انضم إلينا
اغلاق
الانقراض السادس.. هل اقتربت الحياة على الأرض من نهايتها؟

الانقراض السادس.. هل اقتربت الحياة على الأرض من نهايتها؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ - جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري"

(علي بن الجهم)

     

لا شك أنك استمعت يوما ما أو قرأت عن المها العربية، عيونها السوداء الواسعة الكبيرة كانت على مر تاريخ بلاد العرب مثلا شائعا يُضرب في جمال عيون الفتيات، ويكتب فيها أبيات شعر تتناقلها الناس من جيل إلى جيل، في الواقع فإن تاريخ المها العربية سابقٌ للشعر نفسه، لقد وجدت رسوم المها في الكهوف جنوبي فلسطين قبل آلاف السنين، وانتشرت في كل الجزيرة العربية وصولا إلى الشام ومصر، وقام البشر الساكنون في تلك المناطق باصطيادها على مر تاريخنا كله.

   

لكن، ألم تسأل نفسك عن هذا الكائن؟ أين ذهب؟ ولِمَ لا يتكلم عنه الناس كثيرا؟ في الواقع، فإن المها العربية قد خاضت معركة غاية في الصعوبة انتهت مع سبعينيات القرن الفائت حينما قُتل آخر فرد منها في البرية، في تلك الفترة صُنّفت المها العربية على أنها كائن منقرض، لكن لأهميتها التاريخية عملت عدة هيئات عربية وعالمية على جمع المتبقي منها في المزارع الخاصة والحدائق وإتاحة أفضل الظروف لها من أجل التزاوج. عادت المها العربية من جديد للحياة، لكن هذا الكائن الذي عاشت منه عشرات إلى مئات الآلاف يوما ما حولنا، أصبحت أعداده في البرية الآن حول رقم يقترب من الـ 1000-2000 فقط، مع عدة آلاف أخرى في أماكن مغلقة حول العالم.

      

  

تاريخ العالم المفقود

"الانقراض" هو ذلك الاصطلاح الغريب الذي أصبحنا نقرأ عنه كثيرا في الآونة الأخيرة، في الواقع فإن تاريخ البشرية مع اصطلاح "الانقراض" حديث جدا، بدأ حينما تمكّن جورج كوفييه، عالم الطبيعة والحيوان الفرنسي واسع الشهرة، في القرن الثامن عشر، من تأكيد وجود كائنات أخرى عاشت قديما في هذا العالم قبل ما نعرفه الآن، في البداية ظن الناس أن هذه الكائنات قادمة من عالم مفقود عاش بالكامل قبل هذا العالم، لكن شيئا فشيئا تطورت تلك الفكرة بوصول داروين.

  

تشارلز داروين، أشهر العلماء باتفاق الكثيرين، وصاحب أحد أكبر حالات الجدل الممتدة إلى الآن. أوجدت نظرية داروين في التطور بالانتخاب الطبيعي تفسيرا واضحا لوجود تلك الكائنات القديمة، فإذا كان الصراع بين الكائنات هو أحد أساسات الطبيعة، فلا بد إذن أن يتناسب ازدياد وجود كائن ما مع اختفاء آخر، بالتالي فإن معدلات ظهور الأنواع الجديدة هي نفسها معدلات انخفاض الكائنات القديمة، بهذه الفكرة أوجد داروين حلا سحريا لتفسير الانقراض، لكن ذلك الحل لم يتمكّن من تفسير ما هو أكثر قسوة من مجرد انقراض.

  

في الحالة الطبيعية، تنقرض الكائنات الحية بمعدلات بطيئة للغاية، فقط 0.25 نوع لكل مليون نوع لكل سنة، لكن تاريخ دراسة العلماء للأحافير يشير إلى أن هناك فترات من تاريخنا تناقصت فيها أعداد الكائنات بأعداد خرافية. على سبيل المثال، قبل 65 مليون سنة، وضمن ما يُسمى الآن بالانقراض الطباشيري الثلاثي، فإن 75% من الكائنات الحية كانت قد اختفت فجأة، استمرت التكهنات حول ذلك التحول الكارثي حتّى أدرك العلماء -في الثمانينيات من القرن الفائت- أن ذلك قد تزامن، بشكل أو بآخر، مع سقوط جسم ضخم جاء من الفضاء إلى الأرض ضاربا إياها بقوة مئات الآلاف من القنابل الهيدروجينية.

  

ربما كان ذلك هو أسوأ يوم في تاريخ الأرض، لكن تلك الأحداث الفضائية لم تكن فقط السبب في هذه الانقراضات الضخمة، في أثناء العصر الأوردوفيشي، قبل 450 مليون سنة تقريبا، حدثت موجة انقراض شبيهة قضت على 85% من أشكال الحياة، المذنب لم يكن السبب هذه المرة، بل ارتفعت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بكميات هائلة لدرجة أن باحثي هذا النطاق لم يعرفوا إلى الآن من أين جاءت كل تلك الكميات، بعد ذلك دخلت الأرض في عصر جليدي عظيم، في الواقع فإن نظرية الكرة الأرضية الجليدية تفترض أن هذا الكوكب كان يوما ما مغطى بالكامل بالجليد، وأن الحياة عاشت تحت الجليد لقرون طويلة، ثم عادت من جديد.

  

  

  

خمسة انقراضات هائلة عانتها الحياة على هذا الكوكب على مدى 500 مليون سنة مضت، وبحسب إليزابيث كولبرت في كتابها الحاصل على جائزة البوليتزر "الانقراض السادس - تاريخ لا طبيعي"، فإننا الآن نعيش بالفعل داخل الانقراض السادس، تسببت أحداث طبيعية في الانقراضات السابقة، فإما كويكب أو مذنب قادم من الفضاء، أو بركان هائل، أو سبب لا نعرفه بعد، لكن الانقراض الحالي هو الوحيد الذي تسبب فيه كائن حي، كلنا نعرفه باسم "الإنسان".

  

أرقام كثيرة.. كائنات أكثر

دعنا أولا نبدأ ببعض الحقائق، تُمثّل الكتلة الحيوية لكل الحياة على الكوكب ما مقداره 550 جيجا طن من الكربون، ويعني ذلك مقدار ذرات الكربون في الكائنات الحية، منها 450 جيجا طن للنباتات فقط، تليها البكتيريا بقيمة 70 جيجا طن، أما البشر فيُمثّلون 0.06 جيجا طن فقط، لكن المثير للانتباه هنا هو تلك البيانات التي تشير إلى أن وجود البشر، قبل 300 ألف سنة وإلى الآن، قلّص 85% من الكتلة الحيوية للثدييات على الكوكب، و50% من كتلة نباتاته الحيوية، وهذه نسب من الضخامة بحيث لا نراها إلا في حالات محددة، نعم إنه الانقراض.

  

خلال السنوات المئة السابقة انقرض 200 نوع من الفقاريات فقط، ومن بين أكثر من 27 ألف نوع من البرمائيات، والثدييات، والزواحف، انخفضت أعدادها بقيمة 50% في أماكن انتشارها بصورة لافتة للنظر، ومع المتابعة الدقيقة لأكثر من 177 نوعا من الثدييات وُجد انخفاض ملحوظ في 40% منها، أما بالنسبة إلى الأُسود الأفريقية فقد انخفضت أعدادها بنسبة 40% فقط في السنوات العشرين الفائتة، بينما أصبح عدد الأُسود في غرب أفريقيا هو فقط أربعمئة أسد، وبينما نعرف أيضا أنه في يوم ما كانت تلك الأنواع من الأُسود تجوب معظم أفريقيا وجنوب أوروبا وصولا إلى الهند.

     

   

وما يثير الرعب هو أن معدلات انقراض الأنواع في كوكب الأرض ارتفع بقيمة 1000-2000 مرة عن الطبيعي، كل هذا ونحن لم نتحدث عن الحشرات بعد. الكثير من الأرقام كما ترى، إنها مملة، لكن كل رقم طفيف يقع بعد العلامة العشرية منها يشير إلى كارثة عظيمة، كارثة لم نرها من قبل إلا في حالات الانقراض العظيمة، لكن في تلك النقطة قد تسأل: ما الذي يفعله الإنسان؟

  

الأمر بسيط، يتفق 97% من الباحثين من الوسط العلمي الخاص بدراسة المناخ على أن سبب الاحترار العالمي هو النشاط البشري، الفكرة العامة بسيطة، تدخل أشعة الشمس للأرض ثم تمتصها الأخيرة وتنفثها للفضاء مرة أخرى، لكن بارتفاع نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي (ثاني أكسيد الكربون بصورة خاصة) ترتفع قدرة الغلاف الجوي على حبس جزء من تلك الأشعة ومنعه من الخروج، ما يتسبب في احترار الغلاف الجوي، إلى جوار عدة كوارث أخرى.

  

نستخدم نحن البشر الوقود الأحفوري، ما تسبب في أن تخطت نسبة ثاني أكسيد الكربون حاجز 400 جزء من المليون، أكثر مما كان موجودا خلال مئات من الآلاف من السنوات السابقة، نحن نضخ 10 مليارات طن متري من الكربون في الغلاف الجوي كل عام، وإذا استمر الأمر بالمعدلات المتسارعة نفسها التي تسجلها الدراسات العلمية عاما بعد عام، فإنه بحلول نهاية القرن الحالي سيصل ثاني أكسيد الكربون إلى مستويات لم تحدث من 15 مليون سنة!!

  

       

لكن، ما الذي يفعله ثاني أكسيد الكربون؟ الكثير في الحقيقة، ولربما وجب الآن أن نوضح أن ما نسميه بالتغير المناخي هو جزء من حالة تغير ضخمة تمر بها الأرض تسمى بالتغير الكوكبي، الاحترار العالمي -من جانب- يرفع معدلات انقراض الكائنات الحية بصور كارثية، فبوصولنا إلى حاجز ثلاث درجات إضافية -في متوسط درجات الحرارة- ستخسر 47% من الحشرات، و26% من الفقاريات، و16% من النباتات نطاقاتها الجغرافية، ما سيؤدي إلى انحسار واضح في درجات التنوع الحيوي بكوكب الأرض.

  

الأنثروبوسين.. عنوان لفيلم رعب

في المقابل من ذلك، يمكن أن نلتقي بالتوءم الشرير للتغير المناخي، وهو زيادة حامضية محيطات الأرض، فمع ارتفاع نسب ثاني أكسيد الكربون في المحيطات ترتفع نسبة حامضيتها، تؤثر تلك الحامضية بدرجة شديدة القسوة في قدرة الكائنات التي تعيش في الماء على تنظيم كيميائها الداخلية، نتحدث هنا عن إفساد عمليات كالأيض ونشاط الإنزيمات ووظائف البروتينات، كذلك ستؤثر الحامضية في كامل التركيبة الميكروسكوبية (البكتيريا) لعوالم المحيطات والبحار، وهو ما يغير -حرفيا- كل شيء آخر.

  

من جانب آخر، فإن النشاط البشري على كوكب الأرض قد دفع بعلماء الجيولوجيا إلى إعلان دخولنا في حقبة جيولوجية جديدة تسمى "عصر الإنسان" (Anthropocene)، بعد ملايين السنين من الآن يمكن بسهولة ملاحظة أثرنا على الكوكب، لقد غيرنا شكل نصف سطح اليابسة الأرضية بالكامل، وغيرنا شكل أنهار العالم الرئيسية فباتت كلها ذات سدود، وأنتجنا -عبر مصانع الأسمدة- كمية نيتروجين تفوق كل الأنظمة الطبيعية التي نعرفها، أما مصايد الأسماك فقضت على أكثر من ثلث الإنتاج الأولي للمياه الساحلية، ويستخدم البشر أكثر من نصف مياه الجريان السطحي على الأرض!!

      

   

كل شيء يتغير، مع الثورة الزراعية أزال البشر آلاف الأنواع من أجل زراعة نوع واحد، ليس فقط من أجل الطعام، بل من أجل الزيوت التي تُستخدم في مستحضرات التجميل وغيرها من الأغراض الجانبية، ومع الثورة البتروكيماوية أضاء البشر الأرض وتجولت الآلة في كل مكان بها، مع هذا التغيير الهائل لشكل الطبيعة، في أقل من مئتي سنة فقط، انخفض التنوع البيولوجي بصورة مجنونة لم تحدث من قبل على هذا الكوكب.

  

يعني التنوع البيولوجي -ببساطة- تنوع أشكال الحياة بكوكب الأرض، ويُعتقد أن هناك نحو 8.7 مليون كائن على هذا الكوكب، استطاع البشر التعرف إلى 10% منها فقط، تساهم كل تلك الكائنات في تسيير الحياة بحيث تكون ممكنة للكل معا، لفهم الفكرة تخيل الحياة على كوكب الأرض كشبكة، شبكة ضخمة مشدودة بقوة ودقة يوجد كل كائن فيها عند نقطة من نقاطها، حينما ينقرض كائن ما فإن ذلك يُحدث فجوة، لكن قوة أي شبكة تكمن في عدد النقاط بها، كلما كانت أكثر، كانت الشبكة أقوى، وكلما كانت أقل، ازدادت هشاشتها وكانت فرصة فقدان نقاط جديدة أكبر من الفرص السابقة.

  

بدون النباتات لن يكون هناك أكسجين، لذلك كلما قلت نسبة النباتات في الكوكب قلّت نسبة الأكسجين في غلافه الجوي، أما بدون الحشرات لن تكون هناك فواكه ولا حبوب، لأنها تنقل حبوب اللقاح في أقدامها من زهرة إلى زهرة، وهكذا فإنه مع بعض التأمل يمكن لك أن تخمن أن عددا كبيرا من الكائنات الحية يؤثر بشكل مباشر في حياتنا كبشر، لكن تخمينك سيكون دائما أقل من الحقيقة، فالأمر يتعقد بشدة في المنظومات البيئية بحيث تكون حشرة صغيرة ملقى بها على الجبال في كينيا ذات علاقة مباشرة بحياتك في مصر أو ليبيا أو عمان أو قطر أو الكويت، إلخ.

  

لقد قتلنا الحيوانات لغرض أكلها، لكننا أيضا فعلنا ذلك لأغراض الترفيه وأبدنا أنواعا كاملة من الكائنات الحية لأجل أهداف تجارية لا علاقة لها بحاجاتنا الأساسية (الأوك العظيم الذي تضربه كولبرت في كتابها هو خير مثال). إذا تأملت الأمر قليلا، فستجد أن ما فعلناه نحن البشر، ونستمر في فعله حتّى لحظة كتابة هذه الكلمات، هو أننا نُبيد الحياة على كوكب الأرض بلا رحمة، نستهلك من رصيد نظن أنه مجاني لمجرد أنه ظل يتراكم في بنك الحياة طوال أربعة مليارات ونصف من السنوات.

    

    

الحياة معجزة، غيّرت شكل كوكب الأرض وأغرقته في الخير، لكننا نتعامل معها بجنون، يشبه الأمر أن تكون الحياة شجرة ضخمة متنوعة الفروع، ثم قمنا بإعطاء فأس كبير لشخص مجنون وتركناه ليقطع فروعها بضربات عشوائية تماما، إنها المرة الأولى في تاريخ هذا الكوكب التي يقوم خلالها كائن واحد بإبادة رفاقه من الكائنات بعزم وسرعة لا هوادة فيهما، وهي المرة الأولى كذلك التي يكون أذكى الكائنات فيها هو الأكثر غباء، فقط لأنه لم يتمكّن من النظر إلى مسافة أبعد قليلا من قبالة عينيه، لم يتمكّن من إدراك أنه لا يمتلك تلك الشجرة، بل هو أحد فروعها، والذي قد ينقطع أيضا يوما ما.

    

ملاحظة أخيرة

هذا التقرير هو عرض لكتاب "الانقراض السادس - تاريخ لا طبيعي" لإليزابيث كولبرت، والذي صدر مترجما لأول مرة باللغة العربية قبل عدة أسابيع عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت. في كتابها، تقدم كولبرت تلك الحقائق المرعبة السابقة في صورة قصصية بديعة تجعله واحدا من أجمل الكتب التي يمكن لك أن تقرأها، كذلك فإن كولبرت تقدم مادتها العلمية بسهولة قلّ أن تراها في كتاب، خاصة عن الأمر المتعلق بأثر الإنسان على كوكبنا الجزين.

     

لهذا السبب قررنا في القسم العلمي من منصة "ميدان" أن نفرد للكتاب تقريرا كاملا يعرض لبعض النقاط الأساسية فيه، وبالإضافة إلى ذلك يفتح لك الباب لقراءة أكثر فهما فيه، ولأننا نهتم بأرضنا كما نهتم بالنجوم والكواكب والأكوان المتوازية، فنحن نرشح لك هذا الكتاب الرائع، وهو يقع في نحو 300 صفحة فقط، لكنك ستنهيها في نحو أسبوع لهدوء السير فيه، ولبساطته.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار