انضم إلينا
اغلاق
لماذا قامت فورد بتعيين مصمم للأثاث مديرا تنفيذيا لها؟

لماذا قامت فورد بتعيين مصمم للأثاث مديرا تنفيذيا لها؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

إن كان الأمر كما قال رالف والدو إيمرسون بأن "المؤسسة هي الظل الممتد لرجل واحد"، فمن الممكن لحكاية الاقتصاد الأميركي أن تقترن بأنواع الأشخاص الذين يديرون شركاته الكبرى. كانت بواكير الإنتاج الضخم تنتمي إلى رجال العقلية الميكانيكية كأمثال هنري فورد. في حين أدى نشوء الأسواق الضخمة، لا سيما عقب الاتجاه لعقد التكتلات في الستينيات والسبعينيات، إلى أن يكون ثلث رجال المبيعات اللاحقين كأمثال توماس واتسون إس. آر، الرئيس التنفيذي لشركة "IBM"، تنفيذيين ينحدرون من خلفيات المحاسبة والمالية. ثم ما لبثت أن تسلمت الدفّة مجموعة من رجال التكنولوجيا، كأمثال آندي غروف وبيل غيتس.

  

لذا فوجئنا في الربيع الماضي عندما قامت شركة فورد موتور باختيار رئيس تنفيذي لم ينشأ في ولاية ديترويت ولا يندرج تحت المواصفات الاعتيادية لرئيس تنفيذي. لقد كان صانع أثاث. ينتمي جيم هاكيت، بعمر 63 عاما، إلى تكتل اقتصادي من نوع آخر في ولاية ميشيغان، وهي ثلاث شركات لتأثيث المكاتب في نواحي مدينة غراند رابيدز، من بينها شركة ستيل كلاس، التي أدارها هاكيت طيلة عقدين.

  

في ستيل كلاس، أصبح هاكيت من مناصري نهج في تطوير المنتج يعرف باسم التفكير التصميمي، والذي يركز بصرامة على الطريقة التي يختبر فيها المستخدم منتجا ما. وقد أرغم ستيل كلاس على التفكير بشكل أقل في المقصورات المكتبية التي كانت المنتج الرئيسي للشركة عندما وصل، والتفكير في الأشخاص الذين يجلسون فيها بشكل أكبر. فقام بتوظيف الأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين والعمل عن كثب مع خبراء التقنية، وجعل ستيل كلاس رائدة في العمل الجماعي، وأتاح مساحات أصبحت شائعة في العمل اليوم. في المحصلة، قاد الرجل شركة تزويد المكاتب إلى ثورة غيّرت طريقة عملنا.

    

  

لقد بدت انتقالة هاكيت إلى السيارات أشد قابلية للتصديق عندما جلست بجواره في مقصورة الرغوة المعدنية لأحد النماذج الأولية لسيارات القيادة الذاتية في أستوديو "ديربورن" للتصميم لدى شركة فورد. قال لي بينما هو يشير إلى مقود رقمي يتوهج باللون الأزرق: "لكي تكون مرتاحا، قد نضطر لترك هذا هنا". لكن مقعد السائق كان يمكن أن يدور، كما لو كان مقعدا مكتبيا، قمنا بإدارة المقعدين وفوجئنا باثنين من عمال فورد يجلسان خلفنا.

  

لقد فاجأ قرار فورد توظيف هاكيت أولئك المحللين الذين توقعوا قدوم صانع سيارات تقليدي وأولئك الذين توقعوا أن يقوم شخص من بيئة الهايتك بإدارة الشركة مع اتجاه السيارات إلى تضمين الحواسيب. لكن هذا الاختيار كان يشي بوجود طريق ثالث من شأنه أن يعكس روح العصر، عصر تجربة المستخدم.

  

تتألف حياتنا من تفاعلات بين الإنسان وآلات لديها القدرة على إسعادنا وإزعاجنا بالدرجة نفسها. وقد تسللت إلى هذا الحقل مهنة من طبقة جديدة: إنها وظيفة تجربة المستخدم، أو مصمم تجربة المستخدم، الذي تتمثّل مهمته في رؤية المنتج، لا من زاوية المهندس، أو المسوق، أو القسم القانوني، وإنما من وجهة نظر المستخدم وحده. والتأكد من ألا تجامل الشركة المستخدم ولا يجامل المستخدم الشركة. تطرح لينكد إن عشرات آلاف الوظائف في مجال تجربة المستخدم، وقد أصبح للوظيفة حضور دائم على اللوائح السنوية لـ"أفضل الوظائف".

      

"جيم هاكيت" المدير التنفيذي لشركة فورد (رويترز)

   

في الوقت الحالي، فإن السؤال الذي يحوم حول صناعة السيارات هو ببساطة إذا ما كان بوسع مقتحمي مجال الهايتك من أمثال تيسلا وغوغل مواكبة اللغة الهندسية للسيارات بصورة أسرع من فورد وجنرال موتورز، وإن كان بوسع صناع السيارات تعلم الخوارزميات والبرامج. لكن هاكيت يعكس رهان شركة فورد بأن الفائز لن يكون أفضل صانع شاصي (هيكل) أو أفضل صانع برنامج، وإنما الشركة التي تتفوق في التفاعل بين الإنسان والآلة. وكان أحد الأشياء التي شدتني في جيم هو التزامه بـ "التفكير التصميمي، الذي يضع الإنسان في قلب المعادلة"، كما أخبرني بيل فورد، الرئيس التنفيذي للشركة (والحفيد الأكبر لهينري فورد).

  

جاء مصطلح تجربة المستخدم من وادي السيليكون. دون نورمان، هو بروفيسور في جامعة سان دييغو ومؤلف الكتاب الإبداعي "تصميم الأشياء اليومية"، وكان قد عمل لدى شركة آبل في سنوات نفي ستيف جوبز في التسعينيات. ويقول: "لقد ظننت أن جودة حواسيب آبل كانت تنحدر نوعا ما، وبأننا وصلنا الصفحة الأخيرة من المشروع، وبأن المهندسين سيقولون كلمتهم، وبأن جماعة التسويق سيقولون كلمتهم"، لكن لم يكن أحد من الموجودين على الطاولة ينوب عن المستخدم. في 1993، أشار نورمان على رئيس الإدارة التنفيذية جون سالي بالحاجة إلى "شخص تكون لديه نظرة شاملة لما يعنيه استخدام هذه الأجهزة". وقد قام بتشكيل مكتب لتجربة المستخدم ونصّب نفسه مهندسا لتجربة المستخدم لدى آبل.

  

تسارعت هجرة تجربة المستخدم إلى الصناعات الأخرى بفضل شركة التصميم "أيديو" الواقعة في بالو ألتو، كاليفورنيا، والتي ساهم مؤسسها ديفيد كيلي في تصميم أول فأرة لشركة آبل. وسجلت "مدترونيك" و"بروكتر آند جامبل" كأول زبائنها. في مطلع التسعينيات، قام هاكيت وهو في الثلاثينيات من عمره بزيارة أيديو، لا سيما وأن شركة ستيل كلاس كانت تفكر باقتحام سوق جديد. ووصف تجربته هناك بأنها "عميقة جدا"، لدرجة أن ستيل كلاس قامت بعدها بثلاث سنوات بشراء نصيب الأسد من أسهم الشركة، وكان هذا في جزء منه نابعا من الرغبة بالحصول على وصول كامل لأفكار كيلي.

     

الاتجاه نحو إضافة المزايا دون مراعاة لرغبة الزبون نفسه؛ تُثقل كاهل التخطيط بالعديد من الملحقات التي تتطلب من السائق التفكير مطولا فيما يحتاج إليه على الطريق

الفرنسية
 

تقاعد هاكيت من ستيل كلاس في 2014 وأمضى 18 شهرا مديرا رياضيا مرحليا في جامعة ميشيغان. في عام 2016، قام بيل فورد بتوظيفه في ملحق "السيارات الذكية"، مشروع فورد الوليد. وتلخّصت مهمته في إعادة التفكير الشاملة في الطريقة التي تتم فيها قيادة السيارة، وتشغيلها، بل وحتى امتلاكها، ولجأ هاكيت إلى أيديو. كانت الشركة زبونة سلفا لدى فورد، لكن هاكيت قام بتوريد موظفيها إلى "ديربورن" لأداء قفزة البداية في تغيير وجه فورد وثقافتها.

  

قال لي هاكيت: "إن هذا ما أطلق عليه فجوة التصميم"، فيما هو يشير إلى الفجوة بين خطين في رسم بياني رسمه من أجلي على لوح أبيض. هناك خط صاعد، وهي مهارة الشركة في صنع الأشياء، وهو يتصاعد بمرور الوقت. وفي الأسفل خط نازل، وهو يُمثّل فهم الشركة لتجربة المستخدم. وهذا، كما قال، يمكن أن ينكمش بمرور الوقت، عندما تفقد الشركة القدرة على رؤية المشاكل التي يتعين عليها حلها. تبرز فجوة التصميم عندما تكون الوظيفة هي، على سبيل المثال، تصميم باب خلفي بتحسينات طفيفة لسيارة فورد F-150. غير أنها قد تصبح مصدر تهديد إيجابي عندما تكون صناعتك مرغمة على التفكير مليا في بعض الأساسيات، من قبيل: هل يريد الناس امتلاك سيارات خاصة بهم؟ أم أنهم يفضلون المشاركة؟ أيفضلون قيادتها أم القيادة الذاتية؟ وتدفق التكنولوجيات الحديثة يجعل كل شيء ممكنا.

  

دون رؤية واضحة، يكون الاتجاه نحو إضافة المزايا دون مراعاة لرغبة الزبون نفسه؛ المقاعد التي ترصد عدد دقات القلب! أو المنبّه الضوئي الذي يخبرك أن طفلك الرضيع منسي في المقعد الخلفي! كلها أشياء جذابة على الورق. لكن النتيجة، كما أخبرني جيم بومبيك، أحد رؤساء إدارة المنتج لدى فورد، هي أنك "في الواقع، تضع الزبون أمام عدد من القرارات". إنها تُثقل كاهل التخطيط بالعديد من الملحقات التي تتطلب من السائق التفكير مطولا فيما يحتاج إليه على الطريق. كما أنها في الوقت نفسه، تُثقل كاهل الشركة بإنتاج كل تلك الخيارات. ويقول بومبيك: "إن علينا منح الزبائن باقة أضيق من الخيارات"، مستدركا أن معرفة هذه الخيارات أمر صعب وليس بالسهل.

    

  

قد تبدو لغة التفكير التصميمي تجريدية جدا للمبتدئين. ويقول بيل فورد: "إنني أعتقد بأن من المنصف القول بأننا في الفترة الأولى من تنصيب جيم قوبلنا بالكثير من التشكيك، فقد كنا شركة معزولة في مدينة هي معزولة أيضا (ديترويت)". كان أول المشاريع المبكرة لهاكيت كمدير تنفيذي، وهو تصميم "واجهة استخدام إنسان/آلة"، قد قارب على الفشل قبل انطلاقه. وتقول دارين بالمر، رئيسة تطوير المنتج الدولي للسيارات الكهربائية لدى فورد: "في الأيام الأربعة الأولى لم نكن نعرف ما يتعين علينا فعله". كان هناك فريق يتألف من عشرين شخصا تقريبا يعملون خارج المقر. وأضافت بالمر: "كان الناس يتكلمون دون أن يفهموا بعضهم بعضا". وعلى سبيل المثال، فقد كانت عبارة "إعداد الخاصية" تعني شيئا للمهندس، وشيئا آخر للمبرمج، وشيئا آخر كليا للمدير التنفيذي للتسويق. يقول بيل ماسون قائد الفريق الذي عمل من داخل المقر: "كان الأمر أشبه بشجار بين القطط والكلاب". لكنهم بعد نحو أربعة أيام قالوا: "لحظة، ثمة خطب ما".

  

في محاولة أخيرة، طلب من أعضاء الفريق الكف عن محاولة اختراع مجموعة جديدة من المزايا للسائقين. عوض ذلك، طلب منهم التوجه إلى منازلهم، والتفكير في الشكاوى التي يعانون منها في سياراتهم، والعودة بالقصص. هذه الخطوة غيرت نوعية الأسئلة من "أنا في رحلة على الطريق وليس لدي شاحن كهربائي، ما الذي علي فعله؟" إلى "لدي موعد غرامي هذه الليلة، ولا يمكن لنظام التموضع العالمي أن يضلني الطريق".

  

وتقول بالمر: "لقد ساعد هذا الأمر الجميع على إدراك أنهم يتحدثون لغة مشتركة"، هذا المران أفضى إلى نتيجة مشتركة أيضا. وقال ماسون: "كسائقي سيارات، يريد الناس أشياءهم الخاصة بهم، فإن استخدموا تطبيق سبوتيفاي، فهم يريدون سبوتيفاي نفسه"، وليس بديلا من داخل نظام السيارة. ثم أضاف: "كما أنهم يريدون استخدام محيطهم البيئي الخاص، أكثر من أي شيء آخر".

  

وكان هذا إدراكا عميقا "بأن الهاتف يعتبر ملحقا تجلبه معك إلى السيارة"، كما يقول المدير الإداري العالمي لدى إيديو، إيان روبرتس الذي أضاف: "أما الآن فقد انعكس الأمر، فالسيارة ملحق للجهاز المحمول". كان هذا النوع من البصيرة ليظهر سابقا عند نهاية عملية التصميم، حينما تسأل الشركة زبائنها عن تعليقاتهم بشأن منتج شارف صنعه على الانتهاء. لكن عند اكتشاف الأمر في وقت مبكر، فإن ذلك يضع الفريق على طريق ينتهي فيه صنع النموذج الأولي خلال الأسابيع الاثني عشر الأولى.

     

لدى فورد تحت إدارة هاكيت، لا يمكنك الانتقال إلى مرحلة الصنع ما لم يكن لديك فهم عميق لكيف يستخدم الناس سياراتهم

رويترز
    

ويجادل هاكيت بأن هذا النوع من السرعة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التروي في البداية. فكرة أنك ستقضي وقتا أقل في القيام بالأشياء، أو تصميم المزايا التي لا يريدها الناس على الإطلاق. قالت لي بالمر إنه "عادة ما تكون الأفكار التي لدينا خاطئة كليا، لذا فإننا نستطيع الانتهاء منها بسرعة أيضا".

  

في الصين، على سبيل المثال، تضع فورد زبائنها في نماذج أولية تمهيدية هزلية، كهياكل تتكون من الرغوة أو المقاعد الكرتونية وتطلب منهم العيش في سيناريوهات قيادة السيارة. والاستعانة بالمزايا التي لم يفكروا في التأمل فيها. بالاستناد إلى تصوير الفيديو، مثلا، اتضح لنا بأن نظرة السائق إلى حماته وهي تجلس في المقعد الخلفي كشفت بأن راحتها تهمه أكثر مما تهمّه راحته هو، وعليه فقد نال المقعد الخلفي اهتماما أكبر أثناء عملية التصنيع.

  

لدى فورد تحت إدارة هاكيت، لا يمكنك الانتقال إلى مرحلة الصنع ما لم يكن لديك فهم عميق لكيف يستخدم الناس سياراتهم، والأهم، لماذا يستخدمونها. في أستوديو "ديربورن" جلست في مركبة تجريبية نصف ذاتية. مع اقترابنا من الاندماج على الطريق السريع في أثناء المحاكاة، انتقل التحكم مني إلى السيارة، ثم غاص مقعدي بعيدا عن المقود، بعيدا بما يكفي لتسجيل تغيّر في مستويات الطاقة، لكن ليس بما يكفي لتسجيل حالة من فقدان السيطرة، وهي ثغرة تمكنّا من معالجتها.

  

يقول هاكيت: "إنك إن نظرت إلى تاريخ الأعمال التجارية، فستجد أن الرابحين كانوا أولئك الذين برعوا في تجربة المستخدم". مع أنه قال بأن تعيين شخص واحد في تجربة المستخدم سيكون له عيوبه. أخبرني فيما نحن في الأستوديو: "هناك جزء مني سيرغب بقضاء كل وقته هنا، يسعدني كثيرا التفكير بشأن احتمالية الأشياء. لكنني عند الخروج من هنا، تكون لدي مسؤولية أخرى، وهي بأن عليّ، بل علينا جميعا، أن نخرج بالنتائج الجيدة. لدينا مساهمون ماليون. وكانت هذه مسألة حقيقية. فكيف توفق بين الأمرين؟".

    

  

لم يجد ستيف جوبز الذي غادر آبل في 1985، بحسب الكثيرين، طريقة لذلك. لقد كان محصورا بمراكمة البضائع، وتأليب الإدارات على بعضها بعضا، وخسر في النهاية ثقة مجلس آبل. يعرف هاكيت أن عليه أن يكون مثل جوبز الذي عاد للشركة في 1997 مديرا تنفيذيا. يركز على المستقبل نعم، لكن أن يدرك في الوقت نفسه أن الشركة تقوم على الأموال التي تتدفق من الراهن والحاضر.

  

كم هو الوقت الذي سيتحصل عليه هاكيت؟ لقد خسرت الشركة ثلث قيمتها العام الفائت. في حين وصلت القيمة السوقية لتيسلا إلى ضعف قيمة فورد. ومع ذلك، قبل عقد فقط، كانت قاعة المؤتمرات في الطابق الحادي العشر تشهد مفاوضات يائسة لإنقاذ الشركة من الإفلاس.

  

اليوم، ولّى أثاث خشب الماهوغوني. لقد أصبح ميدان عمل للمهندسين وعلماء البيانات، والأذرعة المشمرة التي ترسم المستقبل ومكانة فورد فيما يمكن تسميته أعظم سباق في عالم الأعمال التجارية. قال هاكيت: "سيتطلب الأمر بعض الوقت". لكنه بلا شك سيفضّل الإجابات البطيئة الصحيحة على السريعة الخاطئة منها. وبهذا، سيكون هاكيت قد خرج بشكل محزن من أستوديو تصميم الفضاء الأبيض المستقبلي وعاد إلى الحاضر.

------------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة.

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا بعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

آخر الأخبار