انضم إلينا
اغلاق
مسلسل Chernobyl.. هل يمكن لتسريب نووي أن يقتل قارة بأكملها؟

مسلسل Chernobyl.. هل يمكن لتسريب نووي أن يقتل قارة بأكملها؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"هل نخشى الإشعاع حقًا؟

أم نخشى الحرب؟

أو ربما الخيانة،

الجُبن، الغباء، الفوضى؟"

(لايوبوف سيروتا - شاعرة أوكرانية)

     

"أنت تتعامل مع شيء لم يحدث قط على هذا الكوكب!" بهذه الجملة القصيرة بدأ فاليري ليجاسوف، الفيزيائي الشهير من الأكاديمية السوفييتية للعلوم،في حبس أنفاسنا لمدة خمس حلقات كاملة من المسلسل الأكثر شهرة خلال الفترة القصيرة الماضية: "تشيرنوبيل"، والذي حصل على أعلى التقييمات في التاريخ وأثار إعجاب العالم أجمع. جسد الممثل البريطاني "جاريد هاريس" دور ليجاسوف بحرفية تامة، لكن الأكثر تأثيرًا كان لا شك تلك الحالة من الارتباك التي تتملكنا كلما استمعنا إلى تلك الأصوات المتقطعة المتسارعة من الأجهزة التي تقيس كثافة الإشعاع في المكان.

  

لقد تمكن يوهان رينك، مخرج المسلسل، مع فريق عمل بارع، من نقل هذا الشعور لنا، الشعور بأن كل شيء ملوث، كل شيء يتسبب في خفض متوسطات أعمارنا، الماء والعصائر والأبواب والشجر والحيوانات والملابس التي نرتديها أو يرتديها الآخرون، كل شيء قد يتسبب في إلقائنا على إحدى تلك الأسرّة المحاطة بأغلفة بلاستيكية لنرقد بها ونحن محاطون بأطباء وممرضات يرتدون الأقنعة، أو -على الأقل- قد يدفع بنا إلى عوالم المرض القاسية، والتي تبدأ طرقها بالسرطان ولا تنتهي أبدًا.

  

خلال الحلقات، يستمر ليجاسوف -عبر اقتباسات شبيهة- في إعطائنا المعلومات عن خطر التلوث بالإشعاع النووي، فهو مثلًا يقول إن "كل ذرة يورانيوم تشبه رصاصة، تخترق كل ما يمر بها، سواء كان معدنًا أو خرسانة أو لحمًا، يحتوي تشيرنوبل على ثلاثة تريليونات رصاصة يورانيوم"، ثم بعد ذلك يقول لبوريس شيربينا، مدير عملية احتواء كارثة تشيرنوبل، إن هؤلاء الذين تعرضوا للإشعاع ستنخفض متوسطات أعمارهم بأرقام قياسية، بل ويضيف أنه، ليجاسوف نفسه وشيربينا معه، لن يتمكنوا من العيش لأكثر من خمس سنوات قادمة.

  

توفّى شيربينا بعدها بأربع سنوات بالفعل عن عمر يناهز سبعين سنة، ويُعتقد(1) أنه قد مات بسبب تعرضه لجرعات زائدة من الإشعاع أثناء أداء مهمة في تشيرنوبيل، على حد تعبير "نيكولاي تاراكانوف" الذي عمل معه في تلك المهمة، وان كان ذلك غير مؤكد كفاية مع الأسف؛ لأن الاتحاد السوفييتي لم يُتح الكثير من البيانات حول الحادثة، في الحقيقة فإن تلك هي المشكلة الرئيسة التي تواجه نطاق البحث العلمي الخاص برصد آثار هذا الحادث، هل مات حقًا مئات الآلاف بسببه؟

    

مفاعل تشيرنوبيل بعد أشهر قليلة من الحادثة (مواقع التواصل)

     

ماكينات الموت

في تلك النقطة يمكن أن نستدعي تغريدة أضافها "كريج مازن"، مؤلف المسلسل، قبل عدة أسابيع عبر حسابه الخاص على تويتر يقول فيها إن "الدرس من تشيرنوبل ليس أن محطات الطاقة النووية المعاصرة خطيرة، ولكن الدرس هو أن الكذب، والعجرفة، وقمع الأصوات الناقدة هو الخطر الحقيقي"، وذلك بسبب الجدل الشديد حول الطاقة النووية، والذي أعاده المسلسل إلى الأرض مرة أخرى، هذه المرة عبر وسائل التواصل الإجتماعي. لكن ما لا يعرفه الكثيرون، وسبب تلك التغريدة، هو أن المسلسل بالغ بالفعل في تعريفنا بالمخاطر التي تسببت بها الكارثة.

    

  

لفهم الأمر دعنا نبدأ بحصر أعداد المشاركين في مهمة احتواء الكارثة، هنا يمكن أن نبدأ بالحساب(2)، أكثر من 20 ألف شخص من المنظمات السوفييتية المختلفة، و210 وحدات عسكرية جمعت حوالي 340 ألف شخص ما بين إداري وجندي، إنها تلك المجموعات التي طهّرت المدن ونظمت عملية ترحيل السكّان وقتل الحيوانات وقطع الأشجار ودفنها، وبإضافة عدد الأطباء ومعامل التحليل والموظفين الإداريين الذين شاركوا في المهمة، وبإضافة هؤلاء الذين قاموا بتنظيف سطح المفاعل النووي نفسه خلال 90 ثانية لكل منهم، في واحد من أكثر المشاهد شهرة بالمسلسل، وكانوا 250 شخصًا، سيصل العدد الكلّي للمشاركين في مهمة تشيرنوبل لـ 600 ألف شخص، أكثر من 200 ألف شخص منهم كانوا في اتصال مباشر مع منطقة العمل نفسها حول مفاعل تشيرنوبل خلال سنتين من الحادث.

    

قد تتوقّع أن عدد الوفيات بين هؤلاء خلال السنوات التالية للحادث كان كبيرًا، لكن ذلك لم يحدث، فخلال الشهور الثلاثة الأولى كان مجمل عدد القتلى من هذه المجموعة الضخمة هو 31 حالة فقط، وبحلول الذكرى العشرين لتشيرنوبيل ارتفع عدد حالات الوفاة ليصبح حوالي 50 حالة فقط من تلك المجموعة (بحسب أكثر من مصدر منها تقرير منظمة الصحة العالمية)(3). إنه عدد كبير، وبالطبع لا يهم العدد كثيرًا بالنسبة لأرواح الناس لأن كل واحد منهم هو أخ أو زوج أو ابن أو أب آخر، لكنه -من وجهة نظر تصورات الناس عن الحوادث النووية- قليل جدًا لا شك، يدفعنا ذلك للتساؤل: أليس من المفترض أن يحدث العكس؟ أليس من المفترض أن يكون عدد القتلى بعشرات الآلاف وعدد المصابين بالسرطان مئات الآلاف من الذين انضموا لمهام احتواء الحادثة كما أشعرنا المسلسل؟

        

       

لفظة "إشعاع"!

تبدأ المشكلة من تصورات الناس عن طبيعة الإشعاع النووي، فما إن يتحدث أحدهم عن أي شيء ينتهي بكلمات كـ "نووي" و "إشعاع" حتّى تتخيّل الغالبية العظمى منّا أشياء كـ "شخص بثلاث أقدام" أو "سمكة بثلاث عيون" أو تشوهات الأجنة، خاصة الرأس الكبير، بجانب الأطباء الذين ينصحون الحوامل بالإجهاض لأنهن لن يتمكَّنَّ من تحمل وجود طفل مشوه في حياتهن... الخ، إن تاريخ هذا الخطأ في الفهم يضرب بجذوره وصولًا إلى قنبلتي "هيروشيما" و"ناجازاكي"، بل إن أحد أشهر الشائعات التي لاقت قبولًا وتصديقًا كبيرين بينما كنّا أطفالًا في عصر ما قبل الإنترنت، هنا في الوطن العربي، هي تلك التي تقول إن هيئة اليابانيين لها علاقة بانفجار القنبلة النووية، خاصة عيونهم الضيّقة!!

  

    

في الواقع، فإن الغالبية العظمى من قتلى التفجير المأساوي في هيروشيما وناجازاكي حوالي 200 ألف شخص، كان بسبب درجة الحرارة الهائلة للغاية وضغط الانفجار، بل قد لا تصدق ما يلي، لكن دراسة(4) الآثار الصحية للإشعاع النووي على مدى 60 سنة بعد الانفجارين، في عيّنة مكونة من 100 ألف ناج و77 ألفًا من أطفال هؤلاء الناجين، تقول إنه على الرغم من أن الإشعاع يرفع من معدلات الإصابة بالسرطان إلا أن الناس يبالغون بشدة في تقديراتهم حول هذا الأثر، في الحقيقة فإن معدل ارتفاع الإصابة بالسرطان كان بنسبة أقل من 10%.

