انضم إلينا
اغلاق
هل كنت لتعيد حافظة نقود وجدتها في الشارع؟!

هل كنت لتعيد حافظة نقود وجدتها في الشارع؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

لنفترض التالي، أنت الآن تقف في أحد المحال التجارية، ولسبب ما، خرج الجميع بمن فيهم صاحب المكان وبقيت وحدك أمام صندوق النقود المفتوح على آخره. وبعد لحظات، تُلقي بنظرة متفحصة قليلا إليه، هناك ما يقترب من ألفي دولار بداخله، تراودك تلك الفكرة مرة بعد أخرى، لا أحد هناك، والظروف متاحة بحيث يكون من المستحيل أن يعرف أي شخص أنك أنت الفاعل، وهذا مبلغ كبير، ويمكنه أن يساعدك في الكثير من الأشياء. ما الذي يمكن أن تفعله في حالة كتلك؟

   

أعرف أنك تقول: "لا، لن آخذ النقود"، لكن ماذا لو كنت صاحب المكان وهذه نقودك بالصندوق، هل سيسرقها الآخر؟ بنسبة كم في المئة يمكن أن يحدث ذلك؟ بحسب النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، فإن الأمر يتعلق بشكل رئيس بعملية حسابية نقوم بها في أدمغتنا، فإذا كانت الفوائد من أخذ النقود أكبر من الأضرار، ونعني هنا قيمة ما تحصل عليه من نقود مقابل قيمة احتمالات ما يمكن أن يحدث من كوارث إذا أُمسك بك، فإن الشخص العادي في المتوسط سوف يميل مع كفّة المعادلات ويأخذ النقود، خاصة وأن أحد أهم عوامل الغش هو الإتاحة، وجود الفرصة المناسبة والمبرر المناسب.

   

17 ألف حافظة نقود

  

يقول دايفيد تانيباوم، أستاذ الإدارة من جامعة يوتاه، وأحد مؤلفي دراسة جديدة في هذا النطاق صادرة قبل أيام قليلة في دورية "ساينس Science" واسعة الشهرة: "تتعارض نتائج دراستنا مع هذا النموذج الذي يقول إن الناس يتحفّزون فقط للمصلحة الذاتية المادية"، مضيفا في أثناء حديثه مع "ميدان": "إذا كان هذا هو الدافع الوحيد الملائم، فيجب إذن أن تنخفض معدلات الإبلاغ عن حافظة النقود المفقودة عندما تحتوي على أموال في داخلها، لكن ذلك لم يحدث".

 

كانت آلية عمل التجربة التي قام بها هذا الفريق الذي ضم ثلاث جامعات -يوتاه وميتشجن وزيورخ- غريبة حقا، حيث تضمنت أن يوزّع القائمون عليها 17 ألف حافظة نقود، على مدى عدة سنوات، على بعض مكاتب الاستقبال الخاصة بالمسارح والمتاحف والفنادق ومكاتب الشرطة، إلخ، في نحو 350 مدينة ضمن نطاق 40 دولة. والفكرة ببساطة أن يدخل أحد منفذي التجربة بسرعة إلى مكتب الاستقبال، يقف أمام الموظف قائلا: "أهلا، لقد وجدت هذه الحافظة في الشارع إلى جوار هذا المبنى"، ثم يتوقف قليلا، يدفع المحفظة على المكتب ناحية الموظف مضيفا: "لا بد أنها سقطت من أحدهم، وأنا على عجلة من أمري، يجب أن أذهب، هل يمكن أن تهتم بالأمر؟".

 

بعد ذلك يخرج صديقنا من الفندق مسرعا دون أن يترك أي بيانات عنه، وينتظر باقي فريق التجربة لمدة تبدأ من ساعات وقد تستمر لعدة شهور اتصالا هاتفيا أو بريدا إلكترونيا لأجل إرجاع حافظة النقود، في الحافظة يمكن أن تجد نقودا (بالعملة المحلية للدولة)، يمكن كذلك أن تجد بطاقة عمل بها اسم ورقم هاتف والبريد الإلكتروني الخاص بصاحبها الوهمي (اسم رائج في تلك الدولة)، مع قائمة للتبضّع من السوق مكتوبة بلغة أهل البلد، بالإضافة إلى مفاتيح من المفترض أنها خاصة بمنزل صاحب الحافظة، لأغراض التجارب لم تحتوِ الحافظة على المبلغ نفسه، بل كانت بعض الحافظات فارغة، والبعض الآخر به مبلغ صغير والبعض به مبلغ كبير، كذلك كانت بعض الحافظات لا تحتوي على مفاتيح، لكن جميعها احتوت على بطاقة العمل وقائمة الطلبات.

  

أثبتت التجربة أن كمَّ النقود كان له تأثير عكسي على الأمانة، ما يشير إلى أن الناس يشعرون بالسوء بدرجة أكبر كلما كان كمُّ النقود أكبر

مواقع التواصل 
  

يقول تانيباوم في حديثه مع "ميدان": "في استفتاءات خاصة بنا، طلبنا إلى الناس أن يتكهّنوا بدوافع الآخرين للاحتفاظ بالمال، وهم يعتقدون أن الدافع السائد هو المصلحة الذاتية المادية فقط"، مضيفا أن وجهة النظر تلك ليست فقط شائعة بين الناس العاديين، بل أيضا رجال الاقتصاد، على الرغم من أنه لا يوجد دليل واحد على صدق هذا الافتراض. ماذا تتوقع من تجربة كتلك؟ ما العلاقة بين كمية النقود وإرجاع الحافظة؟ هل كنت لتعيدها؟

 

هل كنت لتعيد حافظة نقود وجدتها في الشارع؟

في تجربة كتلك، يتوقع الناس أن تلك الحافظات التي بها أموال كثيرة غالبا لن تعود إلى صاحبها الوهمي، في المقابل قد تعود حافظات النقود التي احتوت على كمٍّ قليل من المال بمعدلات أكبر، لكن ذلك -بحد تعبير تانيباوم في تصريحه لـ "ميدان"- لم يحدث، جاءت النتائج لتقول إنه على الرغم من تباين نسب إعادة حافظات النقود بين دول العالم، فإن الجميع أعادوا الحافظة التي بها نقود أكثر بمعدلات أكبر، تلك هي لا شك مفاجأة كبيرة.

      

     

لفهم الأمر دعنا نتعرف إلى العوامل الرئيسية التي يمكن أن تؤثر في قرار شخص ما قبل إرجاع حافظة النقود إلى صاحبها أو عدم إرجاعها، من المفترض أن تتضمن هذه العوامل الحافز النقدي للاحتفاظ بالمال، والمتمثل في كمِّ المال نفسه، والجهد المبذول في الاتصال بالمالك، والاعتبارات الأمنية الخاصة بالمكان، والاعتبارات القانونية الخاصة بالدولة، واعتبارات أخرى خاصة برفاهية المالك، وما يُعرف باسم "التكاليف النفسية لعدم الأمانة".

  

بحسب الدراسة الجديدة، ظهر أن التكاليف النفسية لعدم الأمانة، أي حاجة الشخص إلى الحفاظ على صورته الذاتية عن نفسه كإنسان نزيه، هي فقط ما يمكن أن يفسر هذا السلوك، بمعنى أن كمَّ النقود كان له تأثير عكسي على الأمانة، ما يشير إلى أن الناس يشعرون بالسوء بدرجة أكبر كلما كان كمُّ النقود أكبر، كذلك فإن حافظات النقود التي احتوت على مفاتيح ذات فائدة فقط لصاحب الحافظة وليس للخاضعين للتجارب، أُرجعت لأصحابها بمعدلات أكبر من تلك التي لم تحتوِ على مفاتيح، يعني ذلك سلوكا إيثاريا واضحا.

  

في حديثه مع "ميدان" يقول تانيباوم: "يشير اصطلاح التكاليف النفسية لعدم الأمانة إلى كلٍّ من مخاوف الإيثار (أي الاهتمام بمالك الحافظة دون ذاتك) ومخاوف الصورة الذاتية (أي النفور من رؤية الشخص لنفسه على أنه لص)"، مشيرا إلى أن الأمر يتوقف على المقارنة الخاصة التي تعقدها بين هذه الدوافع الذاتية والمتاعب المتمثّلة في الاضطرار إلى الاتصال بالمالك، وإغراء الاحتفاظ بالمال داخل المحفظة.

  

التكاليف النفسية لعدم الأمانة

  

يقول تانيباوم لـ "ميدان": "سيكون الناس أكثر عرضة لإعادة الحافظة المفقودة عندما تتفوق هذه التكاليف النفسية على الفوائد المادية للاحتفاظ بالمال"، في الواقع فإن الأمر ينطوي على مفارقة، مع المبالغ الصغيرة يمكن أن تجد بعض الحجج لأجل أن تبقيها معك، منها الكسل، كأن تقول لنفسك إن المبلغ الموجود بالحافظة صغير بحيث لن يسأل عنه صاحبه، كذلك لو كان المبلغ صغيرا فربما لا ترى أنها سرقة، من يمكن أن يسرق 14 دولارا؟ لكن 95 دولارا هو مبلغ كبير، يعني الاحتفاظ به أنك لص، وهو ما قد يُثير انتباه صورتك الذاتية بدرجة أكبر.

  

في التجارب الخاصة بهم، حرص تانيباوم ورفاقه على تنحية بعض المعاملات التي قد تتدخل للتأثير على النتائج. على سبيل المثال، ربما تتأثر معدلات إرجاع الحافظات بوجود أفراد آخرين في المكان أثناء تلقي الحافظة، أو بوجود كاميرات أمنية في المبنى، أو قد تتباين بقدر تباين القوانين الخاصة بالسرقة في دولة دون أخرى، لكن على الرغم من ذلك، ومع تلاعب الفريق البحثي بتلك المعايير، ظهر أنه لم يكن هناك تأثير واضح لها في قرارات الأشخاص بإرجاع الحافظة من عدمه.

 

من جهة أخرى، عمل الباحثون على عمل استقصاءات تالية لهؤلاء الذين أرجعوا النقود لفحص درجات الرفاهية المادية الخاصة بهم، مع استقصاءات أخرى لفحص ما إن كانوا ينتظرون مكافآت مقابل إرجاع حافظة النقود، لكن نتائج هذه الاستقصاءات جاءت عشوائية، بحيث لا يمكن أن يكون لشيء آخر دون التكاليف النفسية لعدم الأمانة تأثير واضح على قراراتهم. 

       

نحن نفترض عن طريق الخطأ أن الآخرين من بني البشر هم أنانيون، لكن صورتهم الذاتية كشخص نزيه أهم لهم في بعض الأحيان من المكاسب النقدية قصيرة الأجل

مواقع التواصل
    

إلى جانب ذلك، قام الفريق بعمل استقصاءات ضخمة في عدة دول، الولايات المتحدة وبريطانيا وبولندا، لسؤال الناس عن طبيعة شعورهم حينما يفشلون في إرجاع حافظة نقود إلى صاحبها، بحيث تتراوح الإجابة بين 1 (عادي) إلى 10 (أشعر أنني لص)، هنا جاءت الإجابات لتميل إلى فرضية التكلفة النفسية لعدم الأمانة، وكان هناك اقتراب من الرقم 10 كلما احتوت الحافظة على قدر أكبر من المال، ما يعني رغبة الناس في الحفاظ على صورة ذاتية نزيهة عن ذواتهم.

 

لكن على الرغم من ذلك، فإن تصورات الناس عن سلوك البشر عموما جاء معاكسا لتلك النتائج، يقول تانيباوم لـ "ميدان": "عندما احتوت محافظ النقود على المزيد من الأموال، توقع المجيبون في استفتاء آخر أن تنمو المصلحة الذاتية وأن تتلاشى الطبيعة الإيثارية للمالك"، ما يعني أننا لا نعطي وزنا لفكرة التكاليف النفسية لعدم الأمانة، نحن نفترض عن طريق الخطأ أن الآخرين من بني البشر هم أنانيون، لكن صورتهم الذاتية كشخص نزيه أهم لهم في بعض الأحيان من المكاسب النقدية قصيرة الأجل.

   

يقول تانيباوم في نهاية حديثه لـ "ميدان": "باختصار، كانت نتائجنا مفاجئة للناس"، مضيفا: "لأنهم يخطئون في فهم علم النفس القابع خلف تلك السلوكيات"، الأمر يدعو حقا للتأمل، ولا بد أن تلك النتائج كانت مفاجئة لك أيضا، ما إن تفقد هاتفك، حافظة نقودك، أو حقيبة الحاسوب الخاص بك، حتّى تتصور فورا أنها لن تعود، وأن هذا الذي وجدها لن يفكر ولو للحظة في التخلّي عن تلك الثروة الصغيرة التي حصل عليها للتو دون جهد، لكن ماذا لو كان من المهم أيضا لدى الآخر أن يكون شخصا نزيها؟ ماذا لو كان الاعتقاد بأننا أناس طيّبون يعطينا رغبة أكبر في الحياة، يعطينا سعادة أكبر، ماذا لو كان ذلك جزءا من ذواتنا؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار