انضم إلينا
اغلاق
المشاريع الناشئة والبرامج التعليمية زيت وماء.. لا تقتلوا طموح رواد الأعمال العرب

المشاريع الناشئة والبرامج التعليمية زيت وماء.. لا تقتلوا طموح رواد الأعمال العرب

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

إلى جانب صيحات مثل العمل من المنزل، والسفر حول العالم مع الحصول على عائد مادّي، إضافة إلى الربح من بثّ الألعاب على الإنترنت، فإنها حملت مع التصور المتخيل حولها كثيرا من الأزمات والصعوبات التي ظهرت حين التنفيذ، بالإضافة إلى ما سبق، فقد دخل إلى العالم العربي تحديدا مفهوم ريادة الأعمال والمشاريع الناشئة التي ظهرت لأجلها حاضنات الأعمال، والتي اكتفت كما يبدو بأخذ التسمية دون المضمون من الغرب، ولتتحول بذلك المشاريع الناشئة الحالمة إلى مشاريع تقليدية لم تر النور في كثير من الحالات، الأمر الذي يضع كثيرا من علامات الاستفهام حول مستقبل المشاريع الريادية العالمية التي يمكن أن تنشأ داخل القُطر العربي الكبير.

 

اقفز من الجبل أولا

عندما جلس "مارك زوكربيرغ" (Mark Zuckerberg) خلف حاسبه في غرفته الخاصّة في الحرم الجامعي، لم يكن تفكيره مُنصبًّا حول آلية العثور على المُستثمرين، ولا آلية الحصول على عائد مادّي من مشروعه الصغير، حيث انصب تركيزه بصورة أساسيّة على تطوير منصّة تسمح لطُلاب جامعته التواصل فيما بينهم مع إمكانية تبادل الملفّات، بالإضافة إلى خارطة طريق بسيطة تحتوي على بعض المزايا الجديدة من جهة، وعلى إمكانية إضافة جامعات ومؤسّسات تعليمية أُخرى من جهة أُخرى.

      

   

الحال ذاته تكرر مع القائمين على تطوير "إنستغرام"، حيث مثّلت رغبتهم في تطوير تطبيق فريد من نوعه (Unicorn) لتطوير شبكة لتسجيل الوجود في موقع جغرافي ما، وهي الفكرة التي لم يُكتب لها النجاح، لكنها في الوقت ذاته وجّهت أنظارهم نحو خاصيّة تطبيق التأثيرات اللونية على الصور داخل التطبيق، الفكرة التي لاقت نجاحا وقتها، لتُفصل وتخرج على هيئة تطبيق أصبحت قيمته اليوم مليارات الدولارات(1). يوتيوب هو الآخر تحوّل من تطبيق للمواعدة الغرامية على الإنترنت إلى منصّة لتبادل مقاطع الفيديو، وهذا بسبب ميزة نشر مقطع تعريفي بكل شخص يرغب بالتعرّف على شخص آخر على الإنترنت، وهي ميزة من مزايا شبكة المواعدة لإضافة مصداقية لصفحة كل شخص(2).

   

أخيرا، على صعيد الأمثلة، تأتي تطبيقات مثل "إير بي آند بي" (Airbnb) رفقة "أوبر" (Uber)، التي ركّزت على مفهوم الاقتصاد التشاركي بين المُستخدمين، والتي بدأتها "إير بي آند بي" بفكرة بسيطة قائمة على توفير سكن بسعر بسيط داخل منزل أي شخص لتجنّب التكاليف المُرتفعة في الفنادق من جهة، والعزلة من جهة أُخرى، فالسكن في منزل أحدهم وتناول وجبة معه تُقرّب العالم من بعضهم البعض. أما "أوبر"، فقد رصدت أيضا مُشكلة في نظام سيّارات الأُجرة، وحاولت التغلّب عليها بأكثر من طريقة. بمعنى آخر، تتشارك جميع التطبيقات السابقة بفكرة رصد مُشكلة في السوق وتنفيذها دون الاكتراث لأي شيء آخر، مع وجود مساحة مرنة تتيح إمكانية التحرك يمينا ويسارا حينما تقتضي الحاجة.

   

ولأن النهايات السعيدة من وحي كُتّاب الأفلام والروايات فقط، فإن فيسبوك -بغض النظر عن فضائحها المُتعمّدة- لاقت نصيبها من الانتقادات تارة، ومن الغرامات المالية تارة أُخرى بسبب انتهاك قانون خصوصية الفرد في دولة ما. وبالمثل، دخلت يوتيوب في حرب قضائية مع شركات صناعة المحتوى بسبب حقوق الملكيّة الفكرية لمقاطع الفيديو، والأغاني، التي تُنشر عليها. أما "إير بي آند بي" و"أوبر"، فهي لم تواجه دعاوى قضائية عاديّة، فخصومها في المحاكم عبارة عن مجالس البلديات والإدارات المحليّة في كل مُقاطعة أو ولاية في دول مُختلفة، أي إنها شركات وقفت في وجه قوانين وتشريعات للدول.

   

   

ماذا لو؟

لو اكترث كل من "بيل غيتس" (Bill Gates) أو "ستيف جوبز" (Steve Jobs) للقوانين ولحجم الشركات التي تُسيطر على سوق الحوسبة في سبعينيات القرن الماضي لما سمعنا عنهما اليوم، فهم باستثناء تسجيل حقوق الملكية لأسماء شركاتهم، لم يكترثوا لأي شيء آخر سوى تطوير المُنتج الذي سهروا من أجله أملا في تغيير العالم يوما ما.

   

ماذا لو فكّر "زوكربيرغ" كثيرا في آلية تحقيق عائد مادّي من شبكة فيسبوك، أو في وضع "خطة عمل" (Business Model) واضحة لشبكته قبل أن ينتهي من برمجتها ومن الحصول على آراء المُستخدمين؟ ماذا لو قضى القائمون على يوتيوب وقتهم وجهدهم في تطوير مُخطط لنموذج عمل المشروع القائم على المواعدة من خلال تحديد الشريحة المُستهدفة، والقيمة التي سيحصلون عليها، إضافة إلى قنوات التواصل مع، والوصول إلى، العُملاء؟

   

قبل كتابة سطر برمجي واحد من "إير بي آند بي"، ماذا لو جلس مؤسّسو الشبكة الثلاثة لمُطالعة قانون الإيجار والاستئجار في كل ولاية أميركية، وفي كل مدينة حول العالم؟ أو لو حاول القائمون على "أوبر" حصر مجال عملهم مع شركات تأجير سيّارات الأُجرة فقط لتجنّب قوانين بعض المُدن التي تضع الكثير من القيود في وجه الراغبين في تقديم خدمات النقل؟

   

مثلما تشترك المشاريع السابقة في قصة نشأتها من حيث السياق العام، أي العثور على مُشكلة وتقديم حل رقمي لها، فإنها في الغالب ستشترك في مصير واحد في حال سارت على التعليمات الواردة في كُتب إدارة الأعمال وإنشاء الشركات؛ الفشل. لكن لإحقاق الحق، فإن "أوبر" نجحت بفضل خبرة "ترافيس كالانيك" (Travis Kalanick)، أحد مؤسّسيها، في مجال إدارة المشاريع الناشئة، مثله مثل القائمين على "إير بي آند بي" الذين تلقّوا تعليما في أشهر وأهم حاضنة أعمال على مستوى العالم، "واي كومبنيتر" (YCombinator). أما "جوبز" و"غيتس"، فهما أيضا حصلا على فرصة للعمل في شركات مثل "إتش بي" (HP)، وبالتالي شاهدا عن قُرب ماهيّة الشركات التقنية بشكل أو بآخر. إلا أن تلك الفُرص لم يحصلوا عليها سوى بعد تقديم مُنتج، أو فكرة ثورية نبّهت العالم إلى تميّزهم.

    

   

اعثر على جناحيك وأنت تهوي

تندفع مُبادرات، مُعسكرات، المشاريع الناشئة في وقتنا الراهن خلف العناوين العريضة في سعي حثيث لأجل قولبة الأفكار لتتطابق مع ما يرد في فصول كتاب إنشاء الشركات، فصاحب الفكرة تُسرد عليه تعريفات مثل نموذج العمل، والأصول المالية، ليدخل بعدها في مُهاترات حقوق الملكيّة والنزاعات القانونية، حاملا في تلك الرحلة عبء الواجبات وتحضير المُستندات مع قضاء وقت أكثر في دراسة مُنافسيه وآلية تسعيرهم أكثر من قضاء وقته في تطوير مشروعه والعثور على قيم إضافية تدفعه نحو الأمام.

   

الرحلة تبدأ من فكرة بسيطة -حل لمُشكلة يُعاني منها رائد الأعمال- وخطوات لتحويلها إلى مُنتج ملموس على أرض الواقع يُمكن رصد ردود الأفعال حوله والتعلّم من نقد المُستخدمين له لتقديم مُنتج أفضل. هذه هي الخطوة الأولى التي سارت عليها عشرات المشاريع الفريدة من نوعها في الوقت الراهن، تويتر أو "واتس آب" (WhatsApp)، "سلاك" أو "سكايب"، أو حتى فيسبوك و"إنستغرام" و"أوبر"، جميعها بدأت من حل لمُشكلة، أو إخراج لفكرة كانت في مُخيّلة أحدهم، دون الاكتراث بأي شيء آخر بما تحمله الكلمة من معنى.

   

وإلى جانب التمتّع بالمرونة، يجب أن يتمتّع رائد الأعمال بالصلابة، لأن ما ستحمله الرحلة من مُفاجآت لا يُعرف، قد تسير الأمور على ما يُرام، أو قد تخرج الدعاوى القضائية من كل حدب وصوب. لكن الفرق يكمن في الرصيد والمكانة، فعندما تكون الفكرة على الورق، وتتسلل مخاوف الدعاوى القضائية إلى عقل المؤسّسين، قد يُقتل الطموح فورا. أما عندما تكون الفكرة موجودة على أرض الواقع مع جمهور خلفها، سيتغيّر الواقع فورا، وتلك القوانين التي ساهمت في فتح الدعاوى ستتغيّر، ولعل "أوبر"، وغيرها من شركات النقل، والاقتصاد، التشاركي خير مثال على ذلك(3).

     

   

قيمة المشاريع الناشئة بسيطة جدا، إما 0 أو 1. الصفر هو حالة العدم والفكرة التخيّليّة فقط، والواحد هو تحويلها إلى شيء ملموس على أرض الواقع، والانتقال بينهما هو الرحلة الحقيقيّة. قد يُعثر على أكثر من "1" ضمن المجال نفسه، مثل وجود "لينوفو" (Lenovo) إلى جانب آبل ومايكروسوفت في عالم إنتاج الحواسب. الفرق واضح، هناك شركات سعت أكثر من مرّة لتغيير جلدها لتحقيق الابتكار، وأُخرى اكتفت بالنسخ وبهامش ربح قليل للحفاظ على السعر مُنخفضا، لماذا؟ لأنها اكترثت بالعناوين العريضة وبنموذج العمل وبدراسة القيمة الأولية الأفلاطونية للمُنتج مع أخذ مقاومة الهواء بعين الاعتبار، أكثر من الاكتراث بالفكرة الرائدة وبالخروج عن المألوف.

   

يُقال إن الحظ هو مزيج ما بين الاستعداد والفرصة، فالرياضي ولجذب انتباه نادٍ كبير لن يكفيه الجلوس في المنزل مع إجراء بعض التمرينات العاديّة فقط، بل يحتاج إلى مُضاعفة تدريباته وقضاء أكبر وقت ممكن في الوسط نفسه علّ أحدهم يُشاهده مصادفة ويُقدّم له فرصة العمر التي ينتظرها. في عالم المشاريع الناشئة الأمر لا يختلف، بإمكانك قضاء أشهر لإنشاء دراسة سوق ودراسة ماليّة مُفصّلة وأنت بالأساس لم تُطوّر 20٪ من المُنتج، مع البحث عن مُستثمرين لأن الكتاب يقول إنك بحاجة إلى الأموال. أو أن تبدأ العمل على تحويل الفكرة (القفز من الجبل) وتحاول مُعالجة المشاكل (تركيب الأجنحة) في الطريق.

آخر الأخبار