    

تم ترحيل 160 ألف مواطن، ونصحت الإدارة المسؤولة 220 ألفًا آخرين بترك منازلهم خشية آثار الإشعاع (مواقع التواصل)

     

لكن لاحظ جيدًا أننا نتحدث هنا فقط عن الأفراد المقيمين في المدينتين، هيروشيما وناجازاكي، أما هؤلاء الذين تواجدوا خارج المدينتين فقد كانوا في أمان من آثار الإشعاع، ببساطة لأن جرعات الإشعاع تخضع مباشرة لقانون التربيع العكسي، أي إن الجرعة تنخفض بصورة مربّعة مع المسافة، كلما ابتعدت 10 أمتار عن مركز الانفجار انخفضت جرعة الإشعاع بمقدار 100 مرة... وهكذا، أما أطفال هؤلاء الذين تعرضوا مباشرة للإشعاع داخل المدينة ونجوا من الانفجار فلم يحدث لهم شيء، في الواقع فإن الأثر الإشعاعي لانفجارَي هيروشيما وناجازاكي كان دائرة(5) قطرها 2-3 كيلو متر فقط، خارج تلك الدائرة تعرض الناس لقدر من الإشعاع مرتفع قليلًا عن النسبة الطبيعية لكن لا يمكن أن يؤثر في أي شخص، يساوي أن تدخل لجهاز أشعة مقطعية، ومن منا لم يفعل ولو مرة في حياته؟

     

قنبلة الموز

في أثناء الحديث عن الإشعاع، لا يفهم الناس أن الأمر -مثل غيره من السموم التي يتعرض لها الجسم- يتعلق بالجرعة، هناك علاقة بين الجرعة والأثر الطبي، كلما زادت الجرعة زاد الأثر، لكن مع الإشعاع يظن الناس أن أي جرعة -أو جرعة قليلة جدًا فقط- قادرة على القتل، بينما لا يعرف الكثيرون أننا -نحن البشر- نتعرض لجرعات سنوية طبيعية من الإشعاع، من التربة والفضاء والصخور والرمال والجدران الخرسانية ومن أجهزة الأشعة السينية أو الأشعة المقطعية ومن الطعام (الموز مثلًا يحوي صورة مشعة من البوتاسيوم ويطلق إشعاع مقداره 0.1 ميكرو زيفرت).

    

طائرة هيليكوبتر تسقط مزيجًا من الرمل والرصاص والبورون في المفاعل النووي تشيرنوبيل بعد الكارثة بأيام قليلة (مواقع التواصل)

      

في الواقع، فإن مجرد سفرك عبر إحدى الخطوط الجوية يعرضك للإشعاع بمعدل قد يصل إلى خمس مرات أكبر من تعرضك اليومي المعتاد، أضف إلى ذلك مفاجأة أخرى صغيرة، وهي أن معدل تعرض المدخنين للإشعاع، بسبب البولونيوم والرصاص في السجائر نفسها، يرتفع بثلاثة أضعاف عن العاملين في محطات الطاقة النووية!

  

لهذا السبب يحدث الخطأ في الفهم، حيث يتصور الناس أن أية جرعة من الإشعاع النووي قادرة على قتلك أو إصابتك بالسرطان، لكن أعراضًا مثل الغثيان والقيء وفقد الشهية وتأثر نخاع العظام والغدد الليمفاوية وتقشر الجلد تبدأ من حد أدنى(6) مقداره 1000 مللي زيفرت، وللمقارنة، فإن العاملين داخل مفاعل فوكوشيما الياباني، في أثناء حادث التسريب الشهير في العام 2011، تعرضوا فقط لجرعة مقدارها 250 مللي زيفرت، هل تتخيل ذلك؟ هل تتذكر كل تلك الأخبار التي تحدثت عن كوارث هائلة بسبب حادثة مفاعل فوكوشيما؟ في الحقيقة إن هذا الحادث لم يخلّف الكثير من المشكلات الطبية7 الواضحة نسبيًا لأنه لم يكن انفجارا لقلب المفاعل كتشيرنوبل، في فوكوشيما لم يمت أحد من أثر الإشعاع (أو ربما حالة واحدة بحد أقصى).

      

      

إن التاريخ الطويل من الرعب بسبب هيروشيما وناجازاكي والشائعات التي نُسجت حولهما هو ما يدفع الجمهور للخلط بين القنبلة النووية ومحطات الطاقة النووية، ويضيف البعض للعملية الحسابية عدد قتلى القنبلة، هؤلاء الذين ماتوا بسبب الانفجار نفسه، لتخرج تلك الصورة المروعة، والتي تصوّر لنا نسبًا هائلة من التشوهات والسرطان. بالنسبة لحادثة تشيرنوبيل فإنه يتوقّع أن عدد الذين قد أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية(8) وصولًا إلى العام 2065 قد يكون 16 – 20 ألف حالة في الأطفال والمراهقين، إنه رقم كبير طبعًا، لكن المشكلة هي أن تصورات الناس عن الكوارث النووية أكبر بفارق شاسع من ذلك، أضف لهذا أنه من بين كل تلك الحالات فإن عدد الوفيات أقل من 1% حالة تقريبًا، والبقية يمكن علاجها (في الواقع، فإن عدد الوفيات من سرطان الغدة الدرقية بعد تشيرنوبيل  9 حالات).

    

السيزيوم أم اليود؟

في الوقت الحالي، تغيرت الكثير من الآراء الطبية عن حادثة تشيرنوبيل وتوقعاتها، ذلك لأن النتائج(9) كانت مفاجئة؛ إذ لم تكن هناك إشارات مؤكدة للإصابة بنوع آخر من السرطان غير سرطان الغدة الدرقية (الممكن علاجه)، لم ترتفع نسب تشوهات الأجنة عن المعتاد، حالات وفيات الأطفال كانت في المعدلات الطبيعية، وكذلك نسب الخصوبة، الملايين الخمسة من السكان المحيطين بتشيرنوبل تعرضوا لكميات ليست كبيرة من الإشعاع، كذلك فإن أبناءهم، الأجيال التالية لهم، كانت آمنة ولم تواجه أية مشكلات. ورغم أنه يمكن أن تجد -من حين لآخر- أخبارًا من نوعية "بعد ثلاثين عامًا من تشيرنوبيل، لا زال الخطر قائمًا"، إلا أن زيارة قصيرة إلى مستشفى مدينة بريبيات الذي تلقى فيه الإطفائيون العلاج، ثم نزولًا إلى مكان بزّاتهم الإطفائية، فإن مقدار الإشعاع لن يتخطى 2 مللي زيفرت.

    

    

في الواقع، فإن الآثار الطبية للإشعاع النووي هي موضوع معقّد، لفهم الفكرة دعنا نقارن بين اثنين من نواتج الإشعاع الصادر من مفاعل تشيرنوبيل، اليود 131 والسيزيوم 137، رغم أن الأخير هو ما تكرر ذكره في المسلسل بشكل أكبر، إلا أن الأول هو سبب الكوارث، فترة عمر النصف للسيزيوم المشع هي 30 سنة، ويعني ذلك الفترة التي تمر حتّى تتحلل نصف كمّية العنصر، بينما فترة عمر النصف الخاصة باليود المشع هي ثمانية أيام فقط، يدفع ذلك بالبعض لتصور أن السيزيوم هو ما يمكن أن يكون سببًا في المشكلات، لكن ذلك غير صحيح؛ لأن كلًّا من العنصرين يبقى في الجسم مدة 100 يوم، لكن خلالها يكون اليود قد تحلل بالكامل وأطلق قدر إشعاع كبيرًا، بينما يتحلل السيزيوم ببطء، أضف لذلك أن أجسامنا نهمة لليود، تسحبه إلى الغدة الدرقية وتكثّفه هناك، بالتالي كانت الإصابات الرئيسة وراء تشيرنوبيل هي سرطان الغدة الدرقية وفي الأطفال بنسبة رئيسة، ورغم ذلك فإن المسلسل ركّز بشكل أكبر على السيزيوم لسببين، الأول هو أن كلمة "سيزيوم" نفسها مرعبة، والثاني هو أن فترة عمر نصفه الطويلة مرعبة.

  

إلا أن دراسة المخاطر الطبية للإشعاع لها معايير أخرى شديدة التعقد والتشابك وتتعلق بعدة علوم كالفيزياء والكيمياء والمناخ والبيئة والبيولوجيا بالطبع، الأمر ليس أن تقوم بحسبة بسيطة، ولكنه يتوقف على طبيعة العنصر المشع، سواء فترة عمر النصف فيزيائيا أو فترة بقائه في الجسم أو قابلية الجسم للاحتفاظ به والتفاعل معه، يتوقف كذلك على عوامل كالطقس لحظة التسريب والمواد التي تتكون منها جدران المنازل وطبيعة حياة البشر في المناطق المجاورة، أي طعام يفضلون؟ أيشربون اللبن مباشرة من الأبقار (في الأرياف)، أم يشترونه من السوق (المدن)؟ في الحالة الأخيرة مثلا قد لا يكون اللبن ملوثا باليود المشع لأنه قضى فترة طويلة قبل الوصول إليك، وهكذا.

  

راديوفوبيا!

كلمة "إشعاع نووي"، إذن هي مرادفة لأكبر أنواع المخاطر في أذهان الناس، على الرغم من أننا -نحن البشر- نحقق تقدمًا ملحوظًا في استخدام الإشعاع النووي لأغراض طبية، سواء من أجل الفحص الطبي، بداية من الأشعة السينية وصولًا إلى الأشعة المقطعية، أو من أجل علاج أمراض كالسرطان، لكن المشكلة التي تواجهنا نفسيةً من الأساس. في الحقيقة، إن تلك الحالة تتخذ بالفعل اسمًا مميزًا: "الراديوفوبيا(10) Radiophobia"، أي الخوف من أي مصدر للإشعاع النووي.

    

ربما لن تصدق ذلك إلا حينما نتأمل معًا الارتفاعات المرعبة في نسب القلق والاكتئاب وإدمان الكحول بعد حادثة تشيرنوبيل، حتّى إن متخصص الآثار الصحّية للإشعاع، الطبيب الياباني يوشيمي ياماشيتا(11)، قال إن "متوسطات أعمار الأفراد الذين تم إجلاؤهم بعد حادثة تشيرنوبيل انخفضت من 65 سنة إلى 58 سنة، ليس بشكل أساسي بسبب الإشعاع، ولكن بسبب الاكتئاب وإدمان الكحول والانتحار"، الأمر ليس بالسهولة التي يمكن أن يتصورها أحد.

  

يلعب الإعلام دورًا قويًا في نشر هذا النوع من الشائعات، وربما قد أدركت ذلك الآن، لكن أحد أشهر الأمثلة دفعًا للتأمل في ذلك السياق هي حالة الرعب العام الذي شمل أوروبا كلها بعد حادثة تشيرنوبيل، خاصة النساء الحوامل اللائي خشين أن ينجبن أطفالًا مشوهين. في بلاد كالدنمارك وإيطاليا واليونان ارتفعت نسبة القلق الأسري بشدة جرّاء انتشار أخبار التسريب النووي من تشيرنوبيل، في اليونانان(12) تحديدًا ارتفعت حالات الإجهاض المتعمد بمقدار 2500 حالة خشية تشوهات الأجنة، رغم أن نسب الإشعاع كانت قليلة جدًا، ورغم تنبيه السلطات على تلك النقطة، إلا أنه كما قال ليجاسوف في الفيلم: "حتّى إنهم في ألمانيا منعوا الأطفال من اللعب في الشوارع".

    

أغلقت ملاهي الأطفال والحدائق أبوابها في ألمانيا خشية الإشعاع (مواقع التواصل)

    

هذا الرعب الإشعاعي هو جزء من حرب سياسية غاية في العمق، قائمة منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها اصطلاح "إشعاع نووي" للوجود، تتضمن المعركة المعاصرة صراعًا بين طرفين، الأول يقول إن محطات الطاقة النووية ضارة، فعلى الرغم من أن الأبحاث التي تحاول فحص الآثار الصحية الخطرة للنشاط الإشعاعي الناتج عن تسريبات فوكوشيما وتشيرنوبيل والقنبلتين في هيروشيما وناجازاكي قد تراجعت بوضوح عن تصوراتها القديمة، إلا أن النتائج غير مؤكدة بعد، ويمكن أن تكون هناك مخاطر غير متوقعة لمحطات الطاقة النووية، خاصة وأن الحوادث النووية إلى الآن قليلة جدًا (رغم أن ذلك أيضًا يقف في صالح الفريق الآخر).

  

من جهة أخرى فإن الفريق الآخر يرى أن الحديث عن أخطار الإشعاع يتطلب أن نعقد مقارنة مهمة، فبينما يتسبب التدخين في انخفاض مقداره 10 سنوات في متوسطات الأعمار، وتتسبب السمنة في انخفاض مقداره 4 سنوات، فإن هؤلاء الناجين(13) من محيط انفجار قنبلة ذرية تنخفض متوسطات أعمارهم إلى سنتين ونصف فقط، ما يعني أنه على الرغم من أن الإشعاع ضار، إلا أنه أقل ضررًا بفارق شاسع من استخدام الغاز أو منتجات البترول الأخرى أو الفحم في محطات إنتاج الطاقة الكهربائية، وبينما تتسبب الأخيرة في نفث كمات هائلة من غازات الاحترار العالمي (ثاني أكسيد الكربون) فإن الطاقة النووية لا تفعل. هؤلاء يقولون ببساطة: "لا يوجد شيء غير خطر بالكامل، لكن دعنا نقارن بين الأرقام".

  

      

وما علاقة الفيزياء بالسياسة؟

بعد أكثر من ثلاثين عامًا، وفي دراسة(14) أخيرة صدرت قبل عدة أشهر، فإن الحياة قد وجدت طريقها من جديد إلى محيط تشيرنوبيل، في تلك المنطقة التي أطلق عليها يوما ما "الغابة الميتة"، ومع عدم وجود البشر تنوعت صور الحياة وانتشرت وأصبحت تلك المنطقة نظامًا بيئيًّا غنيًّا احتوى على بعض أنواع الدببة، والذئاب الرمادية، والخنازير البرية أو الأوراسية، والثعالب الحمراء، وكلاب الراكون وهو نوع من الكلاب الموجودة في شرق آسيا وأوروبا، وأنواع عدة من الطيور، ويأمل الباحثون بدراسة هذا النمط من الحياة أن يستخرجوا بيانات جديدة عن أثر الإشعاع على بيولوجيا الكائن الحي، ما يعطينا فرصة أفضل لفهم أثره علينا.

     

مفاعل تشيرنوبيل الآن، يحاط بقبة ضخمة بارتفاع أكثر من 250 متر وطول 160 متر لحجب الإشعاع (رويترز)

    

هل كانت تشيرنوبل كارثة أم كانت حادثة؟ إن استخدام أي من التعبيرين في وسائل الإعلام يثير نوعًا محددًّا من المخاوف، كونها "كارثة" يعني أنها كانت ذا أثر هائل لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، أما كونها "حادثة" فيعني أن ذلك شيء يمكن أن يحدث نتيجة خطورة مشابهة لأشياء أخرى. مثلما نرى في قضايا التغير المناخي، فإن تدخل السياسة ويديها الإعلاميتين يعكر الحقائق العلمية وتصبح غير واضحة للجمهور، خاصة وأن مجال الطاقة النووية معقد ويحوي الكثير من الاصطلاحات الجامدة والأبحاث المتداخلة بين نطاقات عدة، لكن ما نحن متأكدون منه هو أن الجمهور العام، في كل العالم وليس في الوطن العربي فقط، يبالغ بوضوح في فهم الآثار الضارة للإشعاع النووي، ويبني البعض معلومات على توقّعات قديمة(15).

    

ما أخطأ فيه مسلسل تشيرنوبيل إذن هو أنه عزز من مخاوف المشاهدين وتصوراتهم عن الإشعاع، كلما تحدث فاليري ليجاسوف أمام ميخائيل جورباتشوف شعرنا بأن هذا الأمر الهائل لا بد أنه سيودي بحياة قارة بأكملها، بل ربما قام البعض منا، نحن مواليد الثمانينات والتسعينات، بحساب المسافة بين بلده وموقع تشيرنوبيل على "جوجل ماب" خشية أن يكون هو أو أي من ذويه قريبًا من الإصابة بخطر ما. لا نقول إن الإشعاع النووي آمن كليًا بالطبع. ما حدث في تشيرنوبيل يبقى أحد أسوأ الكوارث في تاريخنا، لكن دعنا فقط ننوه إلى أن الأمر انطوى على الكثير من المبالغات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار