انضم إلينا
اغلاق
كشف جديد.. كيف مارس البشر طقوسا روحانية قبل 44 ألف سنة؟

كشف جديد.. كيف مارس البشر طقوسا روحانية قبل 44 ألف سنة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

على مقربة من أحد شواطئ شبه جزيرة نعرفها الآن باسم "سولاويسي الجنوبية" في إندونيسيا، قررت مجموعة من نحو ثمانية أفراد أن تبدأ في البحث عن بعض الفرائس من أجل مؤنة الجماعة. وضعوا خطتهم بذكاء، استخدموا رماحهم وحِبالهم بحرفية، وتمكّنوا بالفعل في تلك الرحلة القصيرة من صيد أربعة جواميس مائية ضخمة وخنزيرين برّيين، ثم بعد أن أكلوا وهدؤوا قليلا فامتلأت قلوبهم بالسعادة والرضا، قررت مجموعة منهم أن توثّق تلك القصة الناجحة في صورة لوحة على جدران أحد الكهوف القريبة التي يعيشون بها.

  

فن الكهوف السحيق
اللوحة الكاملة المكتشفة في إندونيسيا مضافا لها بعض الشروحات بالأسفل (مواقع التواصل)

   

يقول الدكتور آدم بروم من جامعة جريفث الأسترالية في تصريح لـ "ميدان": "إنها أقدم لوحة رسمها الإنسان إلى الآن، عمرها نحو 44 ألف سنة"، وكان الأستاذ المساعد بقسم علم الآثار قد شارك مع فريق بحثي دولي مشترك في دراسة جديدة، صدرت قبل يومين فقط في دورية "نيتشر" المرموقة، تصف كيف تمكّنوا من التوصل إلى تلك النتائج المثيرة للانتباه.

   

فريق العمل أمام الكهف جنوبي جزيرة سولاويسي الجنوبية الإندونيسية (مواقع التواصل)

   

في الواقع، فإن الحكاية الخاصة بهذا الكشف الذي شغل الوسط العلمي فور ظهوره بدأت بالمصادفة، في أحد أيام الصيف في العام 2017، حينما كان "حمر الله"، وهو متخصص آثار وفحص كهوف إندونيسي، يدور في أحد أراضي مصنع أسمنت قريب، ثم فوجئ بوجود فتحة في أحد الأحجار الجيرية تؤدي بدورها إلى كهف قريب، على جدرانه وجد لوحة شبه واضحة بطول نحو مترين ونصف، فما كان منه إلا أن أخرج هاتفه فورا وبدأ في التقاط الصور، حيث كان يعرف أنه أمام كشف كبير.

  

في هذا السياق، يقول أستاذ علم الآثار في حديثه مع "ميدان": "لكي نصل إلى تقدير صحيح لعمر اللوحة، قمنا بفحص بقايا اليورانيوم الذي يتحلل مع الزمن على اللوحة"، موضحا أنه فور الانتهاء من اللوحة تبدأ بعض الأملاح بالتكوّن شيئا فشيئا عليها، اليورانيوم المشع هو أحد مكوّنات تلك الأملاح، وهو يتحلل إلى الثوريوم بمعدل معروف ويمكن قياسه، وبالتالي يمكن عبر قياس كمية الثوريوم الموجودة على اللوحة أن نقوم بتقدير عمر اللوحة بشكل أكثر دقة. وجاءت نتائج ذلك الفحص لتقول إن عمر تلك الأملاح المتحللة هو نحو 35 إلى 44 ألف سنة مضت، لكن اللوحة لا بد أنها رُسمت قبل الحد الأدنى من تلك النتائج بوقت طويل، حتى يُسمح بتكوّن الأملاح من الأساس وبدء عملية التحلل، وهو ما يشير إلى أن عمر اللوحة هو الحد الأقصى والذي يُمثِّل 44 ألف سنة.

  

إنسان ما قبل الحضارة

يقول بروم في حديثه مع محرر "ميدان": "المثير للانتباه أن مكوّنات اللوحة الأساسية فنّية الطابع بصورة معقدة، يمكن أن تجد سردا مرئيا مفصّلا وأشكالا لأشخاص وحيوانات وكذلك دليلا على وجود الإنسانية الحيوانية"، النقطة الأخيرة لافتة حقا، الإنسانية الحيوانية (Therianthropy) هي تصوّر أسطوري عن وجود بشر لهم القدرة على التحوّل إلى حيوانات، الصورة الأكثر حداثة من هذه الأساطير هي المذؤوبون ومصاصو الدماء على سبيل المثال.

     

دليل على فكرة الإنسانية الحيوانية من اللوحة الإندونيسية (مواقع التواصل)

   

في اللوحة الإندونيسية، احتوت بعض المشاهد على أجسام بشر ذات ذيول ومناقير، عادة ما تُشير تلك المشاهد إلى نوع من التقديس الذي يحمل طابعا متنوّعا، فهو ربما تقديس للطبيعة وسكانها من الحيوانات والطيور، أو قد يرتبط بتصور غاية في البدائية عن حضور الأسلاف في أشكال الطيور والحيوانات، أو ربما يعني أن هؤلاء البشر في تلك الفترة السحيقة كانوا يظنون أن جزءا من تركيبهم حيواني الطبع، يعني ذلك مركبا روحانيا في المجمل، والفكرة التي يشرحها بروم في بيان قدّمه إلى محرر "ميدان" هي أن ذلك يشير إلى قدرة على تصوّر وجود كيانات أو كائنات متجاوزة للعالم الطبيعي.  

  

ويضيف بروم لـ "ميدان": "طالما أن هناك احتمالا أن تكون تلك هي اللوحة الأقدم في تاريخنا على الإطلاق، فإنها تُقدِّم أقدم دليل مصوّر على سلوك بشري روحاني". في الحقيقة، فإن تلك ليست أول مرة تكتشف فيها حالات قديمة للغاية من الإنسانية الحيوانية، على سبيل المثال كان أحد أهم الاكتشافات بكهف "تروا فريرية" جنوبي فرنسا كان رسما عمره 15 ألف سنة قد أشار إلى الفكرة نفسها، وبعد ذلك جاءت اكتشافات أخرى تشير إلى السلوك الروحاني للبشر قبل 20 ألف سنة مضت.

     

جزء من اللوحة الإندونيسية يُقدِّم الإنسانية الحيوانية (مواقع التواصل)

  

أين بدأ الفن؟

على جانب آخر مثير للانتباه، فإن هناك ملاحظة مهمة في هذا النطاق أثارتها الدراسة الجديدة، حيث تصوّر الباحثون أن تعقُّد اللوحات الفنية التي ظهرت بهذا الشكل جاء بالتدريج وصولا إلى بداية الحضارة البشرية بمصر الفرعونية قبل نحو 5 آلاف سنة، وما سبقها من إشارات حضارية، لكن الأمر -كما يبدو- لم يكن كذلك بالنسبة لهؤلاء الذين عاشوا في إندونيسيا قبل 44 ألف سنة، فقد كانت درجة التعقّد الفنّي في لوحتهم مشابهة لتلك التي وُجِدت قبل 20 ألف سنة (وكان البعض من الباحثين قد تصوّر أنه لا يمكن بحال إيجاد دليل حول الإنسانية الحيوانية في لوحات الكهوف قبل 20 ألف سنة).

 

ويشير الاكتشاف الجديد كذلك إلى فرضية ثقافية جديدة، يوضحها بروم في تصريحه لـ "ميدان": "هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها التعبير الفنّي في صورة "قصة" على هذا النحو"، مضيفا بعد ذلك: "وكان يُعتقد سابقا أن هذا النوع من الفن قد ظهر في أوروبا، في صورة مجردة عبارة عن مجموعة من العلامات والرموز، ثم تطوّر بعد ذلك".

    

جزء من اللوحة تظهر فيها مبالغة في تصوير حجم الجاموس بينما يحاول الصيادون اصطيادها (مواقع التواصل)

   

وكما توضح الفرضية، فإن البشرية في أثناء هجراتها الواسعة انطلاقا من قارة أفريقيا قبل مئة ألف سنة تقريبا كانت قد توصّلت إلى هذا النوع من الفنون عندما وصلت مجموعاتها الصغيرة إلى فرنسا قبل نحو 35 ألف سنة، كما يظهر في لوحات كهف شوفيه البديعة جنوبي فرنسا أو في الكهوف الإسبانية، في تلك الفترة عاش البشر في الكهوف وتنافسوا على امتلاك الكهوف والفرائس، الأمر الذي أحدث ما يمكن أن نسميه بـ "طفرة ثقافية" أظهرت الفن في صورته الأولى.

  

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الأمر ربما ليس كذلك، وأن تلك الفرضية ربما نالت بعض التصديق بسبب التركيز البحثي على الكهوف الفرنسية خلال العقود الطويلة الماضية، في الواقع فإن تأكيد تلك النقطة يأتي أيضا من المنطقة الإندونيسية نفسها ومناطق مجاورة، حيث كانت دراستان سابقتان قد أشارتا إلى لوحات أخرى شبيهة تم تقدير عمرها وصولا إلى 40 ألف سنة مضت، ما يشير إلى أن عالم الشرق كان له دور رئيسي في نشأة الفن والتعبير الفني عن أمور روحانية، وبشكل مبكر جدا.

     

موضع الاكتشاف في إندونيسيا (مواقع التواصل)

   

ثلاثمئة ألف سنة من الحيرة!

بذلك، تفتح الدراسة الباب لإعادة النظر في تاريخنا الممتد قبل الحضارة، وذلك هو طابع هذا النوع من الدراسات، فتلك النقوش قديمة جدا وقليلة مقارنة بتاريخنا الطويل جدا على هذا الكوكب، وبالتالي فإن درجات الخطأ ممكنة. على سبيل المثال، كان هناك اعتقاد سائد يقول إن الإنسان العاقل فقط هو مَن تمكّن من رسم لوحات كتلك، لكن دراسة كانت صدرت قبل عام واحد في دورية نيتشر أيضا أشارت إلى أن "النياندرتال"، وهو نوع منقرض من جنس البشر، كان قد مارس أيضا نوعا من الفن البدائي في بعض الكهوف الإسبانية.

  

في نهاية حديثه مع "ميدان"، يقول بروم: "بالنسبة لي، يُظهر هذا الكشف قوة الخيال والإبداع البشري وأهمية السرد القصصي كوسيلة لتطور المجتمع الإنساني"، في الواقع فإننا ما زلنا في حاجة إلى فهم الكثير عن الكيفية التي ظهرت بها الفنون والأفكار المجردة القريبة من الرياضيات في تاريخنا، لقد عشنا على هذا الكوكب -بحسب آخر التقديرات- منذ 300 ألف سنة، متى بالضبط اهتممنا بتوثيق ما يحدث لنا على الصخور في الكهوف؟ ومتى تمكّنّا من تطويرها لتصبح مشاهد كاملة تنبض فيها الحياة؟

    

  

يفتح الأمر الباب كذلك لمجموعات أخرى متنوعة من الأسئلة، فنحن البشر ذوو أعمار قصيرة، وحينما نتحدث عن لوحة عمرها عشرات الآلاف من السنين فإن ذلك يدفعنا للتساؤل: كيف عاش هؤلاء؟ كيف تكيّفوا مع تلك الحياة القاسية؟ كيف كانوا يلعبون أو يُفكِّرون في طقوس التزاوج أو البحث عن الطعام أو اللعب مع الأطفال؟ كيف صنعوا الصداقات وكيف تعاملوا مع الوحدة أو الخيانة أو الحب؟ لا بد أن ذلك يدعو للكثير من الفضول.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار