أبرز نماذج الانهيار الهائل الذي شهده عالم الأسواق العالميـة في القرن الحالي. هذا المبلغ يعتبر عُشر المبلغ الذي عرضته "مايكروسوفت" للاستحواذ على "ياهو" في عام 2008 بقيمة 44 مليار دولار، ورفضته إدارة الشركة وقتئذ باعتبار أنه رقم هزيل لا يعبّر عن العلامة التجارية للشركة! (1، 2، 3، 4، 5، 6، 7)

   

ستيفن إيلوب.. منقذ أم حصان طروادة؟!

  

ستيفن إيلوب كان واحدا من أكثر الشخصيات التقنية المثيرة للجدل ما بين العامين 2010 حتى العام 2013. التقني ورجل الأعمال الكندي يحمل عدة ألقاب معظمها ليس لطيفا، على رأسها: "حصـان طـروادة مايكـروسوفت داخل نوكيا"، ويحمل أيضا لقب: "العميل المزدوج"، بل ووصل الأمر إلى تسميته بـ "ملك اللصــوص" بواسطة عدد من المدوّنين التقنيين الذين كانوا غاضبين بشدة من أدائه أثناء فتـرة إدارته لشركة "نوكيا" في تلك الفتـرة.

   

في العام 2010، أُعلن رسميا عن انتقال ستيفن إيلوب من منصبه كنائب الرئيس (VP) في شركة "مايكـروسوفت"، إلى منصب المدير التنفيذي (CEO) لشركة "نوكيـا" الفنلندية، وكان الدور الأساسي المطلوب منه انتشال "نوكيـا" من حالة الهبـوط التي كانت قد شهدت أوجها في تلك الفتـرة، بعد 3 أعوام من صعــود هواتف الآيفون الأميـركية، والتمدد الكبيـر الذي تشهده شركات الهواتف الذكية الآسيوية على رأسها سامسونغ، وهو ما أثّر بشدة على مكانة نوكيـا التي كانت تستحوذ بالكامل تقريبا على سوق الهواتف النقـالة العالمي في نهاية التسعينيات وبدايات الألفيـة.

  

كان الدور الأساسي الذي لعبه إيلوب هو إقناع مجلس إدارة "نوكيـا" أن الاتجاه الصحيح الذي يضمن عودة "نوكيا" للمنافسـة هو دعمها لنظـام تشغيل "الويندوز فون" (Windows Phone) الذي تطوّره شركة "مايكـروسوفت"، بدلا من الاتجاه لتشغيل هواتفها بنظـام الأندرويد الذي كانت تنـوي الشركة بالفعل تزويد هواتفها الجديدة به. وعلى الرغم من غرابة هذا الاتجاه، باعتبار أن نظام تشغيل ويندوز فون كان من أكثر الأنظمة الهزيلة أمام المتنافسين الكبار "الأندرويد والآيفون"، فإن الشركة استجابت له وتبنّت نظام تشغيل ويندوز لهواتفها الجديدة منذ تلك الفتـرة.

  

كانت استجابة الشركة لتصورات إيلوب سببها تعهداته أن نظـام تشغيل مايكروسوفت سيتطوّر في زمن قياسي ويستحوذ على الأسواق أولا، وثقـة في كفاءته الإدارية والفنيـة ثانيا. ولكن، وبمرور الوقت اتضح أن "نوكيـا" تستمر في النزيف بشكل أكبر من السابق، وأن الشركة تعاني معاناة مضاعفة من تراجع إقبال المستخدمين على هواتفها، والاتجاه بشكل كامل لشراء الآيفون أو هواتف الأندرويد اللذين استحوذا بشكل كامل على الأسواق.

    

  

وعلى الرغم من أن ميزانية البحث والتطوير (R&D) لشركة "نوكيا" تخطت ثلاثة أضعاف ميزانية "أبل" لتطوير منتجاتها في تلك الفترة، وعلى الرغم أيضا من الطفـرة الكبيرة التي شهدتها الإمكانيـات الفنية لأجهزة نوكيـا خصوصا في كاميرات الهواتف وسهولة الاستخدام، فإن نظـام التشغيل الرديء والبطيء والمليء بالثغرات التي تطوره ويندوز فون، والذي كان ينقصه عشرات الإمكانيات والخصائص ليصل إلى نظامي أندرويد وiOS، وقف عائقا أمام وصول نوكيـا إلى مستخدميها وكسب رضاهم.

  

خلال ثلاثة أعوام فقط، هي فتـرة إدارة ستيفن إيلوب للشركة، انهارت القيمة السـوقية لـ "نوكيا" من 29 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 11 مليار جنيه إسترليني، كما انهار سهـم "نوكيا" بنسبة هائلة قُدّرت بـ 62%، فضلا عن أن حصـة هواتفها الذكيـة انهارت من 33% إلى نحو 3% فقط، وعانت الشركة من خسائر متراكمة قُدّرت بـ 4,9 مليار جنيه إسترليني.

 

في عام 2013، أُعلن أن "مايكروسوفت" ستستحوذ على قسم الهواتف في "نوكيا" مقابل 7.2 مليار دولار، وهو ما اعتبـره الكثير من الراصدين المهمة الأولى التي كان يسعى لها إيلوب أثناء فتـرة رئاسته لنوكيـا، أن يعمل على إضعافها إلى الحد الذي يجعل سعـرها ملائما للاستحواذ عليها من شركة "مايكـروسوفت"، الشركة التي جاء منها أصلا، خصوصا أنه حصـل على مبلغ كبيـر لإتمام هذه الصفقة من "مايكـروسوفت" أيضا، وهو ما جعل المراقبين يعتبرونه "حصان طـروادة" أرسلته "مايكـروسوفت" إلى "نوكيـا" تمهيدا للاستحواذ عليها لاحقا. (1، 2، 8، 9، 10)

    

إيكهـارد فايفــر.. أحلام التوسع قد تقود إلى الانهيـار

    

المدير التنفيذي النشيط والطموح هو رزق لأي شركة بدون شك، ولكن عندما يتحوّل الطموح إلى جمـوح هائل غير مُنضبط، والاتجاه إلى إستراتيجية تمدد سريعة قد تعجـز الشركة ذاتها عن ملاحقتها، فالمؤكد أن هناك مفاجآت سيئة في الطريق. ربما أوضح مثال بخصوص هذه الحالة ما حدث لشركة "كومبـاك" (Compaq) بسبب مديرها التنفيذي ذي الأصول الألمـانية إيكهـارد فايفــر (Eckhard Pfeiffer) .

   

في عام 1982، تأسست شركة "كومبـاك" (Compaq) الأميـركية كمصنّع ومزوّد لأجهزة الكمبيوتر في تلك الفترة التي شهدت طفـرة في صناعة الحواسيب. خلال فترة الثمانينيات، استطـاعت الشركة أن تتحول إلى واحدة من أبرز شركات الحواسيب في العالم أجمع، وأصبح لديها أكبر شريحة ممكنة في الأسواق، ودخلت في منافسات حاميـة مع شركات كبـرى مثل "باكارد بيل" و"أبل" و"IBM" وغيرها.

  

بقدوم التسعينيات، وبالتحديد في العام 1991، عُيّن إيكهارد فايفـر مديرا تنفيذيا للشركة لمساعدتها في المرحلة المقبلة. كان فايفـر مديرا مميزا، بمجرد توليه المسؤولية شعر بالقلق من أن الشركة تجمع بيضها بالكامل في سلة واحدة، وهي سلة تصنيع "الهاردوير"، وأن استمرارها في هذا القطاع فقط قد يعرّضها لمشاكل كبيرة إذا حدث أي هبوط في هذا السوق، فضلا عن أن المنافسين تكاثروا بشدة في هذا السوق. كان هذا المنطق هو الدافع للبدء في توسّع الشركة خارج مجالها.

      


  

في تلك الفترة، أطلقت الشركة حملة توسّع كبيـرة عبر الاستحواذ على عدد من الشركات المتخصصة في مجالات "السوفت وير"، كان أكبرها استحواذها على شركة "Tandem"، ثم تلتها بالاستحواذ على شركة "DEC" وغيرها من الشركات الكبيرة في مجالات البرمجيات. هذه الاستحواذات رغم كفاءتها، فإنها ساهمت في تطويع الشركة لكافة إمكانياتها في رعاية هذه الشركات التي قامت بالاستحواذ عليها لمحاولة دعمها في الأسواق، وهو الأمر الذي أدّى إلى نتيجة عكسية تماما.

 

على الرغم من أهمية هذه الاستحواذات ومصداقية القاعدة التي انطلقت منها، فإنها ساهمت في إضعاف الصناعة المركزية للشركة وهي تصنيع الحواسيب، وانشغالها بغزو أسواق أخرى مختلفة، مما أتاح الفرصة بشكل كبير للمنافسين للتوسع والتوغل في هذا المجال، وعلى رأسهم شركات مثل "ديل" (Dell) وغيرها التي وجدت السوق مفتوحا لها للانتشار على حساب تراجع "كومباك" (Compaq) واهتمامها بمجالات أخرى، الأمر الذي أدّى إلى تراجع حاد في أداء ووجود الشركة في مجال عملها الأساسي.

  

في العام 1998، قرر مجلس إدارة "كومباك" استبعـاد فايفـر وعزله من منصبـه، وبدء سياسة جديدة تُعيد الشركة إلى مجدها القديم مرة أخرى، إلا أن هذا لم يحدث أبدا. استمرت الشركة في التعثر لعدة سنوات، وخرجت تماما من سوق المنافسة في تصنيع أجهزة الكمبيوتر والحواسيب المختلفة، حتى تم الاستحواذ عليها بالكامل بواسطة شركة "HP" في العام 2002 بمبلغ كبير قُدّر بـ 25 مليار دولار، لتتحول علامتها التجارية لقسم تابع لشركة "HP" حتى العام 2013. (1، 2، 11، 12، 13)

        


      

في النهاية، ليس كل مدير تنفيذي لديه سيرة ذاتية طويلة ومشرّفة يعني أنه قادر على قيادة الشركات المتعثرة وانتشالها من الغرق؛ فقد تكون مشاكل وظروف هذه الشركة أصعب بكثير من خبراته. ولكن الأسوأ من عدم قدرته على قيادتها بشكل صحيح هو أن يقودها بشكل خاطئ يؤدي إلى غرقها الكامل، بدلا من تحسين الوضع أو حتى إبقائه كما هو عليه!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار