انضم إلينا
اغلاق
مناظرة القرن.. "جيجك" من المريخ و"بيترسون" من الزهرة

مناظرة القرن.. "جيجك" من المريخ و"بيترسون" من الزهرة

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"رجاءً، لا تفعلوا ذلك، لا تتعاملوا وكأنها منافسة رخيصة. يمكن أن تكون كذلك فعلًا، لكننا بالفعل نواجه مشكلات جادة"(1) .. بهذه الكلمات يرد سلافوي جيجك، الفيلسوف السلوفيني الشهير، على حالة التصفيق العارم التي تبعت كلمته، والتي استمرت لمدة نصف ساعة، كجزء من المناظرة التي  تابعها الكثيرون حول العالم، وحينما نقول الكثيرين، فنحن نتحدث عن مئات الآلاف من الشباب، من الفئات العمرية الجامعية في العموم، بين جيجك وجوردان بيترسون، أستاذ علم النفس واسع الشهرة من جامعة تورنتو بكندا، والتي أجريت صباح 20 أبريل 2019.

  

الدفاع عن لا أحد

في النهاية، فإن ذلك هو طبع المناظرات. بُنيت بالأساس على فكرة أن يقف توجهين متضادين للجدل أمام الناس، وهؤلاء المجتمعون للمناظرة، في الغالب الأعم، هم من المتحمسين لأي من الطرفين، لهذا السبب يوضح جيجك أنها قد تكون منافسة رخيصة بالفعل، ربما لأنه وبيترسون قد وافقوا على خوضها رغم معرفتهم أن هذا النوع من الجدل يمكن أن يُقيّم إعلاميًا بناءً على قدرة الخطابات الحماسية على أداء دورها في "تحميس" الناس، رغم ذلك فإنها يمكن -بحسب جيجك- أن تحمل شيئًا ما قد يكون مفيدًا.

  

هدفت المناظرة إلى نقاش حول "السعادة" من وجهة نظر ماركسية ورأسمالية، لذلك فإن بيترسون قد بدأ هجومه المباشر على "المانيفستو (البيان) الشيوعي" بتوضيح ما يرى أنها عشر نقاط أساسية تعامل معها ماركس على أنها مسلّمات، بينما هي ليست كذلك، أما جيجك فقد دخل إلى المناظرة حاملًا نقدًا لكل شيء تقريبًا للدرجة التي قال معها إنه يتفق مع بيترسون في بعض من نقده المركّب لماركس، إلا أنه أضاف كذلك، بلغة هادئة، أن بيترسون قد تعامل بدرجة من البساطة مع الأمر في بعض النقاط، خاصة وأن ماركس "أكثر من ذلك بكثير"، بحد تعبيره.

     

   

ظن بيترسون أنه في مناظرة ضد الماركسية، لكنه لم يكن كذلك، فغريمه لم يكن قادمًا للدفاع عن ماركس أو المانيفستو أو أي شيء آخر (أو كما قال: "أنا لا أدافع عن ماركس بل فقط أقول إن الأمر لم يكن واضحًا بالنسبة له")، بل كان قادمًا للدفاع بصدق شديد عن وجهة نظر متشائمة حول مستقبل العالم، في تلك النقطة دعنا نوضح أن هدف التقرير ليس تقديم عرض للمناظرة، تلك التي ستبدأ بالانتشار بعد أيام قليلة مع ظهور الترجمة العربية، بل هو محاولة لتوضيح الخلفيات التي يتقدم منها كل من جيجك وبيترسون بالكثير من آرائه في هذه المناظرة، وفي العموم.

   

كيف تكتب قصّة حياتك؟

جيجك، على سبيل المثال، قادم من عالم يبني نفسه على فكرة أساسية تقول إن كل ما يقع خارج الأيديولوجيا هو على صواب. لفهم ما يقصد، دون تعقيد، يمكن أن نضرب مثالًا عن هتلر، وهو – بحد تعبير جيجك – واحد من أفضل حكّائي القصص في القرن العشرين، فحينما كان الشعب الألماني يعيش حالة من الفوضى، والتساؤل عن سبب تلك الفوضى، جاء هتلر بحكاية تجيب عن كل تلك الأسئلة، حكاية تقول "السبب في اليهود"، يُصدِّق الناس تلك القصص لأنها تعطيهم معنى لحياتهم، يمكن أن نقيس تلك الحالة على وضع المهاجرين في العالم المعاصر، فاليمين المتطرف هو كذلك حكّاء بارع، سيقول للمجتمعات الغربية: "حسنًا، لديكم الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، السبب هو المهاجرين".

  

القصص التي نخبرها لأنفسنا عن أنفسنا لتبرير ما نفعل خاطئة، وهذا هو تعريف الأيديولوجيا بحد تعبير جيجك، الحقيقة تقع خارج ما نفعله، من تلك النقطة ينطلق جيجك لتبرير مشكلة البشر في العموم، وهي أنهم دائمًا واقعون في أسر قصّة ما، في الحقيقة يجد هذا الرأي صدى في مجالات معرفية أخرى، يمكن هنا أن ننتقل إلى دانيال كانيمان، في كتابه "التفكير بسرعة وببطء"، والذي جمع فيه – بشكل مبسط – خلاصة أعماله التي حصل عنها على جائزة نوبل في الاقتصاد للعام 2002، حيث يقول كانيمان إننا، نحن البشر، نميل إلى تكوين القصص (السرديات) بشكل بديهي.

    

بديهتنا تتجنب الغموض بطبعها، وتتجنب المعلومات غير المتاحة والبيانات والإحصاءات العلمية، هي فقط تضع العالم في أدمغتنا بصورة مجموعة من القصص البسيطة

دويتشه فيلله
   

حينما نتعرّض إلى كم كبير من المعلومات، بحسب كانيمان، فإننا نبحث بين تلك المعلومات عن أبسط قصّة ممكنة ونصدقها. يقسّم كانيمان منظومتنا العقلية إلى قسمين(2)، أحدهما يفكر بشكل بديهي، وهو – بتعبير بسيط – ساذج إلى حد ما، كل ما يريده هو الحصول على أبسط قصّة ممكنة عن الأمر، أما القسم الآخر فيكون أكثر تعقيدًا. لكن هناك مشكلة،  وهي أنه إذا تطلب أمرًا ما معالجة عقلية أكثر تعقيدًا، لكن كانت هناك معالجة أكثر سذاجة (بعدد أقل من المعلومات) قادرة على الولوج إلى العقل بصورة أسهل، فسوف يختار العقل المعالجة الأكثر سذاجة مباشرة، ولن يعي العقل من الأساس أنه وضع معالجة ساذجة محل معالجة أكثر تعقيدًا لأمر قد تطلّب الأخيرة، بل سيدرك الأولى على أنها بديهية.

  

كلما قل عدد المعلومات، أمكن تكوين قصّة أفضل وأكثر إقناعًا للإنسان، بالتالي نتقبلها سريعًا في الكثير من الأحيان. بديهتنا تتجنب الغموض بطبعها، وتتجنب المعلومات غير المتاحة والبيانات والإحصاءات العلمية، هي فقط تضع العالم في أدمغتنا بصورة مجموعة من القصص البسيطة، بالتالي فإن ما نعتقده عن العالم أبسط – بشكل جذري - من العالم نفسه وما يحويه من أحداث ومعلومات، نحن نقتطع جزءا من الحقيقة في سبيل ضبط القصص خاصتنا، بالتالي لا تكون القصص في العموم عقلانية بالكامل، قصصنا، أو قصص الآخرين التي نصدقها.

   

العيش في الأوهام

ينطلق الأمر إلى ما هو أعمق من ذلك، لا تسعنا المساحة هنا لتوضيح الكثير، لكن دعنا مثلًا نتأمل ما يسميه "لي روس" من جامعة ستانفورد بـ "الواقعية الساذجة(3) Naïve Realism"، حيث نميل نحن البشر إلى تصور أن قناعاتنا الخاصة ليست فقط آراء نكونها عن الأفلام والروايات والأحداث والأحزاب السياسية، بل هي حقائق موضوعية، لذلك سوف نتعجب حينما نرى أن الآخرين يعارضوننا، في تلك النقطة يمكن أن نعتبر أن هؤلاء "الآخرين" هم مجموعة من الأغبياء، أو أنهم لم يحسنوا التفكير، أو ربما هم أعداؤنا.

    

  

حينما يحدث ذلك نعيد تقسيم العالم إلى "مجموعتنا" ومجموعات "الآخرين"، وحينما نقول "مجموعتنا" هنا، فنحن نتحدث عن ما يسمى بـ "تفضيل(4) أفراد المجموعة In-Group Favoritism"، حيث يميل الناس إلى تفضيل أفراد مجموعاتهم، يؤثر ذلك في كل شيء، بداية من التقييمات العامة وصولًا إلى دعم المجموعة بالموارد، ويتصاعد كل ما سبق إلى قيم قصوى في حالات الاستقطاب والتطرف، وهذا هو ما نعيش داخله في العالم المعاصر.

  

لهذا السبب فإن جيجك، على سبيل المثال، يقول إننا – بطبيعة الأمور – لا يمكن ببساطة أن نترك الحبل على الغارب، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، ظنًا منا أن البشر هي كائنات عقلانية بالكامل يمكن أن تتصرف كحواسيب دقيقة، لكن تلك الحالة من التحيز، والتي تبني نفسها بالأساس على شهوتنا الهائلة لتكوين قصص غير حقيقية، تتطلب في المقابل درجة من التدخل، في الحقيقة لقد أشار أحد أباطرة الاقتصاد المعاصر، ريتشارد ثيلر، بالفعل إلى شيء شبيه حينما قام بتحليل سلوك الناس في المنظومات الاقتصادية، يسميها ثيلر بنظرية النكزة(5) Nudge Theory، وهي الفكرة القائلة بضرورة التدخل من قبل المجتمع أو الدولة من أجل دفع قدرات للمواطنين على التخطيط وتثبيط الامتثال القسري للحوافز النفسية.

    

جيجك إذن قادم من وجهة نظر "بروتاجوراسية" نيتشوية لا معالم واضحة لها، وهذا هو ما أرهق بيترسون في البداية ووضعه في حيرة واضحة جعلته يقف أمام الميكروفون ليقول إنه كان قادمًا لنقد شيء يتصور أن الطرف الآخر يدافع عنه، لكن جيجك لم ينخرط في هذا الأمر، حتّى أنه لم يتقدم للحديث بطريقة حماسية استعراضية كعادة بيترسون، بل أمسك ورقتيه وعرض بوضوح فكرة تقول إنه ضد كل شيء يحاول أن يصنع قصّة، سردية من أجل أن يصدقها الناس فيقفون في وجه الحقائق ووجه إنسانيتهم، لكن جيجك في النهاية، وبسبب تلك الفكرة، قد خرج بنتيجة واحدة متشائمة للغاية تقول إنه مع تصاعد المشكلات المعاصرة فإنه ربما لا حلول، النور في نهاية الطريق هو نفق قادم.

      

سلافوي جيجك، الفيلسوف السلوفيني الشهير (مواقع التواصل)

     

من يكتب مستقبل العالم؟!

بيترسون، في المقابل، بدا وأنه قادم من كوكب مختلف تمامًا عن جيجك. وبعيدًا عن الأمر السياسي المتعلق بتحليلاته للمانيفستو و"الأخطاء العشرة"، فإن الرجل أكثر تفاؤلًا، في تلك النقطة التي سنتحدث عنها، من رفيقه. يضرب بيترسون في معرض حديثه نموذجًا عن توقعات الكثيرين بنهاية العالم الأبوكاليبسية، بالطريقة التي عرضها جيجك، ليقول ما معناه: "لنتذكر معًا بول ايرلش، في الستينات من القرن الفائت كتب هذا الرجل أنه بحلول العام 1980 سيكون العالم قد انتهى".

  

ايرلش، في كتابه "قنبلة السكّان"، كان قد نزع فتيل قنبلة عالمية تغذّت على خوف البشر مما تصور البيولوجي واسع الشهرة من جامعة ستانفورد بأنه نهاية العالم، فالموارد ثابتة وأعداد البشر في تزايد واضح، عنى ذلك أن هناك كارثة قادمة، تصوّر ايرلش أنها ستحط على رأس العالم خلال عشرين عامًا، لكن ذلك لم يحدث، لأن البشر في النهاية كانوا قادرين على الإبداع وإيجاد حلول للمشكلات(6)، وهو هنا يعني إنجاز نورمان بورلوج الأعظم بابتكار نوع جديد من الأرز المهندس وراثيًا لإعطاء أربعة أضعاف إنتاج نفس المحصول، بجانب الكثير من التطورات العلمية والتكنولوجية التي ظهرت في تلك الفترة.

   

جيجك، مع نفس التشاؤم الواضح، يرفض أن نتصور أن التقدم سيستمر للأمام بهذا الشكل، وهو هنا يتفق مع جاك ايلول في كتابه "خدعة التكنولوجيا"، حينما يقول إننا، مع كل خطوة من خطوات تقدمنا العلمي والتكنولوجي، دائما ما نخوض تحديا ما، نخاطر بأشياء قد تكون مهمة، ونراهن على مستقبل شيء لا يمكن توقع مستقبله، وأن تلك الثقة العارمة في أننا سنتجاوز "الأزمة" هي السبب في وقوعنا في قلب الأزمات من الأساس، أزمات كـ "هيروشيما وناجازاكي"، لأننا لم نصدق حتّى أنه يمكن أن نخطئ.

    

المعايير الاجتماعية بالنسبة للبشر لم تكن فقط أدوات قمنا بتطويرها للحصول على أفضل النتائج من أجل البقاء، بل أصبحت أهدافًا لذاتها

مواقع التواصل
   

بيترسون، من جهة أخرى، يخرج من عالم متفائل بعض الشيء، فرغم أن تاريخنا التطوري، ليس كبشر فقط وإنما ككائنات حية، نابع من الحاجة إلى الصراع المتواصل من أجل البقاء، إلا أن التعاون كان له دور فعّال للغاية كذلك في تطورنا، عمل الانتقاء الطبيعي في صالح التعاونات لأنها أعطت المتعاونين نتائج عظيمة، وكنتيجة لذلك ازدهرت وتنوعت صورها والقواعد التي تغذيها وتحددها وصولا إلى الرئيسيات وجنس البشر، دعنا مثلا نتأمل ما يسمى بـ "اصطفاء القرابة" (Kin selection)، والذي يُعرف على أنه أي سلوك إيثاري غير متبادل يقلل من تكيّف الفرد مع البيئة لكنه يرفع من تكيف أفراد آخرين في الجماعة، كأن تقع أنثى الفيل عمدا في الفخ كي تحمي أطفالها، أو أن يقوم أحد أفراد القطيع عمدا بالصياح والكشف عن مكانه لإعلام المجموعة بوجود مفترس.

  

تطور هذا الأمر ليصبح شيئًا مختلفًا في البشر. على سبيل المثال، يمكن أن نتأمل جوزيف هينريش، أستاذ الأنثربولوجيا واسع الشهرة من جامعة هارفارد، في كتابه "سر النجاح The Secret of Our Success"، حينما يقول إن المعايير الاجتماعية social norms بالنسبة للبشر لم تكن فقط أدوات قمنا بتطويرها للحصول على أفضل النتائج من أجل البقاء، بل أصبحت أهدافًا لذاتها، ومن تلك المعايير نشأ ما نسميه ب"سيكولوجيا الاعتماد المتبادل"، وهو أن بقائي يعتمد على بقائك، لذلك فأنت مهم بالنسبة لي، وسعادتك تهم أيضًا، يرى بول بلوم من جامعة ييل، أن ذلك هو أحد مصادر الشعور الهام الذي نسميه بـ "التعاطف".

  

حينما يصبح جزء رئيسي من مصلحتنا الخاصة مبنيًا على مصالح الآخرين الخاصة، فإننا نصبح أكثر تعاطفا معهم وخوفا على مصالحهم بالتبعية، يصل ذلك إلى مستوى من العمق يجعل الأنظمة الاقتصادية مفتوحة السوق، بحسب ورقة بحثية(7) قبل عدة سنوات لجوزيف هينريش، أكثر قدرة على دعم الشعور الأخلاقي تجاه الآخرين، لأن اقتصاد السوق يفتح الباب لتعاونات مختلفة مع أشخاص من نطاقات إثنية ودينية وثقافية مختلفة تعتمد فيها مصالحنا جميعا على بعضنا البعض.

          

أستاذ علم النفس "جوردان بيترسون" (مواقع التواصل)

   

يعني ذلك، من وجهة نظر بيترسون، أنك لا تصعد في السلّم الاقتصادي والاجتماعي لأنك تستغل الآخرين، قد يحدث ذلك، لكن ليس بصورة جوهرية كما يرى ماركس في المانيفستو، سوف تصعد في هذا السلم لأنك أفضل، وفقط. في تلك النقطة يتضح أن بيترسون لا يرى مشكلة من وجود الطبقات الاجتماعية، بالعكس بل هو يرى أنها "طبيعة الأشياء" المستمرة إلى الأبد، هكذا علمنا تطور الحياة على سطح الأرض، لكنه يعترض على الطريقة التي ترى بها الماركسية طبيعة العلاقة بين الطبقات، فتضع الشر في جانب والخير في جانب آخر وتضع حدًا نظريًا بينهما، وهو حد غير حقيقي من وجهة نظره.

   

السبيل إلى الحكمة

ليس هذا بالطبع هو كل ما تضمنه المناظرة، ولا هو تعليقًا عليها من حيث مدى عمقها أو "هل قدمت أية إجابات مفهومة للمشكلات التي عرضتها؟" - لأنها لم تفعل، لكنه فقط عرض لجانبين أساسيين يرى كاتب التقرير أنهما متجذرين في كل من بيترسون وجيجك، وعليهما يبني كل منهما جزءا من نقده أو دفاعه في العديد من القضايا، لم تتطرق المناظرة بوضوح إلى موضوعها الرئيس وهو "السعادة"، لكنها كانت أشبه ما يكون لشخصين يتحدثان بلغتين مختلفتين، كل لغة منهما لها قواعدها وأسسها التي بنيت عليها، ولا يمكن لها بسهولة أن تفهم الأخرى.

      

لم تقدم المحاضرة شيئًا جديدًا، كل ما قيل فيها هو ربما تبسيط أو إعادة صياغة لجدالات سابقة بعضها شعبوي وبعضها متخصص

مواقع التواصل
    

لكن المناظرة في النهاية لم تكن بين ضدين واضحين كل الوضوح، والأمر ليس دائمًا هكذا ان تأملت قليلًا، بالنسبة لبيترسون فقد كان ذلك صادما لأنه بالأساس يعتمد على وجود الخصومة لفرض ذاته على الساحة، أما جيجك فقد بدأ كلمته بتحييد ذلك الجانب قائلًا: "إنه لمن السخرية أن يتعامل الوسط الأكاديمي مع المشاركَين في هذه المناقشة، باتيرسون وأنا، على أنهما مفكرَين متطرفَين، من المفترض أن أدافع عن اليسار الليبرالي ضد المحافظين الجدد، في الواقع فإن معظم الهجوم الموجه لي حاليًا قادم من اليسار الليبرالي".

  

"الحكمة معظمها هراء" يقول جيجك في أثناء عرضه لأفكاره الخاصة بصناعة القصص، بينما يقول بيترسون حينما يتحدث عن البشرية بعد مائة وسبعون عامًا من المانيفستو أننا "قد أصبحنا أكثر حكمة من ذي قبل"، فقد تعلمنا – كما يرى - الكثير عن طبيعتنا البشرية وجعلنا ذلك أكثر قدرة على الإمساك بتلابيب مصيرنا. لم تقدم المحاضرة شيئًا جديدًا، كل ما قيل فيها هو ربما تبسيط أو إعادة صياغة لجدالات سابقة بعضها شعبوي وبعضها متخصص، لا نعرف حتّى لم سمّاها البعض بـ "مناظرة القرن"، ربما لتبرير سعر التذكرة المرتفع، لكن هدف المناظرة لم يكن من الأساس أن تقدم شيئًا جديدًا، كان هدفها أن تكون مناظرة، فتعامل معها على أنها كذلك.

  

بعيدًا عن أشياء أخرى كثيرة تتطلب خوضًا في حديث واسع عن مشكلات الخطاب المقدّم من قبل كل منهما، يلقى كل من جيجك وبيترسون اهتمامًا واسعًا من قبل عدد لا بأس به من الشباب العربي غير المتخصص والذي يخوض بدوره جدلًا شبيهًا بعدما ضربت موجات الربيع العربي الكثير من الثوابت، في تلك النقطة ينفصل العالم من حولنا – خاصة في أرض السوشيال ميديا الواسعة كغابات الأمازون – لعالمين، أحدهما يصبح عدميًا، يوزّع البؤس بين الـ "بوستات" والمارة في الشوارع، والآخر يرى أن ما حدث قد حدث لأننا لم نكن ملتزمين بالقواعد والأصول، أو كما يقول بيترسون دائمًا: "رتّب نفسك يا صاح Sort yourself bucko".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار