انضم إلينا
اغلاق
"نظام الـ 4 أيام عمل أسبوعيا".. هل هو مجرد دعوة للكسل؟

"نظام الـ 4 أيام عمل أسبوعيا".. هل هو مجرد دعوة للكسل؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

اعتدنا بينما كنّا أطفالا على نظام دراسي نذهب خلاله إلى المدرسة لمدة ستة أيام في الأسبوع وتكون العطلة يوم الجمعة، بعد ذلك تطور الأمر قليلا فأصبحت أيام العمل المدرسي خمسة فقط مع عطلة يوم إضافي قد يكون الخميس أو السبت، وهو النظام المعمول به حاليا في معظم دول العالم، سواء بالنسبة للدراسة أو العمل العادي، إذ يحصل الموظفون أيضا على يومي عطلة بحد أقصى، خاصة في الوظائف الحكومية، لكن ماذا عن نظام عمل يقضي بالعمل أربعة أيام فقط في الأسبوع؟

  

أربعة أيام

قبل عدة أيام، أعلنت شركة مايكروسوفت(1) عن نتائج تجربة تضمنت إعطاء الموظفين في فروعها باليابان يوم عطلة إضافي بحيث يعملون أربعة أيام فقط أسبوعيا، والتي جاءت لتقول إن معدل الإنتاجية ارتفع بقيمة نحو 40% مع مزايا أخرى إضافية كتخفيض حجم الورق المطبوع بقيمة 60% وانخفاض نفقات الكهرباء بقيمة 23%، جاء ذلك كله كمحاولة لتطبيق برنامج جديد للتعامل مع الموظفين يحاول أن يوازن بين حياة الناس وعملها (Work-Life Choice Challenge).

       

     

ليست تلك هي المرة الأولى التي تحدث فيها تجارب كتلك، في الواقع فإن نظام(2) "أربعة أيام عمل أسبوعيا" كان دائما مطروحا على طاولات النقاش في العديد من المؤسسات العلمية والإدارية على مدى عقود عدة، والهدف الأساسي منه هو -كما يقول المصريون- ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول هو توفير تكاليف التشغيل (من كهرباء ومواصلات وغيرها)، والثاني هو إعطاء وقت إضافي للموظفين من أجل متابعة الهوايات وقضاء بعض الوقت مع العائلة والحصول على مزيد من النوم وزيادة الروح المعنوية الإجمالية، وهو ما يمكن -بدوره- أن يرفع الإنتاجية في المجمل، أو على الأقل تظل كما هي بينما تتحسن أوضاع الموظفين وهو استثمار مهم أيضا.

  

في نيوزيلاندا(3)، على سبيل المثال، جذب "أندرو بارنز" أحد رواد الأعمال هناك الانتباه العالمي إليه حينما قرر، في مارس/آذار من العام الفائت ولمدة ستة أسابيع، أن يجرب نظام أربعة الأيام عمل في شركته والتي تحوي 240 موظفا مع استمرار حصولهم على الراتب نفسه، لاحظ بارنز أن التجربة تسير على ما يرام ولا يوجد أي تأثيرات على الإنتاجية، وحصل الموظفون على مزيد من الوقت لعائلاتهم وهواياتهم، بعد ذلك قرر بارنز مد التجربة بشكل نهائي، كل موظفي شركته يعملون فقط 4 أيام في الأسبوع.

     

أشارت بعض الدراسات إلى أن غالبية الموظفين كانوا أكثر ارتياحا تجاه حياتهم وعملهم مع تخفيض عدد أيام الأسبوع

مواقع التواصل
   

تتبعت كلية إدارة الأعمال بجامعة أوكلاند(4) التجربة فور إجرائها وقامت بتقييمها، ثم جاءت النتائج لتقول إنها تجربة "ناجحة تماما"، وبعد تمديد فترة التجربة لتصبح دائمة شهدت شركة بارنز زيادة في الإنتاجية، ومع شهرة التجربة شهدت شركته زيادة في أعداد العملاء والموظفين، ساعد في ذلك خفض مستويات إرهاق الموظفين وتحسين التوازن بين عملهم وحياتهم، وفي الوقت نفسه انخفضت تكاليف الطاقة والمواصلات.

  

أما في جمهورية غامبيا(5)، إحدى دول الغرب الأفريقي، فقد طبّق الرئيس يحيى جامع منظومة عمل حكومية يعمل الموظفون بها من الاثنين إلى الخميس، بدأ العمل بتلك المنظومة في العام 2013 لكن الرئيس التالي له، آدم بارو، غيّر المنظومة مرة أخرى في العام 2017 ليعمل الموظفون 5 أيام في الأسبوع، لكن لا توجد لدينا أي إشارات بحثية حول أثر منظومة أربعة الأيام على حياة الموظفين الخاصة وإنتاجيتهم.

 

الرجل الذي جلس في المنزل

في الواقع، فإن العمل البحثي الذي يفحص جدوى تلك المنظومة من عدمها يرجع -على الرغم من ندرته- إلى السبعينيات من القرن الفائت، حيث أشارت بعض(6) الدراسات إلى أن غالبية الموظفين كانوا أكثر ارتياحا تجاه حياتهم وعملهم مع تخفيض عدد أيام الأسبوع، الأهم من ذلك هو أن تلك النتائج جاءت صحيحة في كل مرة بغض النظر عن أي متغيرات تتعلق بالعِرق أو الجنس أو المكان أو الراتب، إلخ، ما يعني أن الأمر مرتبط بالعلاقة بين الإنسان وعمله.

     

 

     

في إحدى الدراسات(7) التي صدرت من جامعتي فلوريدا وكاليفورنيا، أشارت عينة مقدارها 500 موظف إلى تفضيل نحو 75% منهم نظام الأيام الأربعة، لسبب رئيسي وهو الحصول على المزيد من وقت الفراغ، أما المجموعة الأخرى فلم تُفضِّل هذا النظام لأن عدد ساعات العمل أصبح أكبر، وأصابهم ذلك بالإرهاق والملل من الحالتين، عطلة طويلة وعمل طويل. في الواقع، فإن مزايا العمل لمدة 4 أيام بالأسبوع تأتي بالفعل مع بعض العيوب، حيث أشار بعض الموظفين أيضا إلى مشكلات تتعلق بالوجود في المنزل، فوجود الزوج فترة أطول بالمنزل ربما تتسبب في فرصة أكبر للخلافات الزوجية، كذلك مشكلات أخرى تتعلق بصعوبة تدويل الأيام بين الموظفين.

   

بالإضافة إلى ذلك، تدعم مجموعة أخرى من الدراسات في نطاق التعليم هذا الاتجاه القائل إن نظام "عمل 4 أيام" قد يكون مفيدا. على سبيل المثال لا الحصر، أشارت(8) دراسة أخيرة من جامعتي جورجيا ومونتانا إلى تحسّن واضح في مستوى الطلاب في المدارس الابتدائية بمواد القراءة والرياضيات بعد تحول المدارس إلى أربعة أيام دراسة، مقارنة بمجموعة أخرى من الطلاب حصلت على خمسة أيام دراسة، كذلك لقي هذا النظام استحسان المدرسين أيضا.

  

  

الذين قتلوا أنفسهم عملا

لكن على الرغم من ذلك، فإن الأمر ليس واضحا بعد ويستحق المزيد من الدراسة، ولا يمكن لنا -في المجمل- أن نضع رأيا صلبا يقول إن هذا النظام -للعمل أو الدراسة- بنوعيه (8 أو 10 ساعات) جيد في كل الأحوال، خاصة مع وجود دراسات مُعارضة(9)، لكن الفكرة الرئيسية التي تُطرح على طاولة النقاش هنا تتعلق بضرورة أن نبحث عن جدوى هذا الحل، خاصة حينما نعرف أن نحو 60% من أيام الامتناع المرضي عن العمل، بحسب إحصائية للمجتمع البريطاني على سبيل المثال(10)، كانت بسبب إرهاق متعلق بالعمل نفسه، سواء كان جسديا أو نفسيا، ونتحدث هنا عن ارتفاع نسب الإصابة بالقلق والاكتئاب جراء ضغط العمل.

  

من جهة أخرى، فإننا الآن -على عكس الماضي- نعرف أن العمل لساعات طويلة أسبوعيا ضارٌ على كل المستويات تقريبا، وأن 40 ساعة عمل أسبوعيا أفضل(11) من 55 ساعة عمل، يوما ما كان ذلك الكلام ضربا من الخيال. في الواقع، اعتاد البشر على مدى أكثر من قرنين من الزمن على تصور أن العمل ليس مجرد شيء مهم جدا لكسب القوت، بل هو أقرب ما يكون لفضيلة أساسية، وبالتالي كان العمل لساعات أطول مقابلا للشجاعة، والفضيلة، بل ورضا الله.

     

    

لكن حينما نتأمل تاريخ العمل البشري سنجد أننا لم نبدأ هكذا، يُقدّر متخصصو الأنثروبولوجيا(12) أن جامعي الثمار القدماء من البشر، قبل ظهور الزراعة، عملوا في البحث عن طعامهم لمدة أربع ساعات فقط في اليوم، ومع مجيء الزراعة احتاج الإنسان إلى عدد ساعات أكبر لأجل المهام الجديدة، ثم جاءت الثورة الصناعية فأغرقت البشر بالعمل، ومع عدد ساعات وصل إلى أكثر من 15 ساعة يوميا، أصبحت الحياة -حرفيا- جزءا من العمل، وليس العكس.

  

في كتابه "في مدح الكسل" يقول برتراند راسل، الفيلسوف واسع الشهرة: "أعتقد أن العمل الذي يُنجز في العالم يزيد عما ينبغي إنجازه بكثير، وأن ثمة ضررا ينتج عن الإيمان بفضيلة العمل"، بل ويمد الخط على استقامته قائلا: "إن الاعتقاد بأن العمل فضيلة هو سبب الشرور العظيمة في العالم الحديث"، موضحا أننا ربما نأكُل أنفسنا بالعمل في نظام لا يختلف كثيرا عن العبودية، فيؤثر ذلك في كل شيء تقريبا، لكن الأكثر تأثيرا هو أنه يتركنا آلاتٍ لا تشعر، تتحرك لهدف واحد بسيط، وهو المزيد من النقود والمزيد من العمل، راسل إذن لا يمدح الكسل بالمعنى المفهوم، بل فقط يستنكر ما نظن نحن أنه طبيعي.

  

أما فريدرك نيتشه، الفيلسوف الألماني في كتابه "الفَجر: تأملات حول الأفكار الأخلاقية المسبقة"، فيُرجع الأمر -كعادته- إلى الخوف، فيرى أنه على الرغم من أن العمل من الصباح إلى الليل يلجمنا، ويساهم بشكل قوي في إعاقة تطور عقولنا ورغباتنا وشعورنا بالاستقلال، ويستهلك قدرا هائلا من طاقاتنا فيمنعنا عن التفكير والتأمل وممارسة طبيعتنا بكل ما تحمله من قلق وطمع وحلم وهدوء وغضب، فإنه مصدر استقرار وأمن، لأن العمل لساعات طويلة شاقة يضع قبالة أعيننا هدفا بسيطا وتافها يمكن له أن يستمر بنظام وهدوء، فيجنّبنا ذلك أكثر ما يمكن أن نخاف منه، التفكير في الكثير من الأشياء، أي ما نسميه "الحرية".

  

أبطال الديجيتال

في النهاية، وبعيدا عن الكثير من التنظير والتفلسف، فإن أسباب الحاجة إلى تقليل ساعات العمل في العالم المعاصر متوفرة، في أوروبا فإن متوسط عدد ساعات العمل الأسبوعي أقل من الولايات المتحدة الأميركية، رغم ذلك فإن الإنتاجية الأوروبية، في المتوسط، أكبر. أضف إلى ذلك أن وسائل التواصل، ودخولنا إلى عصر المجتمع الرقمي، قد وفّر آليات أكثر سهولة وفاعلية لتحقيق الإنتاجية نفسها في وقت أقصر، ما يعني أنه يمكن بالفعل لنظام عمل جديد أن يكون أفضل، قد تقول إنه شيء "غير مألوف"، لكنّ مواطنا مثلك، في دولة ما، قد قال الكلام نفسه حينما أخبره أحدهم -قبل قرن مضى- إن 12 إلى 15 ساعة عمل يوميا هي شيء غير طبيعي!

            

    

بالنسبة للوطن العربي، فإننا للأسف لا نمتلك الكثير من البيانات، لكن الإشكالية الكبيرة هي أن هناك ترديا واضحا في حقوق الموظفين جرّاء ضعف منظومة الإشراف الحكومي على العمل في العديد من الدول، يفتح ذلك الباب لاستغلال الموظفين، وفي استقصاء بسيط لمحرر "ميدان" تحدث الكثيرون عن أكثر من 60 ساعة في الأسبوع، وتحدث البعض عن مطالبات الشركات بالعمل في أيام العطلة، كاتب هذا التقرير قد عمل في فترة ما -بإحدى الدول العربية- مسافة 80 ساعة عمل في الأسبوع، وهو نظام عمل طبيعي للصيادلة في الكثير من الدول العربية، قد ينزل إلى 60 ساعة عمل بحد أدنى.

  

في كل الأحوال، فإن النظام العالمي المعاصر -رغم أنه تغيّر بوجود الحالة الرقمية- ما زال واقعا في إرث الحالة القديمة التي صدّرتها الثورة الصناعية، لا نقول إن أربعة أيام عمل بالأسبوع هي حالة مثالية ضرورية يجب أن نطبقها الآن، ولكن نقول إن هناك حاجة إلى تأمل الأمر، أنت كذلك يجب أن تتأمل الأمر، ساعات العمل الطويلة ليست بالضرورة مرادفا للفضيلة أو للمكسب الكبير، وفي المقابل فإنها قد تكون ضارة لصحتك الجسدية والنفسية، لذلك اهدأ قليلا واحسب الأمور بحياد، بحيث لا تقع في أسر الكسل، أو وهم "فضيلة العمل الشاق"، ثم اتخذ قرارك.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار