انضم إلينا
اغلاق
أزمة إدمان العمل.. كيف ننجو من قواعده التي لا تعرف الرحمة؟

أزمة إدمان العمل.. كيف ننجو من قواعده التي لا تعرف الرحمة؟

كاميليا حسين

كاتبة مهتمة بشؤون الأسرة والعلاقات وأساليب الحياة الحديثة
  • ض
  • ض

تجلس مع أفراد أسرتك لتناول العشاء أو لمشاهدة فيلم كوميدي لكنك في الحقيقة لست هنا، عقلك هناك في العمل، تفكر في الأرقام السنوية، كم تبقى لك لتحقق الهدف (التارجت) المطلوب، هل ستنجح في الحصول على الترقية المرتقبة، وماذا عن الصراعات الداخلية في العمل كيف ستتغلب عليها لتصل إلى هدفك. بعد قليل تسمع صوتا، إنه تنبيه ببريد إلكتروني من العمل، تفتحه على الهاتف الذكي الذي تصطحبه معك حتى على مائدة الطعام، عليك أن تجيب حالا، رغم أنك في بيتك وقد انتهى وقت دوامك في العمل منذ ساعات. فهل تعود إلى المنزل حقا؟ أم أنك تصطحب العمل معك؟

 

بينما يصطحب البعض العمل (حرفيا) إلى المنزل ويعملون على تكملة ما لم يتمكنوا من إنجازه خلال ساعات العمل الرسمية في البيت وعلى أريكتهم المريحة، يلجأ البعض الآخر للوجود لساعات إضافية طويلة في العمل، أما من ظنوا أنهم نجوا من هذه الأزمات فغالبا ما يعودون إلى المنزل ومهام العمل تسيطر على عقولهم. يقول براين روبنسون وهو طبيب نفسي له كتاب بعنوان "مكبل بالمكتب: دليل إرشادي لمدمني العمل": "لا يُعرف إدمان العمل بعدد الساعات التي نقضيها في العمل، بل بما نفكر فيه، فالمدمن على العمل هو الشخص الذي يحلم بالعودة إلى عمله أثناء ممارسة التزلج، أما الشخص السوي فهو الذي يحلم بالذهاب إلى التزلج عندما يكون في العمل".(1)

 

هل تعرف أن العاملين في أمازون يعملون لساعات إضافية طويلة، ويستقبلون رسائل العمل فيما بعد منتصف الليل متبوعة برسائل هاتفية تطالبهم بالرد

رويترز
 
أزمة سويفل.. هل العمل لساعات أطول وفي ظروف غير آدمية هو معيار النجاح الوظيفي؟

هل تعمل لساعات عمل تفوق عدد ساعات العمل المتفق عليها؟ هل تتخلى -مرغما أو طواعية- عن إجازتك أو تعمل لساعات إضافية؟ في دراسة حديثة نُشرت في "European Heart Journal" وشملت أكثر من 85 ألفا وجد أن الأشخاص الذين يعملون لساعات عمل طويلة هم الأكثر عرضة للإصابة بالجلطات الدموية أو السكتة الدماغية أو قصور في القلب، كما أنهم أكثر عرضة للسمنة والاكتئاب والقلق.

 

وللأسف تسعى الكثير من المؤسسات لترسيخ هذه الفكرة، ويشجع المديرون مرؤوسيهم على العمل لساعات إضافية أو في أيام الإجازات كدليل وإثبات لكفاءتهم، منذ نحو ثلاثين عاما كان أصحاب الدخول الأعلى يعملون لوقت أقل من أصحاب الدخول المنخفضة، وبحلول عام 2006 صار أصحاب الدخول الأعلى يعملون تقريبا ضعف الوقت الذي يعمله أصحاب الدخول المنخفضة في الولايات المتحدة الأميركية وهو ما ازداد بمعدل متسارع. وفي استقصاء أجرته مدرسة إدارة الأعمال بهارفارد عام 2008 وجد أن 94% ممن شملهم الاستقصاء عملوا لخمسين ساعة في الأسبوع أو أكثر، وأكثر من نصفهم عمل لما يزيد على 65 ساعة في الأسبوع، وكأن العمل لساعات إضافية صار بوابة النجاح.(2)

 

إذا كنت تعرف أمازون كمتسوق، فهل تعرف أن العاملين فيها يعملون لساعات إضافية طويلة، ويستقبلون رسائل العمل فيما بعد منتصف الليل متبوعة برسائل هاتفية تطالبهم بالرد، يقول أحد الموظفين بأمازون إن وجود موظفين يبكون وينتحبون في العلن في أروقة الشركة هو مشهد مألوف نتيجة الضغوط القاسية التي يتعرضون لها.(3) ومؤخرا أُثير نقاش على وسائل التواصل الاجتماعي حول أزمة شركة سويفل بعد نشر أحد موظفيها منشورا عن تعرضه للفصل التعسفي، أعقبه فيديو لموظف آخر في الشركة يتحدث عن ما يلاقونه من ظروف قاسية في العمل وعن استعداده لتحملها جميعا فيما أطلق عليه "the cost of greatness".



"The cost of greetness".. لماذا نعمل لساعات إضافية؟

هناك عدة تفسيرات لهذا الأمر، أحدها أننا جميعا مديرين ومرؤوسين صرنا منغمسين تماما في دوامات الحوافز الاقتصادية وثقافة الشركات والتكنولوجيا التي جعلت المكتب على بُعد ضغطة زر. وهناك تفسير آخر يركز على الجانب النفسي، فيرى عددا من الدوافع الداخلية تقف وراء الانغماس في العمل مثل الطموح، والرغبة في إثبات الرجولة (machismo)، والطمع، والشعور بالقلق أو الذنب، والشعور بالفخر، والرغبة في إثبات أننا أشخاص ذوو أهمية، أو الشعور بالواجب. لكن هل يفيدنا العمل لساعات أطول؟.(4)

 

في دراسة نشرها ارين ريد، الأستاذ بكلية كويستروم للأعمال بجامعة بوسطن، لم يستطع المديرون التفرقة بين الموظفين الذي عملوا بالفعل لثمانين ساعة في الأسبوع وبين من تظاهروا بالعمل، وعلى الرغم من أنهم عاقبوا الموظفين الذين أعلنوا أنهم عملوا لوقت أقل، فإنه لا يوجد دليل على أن هؤلاء أنجزوا مهام أقل أو أن من عملوا لوقت أطول أنجزوا عددا أكبر من المهام.(5)

وفي بحث أجراه جون بنكافيل، الأستاذ بجامعة ستانفورد، أظهر أن معدل الإنتاجية ينخفض إذا ازداد عدد ساعات العمل عن 50 ساعة في الأسبوع، ويقترب من الصفر إذا وصل عدد ساعات العمل إلى 55 ساعة في الأسبوع، نتيجة للتعب والإرهاق وما يولّدانه من تشوش وأخطاء وفقدان القدرة على الحكم الصحيح.

"ثماني ساعات للعمل، وثماني ساعات للترفيه، وثماني ساعات للراحة"

لكي تستطيع السيطرة على ضغوط العمل والقلق الوظيفي تحتاج إلى الانفصال عن العمل، وعدم الانشغال به خارج ساعات العمل

مواقع التواصل
 

روبرت أوين الناشط الاجتماعي الذي نادى بهذه العبارة في القرن التاسع عشر، بعد أن كان العمال يعملون في ظروف قاسية لنحو 16 ساعة في اليوم لستة أيام في الأسبوع، واليوم، وبعد ما يزيد على قرن ما زالت هذه النظرية تُثبت صحتها عبر العديد من التجارب والأبحاث التي أثبتت أن عدد 40 ساعة من العمل أسبوعيا هو العدد المناسب من ساعات العمل، سواء لصحة العاملين أو لكفاءتهم وإنتاجيتهم. كما أن هناك الكثير من الدراسات الحديثة التي تُثبت أنه كلما قلّت ساعات العمل ازدادت الإنتاجية وارتفعت القدرة على الإبداع.(6)

إعادة ضبط المصنع.. لماذا نحتاج إلى أن نترك العمل في أماكن العمل؟

وماذا بعد ساعات العمل؟ هل تنفصل عن عملك حقا أم أنك تصطحبه معك داخل رأسك وتظل منغمسا في مشاكله وصراعاته؟

لكي تستطيع السيطرة على ضغوط العمل والقلق الوظيفي تحتاج إلى الانفصال عن العمل، وعدم الانشغال به خارج ساعات العمل، مما يسمح لجسدك وعقلك بالفرصة لأداء ما يشبه الإصلاح الذاتي وإزالة تأثيرات الإجهاد والتوتر، وهو ما يعرفه الباحثون بالتعافي من العمل (work recovery)، حيث تنفصل عن العمل وعن التفكير فيه وتنخرط في تجارب تساعدك على استعادة الجسد والذهن لحالتهما الطبيعية. يشبه هذا الضغط على زر استعادة ضبط المصنع. وللأسف لا يدرك الكثيرون قيمة الترفيه والاستجمام، بل يعتبرونها مجرد وقت ضائع أو لهو بلا معنى، وهو ما يجعلهم لا يجيدون الاستمتاع بأوقات فراغهم، بل على العكس يملؤونها بمهام إضافية. هذه بعض النصائح التي ستساعدك على الانفصال عن العمل:

 

الانفصال النفسي عن العمل: تحتاج إلى الانفصال عن العمل بمجرد الخروج من مكتبك، رغم أن هذا الكلام يبدو منطقيا فإنه صعب التحقيق بالنسبة للكثيرين، خاصة مع ارتفاع مستوى الأدرينالين بعد يوم عمل شاق مليء بالتحديات وهو ما يجعل فرصة اجترار ما حدث خلال اليوم أعلى. لذلك عليك أن تجد طريقة للانفصال النفسي عن العمل، تخيل أن لديك مفتاح تشغيل لوضع العمل في رأسك، الآن أغلق وضع العمل حان وقت الحياة.(7)

احرص على أن تحصل على كفايتك من النوم لأن الجسد والعقل يحتاج إلى فترة كافية من النوم لاستعادة كفاءتهما

غيتي
 

احذف حساب البريد الإلكتروني الخاص بالعمل من هاتفك الشخصي: لديك الوقت طوال ساعات العمل لتجيب عن أي بريد خاص بالعمل، لكن لا داعي لتفقد بريدك الإلكتروني في وقتك الخاص من هاتفك الشخصي، رسائل العمل تظل في وقت العمل.

اكتب قائمة بمهام اليوم التالي في نهاية كل يوم: سيساعدك هذا على معرفة المهام المطلوبة منك بشكل محدد، وبالتالي ستتخلص من الضغط الناتج عن الشعور بأن هناك مهام عليك إنجازها.(8)

حدد طقسا يوميا للانفصال عن العمل: على سبيل المثال أن تأخذ حماما بمجرد الدخول إلى المنزل للتخلص من العرق والأتربة والأفكار الخاصة بالعمل أيضا، أو أن تغير ملابسك إلى ملابس منزلية مريحة، من المهم أن يكون هذا الطقس متكررا يوميا وأن يربط ذهنك بينه وبين وقت راحتك.

احرص على أن تحصل على كفايتك من النوم: يحتاج الجسد والعقل إلى فترة كافية من النوم لاستعادة كفاءتهما.(9)

الاسترخاء: هناك اعتقاد خاطئ بأننا لا نستحق الحصول على الراحة أو الاسترخاء إلا عندما نصل إلى قمة التعب أو نكون على شفا الانهيار، لكن الحصول على الراحة والاسترخاء أمور لا تحتاج إلى أسباب أو مبررات، فالراحة احتياج إنساني طبيعي لإصلاح الجسد والذهن من التأثيرات السلبية للضغوط اليومية. احرص على أن تخصص نصف ساعة يوميا على الأقل بعد عودتك من العمل للاسترخاء، سواء عن طريق سماع الموسيقى أو لعب الرياضة أو ممارسة التأمل، على أن يكون هذا روتينا يوميا.(10)


اضحك:
يساعدك الضحك على الانفصال عن الضغوط وتقليل التوتر والإجهاد، يمكنك ببساطة مشاهدة فيلم أو مسلسل كوميدي، تحدث إلى صديق تعلم أنه يُضحكك في كل مرة تحادثه فيها، شاهد بعض الفيديوهات المضحكة على يوتيوب.

امنح نفسك الفرصة لاكتشاف جمال العالم من حولك: أثناء رحلة العودة إلى المنزل سواء كنت تقود سيارتك الخاصة أو تركب وسيلة مواصلات فغالبا تضع نفسك في وضع الطيار الآلي مما لا يسمح لك بالالتفات لما حولك، جرب أن تتعامل مع العالم بعيون سائح، تأمل الشوارع كأنك لم ترها من قبل، بالتأكيد يسبب زحام ساعة الذروة ضغوطا تحول بينك وبين رؤية الجمال، لكن حاول أن ترى بعض اللمحات الجميلة، الأشجار في طريقك، المباني المميزة، ضحكات الناس من حولك ونظراتهم، كلها أمور تساعدك على الانفصال عن العمل وعدم التفكير في مهامه.(11)

آخر الأخبار