انضم إلينا
اغلاق
"سباق العمالقة" .. هل وجد العلماء عقارا فعّالا لعلاج كوفيد-19؟

"سباق العمالقة" .. هل وجد العلماء عقارا فعّالا لعلاج كوفيد-19؟

  • ض
  • ض

في العام 2009 لاحظت كارين ستاركو(1)، الباحثة في كلية الطب جامعة أريزونا الأمريكية، أن الأعراض التي ظهرت على المرضى في أثناء انتشار ما يُعرف ب "الإنفلوانزا الإسبانية" عام 1918 كانت في بعض الأحيان لافتة، حيث عانت الكثير من الحالات -بشكل شديد- من فرط التنفس وتراكم السوائل في الرئة، ومع مزيد من البحث اكتشفت ستاركو أن ذلك كان بسبب الاستخدام المفرط للأسبرين كعلاج للمرض، ما ساهم في ارتفاع نسب الوفيات إلى جانب الوباء.

    

في حالات الأوبئة، فإن تصريحًا بسيطًا من أحدهم عن فائدة دواء ما أو قدراته على العلاج يكفي أن يدفع الناس للبدء في تخزينه واستخدامه بجرعات كبيرة لأجل الوقاية، لكن تلك الجرعات قد تكون أخطر من الوباء نفسه. في حالة كورونا الجديد، يبدو أن انتشار الحديث عن النتائج المبشرة للكلوروكين chloroquine، العقار الذي يستخدم بشكل رئيسي في علاج الملاريا، دفع بالناس لشراء أكبر كم ممكن منه(2)، بل إن البعض قد بدأ بالفعل في استخدامه بجرعات ضارة لأغراض الوقاية، لذلك أطلب إليك أن تهدأ قليلًا، وأن نتتبع معا خط السير العلاجي المتوقع لكورونا الجديد، لأن الحقائق العلمية في ظروف كهذه هي أثمن العملات.

     

الكلوروكين ورفيقه

   

لفهم الكيفية التي يعمل بها الكلوروكين في الجسم يمكن أن نبدأ مما نعرفه عن الفيروسات التاجية، فهي تحمل في أغلفتها الخارجية زوائد يمكن لها أن تلتصق بمستقبلات معيّنة خارج الخلايا البشرية (الرئة بشكل خاص)، بعد ذلك يبقى الفيروس لفترة معلقا على الخلية، ثم تبتلعه الأخيرة، حينما يدخل الحمض النووي للفيروس إلى الخلية، تحديدا نقصد الحمض النووي الريبوزي ويُسمى اختصارًا رنا RNA، تتعامل معه كأحماضها النووية الطبيعية وتستخدمه لإنتاج أحد الإنزيمات، يسمى(3) "بوليميريز الرنا المعتمد على الرنا"، والذي يكرر نسخ الفيروس مرات أخرى.

    

استخدم الكلوروكين في إصابات "سارس" قبل 17 سنة وكان له دور في إنقاذ بعض المرضى من الحالات الخطيرة، يعتقد الباحثون أن الأمر لا يتعلق بالكلوروكين تحديدًا لكن بالزنك، لأن دخوله للخلية يمنع هذا الإنزيم من تأدية عمله بشكل طبيعي، لكن الخلايا البشرية لا تسمح بسهولة بإدخال الزنك إليها، هنا يجيء دور الكلوروكين والذي يحسن هذه الآلية، كذلك ظهر -في هذا السياق- أن تواجد الزنك بكميات كبيرة خارج الخلايا يحسّن من كمياته داخلها.

  

في حالات كوفيد-19، ظهرت الاستخدامات الأولى للكلوروكين في كوريا الجنوبية، حيث أشار الباحثون(4) إلى دور كبير يمكن أن يلعبه هذا العقار في تخفيف الأعراض في المراحل المتقدمة للمرض، بسبب انخفاض كميات الفيروس في الجسم، ولأن الكلوروكين غير موجود في كوريا الجنوبية أوصى الخبراء إما باستخدام الهيدروكسي كلوروكين (تجاريًا: البلاكونيل) أو عقار آخر يدعى الـ "كاليترا"، ويحتوي مضادين فيروسيين هما الريتونافير واللوبينافير، وهو من إنتاج شركة أبوت الأمريكية، وكان قد أظهر أيضًا نتائج إيجابية في بعض الحالات في كوريا الجنوبية، خاصة إذا اقترن بأدوية أخرى. 

     

  

في تلك الأثناء، كان هناك إجماع (5) صيني قد نشأ، بوصولنا للثاني عشر من مارس الماضي، حول ضرورة استخدام نفس العقار، أو رفيقه الهيدروكسي كلوروكين، في الحالات المتقدمة من كوفيد-19، وكان باحثون من جامعة بكين قد نشروا(6)، في التاسع من مارس، ورقة في دورية "كلينيكال انفيكشاس ديزيز" تشير إلى أن الهيدروكسي كلوروكين كان فعالًا في تطور خطير جدًا ومميت في الحالات الحرجة من كورونا الجديد يسمى "العاصفة السيتوكينية"، وأن الهيدروكسي كلوروكين -بالنسبة لقدرات المرضى على تحمل الدواء- كان أفضل من الكلوروكين نفسه.

    

لكن المشكلة التي يواجهها الكلوروكين إلى الآن هي أنه غير مضمون بالكامل، لقد استخدم فقط مع أعداد قليلة من المرضى في التجارب الأولية. على سبيل المثال، تعد التجربة الفرنسية للكلوروكين هي الأشهر إلى الآن(7)، كانت النتائج واعدة حيث بحلول نهاية البروتوكول العلاجي سجل 25% فقط من المرضى نتائج إيجابية في فحص وجود كورونا الجديد مقابل 90% من الناس في المجموعة التي لم تستخدم الكلوروكين، لكن تلك التجارب أجريت فقط على 25 شخص.

     

في الواقع، وبأنه لم يكن موثقًا قانونا لهذا الاستخدام، كانت التجارب الأولى للكلوروكين تُجرى على المرضى في الحالات المتأخرة بحيث يكون خط الدفاع الأخير قبل الموت، ويرى بعض العلماء في هذا النطاق(8) أن فداحة الأمر والأعداد الهائلة من المرضى التي تحتاج للعلاج تدعو لبعض التمهّل قبل اتخاذ القرار بإدراج الكلوروكين أو الهيدروكسي كلوروكين ضمن البروتوكولات العلاجية بشكل واسع، وإلا فقد تتكرر حالة السايكلوسبورين مع الإيدز(9)، وكان قد ظهر فيما بعد، وبعد تجارب أوّلية ناجحة، أنه غير فعّال كعلاج. 

     

سباق العمالقة

   

لم يكن الكلوروكين والهيدروكسي كلوروكين فقط هما العَرض الأول الذي قدمه الأطباء في حجرات العناية المركزة لعلاج كوفيد-19، فقد كانت الحرب ضد رفيقي كورونا الجديد، ونقصد هنا "سارس 2002" و"ميرس 2012"، ناجحة بدرجة ما، ولأن هناك تشابها في التركيب الجيني لتلك المجموعة من الفيروسات، فإن ذلك فتح بابًا لتأمل الأدوية التي استخدمت في علاجها، إلى جانب مجموعة أخرى من الأدوية.

  

على سبيل المثال، استخدم عقار آخر يدعى(10) "الريمدزفير" Remdesivir ، وهو مضاد فيروسات من إنتاج أمريكي استخدم -لكن لم ينجح- في حالة فيروس الإيبولا قبل عدة أعوام، ويعمل تقريبًا -مع تعقيدات بيولوجية كثيرة- بطريقة تشبه التي يعمل بها الكلوروكين، حيث يمنع تكون النسخ الجديدة من الفيروس في الخلية. في بداية الأزمة اختبر على الريمدزفير مرضى أمريكانيين وكان ذا نتائج جيدة، وفي الرابع من فبراير كانت الصين بالفعل قد بدأت تجاربها السريرية عليه، لكن النتائج النهائية تحتاج لبعض الوقت كي تتأكد. 

   

أما الفافيبيرافير Favipiravir، وتنتجه شركة يابانية تحت اسم "أفيجان"، فقد قطع شوطًا في السباق ناحية علاج الكوفيد-19، حيث كانت السلطات الطبية الصينية قد أعلنت(11) -فقط قبل عدة أيام- أنه كان فعالًا بشكل ووصف بأنه "واضح" في علاج المرضى بمدينتي ووهان وشنزن، بالتالي فقد أقرّته قانونا للإستخدام، وطريقة عمله شبيهة برفيقيه السابقين، فهو يمنع عمل انزيم "بوليميريز الرنا المعتمد على الرنا"، وبالتالي يمنع الفيروس من تكرار نفسه داخل الخلايا فيحد ذلك من انتشاره داخل الجسم.

     

      

في التجارب، على حوالي 350 مريض، أظهر هؤلاء الذين تلقوا بروتوكولا علاجيا يحتوي على الفافيبيرافير تحسنًا(12) فقط في أربعة أيام وكانت نتائج فحص الفيروس الخاصة بهم سلبية مقارنة بإحدى عشرة يومًا في حالة هؤلاء الذين لم يتلقوا الفافيبيرافير، لكن -كما أسلفنا- فإن الأمر، بسبب ضخامته، يتطلب التأني في استخدام مثل هذه النتائج كصورة مؤكدة لما يمكن الاعتماد عليه، خاصة وأن الأعداد -عالميا- تتصاعد بشكل متسارع حاليًا (حوالي 15 - 20 ألف حالة جديدة في اليوم).

  

من جهة أخرى يدخل مؤخرًا APN01  "ايه بي ان صفر واحد" كأحد المرشحين لعلاج كوفيد-19، وهو من إنتاج شركة أوروبية تتمركز في النمسا وفيينا، ظهر هذا العقار في 2010  لعلاج حالة متقدمة من التهابات الرئة، تسمى متلازمة ضيق التنفس الحادة (ARDS)، وهي السبب الرئيسي في الوفاة. نعرف الآن(13) أن "ايه بي ان صفر واحد" يعمل على الموضع الذي يرتبط به الفيروس على سطح الخلية ما يمنع دخوله، وبالتالي يقلل ذلك من  أعداد الفيروسات الداخلة للخلايا، ويخفف من الإصابة.

      

  

أما التوسيليزوماب Tocilizumab، وهو منتج سويسري تنتجه شركة روسية تحت اسم "أكتيمرا"، فهو أصلا دواء يستخدم -بشكل أساسي- لعلاج البالغين الذين يعانون من التهاب المفاصل الروماتويدي النشط، في الحالات المتوسطة إلى الشديدة، استخدم الأطباء الصينيون(14) التوسيليزوماب في حالات رد الفعل المناعي الشديد -في الحالات المتقدمة- والذي بالأساس يؤدي إلى فشل الأعضاء والوفاة في مرضى الفيروسات التاجية. عقدت الصين بعض التجارب الأولية على 20 حالة حادة من كوفيد-19 ونجحت في إخراج 19 مريضا من المستشفى، في غضون أسبوعين.

     

حلول غير نهائية

على الرغم من كل تلك الاحتمالات، لا يزال الكلوروكين ورفيقه هما الاحتمال الأكثر قبولًا، العقارات الأخرى غالية الثمن وغير متوفرة بقدره، كما أن البشر يستخدمونه منذ أكثر من 70 سنة لعلاج الملاريا والوقاية منها وفي بعض الأمراض المناعية، ما يرشحه أن يصبح الاختيار الأول للأطباء في الحالات المتقدمة من كوفيد-19، وقد يساهم ذلك في المستقبل القريب بشكل، يمكن وصفه بأنه "جيد"، في تطور نسب الحالات الحرجة أو الوفاة، وهو ما قد يصبح أول خط دفاع بشري ضد كورونا الجديد، لحين وصول اللقاح.

     

      

لكن في النهاية، يرجى ملاحظة أن هذه الإجراءات التي تُتخذ الآن هي -بكل حال من الأحوال- صورة استثنائية تماما من البروتوكول المتبع، معظم هذه الأدوية لم يتخط إلى الآن المرحلة الأولى للتجارب السريرية(15)، وتُستخدم فقط في حالات متطورة جدًا من المرض تمثل -إلى الآن- حوالي 5% فقط من الناس الذين لا يمتلكون حلا آخر سوى التجريب، لكن بسبب أن الظرف نفسه استثنائي فإن الأمر تطلب التدخل بهذا الشكل.

    

لهذا السبب فإنه سيكون من الخاطئ جدًا في الحقيقة، أن ينتشر الناس في الشوارع بحثًا عن أدوية كوفيد-19. هذه الأدوية تجريبية بالنسبة لهذا المرض، كما أن لها أضرارا جمّة تبدأ من التهاب الأعصاب الشديد وتصل إلى مشكلات جادة في البصر بالنسبة للكلوروكين مثلا، أضف لذلك أنها تستخدم فقط للحالات المتقدمة من المرض وتوضع ضمن بروتوكول علاجي منتظم وتحتاج لمتابعة طبية دقيقة، الإقبال على هذه الأدوية واستخدامها بشكل وقائي أو دون إشراف طبي قد يضعنا في حال شبيه بما حدث في الإنفلوانزا الإسبانية. كما نكرر دائما، لا يأتي الفيروس منفردًا بل تصحبه حالة من الهلع الذي قد يتسبب في أن ينتهج البعض سلوكيات تقف تماما على النقيض من مصالحه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار