انضم إلينا
اغلاق
الصيد الحلال.. كيف نجحت "كريم" في جعل أوبر تبتلع الطعم؟

الصيد الحلال.. كيف نجحت "كريم" في جعل أوبر تبتلع الطعم؟

  • ض
  • ض

كما كان متوقعا على مدار عام تقريبا، ومع جولات عديدة من المفاوضات بدأت بينهما في منتصف العام 2018 الماضي، أُعلن رسميا أخيرا عن إتمام صفقـة استحواذ "أوبر" العالميـة لخدمات النقل التشـاركي على منافستها الإقليمية شركة "كريم" التي تتخذ من دبي مركزا لها بقيمة 3.1 مليـار دولار، وهو ما يعتبر أضخم الصفقـات التي شهدتها المنطقـة، وتتجاوز في ضخامتها صفقة استحواذ أمازون على سوق كوم.

   

وكشفت وكالة بلومبيرغ خبر الاستحواذ قبل أن يتم إعلانه رسميا عبر شركة "أوبر" أن الصفقة تتضمّن الدفع المباشر بمبلغ 1.4 مليار دولار نقدا، بينما بقية المبلغ 1.7 مليار دولار سيكون على شكل شراء سندات في شركة "أوبر" قابلة للتسييل، ليصبح إجمالي الصفقة 3.1 مليار دولار ينتهي إغلاقها في الربع الأول من العام 2020، لتتمكّن شركة "أوبـر" من تحقيق واحد من أهم طموحاتها الإقليمية بالتوسع في منطقة الشرق الأوسط بالاستحواذ الكامل على منافسها التقليدي.

   

تأتي هذه الصفقـة كـ "ضـربة معلّم" ممتازة لـ "أوبر" في توقيت شديد الأهمية، فاستحواذها على منافس قوي في المنطقة سيكسبها المزيد من ثقة المستثمـرين والمساهمين، وذلك قبل أسابيع قليلة من طـرح أسهمها للاكتتاب العام "IPO" في أبريل/نيسان من هذا العام بتقديـرات أوّلية لقيمة الشركة بمبلغ 120 مليار دولار، وهو ما يجعلها من أكبر الاكتتابات العامة التي شهدتها بورصة الشركات التقنيـة في السنوات الأخيرة. (1، 2، 3)

   

فلنلقِ نظرة على المتصارعين في الساحة

  

إذا ارتدينا نظّارة المديرين التنفيذيين في شركة "أوبر" باعتبارها الشركة الرائدة الأبرز في العالم في مجال النقل التشاركي، وبدأنا في البحث عن النمور الشرسة التي برزت خلال السنوات العشـر الماضية لمنافستها على غنائمها في هذا العالم، يمكن القول إن المنافسين الأساسيين لشركة "أوبر" عالميا يتمحورون في عدة أسماء بعينها.

 

أولها شركة "Lyft" الأميركية التي تعمل من سان فرانسيسكو وتأسست في العام 2013، وبلغ إجمالي الاستثمارات فيها نحو 5 مليارات دولار وهو ما رفع قيمتها لتصل إلى نحو 15 مليار دولار مستحوذة على 28% من السوق الأميركي، وهو ما جعلها تتوسع لتخدم في كندا أيضا لترتكز أنشطتها في قارة أميـركا الشمالية وتتحول إلى المنافس الأول لشركة "أوبر" في تلك المنطقة. (4)

   

يأتي في المرتبة الثانية شركة "Didi" الصينية التي تأسست في العام 2012 وتعتبر هي الشركة الأكبر في مجال النقل التشاركي في الصين، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمتها تُقدّر بـ 56 مليار دولار، وتنفذ أكثر من 30 مليون عملية توصيل يوميا. الشركة تخدم في أكثر من 400 مدينة في الصين، وتستحوذ على السوق الصيني بشكل كامل تقريبا. (5، 6، 7)

     

  

ثم تأتي شركة "Grab" التي تعمل في جنوب شرق آسيا كواحدة من المنافسين المهمين لشركة "أوبر" في تلك المنطقة. تأسست في العام 2012، وحققت نموا كبيرا رفع قيمتها إلى 6 مليارات دولار. أما شركة "Ola" الهندية التي تأسست في العام 2010 في مدينة بومباي فأصبحت تعتبر المشغل الرئيس لأنشطة النقل التشاركي في الهند بقيمة إجمالية تُقدّر بـ 5.7 مليـار دولار. (8، 9)

   

أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيـا، وتزامنا مع تأسيس الشركات المنافسة لـ "أوبر" في مطلع هذا العقد، كانت شركة "كريم" تشق طريقها لتنضم إلى نادي الكبار، ولتصبح اللاعب الأساسي المنافس لـ "أوبر" في المنطقة.

 

كريـم.. صعود ملحمي لمواجهـة الكبار

منذ أن اتفق كل من مدثّر شيخة وماغنوس أولسن على إطلاق شركة ناشئة في العام 2011 في دبي -محل إقامتهما-، وبعد رحلة سريعة بخصوص أهم الأفكـار، وقع اختيار كليهما على صناعة حجوزات النقل "Cab Booking". كانت البداية متواضعة للغاية، حيث انطلقت كشركة تأجير سيارات في دبي في مارس/آذار من العام 2012، تحوّلت إلى شركة "كريم" (Careem) للنقل التشاركي في مطلع العام 2013 مع إطلاق التطبيق على نظام "iOS".

    

  

في العام 2013، شهد المشروع الناشئ الذي موّله صاحباه تمويلا ذاتيا لا يتجاوز نصف المليون دولار، شهد توسعا في الخليج، ليبدأ العمل في الدوحة ثم الرياض ويتلقى تمويلا أوليا بقيمة 1.7 مليون دولار، يتلوه تمويل آخر بقيمة 10 ملايين دولار وتوسّع خارج الخليج ليبدأ العمل في بيروت والقاهـرة في العام 2014.

   

بقدوم العام 2015، تستولي "كريم" على الشركة الناشئة "عنـواني" ليأتي مؤسسها ومديرها التنفيذي "عبد الله إليـاس" وينضم إلى "كريم" كمؤسس مشارك، لتبدأ الشركة حملة توسّعية أخرى للعمل في لاهور الهنديّة والدار البيضاء المغربية، وتنال استثمـارا كبيرا بقيمة 60 مليون دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 لتتحول إلى أسرع شركة ناشئة في الشرق الأوسط في هذا العام.

 

أما العام 2016، فقد كان عام الانطلاقات الكبرى في حياة الشركة سريعة النمو، حيث أطلقت حزمة من الخدمات الكبرى في كافة المناطق التي تعمل بها، مثل خدمة نقل ذوي الاحتياجات الخاصة في السعـودية، وخدمة التاكسي النهري في القاهرة، وإطلاق خدمة إتاحة الفرصة للنساء للانضمـام إلى أنظمتها وقيادة السيارات في باكستان، والتوسّع في تركيا ببدء أنشطتها في مدينة إسطنبول، فضلا عن تدشين مركز للبحث والتطوير (R&D) تابع لها في ألمانيا، وغيرها من الخدمات التي جعلت الشركة تصل إلى لقب شركة وحيدة القـرن "Unicorn" في هذا العام، أي شركة قيمتها تتجاوز المليـار دولار.

 

استمر نجاح شركة "كريـم" كمنافس رئيسي لشركة "أوبر" العالمية في منطقة الشرق الأوسط، حيث استمر حصولها على جولات استثمـارية ضخمة قدّرت بإجمالي 770 مليون دولار تقريبا من نحو 20 جهة استثمار مخاطر، ونشاطها في أكثر من 100 مدينة في 14 دولة، ووصول أسطـول سياراتها إلى مليـون "كابتن" سيارة في مختلف المدن وعشرات الملايين من المستخدمين، وارتفاع قيمتها السوقية إلى أكثر من ملياري دولار.

    

مؤسسو "كريم"، على اليمين (عبد الله إلياس) في الوسط (مدثر شيخة) على اليسار (ماغنوس أولسون) (مواقع التواصل)

        

 كان من الطبيعي أن يقود هذا النمو السريع لـ "كـريم" في الشرق الأوسط والدول الإقليمية الكبرى المحيطة به، كان من الطبيعي أن يجعل شركة "أوبـر" التي تعتبر أكبر شركة في العالم في مجال النقل التشاركي تبدأ في اتخاذ الخطوة البسيطة المعتـادة التي يتخذها "الكبـار" عندما يجدون منافسا صاعدا بشكل كبير أمامهم، ويتسبب في إرهاقهم: خطوة الاستحواذ عليه، وضمّه إلى مملكته. (10، 11، 12، 13)

       

سنكـون اللاعب الفائز في تلك الأسواق.. سنستحوذ ولن نبيع هذه المرة

"في الهند والشرق الأوسط وأفريقيـا وغيرها، سوف نكـون -كما أعتقد- اللاعب الفائز في هذه الأسواق، وسوف نتحكّم في مصيرنا"

  

دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبر" (وكالة الأناضول)

          

كانت هذه الجملة التي قالها دارا خسـروشاهي المدير التنفيذي لشركة "أوبر" في نهاية مايو/أيار من العام 2018 بمنزلة جملة جوهرية شكّلت توجّهات شركة "أوبـر" التوسّعية خلال الشهور التالية، حيث قامت أخيرا بالاستحواذ على منافس شرس لها بعد أن دأبت على "بيع" أنشطتها التجارية لمنافسيها، مقابل الحصول على حصة من شركاتهم.

   

هذا التصريح جاء بعد أسابيع من خروج "أوبر" من منطقـة جنوب آسيا ببيع أنشطتها التجارية لمنافستها الصاعدة شركة "Grab" التي تعتبر المُشغل الرئيس للنقل التشاركي في تلك المنطقـة، مقابل الحصول على 27.5% من حصة الشركة.

  

خسروشاهي، المدير التنفيذي الطموح لـ "أوبر"، اعتبر أن الخروج من سوق جنوب آسيا الذي يشمل دول "ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين، تايلاند، سنغافورة، فيتنام" ليس خطوة انسحاب خاسرة، وإنما خطوة في الاتجاه الصحيح؛ لأن "أوبر" استثمرت بالفعل نحو 700 مليون دولار في أنشطتها التشغيلية في هذه المنطقة، وانسحابها منها أمام منافستها "Grab" كان بعد الاتفاق أن تحصل "أوبر" على حصة قدرها 27.5% من قيمة الشركة الآسيوية التي تقدر قيمتها بنحو 6 مليارات دولار، مما يعني أن حصة "أوبر" تساوي 1.65 مليار دولار، وهو ما يعتبر عائدا ممتازا يعادل ضعف ما استثمـرته "أوبر" في المنطقة بالفعل. (14، 15)

     

  

وكان قد سبق لـ "أوبر" أن باعت أنشطتها في الصين لمنافستها "Didi chuxing" في أغسطس/آب 2016 مقابل الحصول على 17.5% من أسهم الشركة الصينية. كما قامت بإجراء شبيه في روسيا عندما باعت أنشطتها لصالح شركة "يانديكس" (Yandex) بصفقة اندماج تغطّي قيمة 36.6% من أسهم الشركة الوليدة "Yandex Taxi" المستحوذة على نشاط النقل التشاركي في روسيا والدول المجاورة لها، وتقدر قيمتها السوقية اليوم ما بين 4 إلى 6 مليارات دولار. (16، 17، 18)

  

في المقابل، بدأت أوبر بتوجيـه أنظـارها إلى أسواق أخرى متنامية، على رأسها الشرق الأوسط والهند وأفريقيا، وهو ما جعل الشركة تبدأ أولى مفاوضاتها مع شركة "كريم" (Careem) في يوليو/تموز من العام 2018، بعد عدة أسابيع من إعلان إستراتيجية الشركة التوسعية الجديدة في هذه المناطق الناشئة من العالم، لتضمن المزيد من السيطـرة على هذه الأسواق وتثبيت قدمها في مواجهـة المنافسين الكبار لها.

   

الصفقة السليمة في التوقيت الصحيح

محور آخر يكشف عن أسباب إسراع "أوبر" بإتمام صفقة الاستحواذ على منافسها الأول في الشرق الأوسط، وهو محور متعلّق بالأرقام غير الجيدة التي حققتها "أوبر" في الشهور الأخيرة. صحيح أنها الشركة الأكبر عالميا المُشغّلة لخدمة النقل التشاركي وأن التقدير المبدئي لها يساوي 120 مليار دولار، وهو ما يتجـاوز أي شركة منافسـة لها، إلا أن هذا لا ينفي دخولها في نزيف من الخسائر خلال الأعوام الماضية.

     

  

في العام 2017، وصل إجمالي الخسائر التي حققتها "أوبر" إلى نحو 4 مليارات دولار. وفي خلال الربع الأخير فقط من العام 2018، سجلت شركة "أوبر" خسائر قدرها مليـار دولار مع تراجع حاد في مستوى الحجـوزات، وهو ما جعل علامات استفهـام تتصاعد بشكل قوي، خصوصا مع ضـرورة زيادة أرباحها بأي شكل من الأشكال، حتى يمكنها طرح أسهمها للاكتتاب العام خلال العام 2019.

   

لذلك، كان من الطبيعي أن تنهي "أوبر" إجراءات الاستحواذ على "كريم" الذي يعتبر المنافس الرئيس لها في منطقة الشرق الأوسط بصفقـة كبيرة، وذلك قبل أسابيع قليلة من بدء عملية الاكتتاب في البورصة، وهو حتما ما سيزيد ثقة المساهمين بالشركة العمـلاقة التي اهتزت خلال الفتـرة الأخيرة بشكل ما مع تحقيقها لخسائر كبيـرة. (19، 20، 21)

  

مخاوف من الاحتكار

على مستوى آخر، بدأت بعض المخاوف تلوح في الأفق في بعض الدول بعد الإعلان عن خبر استحواذ "أوبر" على "كريم" بشكل كامل؛ وهو ما يعني احتكارا مباشرا لخدمة النقل الذكي بغياب أي منافس آخر يقوم بتقديم الخدمة، سواء كان منافسا محليا أو أجنبيا يعمل داخل الدولة.

     

  

كانت مصر من أوائل الدول التي أُعلن فيها عن هذه المخاوف بعد إتمام الصفقة، حيث تعتبر شركة "كريم" هي المنافس الأساسي لشركة "أوبر" في سوق النقل الذكي المصري، وهو ما جعل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية يصدر تصريحا رسميا يقول فيه إنه يتابع تطوّرات صفقة الاستحواذ، ويعلن أنه يدرس مجموعة من التدابير المُلزمة لتجنب أي ضرر يصيب السوق المصري، ووضع أي معايير تضبط مستويات الأسعار أو أي ممارسات احتكارية لهذا القطاع.

   

وكان جهاز حماية المنافسة في مصر قد لوّح في نهاية العام 2018 أثناء المفاوضات الدائرة بين الشركتين بأنه سوف يوقع غرامة مالية كبيرة قدرها 28 مليون دولار (نحو 500 مليون جنيه) في حال اتفاقهما على الدمج أو الاستحواذ دون موافقته. إلا أن شركة "أوبر مصر" قالت إنها ستعمل على إجراء "مناقشات" مع الحكومة المصـرية بخصوص صفقة الاستحواذ لحين إكمالها في العام 2020.

   

المخاوف لم تقتصـر على جهات رسمية فقط، وإنما تمتد لتشمل المتعاملين مع كلتا الشركتين، باعتبار أن احتكار شركة واحدة للسوق قد يجعلها تفرض شروطها على الجميع سواء كانوا سائقين أو ركّابا، خصوصا أن الكثير من السائقين كانوا يعتمدون على وجود منافس قوي في الطرف الآخر بشكل يفيد من تحسين العروض والخدمات والاهتمام بجودة السائقين وتقييمهم بشكل أكثر تحفيزا، وهو ما لم يعد موجودا الآن بعد الاستحواذ الكامل على "كريم" من شركة "أوبر"، حتى لو استمرت إدارة "كريم" بالأشخاص نفسهم، وما زالت تحتفظ بعلامتها التجارية. (22، 23، 24، 25)

     

في النهاية، ومع حسم صفقة استحواذ "أوبر" على "كريم" التي كان الجميع يتوقعها على مدار عام كامل تقريبا، فإن الصورة ما زالت ضبابية فيما يخص مرحلة "ما بعد الاستحواذ" بالنسبة لسياسات التشغيل ومدى تأثيرها على الأسواق التي كانت "كريم" (Careem) تلعب دور المنافس القوي فيها أمام "أوبر" إلى أن اختلفت اللعبة وأصبحت الآن مملوكة لها.

المصادر

آخر الأخبار