انضم إلينا
اغلاق
أهم شروط النجاح.. كيف تدرب عقلك على الانتباه والتركيز على ما تريد؟

أهم شروط النجاح.. كيف تدرب عقلك على الانتباه والتركيز على ما تريد؟

  • ض
  • ض

"لا تكمن المُشكلة في ضيق الوقت، فنحن جميعنا نملك 24 ساعة في اليوم. المشكلة في عدم توجيه اتجاه تركيزنا"

(زيغ زيغلر- مؤلف ومحاضر تنمية بشرية)

   

لِنَقل إنك تجلس في مدرجات حفل أوركسترا بين العشرات من الجماهير المُتابعة. أضواء خافتة، سجاد أحمر، وهدوء لاستعداد موسيقي لا يُخالطه أي لسان. يرفع المايسترو عصاه مُعلنا تحديا بين الوتر والإيقاع. ولِنَقل إنك من بين كل الآلات الموسيقية التي تتحدى بعضها أمامك تُفَضل صوت الكمان على غيره، وتَود لو أن باستطاعتك سماعه لوحده، فتُدرك فجأة أنك -بالفعل- قادر على ضبط سمعك ليُسمَع الكمان بوضوح أكبر من باقي الأصوات التي تُرافقه. فما الذي حدث هُنا؟ إن دماغك في الحقيقة قادر على ضبط نفسه بما توجهه أنت، فأنت إما تتحكم في درجة صوت الكمان لترفع صوته ويصبح أعلى من صوت الآلات الموسيقية الأخرى، وإما تقوم بخفض صوت كل الآلات الأخرى والإبقاء على صوت الكمان كما هو بدرجته، ولكنه أوضح!

   

هاتان نظريتان تشرحان مفهوم دفع التركيز تجاه معلومة محددة، فالتركيز إما يعمل على إبراز المعلومة المهمة (كرفع صوت الكمان) وإما يُخمد ضوضاء الخلفية المُحيطة بالمعلومة المهمة (كخفض صوت باقي الآلات الأخرى). ودون دفع تركيزك تجاه ما تُريد إبرازه فأنت كمن يحاول أن يبحث عن إبرة في كومة قش، وبالحديث عن كومة القش، في مدينة كالمار التي تقع جنوب السويد؛ تُقام مسابقة منذ عام 1978 التي تقتضي -حرفيا- البحث عن إبرة في كومة قش، وما زالت هذه المسابقة السنوية تنتظر فائزها. فلو كانت كل المعلومات من حولك كومة قش، ومعلومتك المهمة هي هذه الإبرة، كيف يُمكن ضبط دماغك على أن يصبح مغناطيسا يجذبها دون عناء فرز القش.

  

     

التمرن على دفع الانتباه نحو التركيز

في دراسة أُجريت من قِبَل الباحث سيرواج إيتثايباتيبات في جامعة كاليفورنيا على 12 مشاركا، حيث طُلب منهم اللعب بإحدى ألعاب الكمبيوتر والنجاح بها بإخضاعهم لشبه منافسة للكشف عن مدى براعتهم في تعلمها؛ اللعبة التي تُعتبر الأقل تسلية على مستوى العالم -وهذا ما يمنع دماغك عن إبداء أي اهتمام نحوها-، وبغياب الاهتمام، يغيب الانتباه وما بعده من تركيز أيضا. لاحظ الفريق نشاطا في مركز المعالجة البصرية للدماغ (يُطلق عليه اسم القشرة البصرية) أثناء تعلمهم كيفية اللعب -وهو ما يشبه رفع مستوى صوت الكمان-. ولكن مع ازدياد براعة المشاركين في فهم كيفية لعب اللعبة، وتوقف علاماتهم عن التحسن، توقفت هذه الطفرة الأولية عن النشاط. ويشك الباحثون في أن هذه المرحلة الأوتوماتيكية هي نتيجة لعمل الدماغ الذي يحاول ضبط ما يحتاج إليه من الاهتمام والانتباه نحو ما يتعلم. (1)

   

وفي تجربة أخرى، طُلب من المشاركين التحديق في شاشة الكمبيوتر بينما يتم عرض بعض صور لدوائر باللونين الأبيض والأسود، مُقلمة، تتباين درجات الألوان بين صورة وأخرى. ومن ثم يُطلب منهم تحديد الدوائر التي كانت ألوانها أكثر تركيزا وحِدّة. لم تكن إجاباتهم صحيحة بنسبة جيدة، كان هناك فروق في المستويات -لا شك-، فالبعض منهم يتمتع بمهارة تركيز انتباهه واهتمامه نحو ما يُريد. أما أولئك الذين لا يتمتعون بما يتطلبه الأمر من تركيز أبدوا تقدما جيدا بعد التمرن لمدة ثلاثة أيام أو أكثر. وهذا ما أكدته دراسة نُشرت في مجلة علم الأحياء "PLOS". تكمن الاستفادة من كل هذه التجارب في تلخيص أن الدماغ قادر على ضبط ما يلزمه لتعلم أي مهارة جديدة عن طريق بعض التمرينات، التي تبتدئ بإبداء اهتمام المرء لما هو على وشك تعلمه، ودفع انتباهه لتلك النقطة تحديدا، وباختبار خاصية توجيه الانتباه. حيث إن هذه الخاصية ذاتية وتوجد عند الجميع، ولكنها تحتاج إلى بعض الممارسة حتى يتمكن الفرد من ضبطها عند الحاجة. (2) (3)

   

   

"الشخص الذي يقول إنه يعرف ما يُفكر به ولكنه ليس قادرا على التعبير عنه هو عادة شخص لا يعرف ما يُفكر به"

(مورتيمر آدلر)

   

ويُمكن الاستفادة أيضا هُنا بالإشارة إلى تقنية فاينمان التي تُسهل عليك تعلم أي شيء، ريتشارد فاينمان (كبير المفسرين) والذي يرى أن هناك نوعين من المعرفة: الأول أن تعرف اسم الشيء، والثاني أن تفهم الشيء نفسه. فاينمان الحاصل على جائزة نوبل، لكونه يتمتع بقدرة كبيرة على توضيح وشرح موضوعات معقدة مثل فيزياء الكم لأي شخص تقريبا. فمثلا لو لم تدرس أو تسمع عن أي شيء يتعلق بفيزياء الكم، فإن فاينمان يستطيع تعليمك إياها بسهولة. ابتكر فاينمان صيغة تعلم لفهم أي شيء في أربع خطوات: (4)

  

[ريتشارد فاينمان (كبير المفسرين)] (مواقع التواصل)

    

1- ركز على موضوع واحد تُريد فهمه: اكتب كل ما تعرفه من ملاحظات عن هذا الموضوع بالتحديد، واستخدم العبارات البسيطة التي باستطاعة طفل في الثامنة من عمره قراءتها وفهمها. حيث يميل بعض الناس لاستخدام المصطلحات المعقدة لإخفاء ما لا يفهمونه.

  

2- قُم بمراجعته: في الخطوة الأولى، ستواجه حتما بعض الثغرات في معرفتك، مثل نسيان بعض المعلومات المهمة، أو أنك لم تكن قادرا على شرحها، أو ببساطة تواجه مشكلة في ربط مفهوم مهم. هذه ملاحظات لا تُقدّر بثمن لأنك اكتشفت حافة معرفتك؛ تكمن الكفاءة في معرفة حدود قدراتك، وقد تعرفت على واحد فقط! الآن أنت تعرف أين واجهتك مشكلة، عد إلى المادة (المصدر الأساسي) وأعِد تعلمها حتى تتمكن من شرحها في المصطلحات البسيطة الأساسية. ولا تنسَ أن معرفة حدود فهمك يحد من الأخطاء التي قد تسببها، ويزيد من فرص نجاحك عند التطبيق.

  

3- نظّم وبسّط: بعد أن كتبت ما تعرفه عن المادة، واكتشفت مكان الثغرات التي تحتاج إلى الملء وملأتها. حان وقت شرح المادة بصوت مرتفع، وإن واجهتك مشكلة في نقطة ما وشعرت بأنها تحتاج إلى المزيد من الجهد، فلا تبخل، عد للخطوة 2.

  

4- التمرير: إن كنت تريد التأكد من أن فهمك للمادة أو الموضوع المعين الذي تتعلمه يسير بوتيرة صحيحة، فعليك شرحه لغيرك للتأكد من أن لغتك كانت بسيطة لجعل شخص آخر يفهم ما تتحدث عنه، أو ابحث عن طفل بعمر الثامنة واختبر مهاراتك! فالاختبار النهائي لنجاحك في فهم شيء ما هو تمريره لغيرك بصيغة مفهومة.

   

     

التركيز على مهمة واحدة فقط!

"أبقِ عينيك مفتوحتين إن أردت تحقيق ما تُريده، ركز وتأكد من أنك تعرف تماما الذي تُريده، فلا يُمكن لأي أحد أن يصل لهدفه بعينين مغلقتين"

(باولو كويلو) (5)

 

مهمة الحفاظ على التركيز لا تبدو مهمة سهلة على الإطلاق، نظرا لكل الالتزامات اليومية التي هي من الواجبات الأساسية للفرد، بالإضافة إلى أننا غالبا ما نبالغ في العمل في حياتنا المهنية ونخشى من عواقب قول [لا] عندما يُطلب منّا المزيد، ومن ثم فإننا نمتلك الكثير من مهام العمل (المشاريع، الاجتماعات، المكالمات، التقارير، ...) وغيرها. ونجد بأننا حتى لو لم نأكل، وقللنا ساعات النوم، فنحن ما زلنا غير قادرين على عمل كل هذه المهام مع بعضها البعض، فكيف يُمكن أن نُحافظ على تركيزنا وإنتاجيتنا بالثبات على قُدرة تكفي كل هذا؟ (6) (7)

 

* اختر مهمة واحدة فقط، وقم بإزالة كل ما لا يتعلق بهذه المهمة من حولك.

* قد ترى بأن التحقق من مواقع التواصل الاجتماعي كوقت راحة ومُستقطع بين مهامك لن يؤثر على إنتاجية 24 ساعة، وهذا غير صحيح، فقد أثبتت الدراسات أن تصفح 5 دقائق فقط على فيسبوك (Facebook) سيؤدي في الواقع إلى جعل دماغك يُصارع لمدة 15 دقيقة للعودة إلى ما كان يعمل عليه بالوتيرة نفسها قبل التصفح.

 

* القراءة لمدة 20 دقيقة على الأقل يوميا تزيد من قدرة الدماغ على التركيز بشكل عام، وتمنحه ليونة التنقل بين مهمة وأخرى.

* أثبتت الدراسات أن الأناس الذين يمارسون التأمل باستمرار هم أكثر قدرة على التركيز بمهامهم مهما كانت مملة.

 

* التركيز خاصية قابلة للتطور والتحسن، ويمكنك اختبار مقياس تركيزك عن طريق القيام بمهمة واحدة لمدة 5 دقائق فقط بكامل تركيزك، ومن ثمّ زيادة الوقت شيئا فشيئا مع التمرن على دفع انتباهك نحو هذه المهمة تحديدا، بكلمات أخرى "رياضة للعقل".

    

   

كوينسي جونز، قائد الأوركسترا الذي يمتد مشواره إلى خمسة عقود من النجاح لا يستطيع قيادة السيارة، ويقول: "لقد استثمرت حياتي بالتركيز على صنع موسيقى عظيمة"، وأصبح عظيما بها. ويُعلق على هذا الفوتوغرافي الناجح ريتشارد جونز بأنه أمضى 10 سنوات من حياته يتأرجح بين ما يستطيع فعله، دون الحاجة إلى أن يكون خبيرا أو عظيما بأي جانب، حيث إنه كان متقبلا لفكرة أن يكون "جيدا" بالتصوير، الكتابة، الطبخ، تعلم لغات جديدة، وغيرها. فقرر أنه لا بد أن يتخلص من كل هذه المشتتات ليُركز على ما يريد أن يصبح ناجحا وعظيما به، فاختار التصوير.

  

حيث يعتقد أن الناجحين يتشاركون بسمات معينة، إحدى هذه السمات هو التركيز على شيء واحد فقط، والعمل به، والعمل عليه. التركيز يمنحك عدسة مكبرة، لا لكي تبحث عن إبرة في كومة قش، بل لتُضيق طاقتك وتحدد انتباهك بما يهم وما يُفيد وما هو بالتحديد بين يديك. الأمر أشبه بأن تُلقي النفايات بعيدا عنك، وتتخلص من كل ما يشتتك بكل بساطة. فإن التخلص من العناصر والقرارات المهدرة أمر سهل نسبيا. ففي نهاية المطاف هي أمور تقضي على الأشياء التي تحتاج إلى انتباهك وتركيزك، وهذا أمر يستحق أن تُحاول لأجله. 

آخر الأخبار