انضم إلينا
اغلاق
"بانسبيرميا" .. هل جاءت الحياة إلى الأرض من الفضاء؟!

"بانسبيرميا" .. هل جاءت الحياة إلى الأرض من الفضاء؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قبل نحو العام من الآن، وفي مساء صيفي هادئ ومعتاد، بينما يتجهز موظفو الأمن لاستقبال الفترة الليلية بتبادل الأدوار وتسليم بطاقات الحضور والانصراف، خلت الأجواء في أروقة معمل "إم دابليو كيك" للكيمياء الفلكية بجامعة هاوي في هونولولو إلا من فريق بحثي صغير متعدد التخصصات، كان فقط يحاول أن يجري تجربة جديدة من نوعها، وهي محاكاة لمجموعة من الظروف الأولية للغاية والتي صنعت ما نعرفه الآن باسم مألوف جدا، الحياة!

  

لفهم الأمر دعنا نبدأ من مركبات الفوسفات، تلك التي توجد في الكروموسومات التي تنقل معلوماتنا الوراثية، وتوجد في الحمض النووي بنوعيه، كذلك فهي جزء رئيس في تركيب عملات الطاقة بالخلية. لكن على الرغم من ذلك، فإن الصور التي توجد من مركبات الفوسفات على الأرض لا تذوب في الماء ولا يمكن أن تستخدم لبدء تفاعلات كيميائية تؤدي بدورها إلى تكوين تلك اللبنات الأساسية للحياة، ما دفع بعض الباحثين لتصور أن تلك المركبات يمكن أن تكون قد جاءت من السماء.

  

البانسبيرميا!

في التجربة(1) الخاصة بهم، وضع فريق هاواي الفوسفين، صورة سامة من مركبات الفوسفات لكنها شائعة في الأقراص الكوكبية التي تسبق تكون المجموعات الشمسية، مع حبيبات صخرية مجمدة، مع الماء وثاني أكسيد الكربون، في غرفة ذات درجة حرارة منخفضة للغاية، (نحو -300 مئوية)، ومنخفضة الضغط، ومعرضة لأشعة عالية الطاقة تشبه الأشعة الكونية التي تنتشر في كافة أنحاء الكون، وكانت النتيجة هي تحوّل الفوسفين إلى أحماض فسفورية تشبه تلك التي كانت موجودة على سطح المذنب الشهير "67P/تشوريوموف-جيراسيمنكو"، والتي يعتقد أنها أيضا كانت نتيجة لتحولات الفوسفين على سطح المذنب.

  

المذنب 67p/تشوريوموف-جيراسيمنكو (مواقع التواصل)

     

في الحقيقة، فإن الفرضية القائلة إن مصدر مركبات الفوسفات الموجودة في الكائنات الحية، بداية من الخلية البكتيرية وصولا إلى الإنسان العاقل، سماوي الأصل، تسبق تجارب فريق جامعة هاواي، والتي اقترحها(2) ماثيو بازيك من جامعة جنوب فلوريدا في 2004 حينما قال إن مادة "الشرايبرسايت"، والتي تحوي الحديد والفوسفور والنيكل، وتوجد في الكثير من الصخور النيزكية، هي المصدر الرئيسي للفسفور الموجود في صور الحياة المختلفة.

   

لكن الأمر يبتعد إلى ما هو أعمق من ذلك حينما نقرر استدعاء الثنائي "فريد هويل" و"شاندرا ويكراماسينغ"، الفلكيين واسعي الشهرة، وواضعي أساسات ما نعرفه بمبدأ "التبذر الشامل" (Panspermia)، الفكرة التي تقول إن بذور الحياة منتشرة في الكون، في صورة أساسية أوّلية، سواء في كواكب أخرى، داخل المجموعة الشمسية أو خارجها، أو كويكبات أو مذنبات أو فقط في الفراغ بين النجوم والمجرات، سوف نتطرق إلى ذلك بشكل أوسع بعد قليل، لكن دعنا نتأمل قليلا ذلك الاقتراح الذي وضعه هذا الثنائي، في السبعينيات من القرن الفائت، والقائل إن المكونات الأساسية للغبار البين-نجمي هي مركبات عضوية، وهو الأمر الذي تمكّن(3) ويكراماسينغ من إثباته فيما بعد.

   

فتح ذلك الباب لفكرة مثيرة للانتباه تتعلق بأصول الحياة، لكن لفهمها دعنا نبدأ من العام 2017، حينما أعلن فريق بحثي دولي، بقيادة دومينيك بابينيو من مركز لندن لتكنولوجيا النانو، التابع لكلية لندن الجامعية، عن اكتشافهم لأقدم(4) حفرية لكائن حي على وجه الأرض، وهي كائنات دقيقة وحيدة الخلية عاشت قبل 3.7 – 4.2 مليار سنة، يشير ذلك إلى أن الحياة ربما ظهرت على الأرض فقط بعد عدة مئات من الملايين من السنين من تشكّلها، وهو ما يطرح بدوره سؤالا صعبا: كيف حدث ذلك؟

  

غبار النجوم

بحسب الأساسات البسيطة للكيمياء والبيولوجيا، نعرف أن تكوّن الصور الأولى للحياة من مركبات غير حية يأخذ الكثير من الوقت ليحدث، تلك الفترة المبكرة جدا من تاريخ الأرض تبدو للوهلة الأولى غير كافية لإتمام العمليات الحيوية الأولى، دفع ذلك بفريق من علماء البيولوجيا الفلكية لتصور أن الحياة ربما لم تنشأ على الأرض، بل جاءت إليها، سواء جاءت الخلايا البكتيرية الأولى إلى الأرض، أو فقط اللبنات الأساسية للحياة، والتي تتمثل في المركبات العضوية المحتوية على عناصر كالكربون، الفسفور، النيتروجين، الأكسجين، والهيدروجين بالطبع.

    

  

تلك الحالة الأخيرة تسمى "البانسبيرميا الكاذبة"(5) (Pseudo-panspermia)، والتي تقترح أن الجزيئات العضوية اللازمة لبدء الحياة هي التي نشأت في الفضاء، بعيدا جدا عن هنا، ثم دُمجت في السديم الشمسي الطفل، حينما كانت الشمس محاطة بقرص كوكبي مهول من الغاز والغبار، في تلك الحالة يمكن للتحولات الكيميائية أن تكون أكثر سرعة، فالمركبات تكون متأينة بفعل الأشعة الكونية ما يجعلها أكثر حساسية للتفاعل الكيميائي، أما الغبار المحيط بها فسوف يقيها من الأشعة فوق البنفسجية القاتلة والقادمة من الشمس.

    

هذا أمر ممكن، نحن نعرف أن الذهب، على سبيل المثال، ذلك الذي ترتديه كل نساء العالم تقريبا، ذو مصدر سماوي(6)، لأنه لا يمكن للذهب أن يوجد إلا في أثناء انفجار نجمي مهول (مستعر أعظم)، بعد ذلك وبسبب قوة الانفجار انتقل الذهب عبر الفضاء إلى السديم الشمسي البدائي، واختلط بمادة الأرض، ثم ها نحن ذا. المواد العضوية المكونة من الكربون والنيتروجين والأكسجين كذلك لا يمكن أن يكون مصدرها من الشمس، لأنه في فترة طفولتها لا تحتوي النجوم إلا الهيدروجين، والذي يتحول إلى الهيليوم في مرحلة تالية، ثم الكربون والأكسجين والنيتروجين، وهي مرحلة لم تبلغها الشمس بعد. بحد تعبير كارل ساجان، نحن فقط غبار نجوم.

  

في بداية تكوين الأرض، كان اصطدام المذنبات والكويكبات بها أمرا شائعا (مواقع التواصل)

      

هناك دلائل كذلك على تكوّن مركبات عضوية معقدة في الفضاء البين نجمي. على سبيل المثال، في العام 2013، أعلن فلكيون من "مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير" (ALMA) عن رصدهم(7) لمركبات عضوية في سحابة نجمية تقع على مسافة 25 ألف سنة ضوئية (الثيانوميثانيمين والإيثانامين)، المركبات التي بدورها تعد قواعد لتكوين جزيئات حيوية كالأدينين في الحمض النووي والألانين وهو حمض أميني يدخل في تكوين البروتين، أما في العام 2012 فقد قام(8) باحثون من ناسا بتعريض هيدروكربونات حلقية للفضاء البين-نجمي فتحولت مع الوقت لمركبات عضوية أكثر تعقيدا، والتي تقع -بحسب الدراسة- على خط السير الصحيح لتركيب اللبنات الأساسية للحياة، الحمض النووي والبروتينات.

  

من جهة أخرى، وفي العام نفسه، تمكن باحثون من جامعة كوبنهاجن من رصد وجود مركب سكّري(9) (جليكولالديهايد) في نظام نجمي ثنائي يقع على مسافة 400 سنة ضوئية من الأرض، هذا المركب هو كذلك قاعدة لتكوين الحمض النووي الريبوزي (RNA)، أما حديثا، في العام 2016، فقد تأكد(10) احتواء المذنب الذي لاقى الكثير من الاهتمام مؤخرا "67P/تشوريوموف-جيراسيمنكو" على "الجلايسين" وهو أحد الأحماض الأمينية الأساسية التي تدخل في تركيب البروتين، وهذه ليست المرة الأولى التي نكتشف فيها احتواء مذنب ما على مادة حيوية أساسية كتلك، في 2009 كذلك تمكّن فلكيو ناسا من رصد "الجلايسين" على المذنب(11) "وايلد-2". 

    

هل يمكن للحياة أن تصمد في الفضاء؟

في كتابهما "سحابة الحياة.. أصل الحياة في الكون" يرى كلٌّ من "ويكراماسينغ" و"هويل" أن الفكرة الرئيسية تتعلق بأن الحياة ممكنة في هذا الكون، وأنها ستتكوّن إذا سمحت الظروف بذلك، بالتالي فإن بذورها نشأت خلال المليار سنة الأولى من تاريخ الكون، كل ما احتاج إليه الأمر هو أن تتكون النجوم الأولى ثم تنفجر مخلفة العناصر الأساسية للحياة ودافعة لها لتنتشر هنا وهناك، تلك العناصر -بحسب الفرضية- ستتفاعل مع بعضها البعض لتكوين المركبات العضوية الأولى والتي بدورها تدخل في خط سير التفاعلات الرئيسية للحياة، لكن هذه الفرضية تمتد كذلك إلى تكوّن الحياة نفسها في أماكن أخرى في الكون، في صورتها الخلوية الأولى، ثم انتقالها بطريقة ما إلى الأرض في مراحل تكوّنها الأولى.

  

في تلك النقطة لا بد أن السؤال الأول الذي خطر ببالك هو: هل يمكن لكائن حي أن يعيش في ظروف الفضاء الخارجي الغاية في القسوة؟ بحسب تلك الفرضية فمن المفترض أن تسافر خلايا حيّة مع مذنب ما، على سبيل المثال، مسافة مليارات الكيلومترات في الفضاء. حسنا، الأمر معقد، نحن نعرف أن هناك بالفعل كائنات أوّلية قادرة على تحمل ظروف غاية في القسوة ("إكستريموفيل"(12) (Extremophile))، كالضغط المرتفع أو المنخفض جدا، أو درجات الحرارة العالية أو المنخفضة جدا، أو درجات الجفاف الشديد، في أعماق المحيطات وفي طبقات الجو العليا، وفي بيئات كيميائية غاية في السمية، بوجود الأكسجين أو عدمه، إنها صور من الحياة لم نتصوّر يوما ما أنها موجودة.

    

  

على سبيل المثال، كانت دراسة صدرت(13) قبل عدة أعوام في الدورية الشهيرة "بلوس وان" قد أشارت إلى أن أنواعا محددة من الخلايا البكتيرية أمكن لها أن تنمو وتتكاثر بصورة أكبر مما يحدث على الأرض عندما تم تعريضها لظروف فضائية، من جهة أخرى فإن علماء من جامعة برجهام يونج كانوا قد تمكنوا، قبل عامين فقط، من رصد قدرات حويصلات نوع من البكتيريا يدعى "باسيلاس سابتيليس" على الثبات(14) في ظروف سرعة وشد قاسية، أشار ذلك إلى أن هناك بالفعل أنواعا من البكتيريا قادرة على تحمل ظروف سفر فضائي قاسية.

  

الحياة أعجب مما نتصور، وأكثر مدا لجذورها في هذا الوجود، لكن مشكلتنا نحن البشر هي أننا نعطي تعريفا للحياة والموت يتعلق فقط بما نراه ونشعر به، لفهم ما نقصد هنا يمكن أن نتأمل معا ذلك الخبر الذي أشعل الأجواء العلمية قبل نحو 20 سنة من الآن، حينما وجد باحثون من جامعة كاليفورنيا حويصلات بكتيرية أمكن إحياؤها في باطن حفرية لنحلة علقت في الكهرمان قبل نحو(15) 25 مليون سنة من الآن، تكرر هذا الكشف بعدها بنحو خمس سنوات في حفرية أخرى مدفونة في باطن الأرض احتوت كريستالات الأملاح فيها على حوصلات بكتيرية قابلة للحياة عمرها(16) 250 مليون سنة!

    

البكتيريا المسافرة بقوة الشمس

لكن الأمر ليس بتلك السهولة، كان أول من اقترح آلية ممكنة لهذا النوع من انتقال الحياة عبر الفضاء هو سفانت أرينيوس، السويدي الحاصل على نوبل، في بدايات القرن الفائت حينما قال إن ضغط الإشعاع (Radiation pressure)، أي قدرة أي نوع من الإشعاع على الدفع، يمكن لها أن تدفع الحويصلات البكتيرية ذات الحجم الصغير جدا بسرعات عالية بين النجوم. تسمى تلك الحالة بالبانسبيرميا الإشعاعية(17) (Radio Panspermia)، لكن التجارب التي جرت على البكتيريا في ظروف فضائية أشارت إلى أن الخلايا البكتيرية لم يمكن أن تصمد لثوانٍ معدودة في وجود الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس، حتّى في حالات التحوصل، حينما تغطي البكتيريا نفسها بغلاف سميك، لا يُعتقد أن تصمد كثيرا.

  

في تلك النقطة يظهر ما نسميه بـ "البانسبيرميا الصخرية"(18) (Litho Panspermia)، وهي محاولة لحل المشكلة الخاصة بالإشعاع فوق البنفسجي الضار بالخلايا البكتيرية، حيث يمكن أن يتمكن غلاف صخري كبير نسبيا من وقاية خلايا بكتيرية مدفونة بين حبيباته من الإشعاع فوق البنفسجي أو أي من الأشعة الكونية الأخرى، نحن نعرف أن بعض الكائنات الدقيقة التي تحب الظروف القاسية يمكن لها أن تصمد(19) جيدا بداخل الصخور لفترات زمنية طويلة، لكن تلك الفرضية أيضا تواجه مشكلة لها علاقة بالإقلاع والهبوط.

     

مركبات الحياة الأولى ربما كانت موجودة في صخور المذنبات (مواقع التواصل)

      

فبحسب تلك الفرضية، إذا قررنا مد الخطوط على استقامتها، وافترضنا أن الحياة على الأرض جاءت من كوكب آخر في مرحلة بدائية من عمر المجموعة الشمسية، فإن عملية إقلاع تلك الصخرة التي احتوت البكتيريا، وعملية الهبوط كذلك، ستتطلب احتكاكا مهولا بالغلاف الجوي للأرض وللكوكب الآخر ما قد يولد درجات حرارة تصل إلى 10 آلاف مئوية، أضف إلى ذلك أن رحلات كتلك ستكون طويلة جدا، نتحدث هنا عن عشرات أو مئات الآلاف من السنوات إذا كنّا محظوظين، وملايين السنوات إذا كان الوضع طبيعيا، علما بأن أقصى ما حصلنا عليه من درجة ثبات لحويصلات بكتيرية في الفضاء كان ست سنوات فقط، وفي أجواء أقل قسوة من حالات الهبوط والإقلاع.

  

ماذا لو كنّا نعيش في تجربة أحدهم؟!

الأمر إذن معقد، ورغم أن هناك احتمالات بالفعل لأن يحدث ذلك، فإنها قليلة لدرجة تدفع للتشكك، لكنها ممكنة على أي حال، دفع ذلك بالبعض إلى تصوّر أنه إن حدث وكان مصدر الحياة على الأرض فضائيا فسوف يكون ذلك موجها بشكل أو بآخر، بحيث يمكن تجاوز كل احتمالات الفشل الكثيرة. بمعنى أوضح، يمكن أن تكون الحياة قد جاءت إلى الأرض بفعل فاعل.

  

أحدهم، كائن فضائي ما لا نعرف طبيعته بعد أو أهدافه، قرر أن يوجه بذور الحياة الأولى إلى كوكب الأرض لكي تنمو وتتطور، ربما على سبيل التجربة أو لغرض آخر، يسمى ذلك النطاق بالبانسبيرميا الموجهة(20) (Directed Panspermia)، حيث يفترض البعض أن تلك قد تكون مهمة البشر في يوم ما حينما تتقدم حضاراتهم وتتوسع لتشمل المجرة بأكملها، مهمة أن يقوموا عمدا بزرع بذور الحياة في كواكب أخرى. لكن، ماذا لو كان هذا هو ما حدث معنا؟ بالطبع يتدخل البعض في تلك النقطة من جانب ديني ليقول: ولِمَ لا يكون الله (الآلهة) هو من فعل ذلك بطريقة ما؟ إن عملية زرع بذور الحياة في كوكب آخر مكلفة للغاية وتتطلب تقنيات وموارد مهولة ونتائجها غير محسومة، إذا كان هذا النوع من التدخل سيحدث، فمن يمكن أن يفعله؟

    

  

كما ترى، فإنه على الرغم من كل الأدلة التي تدعم صحة فرضية "بانسبيرميا"، فإنها ما زالت إلى الآن أقرب ما يكون لفرض فلسفي، لأن كل ما تقدمه الدلائل هو إمكانيات واحتمالات، تصبح تلك الاحتمالات أكثر قبولا إن تحدثنا عن مركبات عضوية، وأقل قبولا إن تحدثنا عن صور مباشرة للحياة. لكن، في النهاية، فإن النقد الأكثر جذرية الذي يواجه فرضية "بانسبيرميا" يأتي من جوهرها، فمنظّروها يتصورون أن بذور الحياة ممكنة وموجودة في أنحاء الكون سواء كانت الاحتمالات كبيرة أو ضعيفة، وأنها قد نشأت بالفعل خلال المليار سنة الأولى من تاريخ الكون، في اللحظة التي تكونت فيها العناصر الكيميائية التي تسمح بذلك، هنا يظهر السؤال المهم: أين ذهبت الحياة إذن؟

  

إذا نشأت بذور الحياة قبل 13 مليار سنة، وسُمح لها بالتطور كالحياة التي نعرفها إلى الآن، فلِمَ لا نجد أثرا لها في الكون إلى الآن؟ أليس من المفترض أن تستكمل الحياة رحلتها لتصل إلى حضارة عاقلة؟ لكن إلى أي حد يمكن أن تصل حضارة عاقلة؟ لفهم مدى التقدم التكنولوجي الذي يمكن أن تصل إليه حضارة ما دعنا نتأمل تاريخ البشر خلال مئتي عام فقط، إن كل ما نراه من تقدم صناعي وتقني كان ابن هذه الفترة، ومنذ 20 سنة فقط لم نكن لنتوقع أن 6 مليارات شخص من هذا الكوكب سوف يمتلكون هواتف محمولة، التقدم يحدث بسرعة كبيرة نسبيا.

  

في تلك النقطة دعنا نفترض أن هناك كوكبا ما، لنسمّه "الكوكب كريبتون"، يشبه الأرض في كل شيء تقريبا، ويقع ضمن النطاق الصالح للحياة، لكنه ولد قبل 6.5 مليار سنة، بينما ولدت الأرض من باطن السحابة الغبارية المحيطة بالشمس قبل 4.5 مليار سنة فقط، هذا يعني أن هذا الكوكب، الآن، يتقدم عنّا بملياري سنة كاملة، وهذا يعني أيضا أنه من المفترض أن يصل إلى مستوى حضاري يمكنه من التواصل معنا، هنا يتدخل الفيزيائي الروسي(21) نيكولاي كافيندش ليقول إن هناك ثلاثة مستويات أساسية لأي حضارة تحكم تقدمها التقني.

    

  

المستوى الأول هو قدرة الحضارة على استخدام وتخزين الطاقة الواصلة لها من النجم الذي يدور كوكبها حوله، أما في المستوى الثاني فإن الحضارة قد تكون قادرة على صنع تقنيات تبلغ من الدقة والتطور بحيث يمكن لها أن تغلّف نجمها كاملا لتستغل كل ذرة طاقة صادرة منه، وحضارة المستوى الثالث تتمكن من استخدام وتخزين كل طاقة المجرة، نحن إذا -كأرضيين- ما زلنا نحاول أن نكون من أصحاب الحضارة من المستوى الأول، أما الكوكب كريبتون، صديقنا الأكبر سنا بفارق ملياري سنة، فربما الآن يتجهز للدخول في المرحلة الثالثة، أو هو أصبح بالفعل من أصحاب اللقب "حضارة المستوى الثالث". هنا سوف نسأل، على لسان أنريكو فيرمي الفيزيائي الشهير صاحب "مفارقة فيرمي"(22): لماذا إذًا لم تأت تلك الحضارة إلى الآن؟ أين هم؟ أين ذهبت الحياة ولماذا نحن وحيدون بهذا الشكل؟

    

فرضية "بانسبيرميا" لا تجيب عن هذا السؤال، بالعكس تماما، فهي تجعله أكثر تعقيدا، أضف إلى ذلك أن هناك مشكلة أساسية أخرى تتعلق بفرضية "بانسبيرميا" وهي أنها لا تجيب عن سؤال نشأة الحياة، بل فقط تؤجله، رغم ذلك فالمشكلة الأساسية التي يواجهها العلماء، من كل المجالات المتعلقة، هي: كيف يمكن أن تنشأ الحياة؟ أو "ما الحياة على أي حال؟"، نحن نعرف القليل عن كيفية تطورها على سطح الأرض، وهناك بالفعل محاولات واعدة لفهم شكل التحولات البدائية الأولى التي يمكن أن تكون قد قادت لنشأتها، لكن ما هو مؤكد أننا لم نتحرك قيد أنملة بعد في التأكيدات المتعلقة بهذه الموضوعات بعد، ما زال السؤال عن الحياة هو سر هذا الوجود الأكبر.

آخر الأخبار