انضم إلينا
اغلاق
الاستثمار مقابل الرغبة.. ماذا تفعل المرأة في مواجهة المستثمر المتحرش؟

الاستثمار مقابل الرغبة.. ماذا تفعل المرأة في مواجهة المستثمر المتحرش؟

  • ض
  • ض

لا شك أن ليندساي ماير شعرت في ذلك اليوم من العام 2015 بذلك المزيج الرائع من الحماس والأمل الذي يراود أي رائد أعمال يتلقى تمويلا مبدئيا لشركته الناشئة. ليندساي ماير رائدة أعمال أميركية من أصول آسيوية في الثلاثينيات من عمرها، تحمل سيرة ذاتية ممتازة كمحللة بيانات ومستشارة في وادي السيليكون عدة سنوات. قررت بعد رحلة وظيفية جيدة أن تبدأ بإطلاق شركتها الناشئة التي أسمتها "Batch"، والمتخصصة في مجال اللايف ستايل والرشاقة.

 

كان من الجيد جدا بالنسبة للرائدة الشابة أن تتلقى تمويلا أوليا (Seed Funding) بقيمة 25 ألف دولار بواسطة محفظة "Binary Capital" الكائنة في سان فرانسيسكو والمتخصصة في الاستثمار المخاطر في الشركات الناشئة، بعد أن قامت بعرض مشروعها أمام المستثمرين، وأبدى "جاستن كاديلباك" (Justin Cadelbeck) المؤسس الشريك للمحفظة إعجابه بمشروعها وقبول تمويله مبدئيا بهذا المبلغ.

 

بدأت الاتصالات تتوالى بين ليندساي وجاستن باعتبارها علاقة طبيعية بين مؤسسة شركة ناشئة وبين مستثمـر فيها تستدعي وجود اتصالات دائمة للتشاور ومتابعة تطور الشركة ومسارها، إلا أنه في وقت لاحق تطورت العلاقات لتدخل إلى مساحات لا علاقة لها بالعمل، حيث بدأت رسائل الغزل من جاستن تتوالى على هاتف ليندساي، فضلا عن قيامه بمحاولات للتقرّب منها بلمس أجزاء من جسدها طريقة مشينة غير أخلاقية أثناء اجتماعه معها لمناقشة "سير العمل" على الرغم من رفضها لهذه الممارسات طوال الوقت.

   

ليندساي ماير، رائدة أعمال أميـركية من أصول آسيوية تعرّضت للتحرّش الجنسي من مستثمـر مغامر (مواقع التواصل)

    

شعرت أنه من الضروري أن أتغاضى عن هذه الممارسات باعتبارها ثمنا أدفعه لأنني مؤسسة شركة "غير بيضاء البشرة"

 

كان هذا ما قالته ليندساي في تصريحها لصحيفة النيويورك تايمز شارحة شعورها في تلك الفترة التي اضطرت فيها إلى الصمت، قبل أن يأتي عام 2017 الذي كان بمنزلة العام الذي تنفّست فيه النساء حول العالم الصعداء، بانطلاق موجة عالمية ضد التحرّش الجنسي فضحت مئات من الرموز والمؤثرين وذوي الشهرة عالميا في كافة المجالات، بانطلاق وسم "أنا أيضا" (Metoo) الذي استخدمته آلاف النساء لتوثيق قصص التحرّش الجنسي التي مررن بها وكان يمنعهنّ الخوف من التصريح بها علنا.

  

تجرّأت ليندساي ماير وتجاوزت مخاوفها وصرّحت بتعرّضها للتحرش الجنسي على يد جاستن كاديلبك، ففوجئت بستّ رائدات أعمال أخريات اتهمن جاستن بالتحرّش بهنّ جنسيا مقابل تمويل شركـاتهنّ، وتهديدهنّ بقطع التمويل إذا لم يستجبن لرغباته من ناحية، أو محاولة التصريح بأنه يتحرّش بهنّ جنسيا. لاحقا تم توقيف كاديلبك وتعليق عمله بشركة "Binary capital" وملاحقته باتهامات قضائية، وذاع صيته كنموذج شهيـر في عالم الشركات الناشئة التقني باعتباره المُستثمـر الذي يمنح التمويل مقابل "التحرّش". (1، 2، 3، 4)

  

مشروعك مثير للاهتمام.. فلنناقشه بشكل أكبر على سريري!

لم تكن واقعـة جاستن كاديلبك في التحرّش برائدات الأعمال هي الوحيدة، رغم أنها كانت الأشهر والأكثر صيتا لفترة طويلة كنموذج صارخ للمستثمـر المغامر المتحرّش. لاحقا، في صيف العام 2017 تقدمت العديد من رائدات الأعمال في وادي السيليكون وسوق التقنية والشركات الناشئة الأميـركية بشكـاوى ومواقف تؤكد مرورهنّ بمواقف للتحرّش الجنسي من طرف المستثمـرين مقابل تمويل مشروعاتهنّ.

  

جاستن كاديلبك، مؤسس حافظة "binary capital" للاستثمار المغامر تحرّش بستّ رائدات أعمال مقابل تمويلهنّ (مواقع التواصل)

    

خذ راشيل داناي فاشاتا كمثال، رائدة أعمال شابة في مطلع الثلاثينيات من عمرها ومؤسسة لشركة ناشئة متخصصة في الجراحات الطبية، واعتُبرت من رواد الأعمال الشباب الواعدين من طرف فوربس، عندما كانت في رحلة عمل عبر الطائرة الخاصة التي يملكها لوتشيو لانزا مؤسس شركة لانزا للاستثمـار المغامر في قطاع التقنية -يبلغ من العمر 73 عاما- قام المستثمـر العجوز بالتحرّش بها جنسيا وهو ما قامت على إثره برفع قضية تتهم فيها مموّلها بالتحرّش.

 

أما سارة كونست، مؤسسة شركة "Prody" الناشئة والتي كانت تقدّمت في العام 2014 لمقابلة شخصية مع ديف ماكلور مؤسس محفظة الأعمال العملاقة الداعمة بالتمويل للمشروعات الناشئة "500 startups"، بعد انتهاء المقابلة فوجئت به يُرسل لها رسالة عبر فيسبوك يخبرها أنه في حيـرة من أمـره إن كان عليه أن يقوم بتوظيفها، أو أن يقوم بمطارحتها الغرام. وعندما رفضت الريادية الشابة محاولاته، فوجئت بإيقاف إجراءات توظيفها في الشركة.

 

لاحقا، ومع تسرّب الخبر للإعلام واكتشاف أن ديف اعتاد التحرّش بعدد من رائدات الأعمال كلاميا وجسديا، وهو ما أدى إلى استبعاده من رئاسة الشركة التي قام هو بتأسيسها، كما اعترف بخطئه في ارتكاب أفعال غير لائقة.

  

ديف ماكلور، أحد مؤسسي حافظة الاستثمـار المخاطر "500 startups"، استقال من منصبه بعد ثبوت تحرّشه بعدد من رائدات الأعمال (مواقع التواصل)

     

راشيل رينوك أيضا لم تخرج عن هذه الدائرة، فبعد تأسيسها لشركة "Wethos" الناشئة بدأت السعي للحصول على جولة تمويلية لمشروعها برفقة صديقتها في الشركة، وهو الأمر الذي عرّضها لتعليقـات فاضحة من أحد المستثمـرين والتي رفضت ذكـر اسمه. اضطـرت رائدة الأعمال أن تصمت عن تحرّشاته اللفظيـة المتكـررة خصوصا بعد أن وافق على تمويل مشروعها بنصف مليون دولار، وهو الذي جعلها تصمت عن تجـاوزاته لفتـرة طويلة "لأنها لم تكن تتصوّر أن تفرّط في التمويل الذي حصلت عليه بصعـوبة لشركتها".

 

عشرات القصص الشبيهـة التي ملأت العالم ضجيجا بخصوص تحرّشات لفظية أو جسدية قام بها مستثمـرون تجاه رائدات الأعمال، إما بابتزازهنّ بأنهم لن يقوموا بتمويل مشروعاتهن إلا بعد تلبية رغباتهم، وإما بالتودد لهنّ باعتبارهم ذوي فضل عليهنّ بالفعل بعد أن قاموا بتمويل مشروعاتهن، وأن "التمويل" يعني بالضـرورة أن ينالوا في المقابل ما هو أكثر من "نموذج عمل" جيد لشركات ناشئة واعدة! (4، 5، 6، 7، 8)

 

واحدة من كل خمس رائدات أعمال تتعرّض للتحرش

بحسب استطلاع خاص أُجري لصالح صحيفة التليغراف البريطانية في مارس/آذار 2018، فإن خُمس رائدات الأعمال الإناث يتعرّضن لمضايقات جنسية أثناء سعيهنّ لتأمين جولات استثمـارية لشركاتهنّ الناشئة، أي إن واحدة من كل 5 رائدات أعمال يتعرّضن لمحاولات تحرّش بأشكال مختلفة.

   

  

الاستطلاع نفسه قال إن نسبة 25% من شريحة قوامها 750 رائدة أعمال بريطانية قد تعرّضن لمحاولات تقرّب وإغواء جنسية من طرف الرجال أثناء لقاءات العمل التي خضنها للحصول على فرص تمويلية، بينما قالت 65% من رائدات الأعمال إنهنّ يعاملن بشكل غير عادل فيما يخص الخدمات المالية أثناء سعيهن للحصول على تمويل لشركاتهنّ مقارنة بروّاد الأعمال الرجال. (9)

 

من جهة مقابلة، أجرت مسرّعة الأعمال الأميـركية الأشهر والأكثر انتشارا ونجاحا في تمويل الشركات الناشئة "Y Combinator" مسحا استطلاعيا بالتعاون مع شركة "Callisto" الناشئة المعنية برصد حالات التحرّش والمضايقات الجنسية في أماكن العمل، يستهدف الاستطلاع معرفة مستوى المضايقات التي تعاني منها رائدات الأعمال مؤسسات الشركات الناشئة في مشوارهن للحصول على جولات تمويلية لشركاتهن.

 

الاستطلاع أُرسل إلى 125 رائدة أعمال ومؤسسة شركة ناشئة من بين 384 رائدة أعمال سبق لها التعـاون مع مسرّعة الأعمال "Y Combinator"، ويشمل مجموعة من الأسئلة المركزة التي تستهدف معرفة إذا كانت رائدات الأعمال تعرّضن لمضايقات وتحرشات جنسية في مقابل سعيهنّ للحصول على تمويل، أو تعرّضن لأي سلوكيات سيئة من طرف المستثمـرين.

   

  

اللافت أن 88 رائدة أعمال فقط شاركن في الاستطلاع، بينما امتنعت الأخريات عن المشاركة لأسباب مجهولة. ومن بين الـ 88 ريادية مشاركة، صرحت 19 رائدة أعمال أنهنّ تعرّضن لتحرّشات جنسية بواسطة المستثمـرين الممولين لمشروعاتهن بأشكال مختلفة. 18 رائدة اعمال قالت إنها تعرّضت لضغوط جنسية، بينما 15 منهنّ قلن إنهن مررن بحالة مقايضة جنسية "التمويل مقابل الانفتاح الجنسي"، وذكرت 4 رائدات أعمال أنهنّ تعرّضن لأفعال جنسية غير مرغوبة من طرفهن. بمعنى آخر، الاستطلاع يقرر حقيقة أن واحدة من كل 5 رائدات أعمال تقريبا تعرّضت لأنواع متفاوتة من أنواع التحرّش.

 

وبسؤال رائدات الأعمال عما إذا كن قد قمن "بالإبلاغ" عن حوادث التحرّش التي تعرّضن لها، قالت الرياديات اللواتي قلن "نعم" إنهن أبلغن عن التحرشات التي حدثت لهنّ بغرض تنبيـه زميلاتهن من هؤلاء المستثمـرين لحمايتهنّ من تحرّش محتمل. أما رائدات الأعمال اللواتي لم يبلغن عن وقوع التحرّش بهن، فكانت أسبابهنّ تدور حول 3 محاور:

 

· لا أريد أن أعرّض شركتي الناشئة لأي مشاكل في التمويل.

· شعرت بالخوف من أي توابع قد تفقدني القدرة على الحصول على تمويلات أخرى في المستقبل.

· جهات الاستثمـار المخاطر "VCS" سوف تعاقب رائدات الأعمال على إثارة المشاكل وتعاقبهنّ بالحرمان من فرص التمويل، أو على الأقل سوف تتعامل معهنّ بحذر أكثر من اللازم. (10، 11)

  

خطوات استباقية لمواجهة مُستثمر متحرّش محتمل

  

على الرغم من أن الكثير من الشركات الناشئة في عالم ريادة الأعمال التقني تحديدا اتخذت إجراءات صارمة بخصوص مكافحة التحرش الجنسي على خلفيـة الحملات المناهضة للتحرّش التي طالت مئات الرموز السياسية والأكاديمية والتقنية حول العالم، لدرجة أن بعض الشركات رفعت من مستوى تعاملها مع حالات التحرّش الجنسي إلى "سياسة صفـر تسامح" (Zero Tolerance Policy) في محاولة لتجنّب العواقب الوخيمة للتحرّش على علاماتها التجارية عالميا، فإن هذه الإجراءات قد لا تكون هي الوحيدة القادرة على السيطرة على كافة حوادث التحرش الجنسي في الشركات.

 

بحسب فوربس، تبقى القاعدة الأولى التي ينبغي أن تلتزم بها رائدات الأعمال الساعيات لتأسيس شركاتهن الناشئة هي: ما في العمل يبقى دائما في إطار العمل. ففي الوقت الذي تتزايد فيه فكـرة "التشبيك" بالعلاقات الشخصية بين رائد الأعمال والمستثمـر وما يتبعها من علاقات متنامية تساعد كلا الطرفين على تحقيق أكبر مصالح ممكنة في مجال الأعمال وتمويل المشروعات، فإن هذا "التشبيك" يجب أن يظل مُسيطرا عليه من طرف رائدة الأعمال لكي يظل محصـورا في إطار العمل، ولا يتعاظم للوصول إلى نواحٍ عاطفيـة أو إنسانية تسمح للمستثمر باستغلال الوضع وتحويله إلى علاقة ابتزاز.

 

الأمر الآخر هو ضـرورة التحكّم في العلاقات التي تستدعي جوانب خارجية. في عالم ريادة الأعمال سيكون هناك لقاءات في فنادق وفي مؤتمرات وفي فعاليات، وقد تتطلب لقاءات شخصية فردية مع رجال أعمال ومستثمـرين، وهي كلها لقاءات تحدد مستوى العلاقات الشخصية بين المستثمـر ورائدة الأعمال فيما بعد، إما أن تكون عملا محضـا وإما أن تكون لاحقا مصدر مشاكل لا حصر لها. (12، 13)

   

   

في النهاية، لاحظ أن هذه المشاكل تحدث في وادي السيليكون كعبـة المشروعات الناشئة وروّاد الأعمال والمستثمرين، والمكان الأكثر تشددا فيما يخص إجراءات والتزامات العمل، ومع ذلك تعاني نسبة كبيـرة من رائدات الأعمال من التحرّش ويمتنعن عن التصـريح بذلك خوفا من العواقب. السؤال الذي سيطـرح نفسه عمدا: إذا كانت هذه المشاكل الصعبة تعانيها بعض رائدات الأعمال في وادي السيليكـون، فما بالك بالمشاكل التي تعانيها رائدة الأعمال العربية؟! السؤال في حد ذاته قد يعد جوابا!

آخر الأخبار